الفصل 17 | من 56 فصل

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة علي

المشاهدات
22
كلمة
7,205
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

كانت تتأمل هديته بسعادة بالغة، غير مستوعبة بعد مدى روعة ما أهداها إياه، عندما وجدت والدتها تدلف إلى المكان أخيرًا، يتبعها أخيها. أغلقت الهدية بسرعة ووضعتها جانبًا، ثم نهضت تحتضن أخيها وهي تردد بسعادة: "أشكرك على هديتك يا نديم.. أعجبتني حقًا." ربت على ظهرها وهي ما زالت تحتضنه، قبل أن يبعدها قليلاً وهو يهمس بصدق وحب: "تستحقين أكثر.. فأنتِ الغالية يا غالية."

ضحكت بسعادة على هذه العبارة التي كان دائمًا ما يرددها والدها، واليوم جاء دوره هو في ترديدها. نظرت إلى والدتها التي جلست جانبها تتأملهما بسعادة حقيقية. فرغم كل ما تمر به، إلا أن رؤية ولديها تجمعهما كل هذه المحبة والترابط تجعلها أسعد ما يكون. اتجهت غالية نحو والدتها تقبلها من وجنتيها وتشكرها على هديتها هي الأخرى، قبل أن تهتف مشيرة إليهما: "كانت حفلة رائعة، أليس كذلك؟! أومأ نديم برأسه وهو يجيب:

"نعم، رائعة ككافة حفلات أعياد ميلادك." أضافت غالية: "أشعر بالكثير من الإرهاق بعد هذا اليوم الطويل المتعب." سمعت والدتها تخبرها: "اذهبي وارتاحي.. خذي حمامًا دافئًا ثم نامي بعدها.. لقد تعبتِ كثيرًا اليومين السابقين في الإعداد للحفلة." شعرت غالية أن والدتها لا تريد منها أن ترتاح بقدر ما تريد منها أن تترك المساحة لتتحدث مع نديم. فمنحتها ابتسامة هادئة وقالت وهي تومئ برأسها:

"معك حق.. سأصعد إلى غرفتي وأخذ حمامًا طويلًا وأنام فورا بعدها." ثم عادت تقبل والدتها من وجنتيها وتودعها، ثم قبلت أخيها هو الآخر وتحركت خارج المكان، تاركة نديم مع والدته التي أشارت له بالجلوس أمامها. جلس نديم أمام والدته مبتسمًا بخفة، مرددًا بجدية: "قولي ما لديكِ.. أنا أعلم أنك تريدين قول الكثير." تنهدت والدته بصوت مسموع، ثم سألته بجدية: "ألا ترى إنك استعجلت بأمر إعلان خطبتك؟! ألم يكن من المفترض أن تنتظر قليلاً؟!

هز نديم رأسه نفياً ورد بسرعة: "أبدًا.. على العكس تمامًا، أنا اخترت الوقت المناسب لذلك." سألته بحذر: "إذا هل أنت واثق من مشاعرك يا نديم؟! هل أنت متأكد من خطوتك هذه؟! أجاب بصدق ظهر في عينيه: "أنا أريد حياة.. أريدها أكثر من أي شيء…" قاطعته والدته بتمهل: "أنا أتحدث عن مشاعرك يا نديم…" قاطعه هو بدوره: "دعي مشاعري جانبًا.. أنا أريدها بشدة ولا أريد غيرها." أخذت والدته نفسًا ثم قالت بتأني:

"كيف أضع مشاعرك جانبًا يا نديم وهي الأساس؟! سألها بجبين متغضن: "ماذا تقصدين؟! أجابت بجدية: "أنت تهرب من مشاعرك.. تحاول أن تسيطر عليها أو تخفيها تمامًا من خلال إدخال أخرى لحياتك.. أخرى ستتخذها مسكنًا لك ظنًا منك أنه من خلالها ستتخطى مشاعرك وتتناساها." قاطعها على الفور مدافعًا عن نفسه:

"كلا يا أمي، الأمر ليس هكذا بالطبع.. ليس هكذا أبدًا.. نعم مشاعري ما زالت ملك ليلى، لكن حياة ليست بديلاً أو مسكنًا كما تظنين.. حياة هي حياة جديدة أريد أن أعيشها.. حياة هي المنحة الإلهية التي أتتني في وقت كنت أحتاجها به أكثر من أي وقت آخر.. حياة هي الشيء الوحيد الذي أردته بكل ما في، وأنا أدرك جيدًا ما ستمنحني إياه وما بإمكاني أن أغدو معها وبوجودها." "وهي.. ماذا عنها؟! هل تعلم إنك ما زلت تحب ليلى؟!

هل تعلم إن مشاعرك نحوها هي حاجة لا أكثر؟! رد بعصبية خفيفة: "ليست مجرد حاجة.. أنا لا أحتاجها فقط.. علاقتي بحياة ورغبتي بها أكبر من مجرد احتياج.. شيء لا يمكنني وصفه.. لكنه شيء كبير ومهم جدًا.. أما عن مشاعري فهي تخصني لوحدي.. لا يحق لأحد محاسبتي عليها." هتفت صباح بقوة وسيطرة: "لا تكن أنانيًا يا نديم.. أنت تخطبها ومشاعرك ملك لأخرى.. هي تستحق أن تكون في قلبك ليس سواها أحد." تنهد بقوة ثم قال:

"أمي، أنا لم أخبرها إني أحبها.. لم آتِ على ذكر سيرة المشاعر من الأساس.. لم أخدعها." "إن سألتك عن مشاعرك ستخبرها الحقيقة إذا؟! كان سؤالها محيرًا ومربكًا، وظهرت الحيرة في عينيه. فابتسمت والدته بنظرة ذات مغزى وقالت: "هذا ما كنت أعنيه يا نديم، وهذا أكثر ما يخيفني." "مم.. تخافين بالضبط يا أمي؟! سألها حائرًا مرتبكًا، لتجيب بصدق:

"أخاف على تلك الفتاة التي أدخلتها في دوامة معقدة كهذه.. أخاف عليها أن تفيق يومًا على حقيقة إن لا مكان لها في قلبك.. أخاف عليها من انتهاء كل ما تريده وتحتاجه منها فيصبح وجودها باهتًا في حياتك.. لا أريد لها هذا لإنها لا تستحق هذا أبدًا.. هل فهمت مم أخاف يا نديم؟! هل فهمت يا بني؟!

