أوقفت سيارتها أمام مقر شركته وهبطت منها تتجه بملامح مشدودة إلى داخل الشركة. كانت تسير بخطوات سريعة مندفعة وكأنها لا ترى أحدًا أمامها. سوى بكل خبثه ودنائته، ضغطت على زر المصعد ووقفت جانبه تنتظر نزوله. عندما فُتِحت الباب ودلفت إلى الداخل وضغطت على الزر المخصص للطابق الأخير. كانت متجهمة الملامح تعقد ذراعيها أمام صدرها وعقلها يفكر بالعديد من الأشياء التي يمكنها أن تفعلها. لكن هناك شيء واحد مصرة عليه وستنفذه حالًا.
اندفعت خارج المصعد ما إن فُتِحت بابه واتجهت بخطوات متسارعة حيث مكتبه. بعدما سألت إحدى الموظفات المارة بجانبها عن مكان مكتبه. وصلت إلى حيث دلتها الموظفة لتجد سكرتيرته تجلس في مكتبها تمارس عملها. عندما انتفضت من مكانها تصيح عليها وهي تجري خلفها تخبرها أن تتوقف. لكنها لم تهتم وهي تندفع إلى داخل المكتب بكل قوتها. فانتفض عمار من مكانه غير مستوعبًا ما يحدث.
فها هي مريم تقف أمامه منتصبة الجسد بملامح شامخة يملؤها الحقد والتوعد. وعيناها المتطرفتان تخبرانه بكم الرغبة داخلها في الانقضاض عليه وافتراسه. نطقت أخيرًا بصوت حازم متحفز: "أريد الحديث معك." أشار عمار بعينيه للسكرتيرة يخبرها أن تنصرف. فأومأت برأسها متفهمة وتحركت خارج المكتب وأغلقت الباب جيدًا. ليهتف عمار بصوت خرج جادًا قويًا: "تفضلي." تقدمت نحوه بخطوات ثابتة ووقفت أمامه لا فاصل بينهما سوى مكتبه. تخبره بعينين تتطلعان
إليه بكل تبجح وثقة ممكنة: "هي كلمة واحدة فقط سأقولها، طلق ليلى واتركها تعيش حياتها بحرية." ملامحه كساها الجمود للحظات فقط، عيناه تتفرسان النظر في ملامحها التي لا يعشق سواها. وبالرغم من جموده المهيب كانت تقابله بثبات مثير للإعجاب. ونظراتها تخبره بكل صراحة أنها لن تتراجع عما تريده ولو كلفها الأمر الكثير. "هل هي من طلبت ذلك؟ سألها بهدوء ونبرة خرجت عادية لا تحمل شيئًا معينًا. وعاد يتساءل قبل أن يمنحها فرصة الرد:
"هل أوكلتكِ للتحدث معي بشأن هذا نيابة عنها؟ قالت بجدية: "هي لا تستطيع قول ذلك، لا تستطيع طلب الطلاق لسبب أنت تعرفه حق المعرفة." صمت لوهلة يفكر في حقيقة أنها باتت تعلم كل شيء. بالطبع ليلى هي من أخبرتها. وبدوره لم يكن مستغربًا، فكان يتوقع أن يأتي اليوم وتعلم مريم من أختها حقيقة الأمر. حقيقة تهديده لها كي تتزوجه. لكنه راوغ كالعادة وهو يستفسر من جديد مدعيًا الحيرة: "وما هو السبب الذي يمنعها عن ذلك؟
ضمت شفتيها للحظة ثم عادت ترسم على ثغرها ابتسامة متهكمة وهي تردد بملامح تتقد شرًا: "تراوغ كالعادة. حسنًا، لأتحدث أنا إذًا بصراحتي المعتادة وأخبرك بما تدعي عدم معرفته رغم أنك تعرفه جيدًا." أضافت بصوت هادئ لكن قوي وملامحها كساها الكره الشديد بسبب ما تعرضت له أخته من ابتزاز على يديه: "أنت هددت ليلى يا عمار، هددتها بحياة نديم مما جعلها مجبرة على الزواج بك. تزوجتك وعاشت تعيسة لسنوات معك فقط كي تنقذ نديم من براثن إجرامك."
أردفت بنبرة مليئة بالبغض حيث لم تستطع منع نفسها من قول هذا: "كم أنك رجلٌ نذل وحقير كي تستغل مشاعرها وحبها الشديد لأخيك." وهنا لم يستطع عمار التحكم في غضبه، فضرب بكفيه على سطح المكتب بقوة جعلتها تجفل لا إراديًا. ليندفع بعدها نحوها بسرعة مخيفة قابضًا على ذراعها يهدر بها وهو يهزها بعنف: "إياك يا مريم، إياكِ أن تتجاوزي حدودكِ وتنعتيني بصفات كهذه مهما حدث."
ومريم بالطبع ازداد غضبها منه أضعافًا، فجرت ذراعها من قبضته الشديدة بعنف وأخذت تصيح به بصوت منفعل ساخط: "بل سأفعل، سأفعل لأنك تستحق. الذي يستغل فتاة لا حول لها ولا قوة في انتقامه يستحق هذا وأكثر." وجدت ملامحه تشتد بطريقة مخيفة وعيناه تبدوان على وشك الفتك بها بينما جسده يميل نحوها بنية الانقضاض الحتمي عليها. في تلك اللحظة بدأ الذعر يتسرب إليها وقد استوعبت أخيرًا حقيقة وجودها أمام شيطان حقير لا يرحم.
فظهر الارتباك جليًا على ملامحها وهي تتراجع إلى الخلف بخطوات بدت لا إرادية ولا وعي منها. لكنه انقض عليها بالفعل محيطًا جسدها بذراعيه جاذبًا إياها نحوه مقربًا وجهه من وجهها المرتعب مرددًا بحدة ونبرة مخيفة: "من أنتِ كي تتحدثي هكذا؟ من أين أتتك الجرأة كي تتحدثي معي بهذه الطريقة؟ حاولت السيطرة على خوفها من هذا القرب المقيت فأجابت بصوت خرج ثابتًا وعينين واثقتين:
"أنا مريم، مريم سليمان، لا أخشى أحدًا ولا يهمني أحدًا. أفعل ما يحلو وأعبر عن داخلي دون خوف أو تردد. أنا مريم يا عمار، مريم التي لن تترك أختها الوحيدة فريسة لك، لن تسمح لك باستغلالها أكثر. مريم التي ستحرر ليلى منك ومن قيدك يا عمار." وبالرغم من شدة غضبه وضيقه من طريقة حديثها معه وما تلفظت به، إلا أن إعجابه بقوتها وشراستها كان يزداد أضعافًا. وعشقه الثابت لها بدأ يشتد بشكل مخيف.
هي لا تدرك ما تفعله وما يشعر به الآن وفي هذه اللحظة حيث يحاصرها بذراعيه ووجهها الجميل قريب للغاية من وجهه. تأملت مريم نظراته الجامدة المسلطة على وجهها بقوة وعناد فطري، فسمعته يقول وتلك النظرة الجامدة في عينيه تحولت إلى أخرى شغوفة أجفلتها: "لو تعلمين مدى إعجابي بكِ وبقوتك هذه يا مريم، أنتِ... صمت قليلاً وهو يفترسها بنفس النظرة الشغوفة الخالصة ليزداد رعبها من تلك النظرات التي تمنحها أفكارًا مرعبة لا تتمنى تصديقها.
