الفصل 13 | من 56 فصل

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة علي

المشاهدات
26
كلمة
7,706
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18
مر الوقت عليها بطيئًا للغاية. عقلها يصور لها أفظع الأشياء وقلبها يبكي دمًا على من تسببت في أذيته بسبب تهورها وعنادها. كان عليها أن تتوخى حذرًا منه، وهي تدرك مدى حقارته وشيطنته. كان عليها أن تفكر جيدًا قبل أن تخطو خطوة كهذه. بالكاد سيطرت على دموعها التي هددت بالهطول وهي تقف في منتصف الممر المؤدي إلى الغرفة التي يوجد بها أكرم وحوله مجموعة من الأطباء. انتبهت أخيرًا إلى والديها اللذين تقدما نحوها بقلق بعدما اتصلت هي بهما تخبرها بما حدث بشكل مختصر. "ماذا حدث؟ وكيف هو وضع أكرم؟" سألها والدها بخوف شديد على ابن أخيه وهو يتأمل وضعها السليم تمامًا، بينما والدتها تحتضنها برفق، فتجيبه مريم بنبرة ضعيفة: "لا أعلم، الأطباء معه الآن." ثم هطلت دموعها على وجنتيها بغزارة، فأخذت والدتها تحتضنها وهي تحاول تهدئتها، عندما عاد والدها يسألها: "ماذا حدث بالضبط يا مريم؟ من فعل به هذا؟" ابتعدت مريم قليلًا من بين أحضان والدتها، تنظر إليه برعب لا إرادي، بينما نهرته والدتها بضيق: "هذا ليس الوقت المناسب لسؤال كهذا، دعنا نطمئن على أكرم أولًا ولكل حادث حديث." عادت مريم تلقي نفسها بين أحضان والدتها محاولة الهرب بعيدًا عن أسئلة والدها التي لا طاقة لها أبدًا لسماعها. انتفضت بعيدًا عندما وجدت الطبيب يخرج من الغرفة الموضوع بها أكرم، لتركض نحوه تسأله بلهفة وخوف نابع من أعماقها: "كيف وضعه؟ هل هو بخير؟" منحها الطبيب ابتسامة هادئة وهو يجيب: "بخير، صحيح تعرض للعديد من الكسور والإصابات في مختلف أنحاء جسده، لكن الحمد لله لم تتأثر أعضاؤه الحيوية بها." تنهدت براحة، بينما أضاف الطبيب بجدية: "سيبقى في المشفى لعدة أيام حتى تشفى أغلب كسوره تمامًا." هزت مريم رأسها وهي تردد بلهفة واضحة: "بالطبع، بالطبع سيبقى." ثم سارعت تجلس على أحد الكراسي الموضوعة جانبها ودموعها تتساقط على وجنتيها من جديد. أرعبتها فكرة أن يصيبه شيء بسببها، وهي التي تبجحت وتحدت ذلك اللعين دون أن تضع حسابًا لما سيصدر منه. والأسوأ من ذلك، إنه هددها بكل وضوح، ومع ذلك عاندت وأبت أن تستمع لتهديداته، وها هو أكرم يدفع ثمن عنادها الغبي. شعرت بكف والدتها تربت على كتفها محاولة التهوين عليها ببعض الكلمات، بينما والدها يجري اتصالًا مع عمها في الخارج يخبره بما حدث. بعد مدة قصيرة، طلبت منها والدتها مغادرة المشفى معهما، فلا داعي لبقائها معه، وهو سيبقى الليل بأكمله نائمًا غير واعٍ لأي شيء كما أخبرهم الطبيب، لكن مريم أبت ذلك، حيث رددت بإصرار لا يقبل جدال: "لن أتركه حتى يستيقظ غدًا وأطمئن عليه." وبالفعل، اضطر والداها للمغادرة بعدما أخبروها إنهما سيكونان عندها غدًا باكرًا. قضت مريم الليل بأكمله معه، تبكي أحيانًا وتهدئ أحيانًا أخرى، حيث تفكر لا إراديًا بعمار وهوسه الشديد بها. نعم، لقد أدركت الآن إنه مهووس بها بشكل لا يقبل جدال. مثلما أدركت كم إنه رجل مجرم ومخيف، مرعب في ردود أفعاله المتطرفة. أخذت طوال الليل تفكر في كيفية التصرف مع شخص مثله. شخص لا يرحم، لا يهدأ، ولا يبالي. ولأول مرة تفهمت ليلى واستوعبت سبب تصرفها الذي كان مجنونًا من وجهة نظرها. ليلى كان معها الحق فيما فعلته، فلولا زواجها منه لربما كان نديم في عداد الموتى الآن، وبالرغم من رفضها القاطع لتضحية أختها بحياتها في سبيل الحفاظ على حياة آخر، لكنها تتفهم موقفها، ففكرة أن يتعرض شخص للأذى بل الموت بعدما رفضت أنت إنقاذه تبدو صعبة بل مرعبة. كانت الأفكار تنهشها بلا رحمة وعقلها يصور لها الكثير. بعد هذه الحادثة، لم يعد أي شيء كالسابق، وعمار بات واضحًا في تصرفاته وردود أفعاله، فالقناع الذي كان يرتديه في بادئ الأمر خلعه ليظهر وجهه الشيطاني بكل وضوح، متبجحًا هو به دون أدنى تردد أو خجل. وهل يعرف أساسًا شخص مثله الخجل؟ انقشع ظلام الليل وحل الصباح أخيرًا، وهي ما زالت مستيقظة تمامًا. جاءت الممرضة للاطمئنان على أكرم، وبعدها الطبيب، حيث استيقظ أكرم أخيرًا وقد بدا الألم والضعف واضحًا عليه. جاء والداها ومعهما ليلى للاطمئنان عليه، بينما اتخذت هي ركنًا بعيدًا تراقب ألمه الذي تشعر به ينخر قلبها دون رحمة، مذكرًا إياها كل لحظة بأنها السبب في كل هذا. وأخيرًا، استطاعت الخروج من المشفى بعدما تحججت بذهابها إلى منزل أكرم لتجلب بعض احتياجاته، لكنها في الحقيقة كانت تستعد للذهاب إليه ومواجهته. مواجهة تدرك إنها خاسرة، لكنها لن تكون مريم إن بقيت في المشفى تبكي بين جدرانها وتندب حظها. دلفت إلى شركته بملامح تقطر غضبًا. وبالرغم من ملامحها المنهكة وهيئتها المبعثرة، كانت تبدو في أوج قوتها وتحفزها. اتجهت نحو المصعد ودخلته لتضغط على زر الطابق الذي يوجد به مكتبه. خرجت بسرعة منه متجهة إلى مكتبه، عندما وقفت السكرتيرة في وجهها تخبرها وهي تشير إلى الغرفة المجاورة لغرفة مكتبه: "عمار بك لديه اجتماع الآن." "ابتعدي عن وجهي." قالتها وهي تندفع نحو قاعة الاجتماعات غير آبهة بأي شيء، ليتجمد مكانه للحظة وهو يراها تتقدم نحوه بنظرات مشتعلة متحفزة، قبل أن تنقض عليه غير مهتمة بمن يوجد في الغرفة من موظفين ومدراء أقسام. "أيها النذل الحقير، سأقتلك بيدي هاتين وأخلص العالم من شرك." حاول الثبات أمام جميع الأنظار المتجهة نحوه بدهشة وعدم تصديق، فهدر بصوت ثابت قوي: "اخرجوا جميعًا من هنا، هيا ماذا تنتظرون؟" خرج الجميع بسرعة لتبقى هي لوحدها معه. "اهدئي يا مريم، اهدئي." قالها ببرود يحسد عليه، وهي ما زالت تقبض على ياقة قميصه بعنف، فصرخت بعصبية مجنونة: "كاد أن يموت بسببك، بسببك أنت." قبض على كفيها اللتين ما زالتا ممسكتين بياقة قميصه مرددًا بهدوء: "لكنه لم يمت، وكوني على ثقة إنني لم أكن أنوي قتله، ما حدث مجرد تحذير بسيط لا غير." ابتعدت عنه بيدين مرتجفتين تهتف بخوف حقيقي: "أنت لا يمكن أن تكون طبيعي، أنت..." توقفت لا تستطيع إكمال حديثها، وقد هطلت دموعها على وجنتيها بغزارة أخيرًا، فما حدث فاق قدرة تحملها. نهض من مكانه ووقف أمامها مرددًا وهو يحاول احتضان وجهها: "اهدئي يا مريم، هو بخير، اطمئني." دفعته وهي تقول بضعف: "ابتعد عني، اتركني وشأني." ثم سارعت تجذب منديلًا ورقيًا تجفف به دموعها، فهي لا ترغب أن يرى مدى ضعفها بعد كل ما مرت به طوال ليلة البارحة. "هل أصبحت أفضل؟" سألها بنبرة ناعمة وهو يتأمل وجهها الذي استعاد قليلًا من هدوئه وطبيعته المعتادة، لترفع عينيها نحوه بصمت قبل أن تومئ برأسها دون رد، وهي تفكر إن شخصًا كهذا يجب أن تتعامل معه بطريقة مختلفة. طريقة لا تشبه تحديها وتهورها. "جيد." قالها بهدوء، لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تسمعه يسألها باهتمام: "هل ترغبين بشرب شيء ما؟ تبدين مرهقة." ردت بسرعة: "لا أريد، يجب أن أذهب." وقبل أن تتحرك، كان يقبض على شعرها بقسوة جعلتها تصرخ وجعًا، قبل أن ينحني هامسًا بجانب أذنها: "إلى أين يا صغيرة؟" نظرت له بدهشة من تغير حاله في لحظة واحدة، لتسمعه يهتف بنبرة قاسية متوعدة: "ستأخذين عقابك كاملًا طالما أصبحت بخير." وقبل أن تستوعب ما يحدث، كان يدفعها على الحائط خلفها، قابضًا على فكها بأنامله التي كادت أن تكسر عظام فكها، بينما لسانه يردد بصوت مخيف: "كيف تجرؤين على الدخول هنا والتسبب بفضيحة كهذه لي؟" همست بضعف وهي تحاول دفعه دون فائدة: "ابتعد، أرجوك." لكنه لم يبال بكل هذا، وهو يقرب وجهه من وجهها، لتشعر بأنفاسه الكريهة تلفح وجهها، قائلًا بصوته القاسي: "ماذا تظنين نفسك يا صغيرة؟ هل تظنين إنك قادرة على أن تتحديني؟ هل تظنين إن هناك مخلوقًا على وجه الأرض يستطيع الوقوف في وجهي؟ أيتها البلهاء الغبية، كنت أظنك أذكى يا مريم، لكنك أثبتِ لي إنك لست سوى حمقاء صغيرة تتصرف برعونة وطيش." اشتعلت عيناها من تلك الكلمات الغبية التي يطلقها عليها. حاولت أن تدفعه، لكنه شدد من قبضته، لتصرخ وجعًا، فيكفي ما مرت به الليلة السابقة ليأتي هذا الحقير ويضاعف من ألمها الجسدي. "أرجوك..." همستها مجددًا والدموع بدأت تأخذ طريقها على وجنتيها، لتجده يحرر فكها أخيرًا، لكن سرعان ما قبض على عنقها بقوة مخيفة، وهو يهتف بقوة وتجبر: "إياك أن تكرريها يا مريم، إياك أن تتحدي عمار الخولي مهما حدث، لإن النتيجة ستكون سيئة للغاية، أسوأ مما تتصورين." كان يتحدث ببطء، بينما عيناها جحظتا تمامًا ورغبتها في الحصول على الهواء وصلت أوجها. شعرت إنها ستموت لا محالة، قبل أن يحرر رقبتها أخيرًا، لتنتفض بسرعة وهي تسعل بشدة. توقفت عن سعالها أخيرًا وهي تشعر بروحها تعود إليها، لترفع وجهها المفزوع نحو وجهه الذي ينظر إليها بكل قوة وصلابة ممكنة، فتسارع للخروج من مكتبه ركضًا، غير مبالية بأي شيء، فهي الآن لا تريد سوى الفرار من جحيمه، ولكن قبل أن تتخطى مكتب سكرتيرته، كان تسقط أرضًا فاقدة الوعي. ركض خارج القاعة نحوها ما إن سمع صوت سكرتيرته تصرخ بفزع، ليجدها منحنية نحوها تحاول إيقاظها. صاح بها وهو ينحني نحو مريم: "ابتعدي أنت." ثم سارع يحملها، وهو يصيح مجددًا بنبرة آمرة: "اتصلي بالطبيب حالًا." دلف بها إلى القاعة مجددًا ووضعها على الكنبة، وهو يميل بوجهه نحوها، يربت على وجنتيها برفق هامسًا لها: "أفيقي يا مريم." رفع وجهه بعيداً عنه صارخاً بصوته الجهوري: "الطبيب بسرعة.." عاد ينظر إلى ملامحها الساكنة بقلق وصاح من جديد: "هاتي ماء فورا.." ثم نهض من مكانه متجهاً نحو طاولة الاجتماعات الطويلة، حيث أخذ قنينة الماء واتجه بسرعة نحوها. بدأ يرمي قطرات من الماء بخفة على وجهها أكثر من مرة، حتى بدأت ملامحها تتشنج قليلاً وعيناها ترمشان بضعف. فتحت عينيها أخيراً لتجده يطالعها بنظرات تشع خوفاً، لتبتلع ريقها وهي تحاول الاعتدال في جلستها عندما هتف بها بسرعة: "لا تتحركي.. الطبيب قادم.." وقبل أن تعترض، كان الطبيب يدخل بالفعل ويتجه مباشرة نحوها. لفحصها، بينما أمر عمار سكرتيرته: "هاتي شيئاً تشربه.. عصير بارد.." أذعنت السكرتيرة لطلبه وذهبت تجلب العصير البارد لها، بينما عاد عمار ينظر إلى مريم التي بدورها كانت مستسلمة تماماً بين يدي الطبيب الذي فحصها باهتمام، قبل أن يبتسم بهدوء وهو يشير إلى عمار: "هبوط في الضغط.. يبدو إنها لم تتناول شيئاً منذ مدة.. الإرهاق واضح عليها.." أضاف مشيراً على عمار بملامحه المترقبة: "يجب أن تتناول شيئاً يساعد في رفع ضغطها.. كما إنها تحتاج إلى الراحة والنوم لفترة جيدة.." أومأ عمار برأسه متفهماً، بينما تقدمت السكرتيرة منهم وهي تحمل عصير البرتقال الطازج، فأخذه عمار منها بعدما أشار لها أن ترافق الطبيب إلى الخارج. "اشربي.." قالها وهو يمد قدح العصير لها بيده، لتنظر إلى القدح بجمود للحظات قبل أن تأخذه وهي تفكر إن العناد لا جدوى منه، فهي بحاجة شديدة لتناول هذا العصير كي تستطيع النهوض والعودة إلى المنزل. أخذت تتناول العصير ببطء عندما وجدته يتجه نحو الطاولة يحمل شيئاً ما من فوقها ويتقدم به نحوها. وضع عمار طبق الحلويات أمامها وهو يخبرها: "تناولي هذه أيضاً.." وضعت القدح جانباً وهمت بالنهوض بعدما قالت بسرعة: "شكراً.. لا أريد.." ولكن عاد الدوار يهاجمها مجدداً، فسارع يقبض على ذراعها يمنعها من السقوط، لتنتفض بفزع قبل أن ترفع عيناها نحوه، فتلتقي مقلتاها الزرقاوين بعينيه الخضراوين، لتتفاجئ بهما تتأملانها بلهفة وقلق واضح. حررت ذراعها من قبضته بسرعة وهي تتحامل على نفسها وتسير مبتعدة عنه خارج المكان، لتسمعه يقول بجدية: "بإمكانك الانتظار قليلاً حتى يرتاح جسمك قليلاً ثم تغادري بعدها.." إلتفتت نحوه تتأمله بإمتعاض للحظات قبل أن ترد ببرود: "مجرد ابتعادي عنك سيجلب لي الراحة.." ابتسم بهدوء وقال: "الآن فقط اطمأننت إنك عدت لسابق عهدك طالما لسانك الطويل عاد لطبيعته مجدداً.." رمقته بنظرات حادة مشتعلة قبل أن تشيح بوجهها وتندفع خارج المكان، مقاومة رغبتها الشديدة في ضربه بأي شيء يحطم وجهه. أفاق عمار من شروده على صوت رنين هاتفه الموضوع على طاولة الاجتماع، فاتجه نحوه وحمله ليجد جيلان تتصل به. رد عليها ليسمعها تقول بسرعة: "أريد الخروج مع أصدقائي.. أنا بحاجة للترفيه عن نفسي قليلاً.. ارجوك لا ترفض.." "اخرجي يا جيلان.." قالها بنفاذ صبر ثم أغلق الهاتف في وجهها، فلا مزاج لديه بعدما حدث، لتحمل دلال أخته الذي لا ينتهي. أما جيلان فنظرت إلى الهاتف بمشاعر مختلطة.. حزينة لرغبته الواضحة في صرفها، وسعيدة لإنها حصلت على موافقته، فسارعت تفتح حسابها وتتواصل معه كي تخبره بموافقة أخيها على خروجها معه. يوم جديد يمر عليها بعد فقدانها لوالدها وآخر شخص تبقى لها في هذه الدنيا. يوم جديد تستيقظ به على حقيقة فقدانه وهي مجبرة على التعامل معها وتقبلها، فلا حل آخر أمامها. نهضت من فوق سريرها مقررة تجاوز أحزانها، فهناك الكثير ينتظرها. الإنعزال عن العالم ليس حلاً، والبكاء طيلة اليوم لن يغير تلك الحقيقة. كما إنها لا تستطيع أن تبقى في سريرها تبكي وتنتحب طوال الوقت، فهي مرتبطة بعمل تحصل منه على لقمة عيشها ولن تستطيع الغياب عنه أكثر. هي باختصار لا تمتلك الرفاهية التي تجعلها تعتزل العالم حزناً لأيام طويلة. خرجت من غرفتها تتجه نحو الحمام لتغسل وجهها، عندما لمحت حنين نائمة بعمق على الكنبة. اتجهت لا إرادياً نحوها ووقفت أمامها تتأملها بصمت، وعقلها يذكرها بوقوفها جانبها اليومين السابقين وإصرارها على المبيت معها، حتى إنها طلبت من مي العودة إلى منزلها، فهي ستبقى معها ولن تتركها مهما حدث. ولأول مرة تشعر بهذا الشعور الذي لم تشعر به يوماً. شعور الأخوة.. شعور أن تكون لها أختاً تهتم بها وتحبها وترعاها.. شعور لم تظن يوماً إنها ستمر به، حتى جاءت حنين تحمل بداخلها كل الحنين الممكن والرغبة الصادقة لمشاركتها هذا الشعور. تنهدت وهي تفكر إنها أحبتها رغماً عنها.. رغماً عن كونها ابنة تلك المرأة.. رغماً عن تلك السنوات التي قضتها بعيدة عنها.. رغماً عن كل شيء. تنهدت بصمت قبل أن تتجه نحو الحمام، حيث غسلت وجهها عدة مرات، ثم خرجت نحو غرفتها، حيث أخرجت ملابس الخروج لها قبل أن تضعها على السرير وتتجه نحو المطبخ لإعداد الفطور لهما. وضعت إبريق الشاي على النار، ثم أعدت البيض