ألقت كلماتها الأخيرة ونهضت من مكانها تتجه خارج الغرفة، يتابعها نديم بنظراته الزائغة وهو يشعر بمرارة شديدة في حلقه وشيء ثقيل يجثم على صدره بعدما سمعه من والدته. *** جلست على سريرها في غرفتها التي أعدتها والدتها لها، بعدما ارتدت بيجامتها الحريرية ورفعت شعرها القصير عاليًا على شكل كعكة صغيرة. تراجعت بجسدها إلى الخلف تفكر بما حدث اليوم وتصرف نديم الذي فاجأها للغاية. فلم تعرف ماذا تفعل وكيف تتصرف.

لم يكن أمامها سوى مسايرته فيما قاله، والمشكلة إن مسايرتها تلك تعني إن الخطبة ستتم في موعدها الذي حدده. تنهدت بتعب عندما سمعت صوت طرقات على باب غرفتها، فسمحت للطارق بالدخول. دلفت حنين إليها مبتسمة وهي ترتدي بيجامتها وترفع شعرها الطويل عاليًا. اتجهت تجلس بجانبها وهي تهتف بجدية: "الحفلة كانت جميلة." قالتها حنين وهي ما زالت تبتسم، لتومأ حياة برأيها وهي تؤيد حديثها: "نعم، هي كذلك." أردفت حنين بنفس الابتسامة:

"أنا سعيدة حقًا لأجلك.. لم أكن أتوقع أن يخطبك نديم اليوم تحديدًا.. لكن كيف سنخبر ماما بهذا الأمر؟! أليس من المفترض أن يخطبك منها؟! هزت حياة رأسها وقالت: "في الحقيقة لا أعلم ما يجب أن يحدث.. ولا أعلم كيف سأخبر والدتي بما حدث اليوم." تأملت حنين وجه أختها الذي لا يدل على أي فرحة بما حدث، فسألتها مستغربة: "ألستِ سعيدة يا حياة؟! صمتت حياة قليلاً ثم أجابت بصدق:

"الأمر ليس بكوني سعيدة أم لا.. الأمر يختلف تمامًا.. أنا حائرة ومترددة وأشعر إن كل شيء يحدث بسرعة غريبة.. أشعر إنني غير راضية عن كل هذا." أضافت بخفوت لم تسمعه حنين، التي تبدلت ملامحها السعيدة بخطبة أختها إلى أخرى واجمة: "أشعر إن كل شيء يحدث لغاية.. غاية يريدها هو، وأنا من سأحققها له ليس سواي." سمعت حياة حنين تسألها فجأة: "أنت تحبين نديم، أليس كذلك؟! ردت حياة بسرعة: "بالطبع أحبه.. أحبه كثيرًا."

"لماذا إذا تظنين إن الخطبة حدثت بسرعة؟! طالما تحبينه، أين تكمن المشكلة ولمَ التردد من الأساس؟! سألتها حنين بتعجب، لتصمت حياة ولا ترد. فتأملت حنين ملامحها المتجهمة لتسألها بجدية: "هل هناك ما تخفينه عني يا حياة؟! أقصد هل هناك شيء ما يخص علاقتكما يجعلك مترددة بل خائفة هكذا؟! تنهدت حياة ثم أجابت: "أنتِ لا تعرفين أي شيء عنا يا حنين.. لا تعرفين كيف بدأت علاقتنا بل كيف التقينا.. لا تعرفين ماضي نديم وما مر به." ابتلعت

حنين ريقها وسألتها بتوجس: "وما هو ماضي نديم يا حياة؟! أخبريني فشعور القلق داخلي يزداد بسرعة مخيفة." نظرت حياة إليها بتردد قبل أن تخبرها بخفوت: "نديم كان مسجونًا لسنوات.. مسجونًا بتهمة بيع مواد ممنوعة في صيدليته." صرخت حنين بعدم تصديق: "بيع ماذا؟! ومسجون أيضًا؟! يا إلهي…" قالت حياة بسرعة توبخها: "اصمتي يا حنين.. ستفضحيننا." تشنجت ملامح حنين وهي تسألها بعدم تصديق: "كيف تقبلين بشيء كهذا يا حياة؟!

كيف تقبلين أن تتزوجي بسجين سابق و..؟! قاطعتها حياة بسرعة مدافعة عنه: "نديم بريء.. لقد سجن ظلمًا.. أنا أثق بهذا أكثر من أي شيء." صمتت حنين ولم تتحدث، بينما أكملت حياة بقوة: "موضوع سجنه آخر ما يهمني.. فأنا أحبه وأثق ببراءته." سألتها حنين بوجوم: "إذا مالذي يهمك؟! أخفضت حياة وجهها قليلاً قبل أن ترفعه وتأخذ نفسها ثم تجيب:

"خطبته السابقة.. فهو كان خاطبًا لابنة خالته ويحبها بشدة، وأنا أشعر إنه ما زال يحبها رغم كل ما حدث بينهما." سألتها حنين بفضول: "ومالذي حدث بينهما؟! ترددت حياة قليلاً لكنها أجابتها: "فسخت خطبتها منه بعد دخوله السجن وتزوجت من أخيه." تمتمت حنين بعدم تصديق: "يا إلهي.. لا أصدق هذا." أضافت بضيق: "وطالما إنك تشعرين إنه ما زال يحبها، مالذي يجعلك تربطين نفسك به؟! توترت ملامح حياة وهي ترد:

"أنا أحبه يا حنين وهو اختارني بنفسه.. هو أرادني زوجة له.. ربما شعوري هذا غير حقيقي وربما ما يوجد داخله مجرد شوائب ماضي سيتخلص منها عاجلاً أم آجلاً." "في الحقيقة لا أعلم ما أقوله.. لكن الوضع يبدو لي معقدًا للغاية.. من جهة سجنه لسنوات وأسباب سجنه، ومن جهة مشاعره تجاه خطيبته السابقة والتي هي في نفس الوقت زوجة أخيه.. لا أعلم لماذا أشعر إنك ستدخلين في مشاكل وتعقيدات أنتِ في غنى عنها."