بينما يسترسل بصوت انتقل شغف النظرات له على ما يبدو: "أنتِ قوية وجذابة بشكل يعجز الكلام عن وصفه وتعجز القلوب عن تغاضيه." وفي لمح البصر وما إن قال ما في جعبته وانتهى منه، اختفت النظرات الشغوفة وحل محلها الجمود من جديد ليسأل بصوت جليدي: "والآن، هل انتهيت أم هناك المزيد؟ حاولت مريم أن تستعيد ثباتها وتسيطر على ذلك الاضطراب الذي سيطر على كل شبر من جسدها بعدما حدث. فهتفت بصوت خرج مرتجفًا بشكل لا إرادي عنها: "طلق ليلى."
رد عليها بحزم قاطع: "لن أفعل." قاطعته بقوة وتصميم: "بل ستفعل." سألها بملامح هازئة: "وكيف ستجبريني على ذلك؟ صاحت بنفاذ صبر منه ومن أسلوبه المليء بالاستفزاز: "طلقها يا نديم، طلقها من فضلك." هز رأسه نفيًا دون رد وهناك ابتسامة مغيظة مرتسمة على شفتيه. "من تظن نفسك كي تتحكم في مصيرها هكذا؟ سألته بأعصاب مشدودة على وشك الانفجار الحتمي لتجده يجيب وهو يطالعها بنظرات مستلذة بتلك الفتنة التي تسيطر على ملامحها الغاضبة:
"هي من اختارت ذلك، فلا تلوميني أنا يا مريم." لم تشعر بنفسها إلا وهي تقبض بكفها على المزهرية الموضوعة على المكتب جانبها تضغط عليها بقوة وداخلها تتمنى أن تحطم بها رأسه. نظر إلى كفها التي تعتصر المزهرية وقال بتهكم بارد: "خففي من عصبيتك يا مريم كي لا تصابي بالجلطة لا سامح الله." وفي لمح البصر كانت ترمي المزهرية على الأرض فتتحطم إلى أشلاء بينما تصرخ هي به: "اخرس، لا أرغب بسماع صوتك البغيض، أنت... أضافت
بصوت مرتجف من فرط عصبيتها: "ستطلق ليلى يا عمار، ستطلقها، هل فهمت؟ قالت كلماتها الأخيرة وهي تشير بإصبعها ناحيته لتسمعه يسأل ببرود مستفز: "وإذا لم أفعل؟ تقدمت نحوه أكثر حتى بات التلامس بينهما وشيكًا فتحدثت بصوت هادئ قوي وعينيها المشتعلتان تحاصران عينيه الراغبتين: "سأفضحك، سأخبر نديم بكل شيء." رده كان باردًا لا مباليًا: "أخبريه، لكن عليك استشارة ليلى أولاً فلا أظن أنها ستوافقك على هذا."
"سأخبره يا عمار، سأخبره بكل شيء وكيف أجبرت ليلى على زواجها منك وحينها سيأخذ هو حقها منك كاملًا." نطقت جملتها الأخيرة بملامح شامتة فوجدته يهتف بسخرية: "أخبريه يا مريم، لكن ضعي في رأسك إن تصرفك هذا سيزيد الطين بله. حينها ستدمرين ليلى أكثر وتتسببين في موت نديم لأني سأنفذ تهديدي وقتها." هتفت ببرود يماثل بروده:
"لا يهمني نديم ولا تهمني أنت وما ستفعله. ما يهمني هو أختي، أختي فقط. أما أنت وأخاك فلتذهبا أنتما الاثنان إلى الجحيم." أنهت كلماتها ومنحته نظرة متوعدة أخيرة ثم انطلقت خارج المكان بسرعة وهي تتوعد في داخلها لذلك الحقير. كانت ليلى تسير داخل غرفتها ذهابًا وإيابًا والقلق يسيطر عليها. لا تعرف أين ذهبت مريم وماذا فعلت. هي تعرف مدى عصبية أختها وتهورها وتخشى كثيرًا من تصرفاتها غير المحسوبة.
عادت تتصل بها من جديد على أمل أن ترد هذه المرة، فهي لم تجب على جميع اتصالاتها السابقة. ومن حسن حظها أنها أجابتها بصوت مبحوح من شدة انفعالها السابق في حديثها مع عمار: "نعم ليلى." سألتها ليلى محاولة السيطرة على أنفاسها المضطربة القلقة: "أين ذهبتِ يا مريم ولماذا تتجاهلين اتصالاتي؟ أجابت مريم بفتور: "ليس مهمًا." ثم أضافت بنبرة حازمة قوية تحسم هذا الموضوع: "اسمعيني يا ليلى، سترفعين دعوة طلاق على هذا النذل. هل فهمتِ؟
صاحت ليلى وقد ضايقتها طريقة مريم: "لا تتحدثي معي بهذا الأسلوب يا مريم." وأردفت معترضة على حديثها بشدة وشعور أن الجميع بات يتحكم بها وبتصرفاتها يخنقها كليًا: "لن أفعل ذلك وأنتِ لا يحق لكِ أن تأمريني بهذه الطريقة." هتفت مريم بصوت ذاهل وإصرار ليلى على عدم الطلاق بل التعامل معها وكأنها تجبرها على ما لا ترغب يضاعف غضبها من سلبية أختها: "تتضايقين مني ومما قلته بينما أنا أقول ذلك لأجل مصلحتك. أنا لا أصدق ما أسمعه."
استرسلت بصوت عصبي وقد بلغ غضبها من أختها ذروته: "لماذا تفعلين بنفسك هذا؟ لأجل من؟ لأجل نديم؟ تضحين بحياتك ومستقبلك كله لأجله؟ أنا لا أفهم حقًا كيف تفكرين. أفيقي يا ليلى، يكفي غباءً وسلبية." "غباءً؟ قالتها ليلى بألم ظهر جليًا في صوتها بينما شعرت مريم بخطئها الذي تسبب به انفعالها الشديد. فهمت بالاعتذار لكن ليلى سبقتها وهي تقول بصوت حازم محاولة السيطرة على نفسها كي لا تصيح عليها بقسوة:
"لاحظي أنكِ تتحدثين مع أختكِ الكبرى يا مريم." هتفت مريم بضيق من نفسها أولاً قبل ليلى: "أنا أعتذر يا ليلى ولكنكِ لا تعرفين مصلحتكِ وتدمرين نفسك وحياتك بلا مبالاة." قالت ليلى بإيجاز محاولة إنهاء المكالمة وفي داخلها تعلم أن مريم تتطرق إلى الشيء الذي لطالما خشيت منه: "أرجو منكِ ألا تتدخلي في هذا الأمر يا مريم. هذه حياتي الخاصة وأنا حرة في كيفية إدارتها." ثم أضافت، منهية المكالمة بالفعل دون أن تعطي الفرصة لمريم بالرد:
"سأغلق الهاتف الآن. مع السلامة." أغلقت الهاتف في وجهها ثم أخذت تعتصره لا إراديًا داخل قبضة يدها. وكلام مريم أوجعها كليًا وحقيقة أنها دمرت حياتها بنفسها تؤلمها وتجعلها تشعر بكم الوجع والأذى الذي تسببت به لذاتها. لكنها تدرك جيدًا في نفس الوقت أنها فعلت هذا لأجل نديم. حبها الأوحد. هي ليست نادمة أبدًا، فهي لن تتحمل أن يؤذي عمار حبيبها بأي شكل من الأشكال.
