الفصل 28 | من 56 فصل

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سارة علي

المشاهدات
21
كلمة
14,432
وقت القراءة
73 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

“أنا موافقة يا نديم .. موافقة على الزواج بك .. موافقة على السفر معك إلى الخارج .. موافقة على بداية جديدة تجمعنا سويا بعيدا عن هنا … موافقة يا نديم …” وهذه المرة كان دوره للتشبث بها، غير مصدق لما تقوله أمامه، لما تتفوه به، لما أراد سماعه منذ مدة، منذ أن أدرك صعوبة ما ينتظره، صعوبة تحقيق أي نجاح بوضعه الجديد وفي بلد كهذا ومجتمع يرفضه.

ربما قد يبدو جبانا في نظر البعض لأنه هرب من أول صدام، قرر الهروب دون المحاولة حتى، لكن علام سيحاول وماذا سيجني من محاولاته بالضبط؟ هو أكثر من يفهم ويدرك حقيقة المجتمع الذي يحيا به، خاصة مجتمعه هو تحديدا، المجتمع الراقي وذوي الطبقة الأرستقراطية والذي لطالما كان واحدا منهم، يفهمهم ويدرك أفكارهم جيدا.

كون عائلته وأبناء عمومته تقبلوه لإدراكهم حقيقة برائته ومعرفته عن قرب، فهذا لا يعني أبدا أن يتقبله البقية مهما حدث. ستظل تلك التهمة وصمة عار ملتصقة في جبينه حتى آخر العمر. “نديم ..” سمع همستها الرقيقة وهي تحاول الابتعاد عنه قليلا، فأدرك إنه ما زال يحتضنها حتى طالت مدة عناقهما. أبعدها عنه برفق وكأنها ماسة ثمينة يخشى أن تصاب بخدش صغير، حتى ومد كفيه يحيطان وجهها دون أن يلمسه بالمعنى الحرفي وهمس متسائلا بلهفة مكتومة:

“هل متأكدة من قرارك؟ هل تستوعبين تبعاته؟ هل أنت واثقة من رغبتك في السفر معي وترك كل شيء خلفك؟! إزدردت لعابها وأخذت تهز برأسها قبل أن تجيب بصوت خافت لكنه قوي وواثق: “اليوم أنا اتخذت قراري يا نديم .. قرار لا رجعة عنه .. سنتزوج ونسافر سويا .. نبدأ من جديد .. أنت وأنا هناك حيث بداية جديدة وحياة جديدة ..” “هذا كل ما أريده ..” قالها وهو يحتضن وجهها بالفعل هذه المرة، لتبتسم بقوة قبل أن تبادر بالقول:

“لكن عليك أن تفهم أنه لا مجال للتهاون مهما حدث .. ما إن نصل إلى وجهتنا سنبدأ بالعمل .. أنا سأدرس وأنت ستعمل .. يجب أن ننجح يا نديم .. أنت تستحق النجاح وأنا أريد بدوري، أريد أن أنجح بل أثبت وجودي في مجال دراستي ..” “سأكون معك خطوة بخطوة وأدعمك دائما ..” قالها بثقة، لتبتسم وهي تردد بدورها: “وأنا سأكون بجوارك دائما .. معك في كل خطوة تخطيها ..” سألها بجدية: “هل ستتحملين الغربة؟

اختلاف العادات والتقاليد واللغة وكل شيء ..؟! ابتسمت ترد ببساطة: “سنتحمل سويا .. في البداية سيبدو الوضع غريبا وكل شيء مختلف .. لكن مع مرور الوقت سنعتاد ونتعايش مع كل هذه الاختلافات ..” أضافت تتساءل وهي ترى شيئا من عدم الراحة يسكن ملامحه: “ماذا حدث الآن؟ تبدو غير مرتاح ..” تنهد وأجاب: “لا أعلم ولكنني لا أستوعب إن كل شيء سيتم بهذه البساطة .. موافقتك السريعة فاجأتني ..” سألته بدهشة: “هل أنت متردد في قرارك؟!

رد بسرعة وجدية مطلقة: “أبدا .. أنا لست مترددا .. أنا فقط أصبحت أخشى التغيير المفاجئ خاصة عندما يكون تغيرا نحو الأفضل ..” أطلق تنهيدة طويلة ثم قال بصراحة: “حياتي أصبحت مرتبطة بك كليا يا حياة .. أخشى أن يحدث شيئا يوما ما ويبعدك عني .. حينها سيتدمر كل شيء .. وأنا سأتحطم كليا ..” ارتجف قلبها من كلماتها التي شعرت إنها تشبه أفكارها الدائمة، هل يشعر بما تفكر به وكيف تشعر دائما إن علاقتهما سوف تنتهي يوما ما لا محالة.

“لماذا تفكر هكذا؟ أنا لن أبتعد عنك إلا ..” توقفت عن حديثها عاجزة عن إكمال المزيد، ليسألها بهدوء: “إلا إذا ماذا ..؟! ردت بعد لحظات صمت قصيرة: “إلا إذا شعرت إن وجودي في حياتك لم يعد مهما ..” “وجودك دائما سيكون مهما في حياتي وأنتِ تعلمين ذلك ..” قالها بجدية، لتبتسم بتوتر وهي تردد: “برأيي دعنا نترك كل شيء لوقته المناسب .. لنرى ما يحمله الوقت لنا وما الذي سيتغير في حياتنا ..” “ولكنني أريد وعدا ..؟! بدا مصرا في نبرته،

فسألته بترقب: “وعدا بخصوص ماذا ..؟! رد بقوة وثبات: “وعدا ألا تتركيني مهما حدث ولا تتخلي عني أبدا .. وعدا أن تبقين معي وتبقى يدك ممسكة بيدي إلى الأبد ..” إبتلعت ريقها بتوتر لحظي، لكنها أزاحته جانبا وهي ترد بهدوء: “أعدك إنني سأفعل طالما أنت تريد هذا وطالما شعورك هذا لم يتغير ..” وكلمة شعورك تلك بدت غامضة، ولكنها وحدها من كانت تفهم ما تقصده خلف كلماتها، وإن وعدها هذا يحمل بين طياته الكثير. “ماذا يحدث يا مريم؟!