المقلي قبل أن تبدأ إعداد المائدة. انتهت من إعداد المائدة واتجهت نحو حنين توقظها بتمهل. فتحت حنين عينيها، ثم انتفضت من مكانها تسألها بسرعة وقلق: "هل أنت بخير؟" ابتسمت حياة وهي تجيب بهدوء: "نعم بخير.. انهضي واغسلي وجهك كي نتناول طعام الإفطار.." أضافت وهي تتجه نحو الداخل: "سأرتدي ملابسي وأخرج حالاً.." حدقت حنين في أثرها بدهشة للحظات، فليلة البارحة لم تتوقف عن البكاء لحظة واحدة، واليوم هي تبدو هادئة للغاية، حتى إنها أعدت الفطور لهما. نفضت هذه الأفكار عن رأسها وهي تبتسم بهدوء على حال أختها اليوم، ثم نهضت من مكانها تتجه نحو الحمام. خرجت بعدها وهي تجفف وجهها بالمنشفة، لتتجه نحو طاولة الطعام وتجلس عليها منتظرة خروج حياة التي خرجت بالفعل بعد لحظات وهي ترتدي ملابسها المكونة من بنطال أسود فوقه قميص أسود اللون بالطبع، وترفع شعرها القصير على هيئة كعكة صغيرة. سألتها حنين بذهول: "هل ستخرجين اليوم؟" أجابت حياة بعدما جلست أمامها على الطاولة: "سأذهب إلى العمل.. فعملي في الصيدلية يبدأ صباحاً في العطلة.." أومأت حنين برأسها وشعرت بالراحة لا إرادياً، فالعمل سيخفف عنها الكثير ويشغل تفكيرها. سمعت حياة تهتف بجدية: "أنت لن تبقي هنا لوحدك بالطبع.." ردت حنين بعدما إرتشفت القليل من الشاي: "سأخرج معك وأذهب إلى المنزل ثم أعود على الغداء عند موعد عودتك.." قالت حياة بجدية: "أنت لست مضطرة للبقاء طوال الوقت معي.. بالتأكيد لديك مشاغل أنت أيضاً.." قاطعتها حنين بسرعة: "لا يوجد لدي شيء.. أنا أريد البقاء بجانبك بالطبع إذا لم يكن لديك مانع.." التزمت حياة الصمت، لتهتف حنين بتردد: "هل يزعجك بقائي معك هنا يا حياة؟" تنهدت حياة وهي تجيب بصدق: "إطلاقاً.. لكن أنا فقط يهمني ألا تكوني مجبرة على البقاء معي خوفاً من تركي لوحدي.." أضافت بهدوء: "أنا بخير وسأصبح أفضل.." هتفت حنين بجدية: "أنا لست مجبرة على أي شيء.. أنا باقية معك لإنني أرغب بذلك.." ابتسمت حياة بضعف، ثم سألتها بعد لحظات بتردد: "ألن يزعج هذا والدك؟" ردت حنين بسرعة وصدق: "أبدا.." أضافت بتروي: "والدي ليس سيئاً يا حياة.. على العكس تماماً.. حتى كان يود أن يعزيك بنفسك لكن.." قاطعتها حياة بهدوء: "أنا لم أقل إنه سيئاً.. أنا لا أعرفه من الأساس كي أحكم عليه، كما إنني لا أحمل أي ضغينة نحوه.." "ولكنك تحملين الكثير ضد ماما.. أليس كذلك؟" وضعت حياة كوبها جانباً بتأهل، بينما شعرت حنين إنها استعجلت في حديثها، فقالت بسرعة: "حسناً.. لا داعي للتحدث بهذا الموضوع الآن.." نهضت حياة من مكانها وأشارت إليها قائلة: "غيري ملابسك ما إن تنتهين من طعامك كي نخرج سوياً.." هتفت حنين وهي تنهض من مكانها قائلة: "أنا انتهيت من طعامي أصلاً.. سأغير ملابسي حالاً.." ثم اتجهت بسرعة لتغيير ملابسها، بينما أخذت حياة تلملم الصحون والأكواب الموضوعة على المائدة. بعدها خرجتا الأختان من المنزل، حيث ذهبت حياة إلى الصيدلية، بينما اتجهت حنين إلى المنزل لتجد والدتها في استقبالها. إرتمت داخل أحضانها بسعادة، قبل أن تجلس معها وتحكي لها ما حدث وذهاب حياة إلى العمل. شعرت أحلام بالقليل من الراحة فقالت: "جيد إنها عادت إلى العمل.. سيلهيها عملها قليلاً.." أومأت حنين برأسها مؤيدة حديثها، عندما أضافت والدتها: "سآتي معك مساءً وربما أبيت أيضاً معكما.." قالت حنين بجدية: "من الأفضل ألا تبيتي معنا.." هتفت أحلام بحزن: "هي سترفض.. أليس كذلك؟" قالت حنين بتعقل: "لا أعلم.. ولكن أنا وهي نقترب من بعضنا تدريجياً، لذا وجودك الليلة ربما يجعل الوضع غير مريحاً.." أضافت بجدية وهي تلاحظ تكدر ملامح والدتها: "حسناً.. ثقي بي.. كل شيء سيصبح أفضل وفي أقرب وقت.. فقط أعطني الفرصة لذلك.." ابتسمت أحلام وقالت وهي تربت على كفها: "حسناً.. أنا أثق بك بالطبع.." سألت حنين بعدها: "كيف حال أبي؟" ردت أحلام بجدية: "بخير الحمد لله.." أضافت وقد تذكرت أمراً ما: "صحيح.. اليوم سنذهب إلى منزل عمك.. فهناك شاب تقدم لخطبة نانسي.." إمتعضت ملامح حنين وهي تهتف بنبرة جافة: "جيد.. مبارك لها.. وكان الله في عون من يبتلي بها هي وأختها.." كتمت أحلام ابتسامتها بصعوبة من موقف ابنتها الواضح تجاه بنات عمها، بينما نهضت حنين وهي تقول: "سأصعد إلى غرفتي لأستريح قليلاً.." لكنها توقفت على صوت والدتها تخبرها: "صحيح.. أخوك سيعود قريباً.." نظرت إليها تهتف بدهشة: "حقاً.. هل ينوي الاستقرار هنا؟" أجابت والدتها بجدية: "لا أعلم.. ولا يهمني ذلك.." أتمنى فقط ألا يعكر مزاج والدك بكلامه وتصرفاته، خاصة إن والدك يكاد يطير فرحًا بعودته. أومأت حنين برأسها وهي تفكر في عودة أخيها المفاجئة بعد كل هذه السنوات، وفي داخلها تتساءل إذا ما غيرت تلك الفترة الطويلة شخصيته وجفاءه الصريح نحو أبيها، بل ونحوها أيضًا. جلس نديم أمام والدته وهو يبتسم ويقول: "هل تحبين تناول الشاي أم القهوة؟" أجابت وهي تبتسم له: "لا أريد شيئًا حبيبي، أريد الجلوس معك والتحدث قليلًا." عاد بظهره إلى الخلف قليلًا وقال: "مجيئك هنا لسبب ما، أليس كذلك؟" سألته مستغربة: "كيف علمت؟" تنهد وقال: "من البارحة كان يبدو عليك أنك تودين التحدث معي بشيء ما، ومجيئي اليوم رغم أنك كنت البارحة معي يؤكد لي ذلك. ماذا يحدث؟ أخبريني." صمتت لوهلة تتمعن فيها النظر إلى ملامحه قبل أن تقول بجدية: "سأتحدث، ولكن عدني أن تكون صريحًا معي ولا تستعجل في ردود أفعالك." رد بهدوء: "أعدك بذلك." نطقت أخيرًا: "حياة." نظرت إليه بدهشة قليلًا قبل أن يسألها بملامح متجهمة: "ما بها حياة؟" أردف بلهجة ساخرة قليلًا: "لم أعهد غالية تنقل الأحاديث بهذه السرعة." قالت بسرعة: "ما علاقة غالية بالأمر؟" استرسلت بتريث: "ليلى أخبرتني بكل شيء." احتدت ملامحه فورًا وهو يسأل بصوت متحفز: "بماذا أخبرتك ليلى؟" ترددت صباح قليلًا، لكنها حسمت أمرها وتحدثت: "أخبرتني أنها جاءت هنا إلى شقتك وأنك تبدو مهتمًا بها." قاطعها بجدية: "هذا شيء يخصني وحدي، ولا أسمح لأي شخص أن يتدخل به." هتفت والدته معترضة على حديثه: "وأنا لست أي أحد، أنا والدتك وأكثر من يهمها أمرك." أضافت بنبرة هادئة جادة: "هناك شيء ما يحدث بينك وبين تلك الفتاة، وأنا من حقي أن أعلم بما يحدث." رد نديم بجدية: "لا يحدث أي شيء، التقينا مرات قليلة وجمعتنا بعض الأحاديث العامة، أحاديث فقط لا غير." "هكذا فقط؟ هل تعني أنك غير مهتم بتلك الفتاة؟" سألته بملامح قوية، فالتزم الصمت دون أن يستطيع إنكار اهتمامه بها. "اسمعني يا نديم، تلك الفتاة لم أرها سوى مرتين، كانت تبدو جيدة، لكنني بالطبع لن أحكم عليها بناءً على هاتين المرتين. أثق بك كثيرًا، وأثق أن رغم كل ما مررت به، ما زلت شهمًا ذو أخلاق عالية كما كنت دائمًا." تلاقت نظراتها الواثقة بنظراته المهتزة قليلًا، لتسترسل بنفس الجدية والقوة: "إذا كنت تريد الفتاة، فأنا لن أقف في طريقك، لأنني سأكون على يقين بأنك وجدت بها الشيء الذي يجعلك تختارها هي دونًا عن الجميع. لست الأم التي تفضل الفوارق الطبقية أو أي فوارق مهما كانت على سعادة ابنها. لم أفكر يومًا بهذا ولن أفعل. لكن ما أريده منك ألا تستعجل بأي خطوة تخطوها، وأن تتأكد مما تريد قبل أن تخطو أي خطوة، والأهم ألا تقسو على نفسك كثيرًا يا نديم. لا تعذب نفسك لأجل ماضي انتهى. مهما كان الماضي صعبًا ومهما كان مؤلمًا وقاسيًا، تذكر أنه انتهى." صمت ولم يجيب، لكن ملامح وجهه كانت تنطق بالصراع الذي يعتمل داخله. أخذت تتأمل صمته لمدة حتى قالت لتخرجه عن صمته: "وماذا عن ليلى؟" سألها هو الآخر: "ما بها ليلى؟" تنهدت ثم أجابت: "أريد منك أن تبتعد عنها قدر المستطاع." عادت ملامحه لتجهمها وهو يقول: "أنا بعيد عنها بالفعل." "لكنها ما زالت تتأمل عودتكما." قالتها بتأني، ليبتسم بتهكم وهو يقول: "إذا أخبريها بوضوح أن آمالها هذه مستحيلة." هتفت بجدية: "وجود مشاعر متبادلة بينكما لا يجعلها مستحيلة بالنسبة لها." صمت مجددًا بعد سماعه جملتها، لتسأله بتمهل: "هل ما زلت تحمل مشاعر نحوها يا نديم؟" حدق بها للحظات قبل أن يجيب بابتسامة باهتة: "وهل تظنين أن مشاعري نحوها ستنتهي بسهولة؟" أضاف بسرعة: "ولكن اطمئني، أنا أستطيع ترويض مشاعري هذه وكتمها داخلي جيدًا." تطلعت إليه بألم، وفي داخلها تتمنى لو تنتهي تلك المشاعر بدلًا من بقائها داخله تعذبه باستمرار. دلفت ليلى إلى غرفة مريم بعدما فتحت ضوء الغرفة، لتجدها جالسة على سريرها بملامح واجمة. قالت وهي تجلس بجانبها على السرير: "متى استيقظت؟" أجابتها مريم بنفس الوجوم: "منذ قليل." سألتها ليلى: "هل ستذهبين إلى المشفى؟" صمتت مريم للحظات قبل أن تجيب: "كلا، أنا متعبة للغاية وأرغب بالبقاء في الفراش لوقت طويل." ابتسمت ليلى وقالت: "سأجلب لك شيئًا لتناوليه." قاطعتها مريم: "لا أريد، لا أرغب بتناول أي شيء الآن." سألتها ليلى بقلق: "هل أنت بخير؟ تبدين في أسوأ حالاتك." حاولت مريم رسم ابتسامة مصطنعة على شفتيها وقالت: "لا تقلقي علي، فقط بسبب الصدمة." أومأت ليلى برأسها متفهمة، لتسمع مريم تسألها: "أرى أنك أفضل من الأيام السابقة، تبدين مرتاحة نوعًا ما." ابتسمت ليلى وهي تقول: "سأتطلق من عمار في أقرب وقت، أليس هذا شيئًا يدعو للراحة برأيك؟" سألتها مريم مجددًا: "متى موعد الجلسة؟" أجابت ليلى: "بعد أسبوع، تخيلي أسبوع وسأتحرر منه نهائيًا." ابتسمت مريم بضعف، تحاول أن تخفي ألمها بل خوفها مما هو قادم. قالت مريم أخيرًا: "سأنام مجددًا." ابتسمت ليلى بتفهم، ثم نهضت من مكانها واتجهت خارج الغرفة بعدما أغلقت أضوائها. تمددت مريم على سريرها مجددًا بعينين مفتوحتين، وعقلها يفكر بما يحدث وما يجب أن تفعله. أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها، فحملته لتجده يتصل بها. اعتصرت الهاتف بين يديها للحظات قبل أن تحسم أمرها وتجيبه. جاءها صوته يسألها باهتمام: "كيف أصبحتِ الآن؟ أردت الاطمئنان عليك." أجابته بجمود: "بخير." حل الصمت بينهما، ومريم تستمع إلى صوت أنفاسه الهادرة. هتفت أخيرًا تنهي هذا الصمت المقيت: "ستطلق ليلى، أليس كذلك؟" سألها هو الآخر بدلًا من أن يجيبها: "هل تريدين مني تطليقها؟" "ماذا برأيك أنت؟" سألته بنبرة متهكمة، ليخبرها بخفوت: "سأطلقها يا مريم، سأطلقها ولكن ليس الآن، لم يحن وقت طلاقها بعد." هدرت به وقد فقدت أعصابها: "ماذا تريد منها؟ اتركها وشأنها، ألم يكفك ما فعلته بها؟" رد عليها بفتور: "أخبرتك أنني سأتركها وقريبًا أيضًا. اسمعيني يا مريم، بما أنك فتحت هذا الموضوع معي، فسأخبرك شيئًا هامًا. أخبري ليلى أن تتراجع عن دعوة الطلاق، وأنا سأطلقها قريبًا جدًا وبكل هدوء وسأمنحها كافة حقوقها." "لماذا تريد أن تؤجل الطلاق؟ إلى أين تخطط بالضبط؟" عاد يصمت مجددًا، بينما ملامحها ازدادت تحفزًا لسماع إجابته المنتظرة، لكن خيب آمالها وهو يقول: "أخبريها بذلك فقط، ولا أريد منك شيئًا آخر." ثم أغلق الهاتف في وجهها دون أن ينتظر منها ردًا. بعد مرور يومين. وقفت أمام المرآة تلقي نظرة أخيرة على ملابسها المكونة من بنطال جينز ضيق فوقه قميص أزرق اللون ذو حمالات رفيعة. رفعت شعرها على هيئة ذيل حصان ووضعت القليل من المكياج على وجهها. دلفت خديجة إلى غرفتها ووقفت تتأملها عندما سألتها: "ستذهبين الآن يا جيلان؟" ابتسمت جيلان وهي تستدير نحوها تخبرها بسعادة: "نعم يا خديجة." أضافت كاذبة: "صديقاتي ينتظرنني في المقهى القريب من شارعنا." ثم حملت حقيبتها وطبعت قبلة على وجنتها قبل أن تخرج بسرعة من المكان، تاركة خديجة تتابع أثرها بقلق وتوجس. بعد مدة، كانت جيلان تجلس أمام سامر تتطلع إليه بخجل، بينما الأخير يتأمل ملامحها الجميلة بسعادة، مفكرًا إنها جذابة بحق رغم صغر سنها. "أنا سعيد كثيرًا لرؤيتك يا جيلان، أم أناديك جيجي كما أحب؟" ردت بصوت متحشرج: "ناديني كما تشاء." ابتسم وعاد يسألها مشيرًا إلى المكان حوله: "هل أعجبك المكان؟" أجابت وهي تتأمل المكان حولها والذي يبدو مختلفًا عن الأماكن المعتادة هي على ارتيادها: "نعم، إنه جميل." قال بهدوء: "تبدين غير معتادة على المطاعم المتواضعة كهذا المطعم، لكنني فضلت أن أجلبك إلى هنا كي لا يرانا أحد من معارفك." ابتسمت بهدوء ولم ترد عندما جاء النادل يحمل الطعام لهما. بدآ في تناول الطعام حتى انتهيا منه، ليهتف سامر بها: "هل ترغبين بتناول شيئًا ما أم نخرج من هنا ونذهب إلى مكان آخر؟" قالت بسرعة وحماس: "دعنا نخرج من هنا، فأنا لا أحب الأماكن المغلقة." أضافت بعدها: "لكن سأذهب إلى الحمام أولًا لأغسل يدي." "حسنًا." تفضلي. نهضت من مكانها وهي تبتسم له، ثم عادت بعد مدة. لينهض من مكانه وهو يقول: هيا بنا. سارت جاريه حتى ركبت سيارته، لتشعر بقليل من الدوار. عادت برأسها إلى الخلف قليلاً، ليسألها باهتمام: هل أنتِ بخير؟ أجابته بتعب واضح: أشعر بدوار شديد و... توقفت عن الحديث، وقد بدأت الرؤية تضمحل أمامها تدريجياً، حتى اختفت تماماً بعد لحظات، لتسقط فاقدة الوعي أمامه. نظر إليها بابتسامة خافتة، ثم قاد سيارته متجهاً إلى المنزل المعد لاستقبالها. بعد مدة، كانت جيلان ممددة على السرير، وسامر يقف أمامها يتطلع إليها من الأعلى برغبة شديدة، سرعان ما ألجمها وهو يبدأ في عمله الذي جاء لأجله. بعد عدة ساعات. فتحت جيلان عينيها بتعب، دون أن تستوعب ما يحدث بعد. لحظات قليلة وانتفضت من مكانها، تتأمل جسدها العاري بعدم تصديق، قبل أن تشهق برعب وهي تجذب الغطاء نحوها، تغطي به جسدها العاري بحركة لا إرادية. وجدت سامر يفتح الباب ويدلف إلى الداخل بملامح سعيدة، حيث قال: أخيراً استيقظت الجميلة. صرخت وهي تشدد من وضع الغطاء على جسدها: أنت ماذا تريد مني؟ ابتسم بهدوء وهو يجلس جانبها، واضعاً أمامها بعض الصور التي التقطها لها وهي عارية تماماً. لتهطل دموعها من عينيها بغزارة، وهي تردد بصوت مرتجف: لماذا؟ لماذا فعلت هذا؟ حمل الصور بعيداً وقال بصوت جاف: دعينا من البكاء والنواح الآن، لا داعي لأن أخبرك ماذا سيحدث لو انتشرت تلك الصور في كل مكان، أو أرسلتها إلى أفراد عائلتك. قبضت على كفه تتوسله، غير منتبهة إلى الغطاء الذي انزاح عن جسدها: ارجوك لا، أخي سيقتلني، ارجوك. تأمل جسدها برغبة دفينة، لتنتبه إلى نظراته نحو جسدها العاري، فتسارع لتغطيته، بينما أخذ هو يقول بأنفاس لاهثة: أنتِ جميلة، جميلة جداً، ولولا إن الباشا يفضل العذراوات، لكنت أول من يتمتع بك. ارجوك. قالتها بضعف وبكاء مؤلم، لكنه لم يتأثر، فهو معتاد على كل هذا. قال بجدية، مبعداً عينيه عن جسدها: اسمعيني جيداً، هذه الصور لن تخرج من عندي ولن يراها أحد إذا نفذتِ ما أريد. سألته بنبرة مرتجفة: ماذا تريد؟ أجاب بهدوء: ليلة واحدة مع أحد الرجال المهمين عندنا، وبعدها سأحرق تلك الصور جميعاً ولن يبقى لها أي أثر. أجفلت تسأله مجدداً بعدم فهم: ماذا تعني بليلة واحدة؟ صاح بضيق، ظناً منه إنها تدعي البراءة: لا تمثلي البراءة الآن، أنتِ تعلمين جيداً ما أقصد. اسمعيني جيداً، إما أن تنفذي ما أريده، وإلا سأرسل تلك الصور لجميع أفراد عائلتك. ودون وعي منها، كانت تتوسله باكية: سأفعل ما تريده، لكن لا ترسلها لأحد، أرجوك. أخي سيقتلني حتماً إن رآها. *** كانت حياة تقف في الصيدلية، تعمل كعادتها، عندما فوجئت به يدلف إلى الداخل. نظرت إليه بدهشة من قدومه، لكنها كتمت دهشتها وهي تراقب تقدمه نحوها بابتسامة خافتة. وقف أمامها وسألها: كيف حالك؟ حمدت ربها إنه لا يوجد في الصيدلية غيرها، فأجابت بهدوء: بخير الحمد لله. قال بجدية: كنت أود رؤيتك وتعزيتك من أول يوم، لكنني ترددت خوفاً من أن أسبب أي إزعاج لك. أخذت نفساً عميقاً، ثم قالت بهدوء: لا عليك، اتصالك كان كافياً. ابتسم يسألها: يبدو إنكِ بالفعل لا ترغبين برؤيتي. تنهدت بصوت مسموع، وسألته: ماذا تريد يا نديم؟ أجابها بجدية: أريد التحدث معك، يعني نجلس في مكان ما ونتحدث. أضاف بسرعة: يجب أن أتحدث معك يا حياة، لا ترفضي من فضلك. نبرته حملت بعض التوسل، وملامحه تنطق بالرجاء، فهزت رأسها موافقة وقالت: حسناً سنتحدث، ولكن بعدما ينتهي عملي. قاطعها متسائلاً: متى سينتهي عملك؟ أجابت بجدية: بعد نصف ساعة يأتي زميلي ويستلم الصيدلية مني. قال بسرعة: جيد، سأنتظرك في المطعم الموجود في آخر الشارع. أومأت برأسها موافقة، ليمنحها ابتسامة أخيرة تحمل الكثير، قبل أن ينصرف من أمامها، تتابعه هي بنظراتها حتى اختفى، وداخلها تشعر إن هناك شيئاً ما سيتغير بعدما سيقوله. بعد أكثر من نصف ساعة، جلست نديم أمامه، تتأمل ملامحه التي انشرحت تماماً ما إن وصلت. سألها وهو يشير إلى النادل أن يقترب: ماذا تحبين أن تتناولي؟ ردت بسرعة: عصير فقط. طلب من النادل أن يجلب لها عصير البرتقال، ثم عاد ينظر إليها ويقول: كيف حالك الآن؟ أجابته بجدية: بخير الحمد لله، كل شيء بدأ يعود إلى وضعه المعتاد. ابتسم مردداً: هكذا الحياة، تصر على الاستمرار كما هي رغم كل شيء. سألته بجدية: كيف عرفت مكان عملي؟ أجابها ببساطة: غالية من أخبرتني بمكان الصيدلية التي تعملين بها، وأخبرتني أيضاً بمواعيد عملك. هكذا إذا. قالتها بهدوء، بينما جاء النادل ووضع العصير أمامها، لتشكره بابتسامتها الهادئة. نظرت إليه بصمت، ليبتسم هو ويقول: هل تعلمين إنني اشتقت لأحاديثنا سوية؟ ارتجف قلبها لا إرادياً، وهي لا تعرف ماذا تقول. همت بالرد، لكنها سمعت صوت هاتفها يرن. حملته لتجد ثامر يتصل بها. عقدت حاجبيها بتفاجؤ من اتصاله، لكنها أجابته تتلقى تعزيته، فهو لم يعلم بما حدث إلا اليوم. سمعها نديم وهي تودعه، وقد أدرك من حديثها إن المتصل هو أستاذها الجامعي والذي تقدم لخطبتها. شعر بالضيق من اتصاله بها، وتحفزت ملامحه كلياً وهو يسألها: ماذا كان يريد منك؟ سؤاله كان بارداً جافاً، فوجدت نفسها تهتف بدهشة: عفواً! قال بصوت شديد الحنق: أتحدث عن أستاذك، ألم ترفضيه؟ لماذا يصر على التواصل معك؟ أجابته ببرود، وهي تفكر إنه ليس من حقه التدخل في شؤونها التي لا تعنيه على الإطلاق: هذا ليس من شأنك يا نديم، لا أحب أن تتدخل فيما لا يعنيك. ألهذه الدرجة! سألها مصدوماً بما قالته، لتحاول السيطرة على ضيقها وهي تسأله بجدية: ألا ترى إن في سؤالك تدخلاً في خصوصياتي؟ صمت للحظات، قبل أن يجيب بما صدمها: وماذا لو أخبرتك إنني لا أسأل بدافع التدخل، بل بدافع الاهتمام؟ سألته غير مصدقة: اهتمام؟ ماذا تقصد؟ تنهد بتعب، ثم قال بعدما ارتشف قليلاً من الماء أمامه: حسناً سأتحدث. عندما رأيتك لأول مرة، لم أظن أبداً إنك ستصبحين بكل هذه الأهمية بالنسبة لي، لكن منذ أول حديث جدي جمعنا، وأنت لمستِ شيئاً داخلي. صمت يتأمل ملامحها المتوترة، ليبتسم ويكمل: ربما تستغربين ما أقوله، لكنكِ في مدة قصيرة أصبحتِ تعنين لي الكثير. كان يعلم إنه سيعري الكثير من مشاعره أمامها خلال حديثه هذا. لقد أخذ وقتاً كافياً للتفكير واتخاذ القرار المناسب. وقد أدرك خلال هذا الوقت إنه لا يرغب بالابتعاد عنها، حتى لو كان ذلك تفكيراً أنانياً منه. الفترة السابقة كانت كافية له كي يدرك مدى رغبته في وجودها وحاجته لها. هتف أخيراً: لا تنظري إلي هكذا، في لقائنا الأخير أخبرتك أن ترحلي، أن تذهبي ولا تعودي، أن تحذفيني من حياتك. هل تعلمين كم كنت أقسو على نفسي وأنا أخبرك بهذا؟ لماذا؟ سألته بصوت مبحوح قليلاً، ليجيب بجدية: لأنني مررت بما يكفي ليجعلني عاجزاً عن منحك أي شيء، لإنك تحملين من البراءة والمحبة ما يجعلني أخشى عليك مني، لأنني أخاف أن أتسبب في تعاستك دون قصد، أخاف أن أدمرك في زحمة مشاعري المتزاحمة والكثير من الأشياء التي أسعى إليها مستقبلاً. صمت متذكراً كل ما ينتظره وما يسعى عليه، وأولهم انتقامه المنتظر ممن تسبب في سجنه ودمر حياته. ذلك الانتقام الذي يدرك صعوبته وما سيحمله له. انتقام ربما لن يخرج منه حياً، لكنه أقسم على نيله مهما حدث ومهما كانت النتيجة. عاد يتطلع إليها ليجدها تتأمله بصمت. تنهدت بتعب، ثم سألته وفي داخلها تريد أن تنهي كل هذه الألغاز المحيطة بها وتفهم ما يريده بوضوح: ماذا تريد مني بالضبط يا نديم؟ أخبرني بوضوح. تأملها بصمت للحظات بدت كالدهر عليها، قبل أن يجيب ببطء: أريدك. صمت مجدداً يتأمل ملامحها الذاهلة، قبل أن يضيف بتروٍ: أريدك معي، جانبي، فأنا أحتاجك أكثر من أي شيء. حل الصمت المطبق بينهما مجدداً، صمتاً ثقيلاً للغاية عليهما. نظراتهما المتبادلة توحي بالكثير. يرى ترددها وتوجسها واضحاً، وترى هي رجاءً خالصاً في عينيه. هو يريدها، يريدها لحاجته لها، ولكن هل يكفي هذا بالنسبة لها؟ هل تكفي حاجته لبقائها جواره؟ نطقت أخيراً: ألا ترى إن ما تقوله يجعل قبولي غير منطقي؟ هل تعلم أين المشكلة؟ المشكلة إنك لا تعرف ما تريد ولست واثقاً من أي شيء. رد بسرعة ينفي حديثها: كلا، أنا بالفعل أريدك. لأنك تحتاجني، ولكن عندما تنتهي حاجتك، هل ستبقى تريدني؟ أنت تظنين إنني أريدك لغرض الحاجة فقط. قالها بعدم تصديق، قبل أن يقول بحسم: أنا أريدك يا حياة، وعندما أقول أريدك، فهذا يعني إنني أرغب برباط رسمي يجمعنا، زيجة تستمر إلى الأبد. ارتجف جسدها بالكامل ما إن نطق كلماته تلك، لتسأله بنبرة ضعيفة: لماذا أنا؟ أجابها بصدق: لأنكِ بكِ كل شيء أريده، كل شيء تمنيته، لأنكِ أكثر من يناسبني وأكثر من يصلح لذلك. تنهد ثم قال بتردد: أعلم إن مستقبلي المهني انتهى، وربما أنتِ تفضلين أن تتزوجي من شخص لديه مستقبل مهني مضمون. قاطعته بجدية: لا تخلط الأمور ببعضها من فضلك. أنا لا أفكر بهذه الطريقة وأنت إن كنت تعرفني بحق ستدرك ذلك جيدا .."