لذا دائمًا وأبدًا كانت ستوافق على طلبه في سبيل إنقاذ نديم من براثن ذلك الحقير. رمت هاتفها على السرير ثم تحركت خارج الغرفة مقررة أن تخرج إلى الحديقة لعل الجو في الخارج يساعدها في تهدئة أعصابها المثارة. هبطت درجات السلم نحو الطابق السفلي عندما وجدت غالية تدلف إلى المنزل بملامح مكفهرة. حيث ألقت التحية باقتضاب عليها ثم همت بالتحرك نحو السلم كي تصعد إلى غرفتها. لكن ليلى أوقفتها تسألها باهتمام: "ماذا حدث يا غالية؟
تبدين لستِ بخير. هل هناك مشكلة ما؟ زفرت غالية أنفاسها ورددت باستياء ظهر على ملامح وجهها الحسنة وفي نبرة صوتها الناعمة: "رجل تافه وسخيف، يتحدث بوقاحة لم أرَ لها مثيل." سألتها ليلى باستغراب من تلك الكلمات التي لم تسمعها يومًا تصدر على لسان غالية: "عمن تتحدثين؟ أي رجل وماذا فعل؟ تبرمت ملامح وجهها لا إراديًا وهي تتذكر كلامه الوقح وقلة حياءه فأخبرتها بما قاله. ضحكت ليلى لا إراديًا وقالت من بين ضحكاتها:
"إنه قليل الأدب حقًا." ثم أضافت وهي تغمز لها: "لكن لا تلوميه فجمالك آسر حقًا يا ابنة خالتي." ردت غالية بامتعاض حقيقي: "وقح وعديم الحياء، أقسم بالله إنني لن أتردد لحظة واحدة في ضربه إذا عاود تصرفاته هذه." سألتها ليلى بتعجب: "وأين سترينه من جديد يا غالية؟ أجابت غالية بجدية: "سألت عنه وعلمت إنه شريك عمار الجديد. بالتأكيد سيتردد دائمًا في الشركة وربما يجمعني عمل معه أيضًا." "سألتِ عنه أيضًا؟
لا تقولي إنه شغل اهتمامك يا غالية." صاحت غالية لا إراديًا مستنكرة ما تقوله ليلى فهي بالطبع لم ولن تهتم بمن مثله: "بالطبع لا، أنا لست مهتمة أبدًا ولكن فضولي دفعني لمعرفة من هذا الرجل الذي يمتلك كل هذه الجرأة والوقاحة في التعامل." هتفت ليلى بسرعة: "حسنًا معك حق، ولكن أخبريني هل هو وسيم؟ قالتها ليلى وهي ترمقها بنظرات عابثة مرحة لتضم غالية شفتيها بضيق من تفكير ليلى التي يبدو أنها صدقت بالفعل اهتمامها بذلك الوقح.
ردت غالية أخيرًا باقتضاب وهي تتذكر ملامحه الرجولية التي لا تخلو من الجاذبية: "ليس كثيرًا، ملامحه عادية عمومًا لكنه جذاب." ابتسمت ليلى وشعور أن ذلك الرجل سيكون له دور في حياة غالية سيطر عليها. وقبل أن تتحدث كان عمار يقتحم المكان بملامح جامدة حيث اتجه نحوها وأمرها: "اتبعيني إلى غرفتنا."
ثم اتجه بخطواته نحو السلم لتتلاقى نظرات غالية المستغربة بنظراتها الباردة فتخبرها أنها ستتبعه وتتحرك بالفعل خلفه وهي تعرف حق المعرفة ما يريده. دلفت ليلى إلى غرفتها لتجد عمار يجلس على الكنبة بملامح متحفزة وكان قد خلع سترته ورماها جانبه بإهمال. توقفت أمامه بملامح ثابتة تسأله: "نعم؟ ماذا تريد؟ "أخبرتكِ مريم بكل شيء إذا." كان صوته هادئًا ساكنًا لا يوحي بشيء. وردت هي بنفس الهدوء والثبات:
"ليس بالضبط، لم أخبرها عن كونك المتسبب في حبسه. لم أتطرق إلى هذا الموضوع." سألها بملامح هازئة: "لماذا؟ كان عليكِ أن تخبريها بكل شيء." ردت بقوة: "سأفعل المرة القادمة." انتفض من مكانه متقدمًا نحوها بملامح متحفزة ونظرات نارية ليقف في وجهها قائلاً بصوت قوي حازم:
"موضوع الطلاق انسيه تمامًا فأنا لن أطلقك في جميع الأحوال. في السابق منحتك الحرية المطلقة في تحديد مصيرك وأنتِ اخترتِ البقاء لأجل حماية حبيبك نديم باشا. أما الآن فالوضع تغير. من الآن فصاعدًا القرار لي وحدي وقراري هو بقاؤك زوجتي ملكي حتى أقرر يومًا ما العكس." أكمل ونظراته الثائرة تحاصرانها بقوة: "وهناك شيء آخر يجب أن تعلميه، زواجنا سيصبح حقيقيًا قريبًا جدًا، استعدي لذلك من الآن."
أنهى كلماته الحازمة وانسحب خارجًا من المكان بأكمله تاركًا إياها تنظر أمامها بملامح جامدة لا يتحرك بها شيئًا سوى مقلتيها العسليتين اللتين تهتزان تلقائيًا وتحملان داخلهما الكثير من الألم. دلفت حياة إلى منزلها بملامح مرهقة حيث خلعت حذائها على الفور وحملته متجهة إلى غرفتها. وضعت الحذاء في مكانه بعدما أغلقت الباب خلفها واتجهت نحو الخزانة حيث أخرجت لها بيجامة وشرعت في خلع ملابسها وارتدائها.
جلست بعدها على السرير وهي تحمل هاتفها وتفتحه لتجد اتصالات من مي صديقتها ومن رقم غريب عرفته جيدًا. تأففت بضيق ثم قررت الاتصال على مي التي سألتها عن أحوالها وأحوال والدها. فردت حياة باختصار عليها تخبرها إن والدها أصبح أفضل من السابق وسيخرج غدًا من المشفى. أنهت اتصالها مع مي وتمددت بجسدها فوق سريرها تنظر إلى السقف بعينيها وعقلها يفكر لا إراديًا بوالدها ووضعه الصحي.
هي تعلم أن وضع والدها خطير وأن تحسنه هذا هو مجرد تحسن وقتي. تشعر بالألم والضعف كلما تذكرت أن فقدان والدها بات وشيكًا فوضعه الصحي سيء حقًا وجسده الضعيف لن يتحمل مرضه أكثر. تتمنى لو بمقدورها فعل شيء لكن لا شيء يمكن فعله فهذا عمره الذي كتبه الله له وفي النهاية مهما حدث فالموت حق وسيأتي يوم وتخسره. طفرت الدموع داخل عينيها وهي تشعر بأنها غير مستعدة أبدًا لخسارته وحقيقة أنها ستغدو وحيدة من بعده توجعها بشدة.