سألت والدتها بصوت مرعب مما تراه على ملامح ابنتها بعد تلك الصرخة المخيفة التي صدرت منها بكلمة واحدة لا غير. “لماذا …؟! خرجت كصرخة مدوية من أعماق روحها، وسؤالها موجها له هو من يقف مخفضا رأسه بعدما انكشف كل شيء. تقدمت فاتن نحو ابنتها تسألها بقلق، غير منتبهة لوضع زوجها ولا جمود ابنتها الكبرى: “ماذا بك يا مريم؟ ما مشكلتك يا حبيبتي ..؟! حاولت لمستها، لكن مريم ابتعدت عنها فورا وأخذت تشير إلى والدها متسائلة:

“هل تخبرها أنت أم أخبرها أنا ..؟! نقلت فاتن بصرها بين زوجها بملامحه الشاحبة تماما وابنتها الغاضبة بقوة، عندما تقدمت ليلى تقبض على ذراع مريم تهمس لها بصوت خافت: “تعالي معي يا مريم ..” لكن مريم دفعتها بقوة وهي تصرخ بها: “أنتِ اخرسي تماما .. كنت تعلمين بكل شيء وتكذبين علينا ..” “مريم ..” نهرتها ليلى بصدمة من تصرف أختها، لكن صرخة والدتها القوية صدحت تهتف بهم جميعا: “أريد أن أفهم ما يحدث هنا بالضبط ..”

إلتفتت مريم نحوها تتحدث والدموع بدأت تتساقط من عينيها: “سأخبرك ماما .. والدي العزيز متزوج .. متزوج منذ عدة أعوام .. ولديه صبي أيضا .. وزوجته حامل بآخر ..” شهقت ليلى رغما عنها، بينما ظلت والدتها صامتة تتابع شهقات مريم الباكية والتي تؤكد إن هذه ليست مزحة سخيفة. مريم التي لم تبكِ يوما بهذه الطريقة من قبل، لم تكن تبكي بل كانت منهارة. “مستحيل ..” همست بها فاتن وهي تلتفت نحو زوجها وعيناه المنخفضتان تخشى مواجهة عينيها.

“احمد تحدث ..” همست بها مجددا، وبالرغم من ثبوتها الظاهري، وبالرغم من كونها تدرك إن ما سمعته حقيقي، لكنها كانت تحاول الإنكار وترجوه من خلال كلمتيها تلك أن ينفي ما سمعته. نطق أحمد أخيرا وعيناه ما زالتا كما هما: “هذا صحيح ..” وضعت فاتن يدها على صدرها تلقائيا وشعرت بألم حاد في قلبها، شعرت بإنها ستموت في تلك اللحظة لا محالة.

مر شريط حياتها أمامها معه، حبهما الكبير والذي لم تغيره السنوات كما كانت تظن، طفلها الصغير الذي فقدته بعد أيام من ولادته وأصبحت بعدها غير قادرة على الإنجاب، وعده إنه لن يتزوج سواها وسيكتفي بالفتاتين فقط لأجلها، تضحياتها الكثيرة لأجله. مر كل شيء أمامها عينيها لتكتشف بالنهاية إن كل ما جمعهما يوما كان كذبة .. كذبة كبيرة. “لماذا ..؟!

سألته بصوت جاف وملامحها ما زالت على ثباتها رغم الألم الذي يكوي روحها والأفكار المدمرة داخل عقلها. تأملت ليلى مظهر والدتها الثابت بقلق، فهذا الثبات سيكون خلفه انهيار مخيف لا محالة. أما مريم فكانت تبكي فقط .. تبكي بأحاسيس كثيرة. “فاتن أنا ..” توقف ولم يستطع الإكمال. ماذا سيقول في تلك اللحظة وما هو مبرره؟ “بعد كل هذه السنوات يا أحمد ..” قالتها بنبرة معاتبة رقيقة، وقد ظهرت الهشاشة على ملامحها هذه المرة، ليهمس بندم:

“كنت مجبرا .. أردت صبيا .. تزوجتها لأجل الصبي ليس أكثر ..” صاحت بقوة هذه المرة رغم الضعف الذي بدأ يحتل كل جسدها كما تشعر: “كان عليك أن تخبرني .. كان علي أن أعلم بكل شيء ..” “فاتن ..” قالها ولأول مرة ينظر في عينيها، فهمست بقوة وعيناها تجابهان عينيه بتحدي: “طلقني ..” هز رأسه نفيا، وقبل أن يعترض كانت تضيف بقوة: “ورقة طلاقي تصلني خلال أيام .. وهذا المنزل لن أبقى فيه لحظة واحدة بعد الآن ..”

تحركت مندفعة خارج المكان نحو الطابق العلوي حيث غرفتها، ليهتف أحمد بليلى: “إذهبي خلفها يا ليلى .. لا تدعيها تغادر .. أخبريها إنه منزلها ..” وعلى أثر كلمات والدها ركضت ليلى مسرعة خلف والدتها بعدما هزت رأسها عدة مرات بلا وعي، بينما وقفت مريم أمام والدها الوجه بالوجه، فصاحت بإنفعال: “لماذا فعلت هذا؟ لماذا فعلت بنا هذا؟ لماذا دمرتنا؟! حاول أن يقترب منها وهو يهمس باسمها، لكنها قذفته بكلمات قاسية، حيث رددت من بين دموعها:

“الآن فقط عليك أن تعلم إنني أكرهك .. أكرهك جدا ولا أريد رؤيتك بعد الآن .. لا أريد معرفتك أساسا ..” ضربت الأرض بقدميها وكأنها تفرغ غضبها بها، ثم انطلقت خارج المكان حيث اتجهت نحو والدتها، تاركة والدها لوحده يحاول أن يستوعب كم ما يمر به ونغزات خفيفة بدأ يشعر بها في صدره. اندفعت ليلى داخل غرفة والديها حيث كانت والدتها تلقي بملابسها في حقيبة سفر كبيرة، عندما ركضت نحوها تهتف بها بتوسل:

“ماما من فضلك توقفي .. لا تفعلي هذا .. لا تتركي منزلك ..” ردت والدتها وهي تغالب دموعها التي تنذر بالتساقط: “هذا لم يعد منزلي .. فصاحب المنزل لم يعد زوجي بعدما فعله ..” “بلى هو منزلك .. والله منزلك ..” قالتها ليلى بتوسل وهي تحاول أن تمنعها عما تفعله، لكن والدتها هتفت وهي تقف في وجهها: “ليس منزلي بعد الآن ..” أضافت وهي تشهق باكية:

“سأتركه لهما .. هو وزوجته .. والدة الصبي .. من منحته الوريث الذي حلم به طويلا .. من الآن فصاعدا لا مكان لي هنا ..” توقفت عن الحديث وهي ترى مريم تندفع بقوة إلى الداخل تهتف بنفس الغضب: “أنا أيضا سأذهب معك .. لا مكان لي هنا بعدما حدث ..” “توقفا أنتما الاثنتان ..” قالتها ليلى بتوسل وهي تقف بينهما، لتصرخ بها مريم بعصبية: “أنتِ بالذات إصمتي ولا تتحدثي .. كنتِ تكذبين علينا طوال تلك الفترة ..” هتفت فاتن بعدم تصديق:

“هل كنتِ تعلمين حقا يا ليلى ..؟! ردت مريم بسرعة واندفاع: “نعم كانت تعلم .. أم نسيتِ تلك التمثيلية التي فعلتها بسهام وعمتي ..” تجمدت ملامح فاتن للحظات قبل أن تهمس بعدم تصديق: “سهام ..!! هل هي زوجته ..؟! رمقت ليلى مريم بنظرات مشتعلة قبل أن تستدير نحو والدتها تهمس برجاء وهي تحاول احتضانها: “تزوجها لأجل الصبي فقط .. وبعد محاولات كثيرة من عماتي .. هو لم يكن يريدها وهي لا تمثل له أي شيء ..” أبعدتها فاتن

عنها وهي تردد بعدم وعي: “سهام .. تزوج سهام .. ابنة خاله .. يا إلهي كم كنت حمقاء ..” أضافت وهي تشير إلى نفسها بهذيان: “أنا كنت أحبها كثيرا وأتعاطف معها دائما .. كنت حزينة لأنها تطلقت مرتين … أنا حتى فكرت بتزويجها لابن عمي الأرمل .. كانت تتواصل معي دائما وتأتي هنا .. كانت تفعل كل ذلك وهي متزوجة من زوجي .. كانت ضرتي طوال هذه المدة وأنا لا أعلم ..” هتفت ليلى بصوت باكي على حال والدتها: “ماما من فضلك ..” لكن فاتن

صاحت بقوة وانفعال مخيف: “سيطلقني الآن .. والله لن أبقى على ذمته لحظة واحدة ..” ثم اندفعت تجذب بقية ملابسها وهي تصرخ بمريم: “نادي على الخادمة تساعدني في جمع ملابسي ..” “توقفي يا مريم ..” قالتها ليلى بصرامة قبل أن تهتف وهي تسحب الملابس من يد والدتها: “لماذا لا تفهميني؟ هذا منزلك ..” قاطعتها والدتها بعصبية: “أنتِ بالذات لا تتحدثي .. منذ متى تعلمين ولم تخبريني؟ كيف أخفيتِ عني شيئا كهذا؟ كيف ..؟! هتفت ليلى بدموع باكية:

“والله كنت سأخبرك .. كنت أنتظر الوقت المناسب ..” صاحت مريم بسخرية: “ومتى هذا الوقت من وجهة نظرك يا هانم ..؟! التفتت ليلى نحوها تردد بقوة ودموعها ما زالت تغطي وجهها: “أنا كنت مضطرة لذلك .. أخفيت الموضوع عنكما لسبب في رأسي .. لو كان لدي ثقة إنكما ستوافقاني وستفعلان ما أريده منكما بعدما تعلمين لكنت أخبرتكما دون تردد ..” أضافت وهي تنقل بصرها بين والدتها واختها:

“هل تريدان معرفة لماذا أخفيت الموضوع عنكما وماذا كانت نتيجة ما فعلته؟! أضافت دون أن تنتظر جوابا منهما: “دقيقة واحدة وسأعود إليكما ..” ثم اندفعت خارج المكان تتوجه نحو غرفتها، حيث فتحت الخزانة بسرعة تخرج منها نسخ للأوراق الخاصة بتنازل والدها عن أملاكه لها ولأختها ووالدتها. اندفعت خارج الغرفة عائدة إلى غرفة والدتها، حيث تقدمت نحوهما وهي تحرك الأوراق في وجههما مرددة بإنفعال مكتوم:

“هذا ما جعلني أخفيت الموضوع عنكما .. لهذا اضطررت ألا أخبركما بشيء .. انتظرت حتى أنتهي مما أريده ..” “ما هذه الأوراق ..؟! سألتها مريم وهي تسحب الأوراق وتقلب فيها، لترد ليلى بفتور: “هذه الأوراق تحمل تنازلا عن معظم أملاك والدي لنا ..” أضافت وهي تشير إلى والدتها: “لقد منحك ملكية هذا المنزل والمنزل الريفي أيضا .. ونقل ملكية ثلثي أسهم الشركة لي ولمريم .. إضافة إلى عمارتين سجلها باسمينا وإدارة الشركة أصبحت لي ..”

أضافت بجدية وهي تشير بكفها إلى أنحاء الغرفة: “هذا المنزل رسميا لك وعماد بك سينهي إجراءات النقل في أسرع وقت .. هذا المنزل منزلك يا ماما فلا داعي أن تخرجي منه ..” سحبت فاتن الأوراق من يد مريم المذهولة تقرأها بصمت، قبل أن ترفع وجهها في وجه ليلى وتسألها باقتضاب: “كيف فعلتيها؟ كيف أجبرتيه؟! ردت ليلى بخفوت: “هذا موضوع يطول شرحه ..”

لكن والدتها رمت الأوراق على الأرض بلا مبالاة واندفعت خارج الغرفة، لتتبادلا مريم وليلى النظرات بعدم تصديق، قبل أن تندفع مريم أولا تتبع والدتها، وخلفها ليلى بعدما جمعت الأوراق. اندفعت فاتن نحو زوجها الذي كان يجلس على أحد الكراسي بضعف، تتقدم منه وهي تهتف بغضب: “إن كنت تظن إنك بتنازلك عن المنزل لي سأغفر لك فأنت مخطئ ..” رفع أحمد وجهه الشاحب نحوها، فأضافت بقوة: “ستطلقني يا أحمد ..” نهض أحمد من مكانه مرددا بتوسل:

“لا تفعلي يا فاتن .. لا تهدمي ما بيننا من سنوات وعشرة وحب ..” قاطعته بوجع: “حب؟ لا تجلب سيرة الحب على لسانك .. من يحب لا يخدع .. لا يخون ولا يكذب وأنت فعلت كل هذا ..” قالها محاولا التبرير لنفسه، بينما تقدمت مريم وليلى تقفان على الجانب تتابعان الحوار بصمت: “أنا كنت مجبرا .. لم يكن أمامي خيار آخر يا فاتن .. والله كنت مجبرا ..” “من حقي أن أعلم .. من أبسط حقوقي أن تخبرني بزواجك من أخرى ..” قالتها بحرقة، ليسألها بضعف:

“وهل كنت سترضين؟ هل كنت ستقبلين بزواجي منها يا فاتن؟! ردت بكبرياء: “بالطبع لا .. كنت سأطلب الطلاق بهدوء .. كنت سأغادر حياتك بهدوء ولتتزوجها أنت وتجلب منها بدل الصبي عشرة ..” “لهذا أخفيت عنك .. لهذا لم أستطع إخبارك .. لم أكن أستطيع التخلي عنك .. لم أكن أتحمل خسارتك ..” قالها بصدق ظهر في نبرة صوته وملامحه وجهه، فهو رغم كل شيء يحبها ولم يحب يوما سواها. هتفت باكية:

“ولكنك استطعت خياناتي .. استطعت أن تكذب وتخدعني وتخفي عني زواجك من أخرى .. أخرى كانت تأتي إلى منزلي وتجلس معي وتتحدث بكل أريحية وأنا ..” صمتت قليلا تبتلع غصتها وهي تضيف بمرارة: “وأنا كنت أسعد بقدومها وأعاملها أفضل معاملة .. كنت أراها امرأة جيدة وصادقة ومحترمة وفي النهاية أكتشف إنها ضرتي .. إنها زوجة زوجي ..” سقطت باكية، فسارعت مريم توقفها وهي تخبرها بضراوة: “لا تفعلي يا ماما .. لا أحد يستحق دموعك .. لا أحد أبدا ..”