" إذا أخبريني يا حياة.. هل تقبلين الزواج مني ..؟!"

سألها بصوت حاسم قوي لتنظر إليه بملامح تائهة وقلبها يرغب بالقبول وعقلها يخبرها أن ترفض فهي ستدخل في دوامة صعبة لا تضمن كيف ستخرج منها .. دوامة هي في غنى عنها ..

دلفت الى غرفتها وهي تحمل صينية تحتوي على بعض الأطعمة التي تفضلها هي عادة ..

تقدمت نحوها ووضعت الصينية أمامها على السرير وهي تتأمل وجهها الشاحب تماما ..

" تناولي طعامك حبيبتي .."

قالتها وهي تربت على كتفها برقة لتهز جيلان رأسها وهي تأخذ الملعقة تحمل بها القليل من الطعام وتضعه داخل فمها بحركة آلية فقط كي تظهر أمام خديجة بصورة طبيعية …

ابتسمت خديجة بعطف وهي تتأملها وفي داخلها تدرك إن هناك شيء ما يحدث معها فطوال اليومين السابقين كانت تبدو في أسوأ حالاتها ورغم إن وضعها النفسي كان سيئا منذ وفاة والدها لكن اليومين السابقين كانا الأسوء على الاطلاق ..

قررت أن تتواصل مع أخيها فعليه أن يعلم بما يحدث مع أخته ..

كم تشعر بالشفقة على تلك الصغيرة وما تعانيه في سنها هذا بينما أخيها يتجاهلها تماما مكتفيا بإرسال الأموال لها وكأن الأموال ستغني عن وحدتها المؤلمة ..

اتجهت خارج غرفتها وقد عقدت العزم على الإتصال به حالا بينما وضعت جيلان الملعقة جانبا ما إن خرجت خديجة وعاد الألم يرتسم على ملامح وجهها الرقيقة ..

سمعت صوت رنين هاتفها فجفلت مكانها وهي تتخيل إنه المتصل ..

جذبت الهاتف من فوق الطاولة بيد مرتجفة لتجد إسم إحدى صديقاتها يهتز على الشاشة ..

رفضت المكالمة ورمت الهاتف على الطاولة مجددا وأنكمشت على نفسها تماما بخوف حقيقي وهي تحتضن ساقيها أمام صدرها بذراعيها …

لقد أخبرها إنه سيتصل بها في أقرب وقت كي تتجهز للقاء الباشا خاصته وإذا إمتنعت عن ذلك فصورها سوف تنشر في كل مكان …

عادت دموعها تتساقط على وجنتيها بغزارة وهي تتخيل ما سيحدث معها وما سيفعله ذلك الرجل بها ..

رغم برائتها وعدم إدراكها لطبيعة ما سيفعله ذلك الرجل لكنها تدرك إنه يريد إستغلال جسدها ..

تحول بكائها الى شهقات فسارعت تضع كف يدها على فمها تكتم شهقاتها بصعوبة …

إنتفضت من مكانها مجددا على صوت رنين هاتفها فسارعت تجذبه لتجد رقما غير مسجلا يضيء الشاشة ..

أرادت ألا تجيب لكنها تذكرت تهديداته فضغطت على زر الإجابة بأنامل مرتجفة ليأتيها صوته الكريه يخبرها :-

" عزيزتي جيجي .. من الجيد إنك أجبت على إتصالي بسرعة .. هذا يدل إنك إستوعب إنه لا يوجد مفر لكِ مني .. موعدك مع الباشا سيكون بعد الغد .. سأنتظرك أمام نفس المقهى في تمام الساعة الخامسة عصرا .. لا تتأخري ولا تفكري بعدم المجيء لإن النتيجة لن تعجبك .."

سقط الهاتف جانبها بينما عادت هي تضع كفها على فمها تكتم شهقاتها والدموع الحارقة تغطي وجهها تماما ..

اما في الخارج سمعت خديجة صوته وهو يقول بعد تنهيدة بدت لها متعبة :-

" حسنا يا خديجة .. سأمر عندها يوم الجمعة وأفهم ما يحدث مع حضرة المدللة .. "

" أشكرك حقا يا بك .. إعذرني على إزعاجك لكنني مضطرة لذلك فوضعها يقلقني للغاية .."

" انتبهي عليها حتى آتي وأراها بنفسي .. "

أغلقت الهاتف بعدها لتتنهد خديجة بقلق وهي تدعو ربها أن تحسن زيارة أخيها لها قليلا من نفسيتها ..

……………………………………………………………..

أغلق عمار هاتفه بعدما أنهى محادثته مع خديجة ورماه بإهمال على المكتب أمامه ..

أغمض عينيه بإرهاق وهو يعود برأسه الى الخلف قليلا ..

عادت أفكاره تتجه نحوها لا إراديا يتسائل إذا ما أخبرت ليلى بحديثه ..

خمسة أيام تبقت على موعد الجلسة وهو لا يريد أن يطلقها الآن ..

هو سيطلقها عاجلا أم آجلا لكن ليس الآن …

يحتاج الى بعض الوقت يتأكد من خلاله من بعض الاشياء قبل أن يمنحا حريتها مع كافة حقوقه وهو بدوره سيتفرغ لمريم .. مريم الذي سيفعل أي شيء لينالها ..

فتح عينيه وعاد متقدما بجسده أماما ما إن سمع طرقات على باب مكتبه يتبعه دخول سكرتيرته تخبره :-

" راغب الهاشمي في الخارج يريد مقابلتك .."

دهشته كانت كبيرة فقدوم راغب الهاشمي بنفسه الى مكتبه أمرا صادما ..

" أدخليه فورا .."