عادت تفكر بأمر خروجه غدًا وضرورة شراء جهاز التنفس له وجلب أحد يعتني به. ماذا ستفعل ومن أين ستجلب الأموال الكافية لهذا؟ اعتدلت في جلستها تحاول التفكير بحل فهي لا تريد لوالدها أن يتعذب في آخر أيامه لذا عليها أن توفر كافة سبل الراحة له. أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها فوجدت نفس الرقم يتصل به. نظرت إلى الرقم بملامح ساخطة بينما المتصل ما زال يلح عليها كي تجيب. زفرت أنفاسها بضيق ثم ضغطت على زر الإجابة ليأتيها
صوت والدتها المتلهف: "حياة! وأخيرًا أجبتِ، قلقت عليكِ كثيرًا." قاطعتها حياة بصوت بارد لا حياة فيه: "ماذا تريدين؟ هتفت والدتها بحزن من جمودها الدائم معها: "لماذا تفعلين هذا يا حياة؟ لماذا يا ابنتي؟ سألتها حياة بصوت منزعج: "ماذا فعلت أنا لا أفهم؟ أجابت والدته بألم شديد من أسلوبها القاسي معها: "أنتِ تؤذينني بطريقتك هذه يا حياة، أنا والدتكِ يا حبيبتي، لماذا تتعاملين معي هكذا؟
نعم أخطأت في حقكِ وحق والدكِ لكنني أريد إصلاح خطئي، لماذا ترفضين ذلك؟ لماذا لا تسمحين لي بهذا؟ صاحت حياة بصوت منفعل وقد هطلت الدموع من عينيها لا إراديًا وذكرى تخليها عن والدها وعنها أيضًا تجرحها بقسوة: "لأنكِ لا تستحقين، لأنكِ تخليتِ عنا، بعتنا لأجل المال والحياة الرغيدة، هل تريدين أسبابًا أخرى؟ في الحقيقة هذه الأسباب لوحدها كافية تمامًا." هتفت والدتها بصوت معترض باكي:
"كلا يا حياة، أنا لم أتخلَ عنكِ، على العكس تمامًا، ربما تخليت عن والدكِ بالفعل لكن عنكِ لا، أنتِ ابنتي يا حياة، ابنتي البكر وأول فرحتي، كيف أتخلى عنكِ؟ "لكنكِ فعلتِ." قالتها حياة بصوت باكي لتسمع والدتها تتوسلها: "سامحيني يا حياة، أعطيني فرصة واحدة أرجوكِ." أضافت والدتها بترجي: "أتوسل إليكِ يا ابنتي سامحيني، أنا لا أريد شيئًا سوى الاقتراب منكِ وتعويضك." سألتها حياة بسخرية مريرة: "تعويضي؟ عن أي شيء ستعوضيني بالضبط؟
أضافت وهي تمسح دموعها: "لا يوجد شيء يستطيع تعويضي عما عشته طوال حياتي بلا أم." "امنحيني فرصة واحدة." قالتها والدتها برجاء باكي لترد حياة بقوة وتحذير متجاهلة توسلاتها: "إياكِ أن تأتي إلى المشفى مرة أخرى، صحة والدي سيئة للغاية ولا أريدها أن تتدهور أكثر بوجودك." قالت والدتها بسرعة وهي تتذكر حديث الطبيب عن صحة فاضل: "أعلم، لقد تحدثت مع الطبيب وأخبرني بكل شيء." أكملت تعرض عليها المساعدة بتردد من ردة فعلها:
"حبيبتي والدك يحتاج إلى جهاز باهظ الثمن وعناية تحتاج إلى أموال كثيرة، أنا فقط فكرت إنه بإمكاني مساعدتكِ." قاطعتها حياة بإباء: "لا أحتاج مساعدتكِ." هتفت والدتها تصر عليها: "يا ابنتي لا تعاندي، أنتِ لا تمتلكين ما يكفي لدفع كل هذه المصاريف." صممت حياة على رفضها: "سأتدبر أمري بنفسي، أشكركِ على اهتمامك." تنهدت والدتها بصوت مسموع ثم قالت أخيرًا بعدما يأست من محاولاتها:
"كما تشائين، لكن تذكري دائمًا أنني موجودة دائمًا ولا تترددي لحظة واحدة في طلب المساعدة إذا احتجتِ يومًا لذلك فأنا والدتك يا حياة." أغلقت حياة الهاتف بعدما أنهت اتصالها مع والدتها وهي تشعر بتعبها يزداد ورغبتها في النوم تلح عليها فقررت تأجيل مذاكرتها والنوم قليلاً قبل أن يأتي موعد ذهابها إلى عملها مساءً. في صباح اليوم التالي. فتح نديم عينيه على صوت رنين منبه هاتفه. اعتدل في جلسته وهو يحمل هاتفه ويغلق المنبه.
زفر أنفاسه بتعب وهو ينهض من مكانه يستعد لأخذ حمامه سريعًا قبل الذهاب لزيارة مجد صديقه. حيث استعد لزيارته منذ يومين بعدما علم بموعد الزيارة مقررًا عدم تفويتها فهو وعده أن يزوره دائمًا ولا ينقطع عنه مهما حدث. خرج بعد مدة من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة ليبدأ بارتداء ملابسه استعدادًا للخروج. خرج بعد مدة من الشقة وركب سيارته متجهاً إلى نفس المكان الذي غادره منذ مدة قصيرة. بعد مدة كان يجلس أمام مجد الذي فرح بشدة لمجيئه
حيث قال بفرحة سيطرت عليه: "كنت أعلم إنك ستزورني بعد خروجك يا نديم ولكن لم أتوقع أن تأتي زيارتك بهذه السرعة." هتف نديم بصدق: "اشتقت لك كثيرًا يا صاحبي." "وأنا أيضًا يا نديم، أخبرني كيف وضعك الآن وماذا فعلتَ بعد خروجك؟ أطلق نديم تنهيدة طويلة وعقله بدأ يراجع ما قام به منذ خروجه فلم يجد سوى اللا شيء. نطق وقد سيطر على ملامحه الضيق الواضح:
"لا شيء، لم أفعل أي شيء يا مجد، تركت منزلي فقط وأصبحت أعيش لوحدي في شقة قريبة من المنزل، هذا فقط لا غير." سأله مجد بجدية وعتاب صريح: "وهل تنوي البقاء هكذا يا نديم؟ لا تفعل أي شيء." رمقه نديم بنظرات تخبره عن مدى شقائه ورد بصوت يحمل في طياته الكثير: "لا أعلم يا مجد، أحيانًا أرغب بفعل شيء، أي شيء، فقط كي أشعر إنني بدأت أنهض بنفسي قليلاً ولكن... صمت قليلاً ثم قال:
"لكنني أشعر إنني عاجز عن القيام بأي شيء، حتى أبسط الأشياء عاجز عنها." تحدث مجد بصوت قوي محفز: "كلا يا نديم، أنت لست بعاجز، يكفي يا نديم حقًا، لقد حدث ما حدث وعليك تجاوزه، هذا الأمر لا خيار فيه فأنت مجبر على التعايش وتجاوز ما حدث، مجبر على النهوض بنفسك لأجلك أنت يا نديم. الحياة لن تقف على مصيبة حدثت أو مشكلة أطاحت بك، الحياة تستمر وأنت مجبر على الاستمرار بدورك." أردف وهو يتأمل ملامحه التي شردت كليًا بعد سماع كلماته:
"أنت تضيع أيام وربما سنين من عمرك دون أن تعي ذلك، قاوم نفسك وضعفك الذي يجبرك على هذا، قاوم كل شيء وحارب كل ما يمنعك عن البدء من جديد." نظر نديم إليه بهدوء دون أن يعقب على حديثه وقد تذكر فجأة حديث حياة وهي تخبره بسلاسة:
"أؤمن إننا خلقنا في هذه الحياة ونحن مجبورون على المرور في العديد من الاختبارات، اختبارات صعبة وطويلة، ونحن أمام ذلك لدينا خيارين فقط لا غير، إما أن نسمح لشعور العجز أن يسيطر علينا فنعيش عمرنا بأكمله نندب حظنا على ما وقع بنا، نرفض تجاوزه ونبكي على أطلاله حتى تنتهي حياتنا ونحن عاجزون محطمون فيكون عجزنا وضعفنا من قتلنا أو هناك خيار آخر، وهو أن ننجح في تجاوز تلك الاختبارات ونتخذها وسيلة لتحقيق ذاتنا ومن خلالها نصنع بداية جديدة، بداية تكون أفضل وأنجح من سابقتها."
"كن قويًا يا بك وحاول بكل ما تملكه من عزيمة أن تتجاوز ما حدث." أفاق من شروده على صوت مجد يسأله: "لماذا لا تقول شيئًا؟ تأمله نديم قلقًا قبل أن يبتسم بهدوء وهو يقول: "سأحاول يا مجد، أعدك بهذا." والغريب أن هذه المرة شعر أن كلامه هذا خرج من أعماقه وعزيمة شديدة داخله تصر على تنفيذ وعده هذه المرة. خرج نديم من السجن وشعور غريب من الراحة سيطر عليه بعد رؤيته لمجد وحديثه معه. كان يعلم أن شعوره هذا مؤقت لكنه سعيد به.