رفعت فاتن وجهها الباكي في وجه زوجها المتألم تهتف بأنفاس مقطوعة: “طلقني يا أحمد .. طلقني فأنا لا يمكنني أن أبقى على ذمتك ثانية واحدة بعد الآن ..” “كلا يا فاتن .. سأفعل أي شيء تريدينه غير الطلاق .. فاتن أنا تنازلت عن أغلب أملاكي لك ولبناتي ..” قاطعته بعصبية: “ستطلقني .. لا أريدك في حياتي ..” “ماما من فضلك .. اهدئي قليلا ..” قالتها ليلى بترجي. هتف أحمد بصوت متوسل وهو يقف أمامها:

“بالله عليك لا تفعليها .. اطلبي أي شيء آخر سوى الطلاق .. أي شيء يا فاتن .. حتى إذا أردت سأطلقها ..” قاطعته بقوة وغضب: “لا تنطقها .. لست أنا من أطلب شيئا كهذا .. لست أنا من أسمح لنفسي أن أطلب منك تطليق امرأة على ذمتك لأجل نفسي ..” أضافت بنفور: “بزواجك من أخرى دون علمي خسرت ثقتي يا أحمد .. لم تخسر ثقتي فقط بل خسرت حتى احترامي ..” “لهذه الدرجة ..” هتف بها بعدم تصديق، لتردف بقسوة:

“وبما تقوله الآن وبساطة حديثك عن تطليقك أم ابنك جعلك تفقد احترامك عندي أكثر ..” هز رأسه بعدم تصديق، قبل أن يقول بنبرة جافة وهو يضع كف يده على صدره الذي ازدادت نغزاته أكثر: “يكفي يا فاتن .. لا يمكنني تحمل المزيد .. إلى هنا ويكفي .. أنا سأترك المنزل .. هذا المنزل لك .. أساسا أصبح مسجلا باسمك .. أنا من سيترك المنزل وأنتِ ستبقين هنا معززة مكرمة كما كنت دائما ..”

ثم غادر المكان مسرعا، لتسقط فاتن بضياع على الكرسي جانبها، ومريم تربت على كتفها محاولة تهدئتها، لتهمس إلى ليلى الواقفة بجانبها وملامحها باكية رغم جفاف دموعها: “اذهبي خلف والدك يا ليلى .. وضعه ليس جيدا على الإطلاق .. أخاف أن يصيبه مكروه ما ..” أومأت ليلى برأسها، ثم قالت بسرعة قبل أن تغادر إلى مريم: “اعتني بها جيدا وأنا سأذهب إلى بابا ..”

ثم خرجت بسرعة إلى المكان تتجه إلى والدها بقلق، وقد لاحظت هي الأخرى كفه التي تتحرك فوق صدره بشكل يدل على كونه يتألم. دلفت ليلى إلى غرفة والديها مجددا، لتجد والدها هذه المرة يجمع أغراضه في حقيبة متوسطة الحجم، فتقدمت نحوه على استحياء سيطر عليها دون أن تفهم السبب. أشارت له وهي تتوقف بجانبه: “اجلس أنت وأنا سأعد الحقيبة بدلا عنك ..”

وكأنه كان ينتظر ما قالته، فإتجه بسرعة يجلس على طرف السرير بإرهاق، لتبدأ ليلى بجمع أغراضه، عندما توقفت للحظة وقد سيطر عليها شعور شديد من الكآبة والألم. لم تتوقع في أسوأ أحلامها أن تمر بكل هذا يوما، وفي هذه اللحظة شعرت بمدى بشاعة ما تمر به وما تعيشه. عائلتها الصغيرة تحطمت تماما .. والدها يتألم ووالدتها تحطمت بسببه .. مريم ستعاني كثيرا .. وهي ماذا عنها؟

هي تدمرت تماما .. جميع الرجال في حياتها آذوها .. كل رجل دخل حياتها دمرها على طريقته الخاصة .. حتى والدها فعل مثلهم وآلمها هو الآخر. لكن الغريب إن في هذه اللحظة لم تكن تتألم لأجل والدتها أو لأجلها هي فقط، بل كانت تتألم لأجله هو. الانكسار في عينيه وتوسله وضعفه أوجعها بشكل لم تتصوره. رغم كل شيء هو والدها ولا تتحمل أن تراه مكسورا منهزما بهذا الشكل، والأسوأ إنها ساهمت بما حدث حتى لو نيتها لم تكن سيئة كما يظن هو!!

كتمت شهقاتها بصعوبة وهي تحمل ملابسه وتأخذها نحو الحقيبة. توقفت للحظات أمام الخزانة والدموع أغشت عينيها تماما، وهي تجاهد للسيطرة على نفسها كي لا يسمع والدها صوت بكائها ولا يرى دموعها. لحظات وبدأت تأخذ أنفاسها عدة مرات تحاول السيطرة على بكائها، عندما تماسكت قليلا وعادت تكمل ما بدأته.

بعدما انتهت من وضع ما يحتاجه، أغلقت الحقيبة بقوة والتفتت أخيرا نحو والدها، لتجده ما زال جالسا مكانه ووجهه منخفض نحو الأرض وقد بدا ضعيفا جدا بشكل ضاعف من ألمها. تقدمت نحوه بتردد، فرفع وجهه نحوها، لتجده شاحبا للغاية. وجدت نفسها تنحني نحوه بلا وهي تقبض على كفيه بكفيها، تهمس بصوت معتذر: “أنا آسفة ..” منحها ابتسامة ضعيفة وهو يحرر يديها من يديها ويربت فوقها بخفة ويقول:

“لا تعتذري يا ليلى .. أنا من بدأ في ارتكاب الأخطاء وها أنا أحصد نتيجة ما فعلته ..” هزت رأسها تكبح دموعها رغما عنها، ليهمس بخفوت: “اتصلي بالسائق من فضلك ..” نهضت بسرعة من مكانها تردد: “سأتصل به حالا ..” أضافت وهي تنظر إليه: “تبدو متعبا للغاية .. هل صدرك يؤلمك؟ من الأفضل أن تذهب إلى الطبيب .. ما رأيك أن أتحدث مع الطبيب وأخبره أن يذهب إلى منزلك الآخر ..” قاطعها بجدية: “أنا سأذهب إلى منزلنا في القرية ..” هتفت بدهشة:

“ماذا؟ لماذا لا تذهب إلى منزلك الآخر؟ على الأقل سهام هناك و ..” قاطعها بنفور غريب: “لا أريد الذهاب إلى هناك ..” لم تجادله في رفضه، لكنها قالت بجدية: “لكنني لا يمكنني أن أرسلك وحدك إلى هناك وأنت بهذه الحالة .. الطريق سيكون طويلا وهناك ستكون لوحدك ..” صمتت قليلا، ثم قالت بعد تفكير: “لماذا لا تذهب إلى شقتنا القديمة؟ وسأرسل معك خادمة تهتم بك وتتابعك ..” قاطعها بإصرار:

“سأذهب إلى المنزل الريفي يا ليلى .. من فضلك أخبريني السائق بذلك ولا تجادليني ..” صمتت للحظات، ثم قالت: “ولكنني سأرسل خادمة معك .. لا يمكنني تركك تذهب لوحدك .. ارجوك بابا ..” هز رأسه بعدم اكتراث، بينما اتصلت هي بالسائق تطلب منه القدوم، قبل أن تهبط إلى الطابق السفلي وتطلب من إحدى الخادمات أن تجهز حقيبتها سريعا حيث ستذهب إلى هناك، وقررت أن ترسل معها مدبرة المنزل الكبيرة كي لا تشعر الفتاة بالإحراج لوحدها هناك.

أوصت مدبرة المنزل التي استطاعت فهم أغلب ما حدث على والدها ونبهتها أن تتابعه وتتواصل معها إذا ما لاحظت أي ألم على ملامح وجهه أو أية أعراض غير مريحة. بعدها عادت نحو والدها عندما اتصل السائق بها، لتنادي إحدى الخادمات تحمل حقيبة والدها، بينما هبطت هي معه إلى الطابق السفلي ومنه إلى خارج الفيلا. وقفت بجانب والدها في الظلام الدامس، حيث ينتظران قدوم مدبرة المنزل مع الخادمة، عندما جائتا بعد حوالي عشر دقائق تحملان حقائبهما.

تقدمت ليلى نحو والدها وعانقته في حركة فاجأته للغاية، لكنها منحته قليلا من شعور الراحة والامتنان. ابتعدت عنه تردد بابتسامة خفيفة: “سأتصل بك باستمرار لأطمئن عليك ..” أضافت وهي تحدث السائق: “أخبرني عندما تصلون إلى المنزل يا محمد ..” أومأ السائق برأسه، قبل أن يركب والدها في مكانه جانب السائق ومدبرة المنزل والخادمة في الخلف، بعدما ودعتهما ليلى. توجهت ليلى نحو السائق تخبره:

“من فضلك ابق معهم الليلة يا محمد .. بابا يبدو متعبا للغاية وأخشى أن تتدهور صحته لا سامح الله ..” “أمرك يا هانم ..” قالها محمد، لتودعه ليلى وهي تشكره، حتى ذهب الجميع في السيارة، بينما سارعت ليلى تدخل إلى الغرفة ومنه إلى غرفة والديها، حيث وجدت والدتها هناك تجلس على السرير منكسة الرأس وبجانبها مريم صامتة وملامحها يسيطر عليها البؤس. تقدمت نحوهما وجلست جانب والدتها من الجهة الأخرى، عندما جذبت كفها تقبله،

قبل أن تهتف بجدية: “ارجوكِ لا تفعلي هذا .. لا يمكنني تحمل رؤيتك تتألمين ..” لم تجبها والدتها، بل بقيت على حالها صامتة، عندما أحنت ليلى رأسها على كتفها تحاول السيطرة على دموعها التي عادت تتجمع داخل عينيها مجددا. وفعلت مريم المثل على الجهة الأخرى. ظل الثلاثة على هذا الوضع لأكثر من عشر دقائق، عندما صدح صوت فاتن تهمس بنبرة باردة لا حياة فيها: “أريد البقاء لوحدي من فضلكما ..”

رفعت ليلى وجهها نحوها تتأمل جمودها المهيب، لتشير إلى مريم بعينيها أن تغادران. نهضت ليلى وفعلت مريم المثل، عندما انحنت مريم وطبعت قبلة على وجنة والدتها وهي تخبرها: “سنظل معك دائما .. جانبك وفي ظهرك ..” ثم فعلت ليلى المثل وقبلتها من وجنتها الأخرى وهي تخبرها بدورها: “كل شيء سيصبح أفضل .. أعدك بهذا ..”

انسحبت الفتاتان خارج الغرفة بعدها، لتبقى فاتن لوحدها محتفظة بجمودها لمدة لا بأس بها، قبل أن تنفجر بعدها باكية بقوة على حالها وحال ابنتيها وما حصل معهم. ما إن خرجتا كل من ليلى ومريم من الغرفة، حتى هتفت مريم بنبرة هجومية: “لا أصدق ما فعلته يا ليلى .. كيف كذبتِ علي؟! جذبتها ليلى من ذراعيها تنهرها بقوة: “اصمتي قليلا من فضلك .. ليس هذا المكان المناسب لنتحدث بهذا الموضوع ..”

ثم دفعتها أمامها نحو غرفة نومها، عندما دلفت إلى الداخل تتبعها مريم، التي وقفت أمامها تعقد ذراعيها أمام صدرها تسألها بحدة: “هل أصبحنا بالمكان المناسب الآن؟ أخبريني يا هانم إذا .. لماذا كذبتِ علي؟ لماذا أوهمتني بقصة ليست حقيقية؟! لم تجبها ليلى فورا، بل اتجهت نحو باب الغرفة وأغلقتها، قبل أن تتقدم نحو مريم وتقف أمامها مجددا تخبرها بجدية:

“تصرفك الليلة وما فعلته أكبر سبب يدعوني لذلك .. لم أستطع أن أخبرك الحقيقة وأنا لا أضمن ردة فعلك .. ردود أفعالك دوما مخيفة يا مريم وأنتِ لا تجيدين التحكم بها ولا بتصرفاتك .. لذا بالطبع لم أخبرك بشيء ولست نادمة على هذا لإن ردة فعلك الليلة هي أكبر دليل على صحة قراري ..” “كنت تنوين إخفاء الموضوع إلى الأبد إذا؟! قالتها مريم بملامح متحفزة، لترد ليلى بسرعة وحدة:

“لا تتغابي يا مريم .. بالطبع كنت سأخبرك وأخبر والدتك .. هذا زواج وهناك صبي نتج عنه .. أنا فقط كنت أنتظر الوقت المناسب ..” “أحتراق فضولا لمعرفة الوقت المناسب من وجهة نظر سعادتك ..” قالتها مريم بتهكم، لترد ليلى ببرود: “الوقت المناسب يا هانم هو الوقت الذي أضمن فيه إن كل شيء أصبح لنا .. إن الشركة وأموال والدك وأملاكه باتت ملكنا .. ألم ترِ ما فعلته حقا؟

لقد تنازل والدي عن ثلثي الشركة لنا ومنحنا عمارتين من الثلاث عمارات بل سجل هذه الفيلا والمنزل الريفي الكبير باسم والدتك .. هل فهمت الآن أيتها الغبية الحمقاء سبب إخفائك الأمر عنك أنت ووالدتي؟ أنا كنت أنتظر أن أسيطر على كل شيء وبعدها سأخبركما وأترك القرار لكما حينها ..” أضافت بعدها بثقة: “أنا أنقذت أملاك والدي من يد تلك الحرباء بل أصبحت مديرة الشركة رسميا بعدما تنازل والدي عن كرسي الإدارة لي ..” سألتها مريم بعدم فهم:

“ولماذا فعل والدي هذا؟ بماذا هددته يا ليلى؟ بالطبع لم يفعل هذا من تلقاء نفسه ..” صمتت ليلى ولم ترد، لتردد مريم بإصرار: “كيف جعلته يتنازل عن كل هذا؟! أجابت ليلى أخيرا بتردد: “هناك شيكات ..” سألتها مريم بتوجس: “آية شيكات ..” أخذت ليلى نفسا عميقا ثم قالت بجدية: “عمار لديه شيكات ضد والدي .. قيمة الشيكات تتجاوز السبع ملايين دولار ..” شهقت مريم بعدم تصديق، لتضيف ليلى بخفوت:

“عمار ساعدني وأنا أقنعت والدي أن يتنازل عن هذه الأملاك وثلثي الشركة مقابل تأجيل موضوع الشيكات لفترة بل ومقابل تأجيل موضوع إخبار والدتي بأمر زواجه حتى يقرر هو .. وجاء موضوع السوار وسهل علي الأمر ..” “لهذا السبب لم تتطلقي من عمار؟! سألتها مريم بعدم تصديق، لتهتف ليلى بجدية: “نعم .. هذا السبب الرئيسي ..” “تحالفت مع عمار يا ليلى ..” رددتها مريم بعدم تصديق، لتهتف ليلى مدافعة عن نفسها: “كنت مضطرة يا مريم ..”

سألتها مريم بجدية: “وإلى متى سيؤجل عمار أمر الشيكات؟ إلى متى سيبقى غير مطالبا بحقه فيها؟! ردت ليلى بخفوت: “لا أعلم .. من المفترض أن أسدد المبلغ من أرباح الشركة بعدما أتولى إدارتها أنا ..” “هذا سيأخذ أعواما طويلة .. هل سينتظر عمار كل هذه الأعوام هكذا ببساطة؟! سألتها مريم بعدم استيعاب، لترد ليلى بحيرة:

“أخبرني إنه لا يهتم حاليا بأمر الشيكات .. لكنني أشعر إنه يخطط لأمر ما .. على العموم تبقى خطوة واحدة فقط وبعدها سأبحث وأفهم ما يخطط له بالضبط وما غرضه من هذا الأمر ..” جلست مريم على السرير وسألت بضعف: “عمار بالتأكيد سيطلب مقابل لهذه الشيكات ..” “مقابل ماذا؟ ماذا سيطلب مثلا؟ الاستمرار في زيجتنا؟ وماذا سوف يستفيد مني أساسا؟! رددت مريم بشرود: “ربما هناك شيء ما يريده لا تعلمين عنه ..” “شيء ماذا؟!

سألتها ليلى بحيرة، فهزت مريم رأسها مدعية عدم الاهتمام: “لا أعلم .. لكن أخبريني ما الخطوة التي كنت تتحدثين عنها ..” هتفت ليلى بجدية: “أنا متعبة كثيرا يا مريم .. أحتاج أن أرتاح قليلا ..” انتفضت مريم من مكانها تهدر بغضب: “ستكذبين مجددا وتخفين عني أمورا مهمة مجددا ..” هتفت ليلى بسرعة ونفاذ صبر: “سأخبرك يا مريم .. لكن الآن متعبة للغاية .. سأخبرك فيما بعد فقط دعيني أرتاح قليلا من فضلك ..” أضافت بتوسل:

“الليلة فقط يا مريم .. ارجوكِ ..” زفرت مريم أنفاسها وهزت رأسها بعدم اقتناع، قبل أن تندفع خارج الغرفة بعصبية ظهرت في صوت الباب وهو ينغلق بقوة. دلفت إلى غرفتها وأخذت تسير داخل الغرفة ذهابا وإيابا، قبل أن تجذب هاتفها لترى اتصالات عديدة من غادة، فتتذكر أمر سفرهما سويا مساء الغد. ابتسمت بسخرية وهي تفكر إن كل شيء تدمر.

بعثت لها رسالة مختصرة تعتذر فيها عن السفر وقد أجلت أمر التفسير لوقت آخر، ثم أغلقت هاتفها كي لا تستقبل أي اتصالات من أحد. جلست على سريرها تهز قدمها بعصبية وانفعال لمدة لا بأس بها، وغضبها يزداد بقوة مخيفة. نهضت من مكانها واتجهت نحو طاولة التجميل خاصتها، فبدأت تحمل الأغراض وترميها على الأرضية بعصبية وانفعال. رمت كل شيء بغضب فائق، قبل أن تجلس على الأرضية بتعب وأنفاس لاهثة، قبل أن تنفجر باكية.