توقفت حنين عن حديثها تتأمل ملامح أختها المضطربة لتضيف بجدية: "وماذا عن والدتي؟! هل تظنين إنها ستقبل به زوجًا لك بعدما تعلم بأمر حبسه؟! هتفت حياة بسرعة مدافعة عنه بإستماتة: "أخبرتك إنه بريء، كما إنني كبيرة بما فيه الكفاية لاختيار شريك حياتي المناسب لي." هزت حنين رأسها بعدم اقتناع، قبل أن تتبادل نظرات ذات معنى مع أختها التي أشاحت بوجهها بعيدًا تحاول الهرب من نظرات حنين التي تخبرها بما تخشى منه. ***

ساعات طويلة مرت والنوم يجافيها، وعقلها لا ينفك عن التفكير بما حدث اليوم وما ينتظرها مستقبلاً. نهضت من فوق سريرها بملامح يسكنها الإرهاق، ومع هذا لم تستطع النوم. خرجت من غرفتها متجهة إلى الخارج، وتحديدًا إلى الحديقة الخارجية للفيلا. كانت حديقة الفيلا واسعة وجميلة، والجو رائع في هذه الأشهر من السنة، حيث الهواء الدافئ يلفحها قليلاً فيمنحها القليل من الإنعاش.

أخذت تسير في الحديقة المظلمة، ما عدا قليل من الضوء ينبعث من الأضواء المعلقة في أطراف المكان، وعقلها يعاود التفكير بنفس الموضوع. تذكرت كلمات حنين واستنكارها لما قالته وارتباطها بنديم رغم كل التعقيدات المحيطة به. تعترف هي بدورها بكل هذه التعقيدات، لكن هناك شعور قوي داخلها يخبرها إنها ستتجاوزها ويتجاوزها هو معها. شعورها يخبرها إنهما سيتحرران سويًا من كل مساوئ الماضي ويعيشان الحياة التي لطالما حلما بها.

ربما نديم يراها طوق نجاته من ماضيه المعقد وما يمر به، لكنه لا يعلم إنها ترى به حلم عمرها الذي انتظرته لسنوات. فهي دومًا ما كانت تؤمن بالحب والإرتباط برجل تحبه، رجل تحارب الحياة معه وتبني معه أسرة فشلت هي في الحصول عليها. كانت تبحث عن هذا الرجل دائمًا وكأنها تنتظر ظهوره، وعندما وقعت عيناها على نديم عشقته. عشقته بحق رغم كل شيء ورغم كل ظروفه وما عرفته عنه.

عشقته وهي تدرك إنها لن تعشق سواه، لذا وجدت إن عليها أن تحارب.. تحارب في سبيل العشق الذي لن يزورها مجددًا بعده. أخذت نفسًا عميقًا عدة مرات، ثم التفتت تهم بالعودة عندما اصطدمت بوجوده أمامها يرمقها بذات النظرات الغريبة التي لم ترتح لها مطلقًا. كتمت شهقة مذعورة كادت أن تخرج منها، بينما تحدث هو بصوت رجولي رخيم: "ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت من الليل؟! ألم تستطيعي النوم مثلي؟! ابتلعت ريقها وهي تجيبه:

"نعم.. فقدت قدرتي على النوم." سألها باهتمام: "كيف كانت حفلة اليوم؟! ردت بهدوء مصطنع: "جميلة." أومأ برأسه وهو يبتسم بخفوت، بينما تأملت ملامحه الوسيمة والحادة في نفس الوقت بتردد. "لقد مر الكثير على آخر مرة كنت فيها هنا." قالها ويبدو إنه يفتح معها مجالاً للحوار، وهي بطبيعتها العفوية سألته: "لماذا؟! متى آخر مرة كنت فيها هنا؟! رد وهو يزفر نفسه بعدما رفع بصره عاليًا يتأمل السماء المظلمة بنجومها اللامعة:

"لقد غادرت البلاد هنا في التاسعة عشر من عمري.. لأجل دراستي الجامعية.. ولم أعد حتى قبل يومين.. بقيت أكثر من ثمانية أعوام في الخارج." سألته باهتمام: "ألم تضجر هناك لوحدك؟! أخفض وجهه يمنحها ابتسامة خاصة وهو يجيب: "لم أكن لوحدي.. والدتي كانت معي وبعضًا من أقاربها." تمتمت بتفهم: "أها.. جيد." "وأنت..؟! أين كنتِ تسكنين سابقًا؟! مع والدك؟! أجابت وقد ظهر الحزن عليها تلقائيًا ما إن جلب سيرة والدها:

"نعم كنت أسكن معه.. كنا سويًا لوحدنا." بدا مترددًا وهو يقول: "كنتِ تقاطعين والدتكِ، أليس كذلك؟! تعجبت من معرفته، لكنها أومأت برأسها دون رد، ليتفهم رغبتها بعدم الحديث فيصمت هو الآخر رغم رغبته بالتحدث معها أكثر. وجدها تهتف ويبدو عليها الخجل: "حسنًا سأذهب إلى غرفتي.. عسى ولعل أستطيع النوم هذه المرة." ثم هتفت بنبرة رقيقة قبل رحيلها: "تصبحين على خير." تابعه ا وهي ترحل دون انتظار جوابه، ليهتف بخفوت وتثاقل:

"وأنتِ من أهل الخير.. يا حياة." دلفت حياة إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. جلست على سريرها تعبث في هاتفها عندما فوجئت به يتصل بها. اضطربت قليلاً لكنها أجابته أخيرًا، فسمعته يقول: "ما زلتِ مستيقظة حتى الآن." ردت: "نعم.. لم أستطع النوم رغم محاولاتي لذلك." "أنا أيضًا لم أستطع النوم." قالها بجدية، فسمع صوت تنفسها الثقيل، فسألها باهتمام: "ماذا كنتِ تفعلين إذا؟! ردت بصدق:

"كنت في الحديقة.. تمشيت قليلاً وتحدثت مع نضال ثم صعدت إلى غرفتي." "تحدثتِ مع من؟! سألها بغضب مكتوم، لتجيب ببساطة: "مع نضال.. ابن زوج والدتي.. رأيته في المشفى." قاطعها بضيق: "هل يقيم معكِ في نفس المنزل؟! أجابته ببديهية: "بالطبع.. أليس منزل والده؟! سألها مجددًا من بين أسنانه: "وهل ستبقين أنتِ مقيمة في منزل والدتي؟! ردت وهي تتنهد بصمت:

"لا أعلم.. يجب أن أتحدث مع والدتي بشأن هذا الموضوع.. أود كثيرًا العودة إلى منزلي فأنا لم أعتد على المبيت خارجه." قال بسرعة: "بالطبع يجب أن تعودي." "ماذا حدث يا نديم؟! هل يزعجك وجودي في منزل والدتي؟! سألته بتعجب، ليجيب بجدية: "يزعجني قليلاً.. فوجودك مع شاب غريب في منزل واحد لا يعجبني." هتفت بسرعة وعفوية: "لكن نضال يبدو شابًا محترمًا وهو ابن السيد أشرف وأخو حنين." هتف نديم بنزق: "وما علاقة هذا بما قلته؟!

أنا لا أحب أن تسكن خطيبتي في منزل مع شاب غريب عنها." ابتسمت وهي تقول: "لم أصبح خطيبتك بعد يا نديم." رد معاندًا: "ستصبحين بعد أيام قليلة." "لا أحب أن تتحكم بي." نطقتها بصدق، فرد بتجهم: "هناك أمور يحق لي التحكم بها يا حياة." شعرت بالتعب والرغبة في النوم تسيطر عليها، فهتفت تنهي الحوار بعدما زاغت عينيها بشدة: "تصبحين على خير يا نديم.. نتحدث لاحقًا إن شاء الله."

بالكاد استطاعت سماع صوته وهو يودعها، لتتثاءب بخفة قبل أن تسقط على سريرها نائمة بعمق. *** في صباح اليوم التالي. تجلس على مكتبها بانتهاش شديد، والتهاني تنهال عليها من أغلب الموظفين. عقلها ما زال شارداً في هدية البارحة، وقلبها يرفرف من السعادة كلما تذكرت كلماته. حملت هاتفها تتأمل رقمه الذي حصلت عليه من سكرتيرة عمار، تطالعه بتردد. تريد الاتصال به وشكره على هديته من جهة، وتتردد على فعل ذلك من جهة أخرى.

حسمت أمرها أخيرًا وضغطت على زر الاتصال، فهي يجب أن تشكره على هديته الغالية في كافة الأحوال. لحظات قليلة وجاءها صوته الرخيم، فتنحنحت تهتف بصوت مبحوح: "صباح الخير سيد فراس.. أنا غالية.. غالية الخولي." رد عليها بهدوء وترحيب: "أهلاً غالية هانم.. كيف حالك؟! سعدت باتصالك حقًا." ابتسمت بخفة وهي تجيب: "أنا بخير، وأنت بالتأكيد تعرف سبب اتصالي." رد مراوغًا: "أظن إنني أعرفه." ضحكت وهي تقول:

"لا داعي للمراوغة يا بك.. اتصلت بك لأشكرك على الطقم، رغم إنه لم يكن هناك داعٍ لهدية غالية كهذه." هتف بصدق: "الغالي لا نجلب له سوى الغالي مثله يا غالية." ابتسمت بصمت، بينما عقب هو على حديثه يسألها باهتمام واضح: "هل أعجبك الطقم حقًا؟! أجابت بصدق: "أعجبني كثيرًا، وأعجبني الكارت وما مكتوب فيه أكثر." رد بخفة: "كتبت ما أشعر به بكل عفوية ممكنة." ضحكت بخفة، بينما قال هو برجاء: "أريد رؤيتك الآن حالًا يا غالية أكثر من أي وقت."

أضاف بشوق ظهر جليًا في نبرته: "أريد رؤية وجهك الصبوح وطلتك البهية.. اسمحي لي بذلك." تنحنحت بتردد قبل أن تهتف بصوتها المبحوح قليلاً: "حسنًا.. أين تريد أن نلتقي؟! قال بسرعة ولهفة: "في أي مكان ترغبينه." ابتسمت وقالت: "هناك مطعم أحبه كثيرًا.. يمكننا أن نلتقي به." ثم أعطته اسم المطعم واتفقت على لقائه بعد ساعة. وبالفعل بعد حوالي ساعة دلفت غالية إلى المطعم لتجده يجلس على إحدى الطاولات ولم ينتبه لوصولها بعد.

سارت بخطواتها الأنيقة نحوه لينتبه لوجودها أخيرًا، فينهض من مكانه بلا وعي متأملًا طلتها الأنيقة الرائعة بإعجاب ظهر بعينيه البنيتين. وصلت إليه أخيرًا وهي تمنحه ابتسامة رقيقة وتمد يدها نحوه بتحية، فيلتقط هو يدها ويقبلها بخفة أرسلت القشعريرة داخلها. جلست أمامه بعدها تطالعه بقليل من الحرج، قبل أن تهتف بصدق: "ربما لم تصدقني لو أخبرتك إنها المرة الأولى التي أجلس بها مع شخص غريب في مكان عام." قال بسرعة:

"أصدقك بالطبع.. بل وأعلم هذا قبل أن تخبريني عنه." سألته باستغراب: "ومن أين تعلم؟! رد وهو يبتسم بثقة: "أعلم الكثير عنك يا غالية.. ولا تسألي من أين تعلم، فأنا لي مصادري الخاصة." لم يعجبها ما قاله، لكنها تجاهلته وهي تسأله: "إذا ما غايتك من رؤيتي..؟! لماذا أصررت على رؤيتي يا فراس؟! ابتسم مرددًا بهدوء: "ألم أخبرك إنني أشتاق لرؤية وجهك الجميل وطلتك الرائعة." حذرته بنبرتها القوية: "فراس!!