وإلى جانب هذا الشعور وجد شعورًا آخر غريبًا يتنامى داخله. كان يرغب برؤيتها والتحدث معها. لا يعلم لماذا لكنه يرغب بذلك. تلك الفتاة ورغم لقاءاته القصيرة والتي لا تتجاوز المرتين أو ثلاث معها إلا أنها جذبته إليها ربما بسبب بساطتها وتلقائيتها أو ربما بسبب حديثها معه والذي سكن قلبه لا إراديًا رغم بساطته وعفويته. نظر إلى هاتفه للحظات ثم قرر التواصل معها وهو يتذكر أمر خروج والدها من المشفى. فضغط على اسمها واتصل بها لتجيبه
بعد لحظات بصوتها الرقيق: "أهلاً يا بك." قال بجدية يرد تحيتها: "أهلاً حياة، هل أنتِ في المشفى الآن؟ أجابته: "نعم هناك، سأبقى بجانب والدي حتى يخرج مساء اليوم." سألها باهتمام: "وكيف حاله الآن؟ ردت بهدوء: "بخير الحمد لله." بعدما سأل عن فاضل واطمأن عليه أخبرها إنه سيأتي لزيارته اليوم ثم ودعها بعد ذلك. نظر إلى ساعته ليجدها تجاوزت الثانية عشر ظهراً فقرر الذهاب إلى المشفى عصراً.
عاد إلى شقته ليجد صديقه وسام هناك في انتظاره فرحب به وهو يسأله عن أحواله خاصة بعد تعب والدته وبقائها في المشفى لأكثر من أسبوع. ثم دعاه إلى الداخل ليتناولا الغداء سوياً ويتحدثان أيضاً فهما لم يلتقيا ببعض سوى مرة واحدة بعد خروجه من السجن بسبب انشغال وسام بوالدته أثناء مرضها وبقائه معها أغلب الوقت. في المشفى.
كانت حياة تجلس على أحد الكراسي الموضوعة في ممر المشفى بجانب غرفة والدها تقرأ بإحدى الروايات بتركيز شديد عندما فوجئت بثامر أمامها. والذي أتى لزيارة والدها والاطمئنان عليه ومعه جاءت مي صديقتها. نهضت من مكانها بسرعة وهي ترسم ابتسامة متوترة على ثغرها ترحب به أولاً: "دكتور ثامر، أهلاً بك." ثم نظرت إلى مي ورحبت بها هي الأخرى: "أهلاً مي، كيف حالك؟ احتضنتها مي على الفور ثم قالت تتساءل: "كيف حالك يا حياة وكيف أصبح عمي فاضل؟
طمئنيني عليه." أجابت حياة وهي ترسم ابتسامة خافتة على شفتيها: "وضعه أفضل حاليًا، أتمنى أن يبقى هكذا." قبضت مي على كفيها تضغط عليهما بدعم وهي تدعو بتمني: "إن شاء الله حبيبتي، بإذن الله سيصبح أفضل بكثير." هتفت حياة مشيرة إلى ثامر: "أشكرك حقًا على مجيئك إلى المشفى أكثر من مرة وسؤالك المستمر عن صحة والدي، أنا ممتنة لاهتمامك هذا كثيرًا." ابتسم ثامر بهدوء وقال بصوته الرخيم وملامحه التي تنطق بالمحبة:
"لا داعي للشكر يا حياة، أنا أقوم بواجبي ناحيتك." ابتسمت حياة بخجل وهمت بالحديث عندما وجدت نديم يتقدم نحوها بملامحه الهادئة ليلقي التحية عليهم. فيستدير ثامر نحوه يتأمله قليلاً مستغربًا وجوده الدائم مع حياة. رد الجميع تحيته ومي تنظر إليه بفضول فتقول حياة معرفة عنه: "إنه نديم بك يا مي، والدي يعمل عنده." ثم أشارت إلى نديم: "مي صديقتي وطبعًا دكتور ثامر تعرفت عليه." "أهلاً بكِ يا آنسة، أهلاً بك يا دكتور."
قالها نديم يحييهما بهدوء ليرد الاثنان تحيته. بينما سأل ثامر باهتمام: "متى سيخرج والدك إذا؟ أجابت حياة بجدية: "مساء اليوم بإذن الله." ثم هتفت وقد تذكرت إنهما ما زالا واقفين مكانهما: "أنا آسفة تركتكما واقفين هكذا ولكن... قالت مي بسرعة: "لا تتأسفي يا حياة، نحن جئنا فقط للاطمئنان على والدك وسنذهب، أليس كذلك يا دكتور؟ ابتسم ثامر وهو يرد: "نعم هو كذلك." ثم أشار إلى حياة وهو ما زال محتفظًا بابتسامته:
"سآتي لزيارة والدكِ والاطمئنان عليه في منزله أيضًا يا حياة، لا تنسي إذا ما احتجتِ لأي شيء أخبريني، لا تترددي في ذلك أرجوك." ردت حياة وهي تحاول إخفاء حرجها من اهتمامه الصريح والذي انتبه له نديم متعجبًا داخله من هذا الاهتمام: "أكيد يا دكتور، أشكرك من جديد على اهتمامك." ودعها الاثنان ورحلا لتلتفت حياة نحوه بابتسامة خجولة فتتفاجأ به يسألها: "أليس من الغريب أن يهتم الأستاذ بتلميذته إلى هذا الحد؟
ثم أضاف وقد شعر بخطأ ما قاله وتدخله الذي لا داعي له: "حسنًا لا أقصد التدخل ولكن... صمت قليلاً ثم قال ما يدور في جعبته: "يعني عليكِ فقط أن تنتبهي لربما تكون نيته غير سليمة تجاهك." نظرت له حياة بدهشة من تفكيره فكيف يظن شيئًا كهذا. قالت بسرعة تدافع عن ثامر: "بالطبع لا يوجد شيء كهذا، دكتور ثامر محترم للغاية ولا يصدر منه شيئًا سيئًا مهما حدث." تعجب من ثقتها هذه فقال مبررًا حديثه:
"حسنًا أتفهم ذلك، أنا فقط استغربت تصرفه ومجيئه عدة مرات لزيارة والدك وكأنه قريبك." شعرت أنه معه الحق في استغرابه فمن غير الطبيعي أن يهتم الأستاذ بزيارة طالبته والاطمئنان عليها إلى هذا الحد. قالت بنبرة هادئة جادة: "معك حق ولكن بالطبع لو توجد لديه نية سيئة ما كان ليأتي هنا لزيارة والدي." وفي تلك اللحظة شعر نديم هو الآخر بتسرعه فهو بالفعل لو كان سيئًا أو نيته اتجاهها ليست سليمة كما فكر ما كان ليأتي هنا ويلتقي بوالدها.
أومأ برأسه مرددًا بفتور: "معكِ حق." قالت حياة بجدية: "أنا سأذهب وأتحدث مع الطبيب بشأن خروج والدي." "حسنًا هل يمكنني الذهاب معكِ أم... قاطعته بسرعة وحرج: "بالطبع بإمكانك، أنا أعتذر حقًا لو تحدثت المرات السابقة بشكل مزعج، أنا فقط... صمتت لا تعرف ماذا تقول فابتسم يخبرها بهدوء:
"أتفهمك يا حياة وفي الحقيقة لو كنت مكانك لرفضت بشدة أن يتولى أحد مسؤولية والدي نيابة عني، ولكن كما أخبرتكِ مسبقًا كل ما وددت القيام به لم يكن بدافع الشفقة أو الإحسان فوالدك يعمل لدينا ونحن بشكل أو آخر علينا رعايته مقابل ما قدمه لنا طوال تلك السنين من عمل جاد وإخلاص وتفاني." تأملته وإعجابها به يزداد أضعافًا. لا تصدق أن هناك شخصًا يحمل كل هذا الاحترام والرقي داخله.