قالها وهو يستعد لرؤيته عندما دخل راغب بملامحه الجامدة قليلا ملقيا التحية عليه لينهض عمار من مكانه مرددا بهدوء لا يخلو من التهكم :-

" كبير عائلة الهاشمي بنفسه هنا .. كان عليك أن تخبرنا قبلها بقدومك كي نجهز إستقبالا يليق بك .."

تجاهل راغب كلماته وهو يجلس على الكرسي أمامه بعدما حياه بإقتضاب بينما عمار يحاول إكتشاف سبب قدومه فشخص مثل راغب الهاشمي لا يسعى لزيارة

كهذه إلا إذا كان هناك أمرا هاما جدا خلف زيارته ..

ربما إشتكت جيلان له وأخبرته بإهماله لها ..؟!

فكر بهذا لكن سرعان ما أزاح أفكاره جانبا فراغب لن يأتي بنفسه إليه فقط لإن إبنه عمه إشتكت له من أخيها بل في داخله يعلم إنه لن يهتم حتى لو فعلت ذلك وجيلان نفسها لن تشكو وضعها لراغب أو أيا من أفراد عائلتها فعلاقتها بهم محدودة للغاية ..

" ماذا تحب أن تشرب ..؟!"

سأله عمار بجدية مزيحا أفكاره جانبا ليهتف راغب برسمية :-

" قهوة سادة إذا أمكن .."

هتف عمار بإبتسامة رسمية هو الآخر :-

"بالطبع .. "

ثم طلب من السكرتيرة أن تجلب لهما القهوة ..

" إذا ما سبب تشريفك لنا راغب بك ..؟!"

سأله عمار بهدوء رغم فضوله المتفاقم لمعرفة سبب الزيارة ..

هتف راغب مجيبا على تساؤله :-

" لدي عرض لك …"

قاطعه عمار :-

" بخصوص أي شيء ..؟!"

أجاب راغب بجدية :-

" بخصوص شركة عمي الذي أصبحت أنت مسؤولا عنها بعد وفاته …"

ابتسم عمار بخفة وقال بنبرة ذات مغزى :-

" رحمة الله عليه .. في الحقيقة فاجئني تصرفه .. آخر ما توقعته أن يمنحني أنا مسؤولية ميراث جيلان حتى تتم عامها الحادي والعشرين .. توقعت أن يختار أحدا من إخوانه او أبنائه .. بل توقعت أن يختارك أنت يا راغب بك كونك كبير العائلة و.."

قاطعه راغب بهدوء مصطنع :-

" بالتإكيد كان لديه وجهة نظر معينة في إختياره .."

رد عمار مؤكدا :-

" عمك يدرك جيدا إن لا أحد سيحافظ على مال ابنته كأخيها .. فضل مصلحة ابنته على أي إعتبارات أخرى .. "

هز راغب رأسه مرددا :-

" هذا ليس مهما .. المهم هو العرض الذي أتيت لأجله .."

اومأ عمار برأسه يطلب منه الحديث ليضيف راغب بهدوء المعتاد :-

" أنا أريد شراء الشركة منك بمبلغ قدره .."

كان المبلغ خياليا بحق لكن عمار يدرك إن الشركة هذه بالذات أرباحها قادرة على تعويض هذا المبلغ تماما ..

راغب الهاشمي يدرك جيدا أهمية هذه الشركة وهو يسعى جديا لإستردادها منه ..

أنهى راغب حديثه ليتأمل عمار بملامحه الساكنة تماما قبل أن يقول الأخير :-

" لو كنت مكاني ، هل ستبيعها …؟!"

انفتحت الباب ودلفت السكرتيرة وهي تحمل فنجاني القهوة حيث وضعت أمام راغب فنجانه ثم عمار قبل أن تنسحب خارجة من المكان ليجيب راغب بجديته المعهودة :-

" دعنا نتحدث بصراحة يا عمار … الشركة كانت لنا من الأساس .. عمي ورثها من جدي رحمة الله عليه .. بكل الأحوال نحن أحق بها من أي أحد .. "

" وجيلان ورثتها من والدها .."

قالها عمار بقوة ليومأ راغب برأسه مرددا :-

" نعم هو كذلك ولكن شركة كهذه لا يجب أن تخرج من العائلة .. نحن الأحق بهذه الشركة وبإدارتها .. "

هتف عمار بتحفز :-

" جيلان من العائلة راغب بك .. يعني الشركة لن تخرج من عائلتكم واذا كنت تقصدني أنا بحديثك فإدارتي لهذه الشركة وضع مؤقت حتى تكبر جيلان وتدير هي شركتها بل أملاكها بنفسها .."

قال راغب بصراحة :-

" كلا ستخرج .. جيلان ابنتنا هذا أمر لا خلاف عليه ولكنها ما زالت صغيرة على تحمل مسؤولية شركة كهذه .. انا أفكر بعيدا يا عمار .. سيأتي يوم وتتزوج جيلان وحينما ستصبح هذه الشركة ملكا لزوجها ومع مرور الوقت ستصبح خارج إطار شركات الهاشمي .. نحن الأحق بملكية هذه الشركة .."

هتف عمار هازئا :-

" كان عليك أن تخبر جدك رحمه الله بهذا الكلام قبل أن يمنح ملكية هذه الشركة لعمك والذي منحه بدوره لجيلان .."

هتف راغب بقليل من الحدة رغم ضبطه الشديد لأعصابه :-

" انتبه على إسلوبك وأنت تتحدث معي يا عمار .."

صاح عمار ساخطا :-

" وأنت إنتبه على ما تقوله .. تتحدث وكأن جيلان هذه ليست واحدة منكم .. تريد أن تأخذ منها شركة والدها والتي هي أحق الناس بها .."

نهض راغب من مكانه مرددا بقوة :-

" انا سآخذها مقابل مبلغ خيالي يا عمار .. مبلغ يفوق قيمة الشركة حتى .. أنت تعلم جيدا إن راغب الهاشمي لا يظلم أحدا ولا يأكل حق أحد …"

رد عمار ببرود مقصود :-

" مختصر الكلام .. طلبك مرفوض .. انا لن أبيع شركة أختي ولو عرضت علي أضعاف هذا المبلغ .."

منحه راغب إبتسامة باردة قبل أن يقول بنبرة جافة :-

" كما تريد .. لكن تذكر دائما إنني سأنال هذه الشركة .. بإرادتك أو إجبارا عنكِ .."

ثم تحرك بهدوء خارج مكتبه تتابعه أنظار عمار الحانقة وهو يردد بجفاء:-

" هذا ما كان ينقصني .. خلاف مع راغب الهاشمي كي تكتمل السعادة ..!"

……..:…………………………………………………….

جلست غالية أمامه تهتف بضيق :-

" إذا أنت مصر على قرارك ..؟!"

اومأ برأسه وهو يجيبها بجدية :-

" نعم يا غالية ولن أتراجع عنه .."

تأففت غالية وقالت :-

" ولكنه حقك .. أنت يحق لك في شركة والدي ما يحق لي وله .. بدلا من أن تفتح مشروعا خاصا بك وتبدأ من الصفر بإمكانك أن تأخذ الشركة الثانية .. الوضع سيكون أسهل وهذا حقك .."

قاطعها بتمهل :-

" انا أريد أن أبدأ من الصفر .. أفضل هذا .."