انتبه على كلامك، فأنا لن أقبل بأي من كلماتك السابقة وغزلك الفج." ضحك متراجعًا إلى الخلف قليلاً، ثم قال بصدق: "صدقيني أنا لست بهذه الوقاحة التي تظنينها.. لكن جمالك من يجبر الشخص على التحدث بطريقة كهذه.. ألا تدركين قيمة جمالك يا غالية؟! رفعت رأسها بشموخ تردد بثقة: "بل أدركه جيدًا." غمغم بخفوت: "إذا لماذا تلوميني على تغزلي بك..؟! كيف تريدين مني ألا أتغزل بك وأنا أمامي توجد أكثر امرأة جمالاً وأنوثة رأيتها في حياتي."

شعرت بالخجل يغزوها، لكنها تماسكت وهي تصر على رأسها: "حتى لو.. لا يجب أن تتحدث بهذه الطريقة الفجة.. طريقتك غير مقبولة إطلاقًا بالنسبة لي." هتف بصدق: "أعدك إنني لن أكررها.. صدقيني أنا لست هكذا دائمًا.. لا أعرف كيف أقنعك بهذا." ردت بحيادية: "دع الأيام والمواقف تثبت لي ذلك." ابتسم ثم أشار إلى النادل كي يجلب لهما قائمتي الطعام. بعد مدة اختار كل منهما ما يريده ودون النادل طلباتهما ورحل.

عاد ينظر إليها راسماً فوق ثغره ابتسامة صادقة، بينما تقابله هي بابتسامة خفيفة عندما وجدته يقول: "أنتِ لا تدركين مدى سعادتي بوجودنا سويًا هنا.. لم أصدق نفسي عندما وافقتِ على رؤيتي." ردت بصدق وبحة أنثوية مميزة: "في الحقيقة أنا ترددت كثيرًا في قبول عرضك، لكنني وجدت نفسي أرغب بإعطائك فرصة." "هذه فرصة لكلينا يا غالية، فأنا جدي للغاية وأرغب أن نتعرف على بعضنا جيدًا قبل أن نأخذ خطوة أكثر جدية مستقبلاً."

اضطربت قليلاً لكنها سيطرت على اضطرابها وهي ترد بثقة: "حسنًا.. سيكون أمامنا الكثير من الوقت لنتعرف على بعضنا.. لا مانع من ذلك طالما كل شيء يحدث في إطار لا يخلو من الصدق والاحترام." طالعها بإعجاب وهو يرى بها كل مميزات المرأة التي يحبها.. جمال وثقة وذكاء. لا يعلم لماذا تذكر أخرى لم تحمل كل تلك الميزات متجمعة فيها كغالية، لكنها سكنت قلبه وسيطرت عليه رغم كل شيء وما زالت تسكنه حتى الآن.

حاول طردها بعيدًا عن أفكاره والتركيز مع تلك الفاتنة التي تجلس أمامه، فهي من رحلت عنه واختارت تركه. أفاق من شروده على صوت رنين هاتفه، فأجاب بعدما اتسعت ابتسامته قائلاً: "أهلاً حبيبي.. حسنًا سأمر عليك اليوم.. سأجلب لك كل ما طلبته.. لا تقلق.. أوصل قبلاتي لجدتك." أغلق الهاتف وقال مشيرًا إليها: "هذا ابني.. يوصيني أن أجلب له ما طلبه صباحًا من ألعاب." شحب وجهها لا إراديًا وهي تسأله: "هل أنت متزوج؟! ضحك بخفة وأجاب:

"بالطبع لست متزوجًا يا غالية.. كنت متزوجًا.. أما الآن فأنا منفصل.. منفصل ولدي صبي في السادسة من عمره." فاجأها ما قاله، فلم تتوقع هذا عنه، وشعرت كأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسها. منفصل ولديه طفل أيضًا.. يا لحظها العاثر. حاولت رسم ابتسامة مصطنعة على ثغرها تخفي بها شعورها هذا، فخرجت ابتسامتها مرتعشة قليلاً كارتعاشة جسدها عندما سمع ما قاله. *** دلفت حياة إلى صالة الجلوس حيث تجلس والدتها مع أختها.

استقبلتها والدتها بابتسامة سعيدة مرحبة عندما سألتها وهي تبتسم لها بدورها: "كيف أصبحت اليوم؟! أجابتها والدتها وهي تعتدل في جلستها، حيث تستدير نحو الكرسي الذي جلست عليه هي: "بأفضل حال طالما أنتِ معي." ابتسمت حياة بخفة، بينما قالت حنين وهي تنهض من مكانها بحماس: "سأعد لكما عصير البرتقال الطازج.. كنت أنتظر قدومك كي نتناوله سويًا." "حسنًا." قالتها حياة بابتسامة، لتخرج حنين من المكان، فتبتسم حياة لوالدتها بتردد واضح.

سألتها والدتها باهتمام: "هل تودين قول شيء ما يا حياة؟! تبدين متوترة على غير العادة." تنحنحت حياة وقالت بعد لحظات: "تعرفين نديم، أليس كذلك؟! أومأت والدتها برأسها وهي تهمس بتذكر: "ذلك الشاب الذي كان والدك يعمل في منزله." هزت حياة رأسها ترد: "نعم.. هو بذاته." "ما به؟! سألتها والدتها، لتجيب حياة: "تقدم لخطبتي… وأنا وافقت." صمتت قليلاً ثم أضافت: "وأنا وافقت." صمتت والدتها قليلاً تتأمل ملامح ابنتها المحرجة، لتبتسم محاولة

إزالة الإحراج من عليها: "حسنًا.. من الطبيعي ألا تفكري بأخذ رأيي، فنحن لم نكن نتحدث سويًا قبلها و…" قاطعتها حياة بجدية: "أنا آسفة، لكن كل شيء حدث بسرعة." ابتسمت والدتها مرددة بتسامح: "لست منزعجة منك." أضافت تسألها بحماس وهي تقبض على كفيها: "أخبريني.. هل تحبينه؟! أومأت حياة برأسها بخجل، ثم قالت بجدية: "هناك أمر هام يجب أن تعلمينه بخصوص نديم." حدقت والدتها بها باهتمام، لتقول حياة بتردد واضح:

"نديم كان مسجونًا لعدة سنوات." جحظت عينا والدتها وهي تردد بعدم تصديق: "كان ماذا؟! مسجونًا؟! هزت حياة رأسها دون رد، لتسألها والدتها بصوت مرتجف: "لماذا؟! ما هي تهمته؟! أجابتها حياة بصعوبة: "بيع مواد مخدرة وممنوعات في صيدليته." أضافت بسرعة: "لكنه بريء.. أنا أثق بهذا." طالعتها والدتها تردد مستنكرة: "كيف توافقين عليه يا حياة؟! خريج سجون؟! وبالطبع تم سحب رخصة الصيدلة منه ولا يمكنه مزاولة مهنته مجددًا."