كان معه حق والدها أن يحبه ويحترمه ويمدح به إلى هذا الحد. ابتسمت بهدوء فتأملها لا إراديًا ولأول مرة يتمعن النظر في ملامحها حيث لديها عينان بنيتان تلمعان بشكل جذاب ومحبب ووجه مستدير يحيط به شعر قصير ذو لون بني. ملامحها كانت طفولية حقًا ومليئة بالبراءة والعفوية ورغم طفولة ملامحها إلا أنها لا تخلو من الجاذبية. هي تمتلك ملامح محببة للمرء وعينين شفافتين مع غمازتين رائعتين تزينان وجنتيها.
ولكن ما هو أكثر جاذبية وجمالاً بها هي ضحكتها. لديها ضحكة رائعة تبرز تقاسيم وجهها المليئة باللطافة والحيوية. كانت عندما تبتسم يبتسم كل جزء منها معها خاصة عينيها اللتين تبدوان وكأنهما تشاركان شفتيها بالابتسام. أفاق من شروده عندما قالت: "هل نذهب الآن يا بك؟ "هيا بنا." قالها بجدية وهو يزيح أفكاره جانبه فسار جانب بعضيهما متجهًا إلى غرفة الطبيب. خرجت حياة من عند الطبيب بملامح محبطة لتسمع نديم يقول بجدية:
"لا تتضايقي، طالما الطبيب يرى إن بقاءه أفضل فليبق هنا إذا." أومأت برأسها واستدارت نحوه تتذكر كلام الطبيب الذي أخبرها بإن الأفضل لوضع والدها بقاءه في المشفى كي يتلقى الرعاية الكافية والراحة المطلوبة وبالطبع لم تستطع الإصرار على خروجه فهي ترغب ببقاء والدها مرتاحًا مهما كلفها الأمر. هتفت حياة تخبره بحزن: "حتى لو كان يضايقني بقاؤه، المهم أن يكون هو مرتاحًا." "بالضبط هذا هو المهم." قالها مؤيدًا حديثه لتبتسم بضعف وتقول:
"حسنًا سأذهب إذا، سأحضر كتبي من المنزل حيث سأبقى الليلة معه." قال نديم بجدية وهو يجد إن وجودها لا داعي له: "بإمكانك المبيت في منزلك فهنا يوجد من يعتني به ويتفقده باستمرار." لكنها كانت مصرة على البقاء مع والدها فلم يستطع نديم قول شيء. أخبرها إنه سيُوصلها إلى منزلها ثم يعيدها إلى المشفى ورغم اعتراضها على هذا إلا أنها اضطرت على الموافقة.
اتجه بعدها الاثنان حيث دخلا إلى فاضل واطمئنا عليه قبل أن يخرجا بعدما أخبرت حياة والدها إنها ستعود إليه. وبعد مرور مدة من الزمن أعاد نديم حياة إلى المشفى بعدما أخذت كتبها من منزلها ثم ودعته وتحرك هو بدوره عائدًا إلى شقته لينتبه أثناء قيادته على كتابها الذي نسته في سيارته. عاد يقود سيارته وهو يشعر بالتعب يسيطر عليه كليًا فاليوم كان طويلًا ومرهقًا. دلف إلى شقته بعد مدة وهو يحمل كتابها معه.
رمى الكتاب على سريره وبدأ في تغيير ملابسه عندما هوى بجسده على السرير بإرهاق لينتبه إلى الكتاب من جديد. حمله وأخذ يقلب صفحاته بفضول عندما وجد نفسه يبدأ في قراءته لا إراديًا ليقضي ليلته يقرأ به وقد اختفى النوم والتعب عنه. في صباح اليوم التالي. كانت تدعي النوم بينما هو يستعد للذهاب إلى الشركة. ما إن خرج من الغرفة حتى اعتدلت في جلستها ونهضت من مكانها بسرعة تجذب ملابسها وترتديها.
وقفت أمام المرآة تتأمل ملابسها الأنيقة ثم تسرح شعرها الأشقر وتجمعه بتسريحة بسيطة. وضعت المكياج الخفيف على وجهها فزادها جاذبية وجمالاً. ارتدت حذائها ذو الكعب العالي ووضعت عطرها المميز ثم سارعت للخروج وهي تحمل حقيبتها. ستذهب إليه وتتحدث معه. لن تصبر بعد الآن. منذ تهديد عمار لها مساء البارحة وإخبارها بقرب تحويل زيجتهما إلى زيجة حقيقية وهي قررت مواجهته وستفعل ذلك.
من حسن حظها أن غالية أخبرتها إنه يسكن في شقة خالتها التي تعرف موقعها جيدًا. وصلت إلى هناك بعد قليل فالشقة لا تبعد سوى قليلاً عن الفيلا. هبطت من سيارتها وسارت بخطواتها إلى الداخل. بعد مدة كانت تقف أمام باب الشقة تنظر إليها بتردد ورهبة لا إرادية. أخذت نفسًا عميقًا وضغطت على جرس الباب وهي تخبر نفسها إنه نديم، حبيبها وآخر من يجب أن تخشاه.
كانت دقاتها تتعالى تدريجيًا حتى وصلت أوجها عندما فتح لها الباب أخيرًا ليتصنم مكانه للحظات محاولًا استيعاب حقيقة وجودها أمام شقته. تلاقت النظرات من جديد ونبضات قلبي كلاهما اضطربت بقوة. لحظات وقست نظراته المسلطة عليها. قست بشكل جعلها تتمنى الاختفاء من أمامه فورًا. ضغطت على شفتيها ثم قالت بصوت خافت متردد: "ألن تطلب مني الدخول؟ رغب في طردها حقًا فهو لا يريد رؤيتها ولا التعامل معها لكنه ضغط على أعصابه وهو يرد باقتضاب:
"ادخلي." دلفت إلى الداخل بخطوات مترددة تتأمل الشقة لوهلة بنظرات زائغة وقد بدت المواجهة لها أصعب مما تخيلت بمراحل. التفتت نحوه أخيرًا تتأمل وقوفه بجانب الباب الذي تركه مفتوحًا ونظراته الجامدة مسلطة عليها بقوة. هتفت بجدية وهي تحاول الثبات أمام هذه النظرات: "أريد التحدث معك يا نديم." "أسمعكِ." خرجت منه باردة كبرود ملامحه ونظراته نحوها. شعرت بالضعف يجتاحها وألم قوي يضرب قلبها وروحها وهي ترى ما وصلا إليه من جفاء.