كان يقف في ممر المشفى ينتظر خروج الطبيب من غرفة العمليات التي دخلتها منذ أكثر من ساعة. عقله يفكر فيما هو قادم وكيف يخرج من الموضوع دون مشاكل. يدرك جيدا إنه يستطيع الخروج في النهاية من الأمر دون أي شبهة، فهو يعرف كيف يتفاهم مع بوسي ويمنعها عن البوح بأي شيء. توقف عن أفكاره وهو يرى الطبيب يخرج من غرفة العمليات أخيرا، ليتقدم نحوه يسأله بقلق مصطنع: “كيف حال بوسي يا دكتور ..” رد الطبيب متأسف:

“لقد فقدت الجنين للأسف .. أما عن وضعها الصحي فالحمد لله الإصابات أغلبها في مناطق ليست خطرة .. ستبقى في المشفى لمدة لا بأس بها فجسدها يحوي العديد من الكسور والرضوض .. ستخرج بعدما تصبح بكامل صحتها فهذا أفضل لها ..” قال عمار بسرعة: “بالطبع يا دكتور .. بوسي ستبقى هنا تحت رعايتكم حتى تصبح بأفضل حال ..” أومأ الطبيب برأسه متفهما، قبل أن يهتف بجدية:

“اليوم ستبقى غائبة عن الوعي تماما بسبب تأثير المخدر .. يمكنك رؤيتها غدا صباحا حيث سوف تستيقظ مبكرا إن شاء الله ..” “المهم هو أن تحصل على أفضل رعاية ممكنة يا دكتور ..” قالها عمار بجدية، ليهتف الطبيب بسرعة: “بالطبع يا بك لكن الحادثة التي أصابتها .. ربما سنحتاج أن نبلغ الشرطة ..” قاطعه عمار بسرعة:

“بالطبع يمكنكم ذلك .. أنا لم أرها وهي تسقط .. لكن الحادثة طبيعية .. فهي سقطت من أعلى الدرج وأنا سمعت صوت صرختها فهرعت خارج الشقة لأراها ممددة على الأرضية والدماء تنزف من حولها .. لكن بالطبع يجب إبلاغ الشرطة إذا كانت هناك شكوك حول الحادثة وعندما تستيقظ بوسي ستحقق الشرطة معها ..” هز الطبيب رأسه بتفهم، قبل أن ينسحب المكان تاركا عمار يتابعه بملل. هم بمغادرة المشفى عندما صدح رنين هاتفه، ليجد جيلان تتصل به،

فأجاب بسرعة يسألها بلهفة: “جيلان صغيرتي، كيف حالك ..؟! ردت جيلان بسرعة، وقد شعر إن صوتها أفضل من الأيام السابقة: “أنا بخير يا عمار .. أنت لم تتصل بي اليوم ..” صمتت ولم تكمل، عندما هتف هو بسرعة وقد أدرك عدم قدرتها عن التعبير عن مشاعرها: “حبيبتي كنت منشغلا قليلا .. لكنني كنت سأتصل بك عند عودتي إلى المنزل ..” “ليس مهما .. فقط أردت الاطمئنان ..” قالتها بخفوت، ليرد بصدق: “أنا سأكون بخير عندما تكونين أنت بخير ..”

أضاف يسألها: “أخبريني عنك .. هل أنت بخير؟ هل يعاملونك جيدا ..؟! ردت بسرعة: “كل مرة تكرر نفس السؤال .. نعم أنا بخير .. والجميع جيد معي لكنني لا أشعر بالراحة ..” صمتت قليلا ثم أضافت: “أريد العودة إلى شقتي ..” قاطعه برفق: “ستعودين حبيبتي .. لكن أنتِ أيضا حاولي أن تندمجي معهم قليلا .. سيساعدك هذا ..” “حسنا ..” قالتها بطاعة، ليسألها مجددا: “هل تلتزمين بمواعيدك مع الطبيبة؟! ردت بخفوت: “نعم ألتزم ..” هتف بجدية:

“ربما سأزورك غدا ..” هتفت بسعادة: “حقاً؟! ابتسم رغم تعبه وقال: “بكل الأحوال سأزورك هذا الأسبوع ..” “سأنتظرك ..” قالتها برقة، ليسألها قبل أن يودعها: “هل تحتاجين شيئا مني؟ شيء تريدين أن أجلب معي؟! ردت بخفوت: “كلا لا أحتاج لأي شيء ..” ودعها أخيرا مقررا أن يزورها خلال الأسبوع ليطمئن عليها، رغم عدم رغبته في الذهاب إلى قصر الهاشمي، لكنه سيفعل ذلك مضطرا لأجلها. في صباح اليوم التالي.

تقدمت صباح بسعادة نحو صالة الجلوس، حيث أخبرتها الخادمة إن نديم وصل إلى المنزل. ورغم دهشتها من قدومه مبكرا، لكنها شعرت بسعادة كبيرة. فتحت ذراعيها تعانقه، عندما سارع هو يبادلها عناقها، قبل أن يجلس بجانبها على الكنبة يسمعها وهي تهتف بسعادة: “لم أصدق حديث الخادمة عندما أخبرتني إنك هنا .. كيف حالك حبيبي؟! رد وهو يربت على كفها: “بأفضل حال غاليتي ..” سألته وهي ترى سعادة غريبة تشع من عينيه:

“أنت تبدو سعيدا للغاية .. ماذا حدث معك يا نديم؟ هل هناك شيء جديد لا أعرفه؟ أخبرني فأريد أن أفرح معك ..” ابتسم وهو يجيب: “حياة وافقت على السفر يا أمي .. سنتزوج ونسافر سويا ..” رغم ضيقها من فكرة سفره، لكنها تدرك جيدا إن هذا أفضل له من بقائه هنا. ابتسمت تقول: “هذا خبر سعيد حقا .. لكن كيف اقتنعت بهذه السرعة؟! أجاب بجدية: “لا أعلم .. المهم إنها اقتنعت وأنا أريد أن أسارع بأمر الزواج والسفر ..” “هل حددتما موعدا إذا؟!

سألته بإهتمام، ليرد عليها: “لم نحدد أي شيء بعد .. كل ما حدث إنها وافقت .. لكن سأتحدث معها اليوم ..” ابتسمت وهي تدعو الله: “وفقك الله يا بني .. حياة فتاة طيبة وتحبك .. أنا واثقة إنك ستكون سعيدا معها وهي بدورها ستكون خير زوجة لك ..” آمن على دعائها، عندما سمع صوت غالية يصدح مرددا بخفوت: “صباح الخير ..” ثم تقدمت نحوه تقبله من وجنتيه، ليحتضنها بخفة رغم انزعاجه من آخر حديث جمعهما. “كيف حالك؟! سألته برقة، ليرد بهدوء:

“بخير الحمد لله ..” قالت صباح تحاول كسر هالة البرود المحيطة بهما: “باركي لنديم يا غالية .. حياة وافقت على السفر معه إلى الخارج ..” صاحت غالية بسعادة: “حقاً؟ مبارك لك يا نديم .. سعدت لأجلكما كثيرا .. هذا يعني إنكما ستتزوجان في وقت قريب ..” ابتسم وهو يجيب: “إن شاء الله .. سأتحدث مع حياة اليوم كي نحدد موعدا مناسبا ..” ابتسمت بحزن رغما عنها وهي تقول: “سأشتاق لك كثيرا ..” قالت صباح بجدية:

“سنشتاق له نحن الاثنان لكن ليس مهما شيء سوى سعادته وراحته .. وأنا متأكدة إنه سيكون سعيدا ومرتاحا هناك خاصة بوجود حياة معه ..” “وأنا أيضا أثق بذلك فحياة تأثيرها عليه قوي جدا وواضح ..” قالتها بنوع من الشغب، ليبتسم بخفوت ورغما عنه يشرد بما حدث البارحة، عندما أفاق من شروده على صوت غالية وهي تودعهما من أجل الذهاب لعملها. أشارت صباح إليه بجدية: “أريد التحدث معك يا نديم بشأن موضوع غالية ..” “بالطبع يا أمي .. تفضلي ..”