أومأت حياة برأسها وهي تخفض بصرها للأسفل، لتسألها والدتها بضيق: "هل أنتِ واعية لتصرفك؟! هل تستوعبين ما أنتِ مقبلة عليه؟! كيف توافقين أن تربطي حياتك بشخص مستقبله مجهول بل لا مستقبل له." رفعت حياة بصرها تدافع عن نديم بقوة:

"نديم سيبني مستقبلاً جديدًا لها بعيدًا عن مهنته الأصلية.. هو ليس أول من يمر بشيء كهذا… وهو مظلوم.. مظلوم يا ماما، وأنا بالطبع لن أتخلى عنه وأظلمه كالبقية.. أنا سأقف معه وأساعده في إحياء مستقبله من جديد." أضافت بجدية وإصرار: "أنا أحبه ماما.. أحبه كثيرًا.. أحبه ولن أحب غيره، ولهذا سأقف معه دائمًا وأتقبله كما هو بكل ما فيه." نظرت والدتها إليها بعدم رضا، بينما نهضت حياة من مكانها وقالت بحسم:

"أنا أخبرتك بوضعه وما حدث معه مسبقًا، وأخبرتك أيضًا إني متمسكة به حتى آخر رمق.. القرار لكِ بعد الآن.. إما أن تتقبلين ارتباطنا وتباركيه، أو ترفضيه تمامًا.. في الحالتين أنتِ حرة في قرارك." رحلت بعدها، تاركة والدتها تتابعها بملامح مكفهرة غير مصدقة بعد ما سمعته من ابنتها الكبيرة. *** كانت تسير داخل غرفتها ذهابًا وإيابًا وهي تفكر بما حدث البارحة. لقد أعلن خطبته منها، بل حدد الأسبوع القادم موعدًا لحفل الخطبة.

داس عليها بكل قسوة ممكنة وأعلن ذلك أمامها، غير مبالٍ بها وبمشاعرها. كيف طاوعه قلبه على ذلك..؟! كيف استطاع فعلها..؟! أدمعت عيناها مجددًا وكأنها لم تكتفِ من بكائها طوال الليلة السابقة. هطلت دموعها بغزارة وهي تشعر بروحها تختنق بشدة، فحب عمرها يضيع من بين يديها ويذهب لأخرى. زفرت أنفاسها وهي تمسح دموعها بأناملها، تحاول أن تسيطر على نفسها، فالبكاء لن ينفعها.

عليها أن تكون قوية وتحارب في سبيل عشقها، لا أن تبقى في مكانها تبكي وتندب حظها. توقفت عن البكاء أخيرًا، وفي عينيها تصميم وعزم. سارت نحو خزانة ملابسها وأخرجت لها ملابس أنيقة بدأت في ارتدائها. وضعت المكياج الذي يخفي آثار بكائها، ثم رفعت شعرها الأشقر عاليًا وحملت حقيبتها وخرجت من المكان.

حمدت ربها إنها لم تقابل أحدًا من عائلتها في طريقها، فلا ينقصها أن تسمع عبارات المواساة من أي منهم، خاصة بعدما فعلته البارحة ورحيلها منهارة من الحفلة بشكل مخزٍ ستأخذ وقتًا طويلاً حتى تتجاوزه. ركبت سيارتها وقادتها متجهة حيث شركته. وصلت إلى هناك بعد مدة وهبطت منها متجهة إلى مكتبه. دلفت إلى الداخل بعدما سمحت السكرتيرة لها بالدخول، لينهض من مكانه مستقبلاً إياها بابتسامة واسعة مستفزة، مرددًا بشماتة:

"كنت أعلم إنك ستأتين بعدما حدث البارحة.. الموقف كان صعبًا للغاية.. أعلم ذلك." سألته بملامح مستنفرة: "متى ستطلقني؟! أجاب ببرود: "أخبرتك مسبقًا.. سأطلقك عندما يحين الوقت المناسب." هتفت بتهكم: "الوقت المناسب سيأتي عندما يتزوج نديم من تلك الفتاة." "ذكية يا لولا." رددها عمار بسخرية، لتهتف وهي تكز على أسنانها بغيظ: "ألن تتوقف عن حقارتك مهما حدث..؟! ألا يكفيك ما فعلته بنا جميعًا حتى الآن؟! هتف بلا مبالاة وهو يتأملها بقوة:

"أنا لم أجبرك على شيء يا ليلى.. ارفعي دعوة طلاق كما تريدين.. اذهبي وأخبري نديم الحقيقة.. لكن دون أن تلوميني على ردة فعلي." أضاف وعيناه تسيران على ملامح وجهها الكارهة بتمهل: "لا تلوميني عندما أسجن والدك، ولا تلوميني عندما أؤذي أحدًا من أفراد عائلتك.. أنت تدركين جيدًا إنه بإمكاني فعل الكثير." أومأت برأسها تكتم غضبها بصعوبة:

"نعم أعلم.. أعلم مقدار إجرامك.. أعلم مدى قذارتك.. أعلم إنك تفعل كل شيء قذر وحقير ممكن.. لا تقلق يا عمار.. أنا أكثر من يعلم هذا." "جيد لولا.. أنت تعلمين كل هذا والقرار في النهاية لكِ." احتدمت نظراتها كليًا وهي تطالعه، قبل أن تقترب بوجهها من وجهه تهمس له بقوة: "ستدفع ثمن كل هذا غاليًا يومًا ما يا عمار.. أعدك بهذا."