همست بضعف والكلمة خرجت لا إرادية منها: "أحتاجك." ثم امتلأت عينيها بالدموع وهي تهمس بضعف أكبر وملامح تخبره إنها على وشك الانهيار: "أحتاجك كثيرًا." دموعها كالعادة ألمته فمهما حدث هو لا يتحمل أن يراها بهذا الشكل المؤلم لكنه دعس على ألمه بقوة محافظًا على ثباته أمامها وجمود ملامحه وهو يسأل بنفس البرود: "ماذا تريدين يا ليلى؟ لماذا أتيت من الأساس؟ وعن أي احتياج تتحدثين؟
أجابت وهي تتقدم نحوه حتى توقفت في منتصف المسافة عاجزة عن إكمالها وقلبها يردد قبل لسانها: "أحتاجك كثيرًا يا نديم، لقد أهلكني الشوق مثلما أهلكني عشقك الذي لا يتوقف عن التدفق في عروقي." وها هو يشعر بالضعف يجتاحه من جديد ويقاوم ضعفه من جديد وهو ينهرها بصوت عالٍ قليلاً وملامح حادة: "هل جننتِ يا ليلى؟ هل تعين ما تقولينه؟ تتحدثين عن عشقك لي وأنتِ زوجة رجل آخر." قاطعته تصرخ بتعب وانهيار:
"لا تجلب سيرته، ليس زوجي، هو ليس زوجي ولن يكون." أضافت باكية: "أنا سأتطلق منه، لن أبقى على ذمته لحظة واحدة بعد الآن." رد بسخط مما تقوله من كلام أهوج: "افعلي ما تشائين، لم يعد يهمني أي شيء." تقدمت نحوه تسأله بلهفة وعدم تصديق: "وأنا؟ ألم أعد أهمك أيضًا؟ ابتلع ريقه وهو يشعر بالوجع من قربها المحظور بالنسبة له فقال بصوت موجوع وهو يشعر بعدم قدرته على السيطرة على مشاعره المثارة أكثر:
"لطالما كنتِ تهمينني يا ليلى، بل كنتِ الأهم." أومأت برأسها وهي تبتسم من بين دموعها ليضيف ما كان كافيًا لقتل ابتسامتها: "لكنكِ لم تعودي كذلك منذ زواجك من آخر." هتفت بسرعة وترجي: "سأتطلق، سأتطلق منه يا نديم، لقد تزوجته مجبرة، لم أرغب به يومًا بل لم أرغب بسواك يومًا." قال بملامح ظهر عليها الخذلان ونبرة خرجت مهزومة: "صدقيني لم يعد يهم، لقد انتهى كل شيء ونحن بدورنا انتهينا يا ليلى." صرخت وقد فقدت أعصابها تمامًا:
"ما الذي انتهى؟ أقول لك إنني سأتطلق وأنت تقول انتهينا." أردفت وهي تتقدم نحوه تحتضن وجهه بين كفيها بتوق وتوسل: "سأتطلق يا نديم، سأتطلق وأصبح حرة وحينها سيمكننا العودة سويًا." استرسلت تسأله بعدما حرر وجهه من بين كفيها بقوة: "لماذا لا تفهم ذلك؟ لماذا تصر على نهاية ما بيننا؟ ألم تعد تحبني؟ خرج سؤالها الأخير مليئًا بالألم والضعف فأجاب وهو يشعر بكل شبر فيه يصرخ إرهاقًا من هذا العشق الذي عذبه بشدة:
"لأنكِ تخليتِ عني، لأنكِ تزوجتِ بغيري، لأنكِ تركتني يا ليلى، هل أدركتِ الآن لماذا نحن انتهينا؟ صرخت بنبرة جهورية حتى شعرت بأن حبالها الصوتية ستتمزق: "كنت مجبرة، أجبرني على الزواج به، لماذا لا تصدقني؟ لماذا؟ أضافت وحنجرتها تؤلمها بسبب صراخها القوي:
"أنت لا تدرك كم عانيت وأنا معه، كم تألمت بسبب زواجي من غيرك، كم تعذبت وأنا أعيش مع رجل لا أطيقه بينما قلبي وروحي وكل شبر بي يحترق شوقًا إليك، أنا كنت أموت في بعدك يوميًا يا نديم." رد بنبرة مريرة وملامحه سيطر عليها الوجع: "وماذا عني؟ هل تدركين كم تألمت؟ هناك حيث أعيش بين أربعة قضبان مسجون بتهمة فظيعة لا شيء يصبرني على ما أنا فيه سوى أنتِ وحبك يا ليلى، ولكن حتى هذا ذهب سدى." ضحك مرددًا بقهر:
"هل تدركين كم وجعي وأنا أسمع خبر زواجك من أقرب الناس لي؟ بينما أنت تتزوجين من أخي كنت أنا أتخبط بين جدران السجن عاجزًا عن فعل أي شيء. قلبي يحترق وروحي تتألم وعقلي لا يستوعب ما يحدث." أخفضت وجهها أرضًا ودموعها الحارقة تنساب على وجنتيها بينما يتأملها هو بأنفاس لاهثة وقلب موجوع. رفعت بصرها أخيرًا وقالت تتوسله: "رغم كل ما حدث ما زال أمامنا فرصة يا نديم، أنا سأتطلق يا نديم وحينها بإمكاننا العودة سويًا." هز رأسه مستنكرًا
ما تقوله بشدة: "يكفي يا ليلى، لا يجوز أن تتحدثي معها هكذا مثلما لا يجوز وجودك في شقتي، أنتِ امرأة متزوجة وزوجك هو أخي، استوعبي هذا من فضلك، يكفي حقًا فما تقولينه غير مقبول." كتمت دموعها بصعوبة وهي تنظر إليه بملامح معذبة قبل أن تهمس بوجع: "قل ما تشاء لكنني أدرك جيدًا إننا سنكون سويًا في النهاية." ثم شمخت برأسها وقالت بثقة بينما تضع كفها على قلبه:
"مهما حدث سيأتي اليوم الذي نلتقي به من جديد وصدقني حينها فقط سيجد قلبك راحته المنشودة فلا راحة لقلبك بدون ليلى يا نديم." منحته ناظرة عاشقة أخيرة ثم تحركت خارج الشقة تاركة إياه ينظر أمامه شارداً وكلماتها الأخيرة تتردد داخله (فلا راحة لقلبك بدون ليلى يا نديم) كانت حياة تسير خارج الجامعة عندما فوجئت به أمامها على مسافة بعيدة قليلاً يقف بجانب سيارته حاملاً بين يديه كتابها الذي نسته في سيارته ليلة البارحة.
توترت لا إراديًا وظهر توترها في يديها اللتين احتضنتا كتبها على الفور وكأنها تستنجد بها لحمايتها منه. كانت تحتاج إلى الحماية حقًا من تلك المشاعر الغريبة التي تسيطر عليها في قربه. مشاعر لم تجد تفسيرًا صريحًا لها لكنها تشكل داخلها شعورًا مليئًا بالقلق وعدم الرضا. سارت نحوه بخطوات مترددة ما إن وجدته انتبه إليها فمنحها ابتسامة خافتة وهو يحييها بإيماءة من رأسه.
تقدمت بخطواتها التي تسارعت قليلاً وهي ما زالت تحتضن كتبها بكفيها عندما وقفت أمامه تهتف بابتسامة خجولة: "مساء الخير." رد هو بنبرة عادية: "مساء النور، كيف حالك؟ أجابت بهدوء: "بخير." "تفضلي كتابك." قالها وهو يمد يده التي تحمل الكتاب نحوها فالتقتطه على الفور وهي تقول برقة واستيحاء: "شكرًا، لم يكن هناك داعٍ لأن تتعب نفسك وتأتي به إلى هنا." قال بجدية:
"لا يوجد تعب أبدًا، كنت في طريقي إلى شقتي عندما قررت المرور على جامعتك كي أعطيكِ كتابك." أضاف بعدها: "كتاب لطيف." سألته بدهشة: "هل قرأته؟ "هل تمانعين ذلك؟ ردت بسرعة ونفي: "بالطبع لا، أنا استغربت فقط." هتف بجدية وهو يحك لحيته بخفة: "في الحقيقة لست من هواة قراءة الروايات خاصة الرومانسية لكن اسم الكتاب وغلافه جذبني فوجدت نفسي أتصفحه ثم قضيت ليلتي وأنا أقرأه حتى انتهيت منه." سألته بفضول وترقب: "وما رأيك به؟ هل أعجبك؟
رد بهدوء: "جيد، يعني أسلوب الكاتب وفكرة الرواية جيدة." هتفت بتلقائية وابتسامة واسعة: "الرواية رائعة حقًا، تكاد تكون من أروع ما قرأت." رفع حاجبه قائلًا وهو يتأمل ملامحها التي عكست مدى شغفها بتلك الرواية: "أنتِ إذا من الحالمات اللواتي يقضين أغلب أوقاتهن في قراءة الروايات الرومانسية والتفاعل معها." تبرمت ملامحها وهي تنفي ذلك: "لست كذلك بالطبع، أنا لستُ حالمة أبدًا ولكن...