أضاف بغموض لم تنتبه له :-

" وحقي في أملاك والدي لن يمسه أحد .. أنا فقط أنتظر الوقت المناسب وحينها كل ذي حق سينال حقه. أردف بجدية: أنا ووسام اتفقنا على كل شيء وسنبدأ التنفيذ خلال أيام. أومأت برأسها على مضض ثم ابتسمت وهي تهتف بصدق: وفقك الله يا نديم. آمين حبيبتي. هتفت بعدها وقد تذكرت أمراً ما: صحيح.. هل ذهبت إلى حياة أم بعد؟ أجاب وقد تذكر أمر زيارته إلى حياة وذلك الحديث الذي جمعهما: بلى ذهبت وتحدثت معها أيضاً. سألته بفضول: عن أي شيء تحدثتما؟ صمت قليلاً ثم قال وهو يبتسم بخفة: عرضت الزواج عليها. اتسعت عيناها بدهشة حقيقية جعلته يبتسم على تلك الصدمة المرتسمة على وجهها بوضوح قبل أن تهتف بقليل من البلاهة: ماذا فعلت؟ رد وهو ما زال مبتسماً: عرضت الزواج عليها يا غالية. هكذا.. بهذه السرعة.. قالتها بعدم تصديق قبل أن تضحك وهي تهتف بتهكم: منذ أسبوع كنت تود قطع علاقتك بها وبعد أيام قليلة تعرض الزواج عليها. أضافت وهي تبتسم بسعادة: لكنه قرار مناسب.. أنا سعيدة لأجلك. لا تفرحي كثيراً فهي لم توافق على عرض بعد. قالها بقليل من الإحباط لتبتسم وهي تقول بثقة: ستوافق.. هي فقط تحتاج إلى بعض الوقت. أطلق تنهيدة صامتة ثم قال بصدق: أتفهم ذلك.. أتفهمه كثيراً. أردف بملامح مهمومة: رغم رغبتي الشديدة بالحصول على موافقتها لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الخوف مما هو قادم.. الخوف من أن يضرها وجودي معي. قالت غالية بسرعة تحاول إزالة هذا الشعور عنه: بالله عليك لا تفكر هكذا.. أنت لن تضرها يا نديم.. أنت لا يمكن أن تضر أحداً. ابتسم بمرارة وقال: نديم لم يعد كالسابق يا غالية.. تغيرت الكثير من الأشياء داخلي.. الفترة التي قضيتها في السجن تركت آثارها داخلي.. آثار ربما لم تنتبهي عليها ولكنني أدركها جيداً.. أشياء كثيرة داخلي ما زلت عاجزاً عن تجاوزها. تطلعت إليه بشفقة بينما تنهد هو بصوت مسموع قبل أن يسألها: صحيح.. هل عمار ما زال مقيماً في الفيلا؟ أقصد يعني هل يتردد دائماً في الفيلا ويبات فيها؟ أجابته رغم دهشتها من سؤاله: كلا.. منذ ما حدث مع ليلى وهو لا يأتي إلى الفيلا أبداً.. أتذكر إنه أتى مرة واحدة فقط حيث صعد إلى غرفته مباشرة وخرج بعد أقل من ساعة. سألته بعدها: لماذا تسأل عنه يا نديم؟ منحها ابتسامة باهتة وهو يجيبها: مجرد سؤال عادي لا أكثر... نظرت إليه بعدم اقتناع لكنها آثرت الصمت بينما سرد هو بأفكاره بعيداً مفكراً إن عليه البدء بأولى خطواته المنتظرة. من يراك اليوم لا يصدق إنك ليلى التي كانت يائسة محطمة منذ أيام. قالتها مريم وهي تتأمل أختها التي تقف أمام المرآة تضع الحمرة على شفتيها مرتدية فستاناً أرجوانياً رائعاً وشعرها الأشقر الحريري منسدل بشكل جذاب على ظهرها. كانت تبدو مشعة حقاً وكأن ليلى القديمة عادت بل خرجت من سباتها الذي طال لأعوام. من الآن فصاعداً ستريني هكذا دائماً... قالتها وهي تلتفت نحوها وتقف أمامها بابتسامة رائعة وفتنتها الطاغية سيطرت على المكان. تأملتها مريم بجمالها الأرستقراطي الجذاب قبل أن تهتف بصدق: أنت تدركين بالتأكيد مدى جمالك بل فتنتك يا ليلى.. دوماً ما كنت الأجمل بيننا جميعاً. لماذا تقولين هذا الآن؟ سألتها ليلى مستغربة لتبتسم مريم وهي تقول بجدية: ربما كي تعلمي إنك تستحقين الأفضل بكل شيء.. ربما كي تدركي قيمة نفسك يا ليلى. سألتها ليلى مستنكرة حديثها: ألا أفعل ذلك يا مريم؟ لم تجبها مريم بل تجاهلت سؤالها وهي تبتسم وتربت على وجهها مرددة بحب: لكن اليوم أنت بالفعل تبدين في أروع حالاتك.. مشعة كالشمس.. ما رأيك أن نخرج ونسهر في أحد الأماكن؟ لم لا؟ أنا أريد الخروج حقاً. قالتها ليلى بحماس قبل أن تسمع صوت طرقات على الباب ثم تدخل الخادمة تخبرها: عمار بك ينتظر في الأسفل يا هانم. هتفت مريم بقرف: هادم اللذات ومفرق الجماعات. لكن ليلى لم تهتم ولم تنزعج بل ابتسمت وهي تخبر الخادمة: أخبريه إني قادمة حالاً. ثم نظرت إلى مريم تخبرها بثقة فاجأت الأخيرة: تجهزي كي نخرج سوياً بعد ذهابه. ثم سارت بخطواتها المترفة خارج غرفتها. دلفت ليلى إلى صالة الجلوس لتجد عمار هناك والذي نهض من مكانه يتأملها من رأسها حتى أخمص قدميها بملامح لا تحمل أي تعبير قبل أن يلتوي فمه بابتسامة صغيرة وهو يهتف بتهكم واضح: يبدو إن الانفصال عني منحك جمالاً وحيوية بل وسعادة أيضاً. سألته وهي تجلس أمامه واضعة قدماً فوق الأخرى: ألديك شك في هذا؟ جلس أمامها هاتفا بابتسامة مستفزة: أدرك جيداً كم عانيت معي لكن حبيب قلبك يستحق هذه المعاناة. سألته بجدية دون أن تظهر ضيقها من حديثه: ماذا تريد يا عمار؟ أجابها بهدوء: جئت لأخبرك إنني سأطلقك يا ليلى.. بل وسأمنحك كافة حقوقك. هتفت بسرعة: لا أريد أي شيء منك سوى حريتي. ثم سألته باستغراب: ولكن ما سبب تغيير رأيك فجأة؟ لم تظهر على ملامحه شيء وهو يجيب: عدة أسباب أهمها... قاطعته بضيق: لا يهمني معرفتها.. أياً كانت أسبابك فهي لا تهمني.. المهم إنني سأتطلق. اسمعيني أولاً يا لولا فهناك شيء ما يجب أن تعلمينه. هتفت بنفاذ صبر: تفضل وقل ما لديك. ابتسم وهو ينهض من مكانه مقترباً منها قبل أن يضع أمامها ظرفاً أبيض متوسط الحجم ويهمس لها: افتحيه. نظرت إليه بقلق قبل أن تجذب الظرف وتفتحه بأنامل متوترة لتخرج مجموعة من الشيكات والتي تحمل أرقاماً خيالية جميعها تحمل توقيع والدها. ما هذه؟ هذه مزورة بالتأكيد. قالتها وهي تنتفض من مكانها بعنف ليهتف بها محذراً: اخفضي صوتك.. لا يجب أن يسمع أحداً فهناك شيئاً آخر مهماً من الأفضل ألا يسمعه سواك. ما هذه الشيكات؟ هل كان والدي يتدين منك وأنا لا أعلم؟ سألته لاهثة ليهتف بجدية: كلا ليس مني.. كان يتدين من غيري.. من بعض أصدقائه من رجال الأعمال وأنا اشتريت هذه الشيكات منهم بعدما دفعت لهم المبلغ المطلوب وبالتالي أصبح دينه عندي. هزت رأسها بعدم تصديق وهي تهتف: ولكن تاريخ هذه الشيكات من أعوام.. ثلاثة أعوام وأكثر.. لماذا ظهرت الآن؟ ابتسم مردداً بمكر: لقد خبأتها لوقت الحاجة.. كنت أنتظر الوقت المناسب كي أظهرها أمامك.. وها قد جاء الوقت المنتظر. وماذا عن أبي؟ كيف لم يسدد ديونه؟ كيف سمح لنفسه أن يبقى تحت رحمتك؟ ضحك مردداً: أبوك لا يعلم إن الشيكات أصبحت عندي.. المسكين صدق كلام أصحاب الشيكات الأصلية بإنهم سينتظرونه حتى يستطيع إيفاء ديونه فتمادى بدوره وتجاهل كافة الديون خاصة وإن شركته لا تربح سوى القليل جداً والذي بالكاد يكفي مصاريفه. هزت رأسها تردد بعدم تصديق: لا أصدق.. كيف وصل به الحال إلى هنا؟ كيف؟ هتف بنبرة ماكرة وابتسامة خفية: مسكين.. لديه بدل المنزل اثنان.. وزوجته الثانية متطلبة كثيراً. تجمدت ملامحها وهي تستمع إلى حديثه لتهتف بعدم تصديق: ماذا تقول أنت؟ أية زوجة؟ قال بجدية: والدك متزوج بأخرى منذ أعوام ولديه طفلاً منها أيضاً.. طفلاً جميلاً لديه شعر أشقر لا مثلك وعينين زرقاوين حادتين فاتنتين كعيني أختك.. لو تراه يا ليلى.. يشبهكما كثيراً. أضاف وهو يتأمل ملامحها المحتقنة كلياً: لا تلوميه يا عزيزتي.. الرجل كان يريد صبياً يحمل اسمه ووالدتك عجزت عن منحه الصبي الذي يتمناه. أخذت تهز رأسها بعدم تصديق والألم يسيطر على كل خلجاتها لتجلس على الكنبة خلفها بوهن وعقلها لا يستوعب ما حدث بيننا هتف هو أخيراً مخبراً إياها ما تبقى في جعبته: اسمعيني يا ليلى.. هما شرطان لا ثالث لهما.. إن لم تنفذيهما سأقدم الشيكات كلها إلى الشرطة وحينها الله وحده يعلم كم سيسجن والدك كما إن خبر زواج والدك الثاني سيكون وقعه صعباً على والدتك المسكينة والتي بالتأكيد لن تتحمل صدمة كهذه في زوجها الحبيب. تأمل نظراتها المليئة بالوجع وقال مضيفاً: ما أريده منك ليس صعباً على الإطلاق.. تؤجلين الطلاق لفترة.. فترة قصيرة وسأطلقك أنا بنفسي بعدها.. هذا أول شيء أما الشيء الآخر فهو إنك لن تفعليها وتخبري نديم بالسبب الحقيقي وراء زواجك مني.. لن تخبريه بتهديداتي لك ولا بأي شيء خاص بيننا.. التزمي بشروطي وأنا أعدك إنني لن أفعل ما يؤذي والدك وعائلتك مهما حدث.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...