ثم اندفعت خارجة من المكان، متجاهلة دموعها التي تساقطت من عينيها بغزارة، يتابعه هو بنظراته المتهكمة، قبل أن تدلف سكرتيرته تخبره بقدوم ضيوفه وهما راغب ومهند الهاشمي. *** كان عمار يجلس على مكتبه، مقابله يجلس كلا من راغب ومهند يتبادلان النظرات، بينما عمار يتابعهما ببرود. نطق عمار أخيرًا: "إذا أنت موافق على الزواج من أختي يا مهند؟! أجاب مهند من بين أسنانه وهو يرمق أخيه بنظرات حانقة: "نعم موافق."

نظر عمار إلى راغب وقال مشيرًا إليه: "راغب بك.. الزواج مقابل ملكية الشركة.. بمجرد زواج مهند من جيلان ستحصل على ملكية شركة عمك الراحل، هذا بالنسبة لكم. أما بالنسبة لجيلان…" صمت قليلاً ثم قال وهو ينظر إلى الأخوين: "فهناك شروط تخص هذه الزيجة يجب أن يعلم بها مهند وأنت أيضًا." "أية شروط؟! سأله مهند بضيق، ليبتسم عمار ببرود وهو يجيب:

"مبدئيًا أملاك جيلان المتبقية ستبقى تحت تصرفي حتى تبلغ عامها الحادي والعشرين وتتصرف هي بها كما تشاء.. وهذا سيتم تسجيله بعقد صريح وواضح." رد مهند بلا مبالاة: "لا تهمني أملاكها في جميع الأحوال." "جيد." قالها عمار باقتضاب، قبل أن يضيف:

"ستتزوج منها لمدة لا تزيد عن عامين.. حيث ستقضي عامها الدراسي الأخير في الثانوية كزوجة لك، وما بعدها من فترة تسبق الجامعة.. بعد دخولها الجامعة ستطلقها بكل هدوء، ولن نطالب بأي حقوق تخصها من مؤخر صداق وغيرها." هتف راغب نيابة عن أخيه: "ولكن نحن سنكتب لها مؤخر صداق يليق بها كإحدى بنات الهاشمي." قاطعه عمار بفتور: "هذا شيء خاص بكم.. إن أردتم ذلك فلن أمنعكم بالطبع." أضاف بعدها بجدية:

"من حديثي قبل لحظات واضح جدًا إن أكثر ما يهمني مستقبلها الدراسي.. لذا ستجلب لها مدرسين خصوصيين في جميع المواد الدراسية يتابعون معها دراستها، ولن تبخل عليها بأي شيء يخص الدراسة." أومأ مهند برأسه على مضض، بينما أكمل عمار بنبرة بدت أكثر قوة هذه المرة:

"والأهم من هذا كله.. ستعدني ألا تسمح لأيًا كان أن يؤذيها ولو بكلمة.. ستحميها من الجميع وتحافظ عليها جدًا.. لن يؤذيها أو يجرحها أي أحد.. لن أقبل أن تتألم أو تجرح أو تهان، وإذا حدث ذلك فتصرفي حينها لن يعجبك يا مهند.. وأنت يا راغب بك شاهد على حديثي." هتف راغب بجدية: "جيلان ابنة عمنا يا عمار.. تهمنا كثيرًا مثلما تهمك.. لن يمسها أحد بسوء.. كن واثقًا من ذلك." هتف مهند بنفاذ صبر من هذا المتعجرف وأسلوبه الذي لا يطاق:

"هل هناك شروط أخرى؟! أومأ عمار برأسه وقال: "نعم.. آخر شرط." صمت قليلاً ثم قال: "لن تلمسها أبدًا." هتف بها عمار بغلظة، ليسأله مهند بعدم إدراك لمقصده: "عفوًا؟! كرر عمار حديثه بقوة وثبات: "لن تلمس جيلان مهما حدث.. لن تقترب منها طوال فترة زواجكما.. زيجتكما ستكون على الورق فقط." تبادل مهند مع أخيه نظرات غير مصدقة، قبل أن يعاود النظر إلى عمار مرددًا ببلاهة: "هل تمزح معي؟! لكن عمار حافظ على جديته وهو يضيف بتحذير:

"وإن فعلتها يومًا ولمستها يا مهند فسأقتلك بيدي هاتين.. هما عامان فقط بل أقل، ويذهب كلا منكما لحال سبيله.. عامان لن تقترب منها ولو بالخطأ حتى." تجمدت ملامح مهند تمامًا وهو يرد بجفاء: "لا تقلق.. لم أكن أنوي فعل ذلك من الأساس.. فأنا لا أهوى معاشرة القاصرات." "هذا رائع." قالها عمار بصلابة، قبل أن يضيف بابتسامة رسمية لا تخلو من التصنع: "اتفقنا إذا." *** دلف عمار إلى غرفتها بعدما طرق على الباب بخفة.

تأملها وهي تجلس على سريرها ترسم على إحدى الأوراق البيضاء، وتركيزها بالكامل منصب على تلك الورقة. "جيلان.. أريد الحديث معك." قالها بصوته الرخيم، لتنتبه إليه فترفع وجهها نحوه تقابل ملامحه الصلبة، ليتقدم نحوها ويجلس جانبها متأملًا تلك الورقة بما تحويه من شخابيط لا تعني شيئًا. نظرت إليه جيلان بتساؤل، فهتف بصوت متحشرج قليلاً لا يخلو من التردد: "ستتزوجين ابن عمك…" تشنجت ملامحها كليًا، ليخرج صوتها أخيرًا يتسائل بضعف:

"ماذا قلت؟! كرر ما قاله بقوة أكبر: "قلت ستتزوجين ابن عمك مهند يا جيلان." هزت رأسها نفيًا تعترض على حديثه رغم ضعفها الواضح: "كلا.. أنا لا أقبل.. مستحيل." قبض عمار على ذراعها يخبرها بجدية وصدق: "جيلان اسمعيني.. هذا أفضل لك.. أنا أحاول أن أرد لك شرفك وكرامتك من خلال هذه الزيجة." "أنت تذبحني مجددًا." قالتها ببرود سيطر عليها فجأة، ليهتف برجاء يصدر لأول مرة منه:

"افهميني من فضلك.. أنا أفعل كل هذا لأجلك.. أنت يجب أن تتزوجي.. لا حل آخر أمامنا سوى هذا." هتفت والدموع بدأت تملأ عينيها وشفتاها أخذتا ترتجفان: "لا أريد.. لا أريد أن أتزوج.. ولا أريد أبناء أعمامي.. أنا لا أحبهم أصلًا.. أكرههم جميعًا." "جيلان.. ثقي بي من فضلك." انتفضت من مكانها تهتف بدموع لاذعة:

"أنت تريد التخلص مني.. تريد إعطائي لهم كي تتخلص من مسؤوليتي التي تزعجك.. تريد تسليمي لأولئك الذين يكرهوني ويكرهون والدتي أكثر من أي شيء." أضافت باكية: "سيؤذوني يا عمار.. سيعذبوني." تقدم عمار نحوها قابضًا على كتفيها بقوة مرددًا:

"أقسم لك إنني أفعل ذلك لأجلك.. أنا لا أريد التخلص منك يا جيلان.. أنا أريد مساعدتك.. أريد أن تستعيدي شرفك كي تستطيعي العيش برأس مرفوع.. زواجك من ابن عمك هو الحل.. وأنا أعدك إنه زواج مؤقت سينتهي بأسرع وقت، ولكنك ستكسبين نفسك بعدها." هزت رأسها نفيًا وهي لا تتقبل فكرة الزواج أبدًا، بينما أضاف عمار بتأكيد:

"لن أسمح لأيًا منهم أن يؤذيكِ.. لن يستطيعوا فعل ذلك لإنني سأعاقبهم بقسوة إن فعلوا.. سأكون جانبك في جميع الأحوال.. تأكدي من ذلك." "لا أريد.. لا أريد أن أتزوج.. اتركني هكذا.. لا أريد أي شيء." قالتها بإصرار باكي، ليتنفس بصعوبة ثم يصرخ بها غاضبًا: "ماذا تريدين إذا..؟! تبقين هكذا..؟!

تعتزلين العالم في غرفتك بعدما فقدتِ شرفك.. تريدين أن تبقي بلا شرف.. نحن في مجتمع لن يتقبل ما حدث لك مهما حدث.. تريدين البقاء طوال حياتك تعانين من عار ما حدث لك." انتفض من مكانه قابضًا على ذراعها بقسوة مرددًا بعصبية مخيفة: "أخبريني من فعل ذلك.. أعطيني اسمه.. أخبريني هيا.. سأقتله.. لن أرحمه." "لا أعرفه.. لا أعرفه.. أخبرتك بذلك."

صرخت بها بأعلى ما يمكن، قبل أن تسقط أرضًا وهي تضرب صدرها بوجع وانهيار، ليتأملها عمار بألم شديد، قبل أن ينحني نحوها محاولًا احتضانها، فتدفعه بقوة. كرر محاولاته لأكثر من مرة حتى استجابت له أخيرًا وقد فقدت قوتها تمامًا وبدأت في فقدان وعيها تدريجيًا. وقبل أن تفقد وعيها بين ذراعيه كان آخر ما رددته: "لا أعرفه.. لا أعرفه.. لا أريد الزواج.. لا تزوجني منه." ***

فتح نديم باب شقته ليجد ليلى أمامه تطالعه بنظرات ثابتة تخفي خلفها الكثير. "ليلى." همس بها بتردد، لتدلف إلى الداخل وتغلق الباب خلفها جيدًا، قبل أن تشير إليه أن يتقدم إلى الداخل ليتحدثا. سار خلفها حتى وقفا في منتصف صالة الجلوس، حيث استدارت له تسأله بقوة وثبات رغم ألمها الشديد منه: "لماذا فعلت هذا..؟! لماذا يا نديم؟! سألها بعدم فهم: "عن ماذا تتحدثين بالضبط يا ليلى؟! ردت بنفاذ صبر:

"أتحدث عن خطبتك من تلك الفتاة.. لماذا تفعل بي هذا؟! هل تحاول أن تنتقم مني من خلالها؟! رد بجدية رغم ضيقه من تفكيرها هذا: "أنتِ أكثر من يعلم إنني لا أفكر بهذه الطريقة ولن أفعل.. أنا أريد حياة زوجة لي ولهذا خطبتها." "أنت تدمر نفسك وتدمرني معك وتدمرها هي أيضًا." قالتها بجدية، قبل أن تضيف بعتاب مؤلم: "تتخلى عن حبنا بكل قسوة ممكنة." "حبنا." هتف بها ساخرًا، قبل أن يضيف:

"حبنا لم يعد موجودًا يا ليلى.. حبنا انتهى منذ زمن.. أنتِ قتلتِ حبنا بما فعلتيه.. قتلتيه عندما تزوجت بآخر.. آخر كان أخي." صاحت بدموع حارقة: "كنت مجبرة.. مجبرة وأنت أكثر من يعلم هذا." "وهذا لن يغير من حقيقة إنك أصبحتِ ملكًا لأخي.. لن يغير من هذه الحقيقة شيئًا." قالها بخيبة واضحة، لتهتف بأسى: "لم أكن ملكه يومًا يا نديم.. كنت لك دائمًا.. ملكك أنت حتى وأنا على ذمته." منحها ابتسامة متهكمة، لتجد نفسها تهتف بلا وعي:

"أنا لم أصبح ملكًا لغيرك يا نديم أبدًا.. حتى إنني لم أمنح نفسي لعمار ولا مرة واحدة طوال تلك السنوات." تغضنت ملامحه بقوة وهو يسمع ما تقوله، فسألها بارتباك: "ماذا تقصدين؟! ردت بصلابة: "أقصد ما فهمتِه.. زيجتي من عمار لم تكن حقيقية أبدًا.. كانت على الورق فقط.. طوال سنوات لم أسمح له أن يمتلكني.. وعندما كاد أن يفعلها طعنت نفسي.. فضلت الموت على أن أكون له."

هز رأسه نفيًا يرفض تصديق ما تقوله.. هل زواجهما كان على الورق فقط..؟! هل حاولت الانتحار يومها لهذا السبب..؟! سمعها تضيف والدموع الحارقة تتحرر من عينيها وتسقط فوق وجنتيها بغزارة: "لم أكن أسمح لنفسي بأن أكون ملكًا لغيرك.. لم أكن لأسمح بهذا أبدًا ومهما حدث.. فأنا لك أنت فقط يا نديم.. لك وحدك وللأبد."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...