صمتت للحظة تستوعب حقيقة أنها تبرر له شخصيتها وطريقة تفكيرها فهتفت باختصار وقد أزعجها ذلك: "حسنًا ليس مهمًا." هز رأسه بلا مبالاة مفتعلة ثم عاد يضيف متسائلاً: "هل ستذهبين إلى المنزل؟ أجابت بعفوية وقد كسا الضيق ملامحها: "نعم، فلم يتبقَ سوى أسبوع على بداية الامتحانات النهائية ولدي مادة صعبة للغاية أحتاج إلى بذل جهد خرافي كي أستطيع فهمها." "أية مادة؟
سألها بفضول لا إرادي لتجيبه باسم المادة فيعود بذاكرته إلى الخلف حيث كان طالباً جامعياً متفوقاً خاصة في تلك المادة التي كانت المفضلة عنده. ردد بتلقائية: "مادة صعبة حقًا لكنها ممتعة، كنت أحبها كثيرًا." ابتسمت وهي توافقه: "لا أنكر إنها ممتعة لكنها تحتاج إلى نفس طويل وتركيز شديد." أضافت بخفة: "أظن إنك من القلائل الذين يحبونها فأغلب الطلاب لا يطيقونها وأنا منهم." استرسل وقد أعاد له هذا الحوار ذكريات يحبها إجبارًا عنه:
"أنا على العكس تمامًا كانت متعتي عندما أدرسها، في الحقيقة كنت أستمتع في جميع مواد الكلية." "هل كنت من الأوائل؟ أومأ برأسه وهو يجيب باعتزاز: "كنت الأول على دفعتي على مدار خمسة أعوام." ابتسمت وهي تقول بحماس: "وأنا أيضًا الأولى على دفعتي طوال العامين الفائتين، فقط في المرحلة الأولى كنت الثانية ولكنني ضاعفت من مجهودي بعدها." ثم أردفت بخيبة: "لكن يبدو إن هذه السنة لن أستطيع فعل ذلك." هتف بتلقائية:
"إذا احتجتِ أي شيء بإمكاني مساعدتك." ثم أكمل بتهكم ومرارة خفية: "رغم كل السنوات الفائتة ورغم ما حدث ما زلت أتذكر أغلب المعلومات التي درستها وعملت بها." شعرت بالضيق يسيطر عليها من جديد بسبب حزنه فقالت محاولة إنهاء الحوار الذي فتحته هي دون قصد: "حسنًا يجب أن أذهب الآن، لقد تأخرت كثيرًا." "بإمكاني إيصالك." قالها بتلقائية فمنحته ابتسامة هادئة وهي ترفض معتذرة: "لا داعي لذلك، أشكرك كثيرًا."
ثم سارت مبتعدة عنه يتابعها هو بنظراته ولا يعلم سبب ذلك الضيق الذي شعر به عندما قررت الرحيل وفي داخله رغبة شديدة تدفعه للاستمرار في التحدث معها دون توقف خاصة بعد مواجهته صباحًا مع ليلى والتي أثقلت كاهله كثيرًا. ناداها بلا وعي لتستدير نحوه تنظر إليه باستغراب فتقدم نحوها وقال بجدية: "ما رأيك أن تتناولي طعام الغداء معي ثم تغادري؟ صمت قليلاً ثم قال:
"أريد أن أتحدث معك بشأن العم فاضل وبما إنني أشعر بالجوع فضلت أن نتحدث ونحن نتناول طعامنا في أحد المطاعم." شعرت بالخجل من أن ترفض رغم رغبتها في ذلك فقربه منها بات يوترها كثيرًا. إضطرت إلى الموافقة لتسير معه نحو سيارته حيث اتجه بها إلى أحد المطاعم القريبة. بعد مدة كانت تجلس أمامه حيث أخذ النادل طلباتهما ورحل لتجده يسألها محاولاً فتح الأحاديث معها: "أنتِ تعملين مساءً، أليس كذلك؟ أجابت بجدية:
"نعم أعمل في صيدلية قريبة من منطقتنا." "وهل تستطيعين التوفيق بين دراستك وعملك؟ سألها باهتمام لتجيب وهي تتنهد بصمت: "نعم الحمد لله، يعني في البداية وجدت صعوبة لإن دراستنا صعبة قليلاً ولكن مع مرور الوقت اعتدت على ذلك. صحيح يومي في العادة يكون متعبًا كثيرًا كما إنني لا أجد وقتًا لنفسي إطلاقًا ولكنني في نفس الوقت أتقدم في دراستي وأستفيد من عملي هذا كثيرًا." ابتسم ثم سأل: "هل دخلتِ كلية الصيدلة برغبتكِ؟ أجابت بتلقائية:
"نعم مع إن مجموعي كان يؤهلني لدخول كلية الطب، لكنني فضلت الصيدلة لإنني أحبها ومستقبلها جيد ومضمون." "نعم جيد للغاية! خرجت منه ساخرة قليلاً لتهتف بجدية: "نعم جيد، بالنسبة لي طبعًا، بإمكاني أن أحقق تقدم ونجاحات كثيرة في مجال الصيدلة، يعني يمكنني أن أفتح صيدلية مستقبلًا كما يمكنني أيضًا العمل كمعيدة بعد التخرج." كانت تتحدث بعفوية مطلقة دون أن تعي ما حدث معه في السابق. "يعجبني تفاؤلك يا حياة."
قالها بصدق ظنه تهكمًا فعقدت حاجبيها تسأله بصوت منزعج نوعًا ما: "هل تسخر مني؟ رد بصدق: "أبدًا، على العكس تمامًا أنتِ لديكِ تفاؤل في الحياة وما قادم فيها يثير الإعجاب." هتفت بعفوية: "أنا لست سوداوية ولا أحب أن أكون." "هل تقصدين إني كذلك؟ "ألست كذلك؟ ثم انتبهت لتجاوز حدودها معه فتمتمت بسرعة معتذرة: "أعتذر حقًا يا بك، لقد تحدثت بعفوية غير لائقة." قاطعها بجدية: "لا تعتذري يا حياة، أنا كذلك بالفعل." وقبل أن تتحدث
أردف بعد تنهيدة صامتة: "لكنني لم أكن يومًا كذلك، الحياة من جعلتني هكذا يا حياة." ابتلعت ريقها بصعوبة تحاول إخفاء شعور شفقتها نحوه فابتسمت بصعوبة وهي تخبره: "لا تظن إن تفاؤلي هذا يعني إني شخصية خيالية، إطلاقًا لست كذلك، أنا شخصية واقعية وأعلم إن الحياة مليئة بالمشاكل والصعوبات." أردفت بتعقل:
"لكن أخبر نفسي دوماً إنني سأتجاوزها عاجلاً أم آجلاً، لدي يقين بأن هناك رب سيقف معي وعزيمة ستدفعني لتجاوز كل الأزمات وعبورها بسلام." كلماتها مسته لا إراديًا فتغضنت ملامحه وهو يفكر بكل كلمة تخرج منها. هتفت متأسفة من جديد بسبب اندفاعها بالحديث معه: "أعتذر فيبدو إنني... قاطعها: "لا تعتذري يا حياة." وأكمل وهو يتأملها: "ولا تناديني بك أيضًا، أنا نديم، نديم فقط يا حياة."
تطلعت إليه بحرج قليلاً قبل أن تمنحه ابتسامة خجولة ضعيفة ليبادلها هو إبتسامتها بأخرى هادئة قبل أن يستمر في التحدث معها في مواضيع أخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!