جلست هي وعاد هو يجلس بجانبها، فقالت بجدية: “أنا وافقت على أمر خطبتها من ذلك الشاب ولم يتبق سوى موافقتك ..” هتف بعدم تصديق: “علام وافقت؟ على زواجها من رجل في مثل وضعه؟! ردت بجدية لا تخلو من الصرامة: “اسمعني أولا وبعدها قل ما لديك ..” صمت على مضض، بينما تحدثت هي بجدية:

“غالية تمتلك شخصية قوية للغاية .. ذكية ولديها حياتها المستقلة وقراراتها الخاصة بها .. أنت تدرك ذلك جيدا وتدرك إنك أكثر من ساهمت في صقل شخصيتها تلك .. دائما ما كنت تمنحها ثقتك الكاملة وتسمح لها أن تتخذ قراراتها بنفسها بل تفعل ما تريده دون أن تمنعها يوما ..” “لأنني أثق بها وبذكائها ونباهتها والأهم إنني أثق بتربيتها ..”

“جيد إذا نحن متفقان على نفس الرأي .. غالية ذكية ونبيهة وهي قررت أن تخوض التجربة .. هي لا تريد سوى خطبة .. رباط رسمي يسمح لها بالتعرف عن هذا الشخص عن قرب .. غالية تدرك حدودها جيدا ولا تسمح لنفسها أن تجمعها علاقة غير رسمية معه .. الفتاة أخبرتنا بوضوح عن إعجابها به وعن رغبتها في الارتباط به رسميا .. هي تريد خوض التجربة وهي ستتحمل تبعاتها .. غالية لا تريد زواج فورا يا نديم .. هي تريد خطبة وأنا أثق برجاحة عقلها وحكمتها وقدرتها على تقرير ما هو الأفضل لها خلال فترة الخطبة ..”

صمت نديم ولم يعلق، لتضيف صباح بتعقل:

“من غير المنطقي أن تقف في وجهها وترفض قرارها هذا وأنت من جعلتها تعتاد على اتخاذ قراراتها بنفسها .. وليس جيدا إن تجعل الأمر بمثابة تحدي بينكما .. أتفهم مخاوفك وأقدرها فأنا أمتلك نفس المخاوف لكنني أثق بابنتي جيدا وأعلم إنها لن تدخل في علاقة ليست متأكدة من نجاحها .. غالية لا تخطو أي خطوة في حياتها دون دراسة وتفكير .. هذه ابنتي وأعرفها جيدا لذا سأمنحها حرية اتخاذ القرار المناسب كما فعلت دائما وسأراقبها من بعيد وأنتظر ما سيحدث ..”

بدا عليه التفكير بوضوح، فقبضت على كفه تخبره بجدية: “أنت تدرك إن كلامي صحيح ولا خلاف على ذلك ..” أضافت تسأله برجاء: “ماذا قلت يا بني؟! أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يجيب: “لا كلام يعلو على كلامك يا أمي .. سأوافق وأمري لله ..” تنهدت صباح براحة وأخذت تدعو ربها أن يمنح ابنتها النباهة الكافية لاتخاذ القرار المناسب والذي سيصب في صالحها، فهي لا تريد شيئا سوى سعادتها وراحتها. كان يجلس على طاولة الطعام مع عائلته يتناول فطوره بصمت.

الجميع يلتزم الصمت حتى صدح والدته تسأله ببرود: “هل ما زلت مصرا على قرارك بخصوص تلك الزيجة يا فراس؟! توقف فراس عن تناول طعمه ليجيب بجدية: “نعم يا أمي .. غالية فتاة جيدة وتناسبني ..” تبادلت باسمة الأنظار مع ابنها فادي، قبل أن تسأل بإهتمام: “ما وضعها بالضبط؟ ولأي عائلة تنتمي؟! أجاب فراس بجدية ونوع من التباهي:

“غالية مهندسة يا أمي وتعمل في شركة والدها مع أخيها الأكبر .. عمار الخولي شريكي في أحد المشاريع .. هي من عائلة محترمة ومعروفة ولها ثقلها في البلد .. وغالية فتاة رائعة ومميزة ..” “هل سبق لها الزواج من قبل؟! سألته باسمة وهي تلوك الطعام داخل فمها، ليرد بإستغراب: “كلا، لم يسبق لها الزواج ولا أي نوع من الارتباط ..” هزت باسمة رأسها بتفهم، قبل أن تهتف بجدية: “أريد أن أراها .. أرغب بالتعرف عليها ..” “بكل سرور ..”

قالها فراس وقد شعر بالراحة من بدء تقبل والدته لأمر الخطبة، عندما أضافت بجدية: “سأنتظرها اليوم على العشاء إذا لم يكن لديها مانع بالطبع ..” بجدية رغم دهشته مما يحدث: “سأتحدث معها وأسألها إذا كانت متفرغة الليلة ..” “جيد ..” قالتها والدته ببرود، قبل أن تعاود التركيز على طعامها، بينما تبادل فراس النظرات مع أخيه، والذي هز رأسه بدوره مدعيا عدم المعرفة بأي شيء.

خرج فراس من المنزل بعدما أنهى فطوره، ليسارع بالاتصال بها أثناء قيادته سيارته، عندما جاءه صوتها الناعم يلقي التحية، فابتسم مرددا: “صباح الجمال يا غالية ..” أضاف بجدية: “هناك شيء هام .. والدتي ترغب برؤيتك والتعرف عليك ..” حل الصمت للحظات، قبل أن يصدح صوتها الواثق وهي تقول: “بالطبع .. لا مانع عندي ..” “هي تدعوك الليلة على العشاء في منزلنا ..” “الليلة؟! رددتها غالية بدهشة، قبل أن تضيف بجدية: “حسنا لا مشكلة ..”

“إذا سأخبرها إنك تقبلين الدعوة؟! ردت بجدية: “نعم أقبل ..” ابتسم مرددا بترحيب: “ستنيرين منزلنا يا غالية ..” ردت بخفوت: “أشكرك يا فراس .. المنزل منير بأصحابه ..” ودعها بعدها وهو يبتسم براحة، ليقود سيارته بسرعة أكبر، بينما تأملت غالية الهاتف بتعجب.

تعجبت من طلب والدته، لكنها لم تستطع الرفض. لا تعلم لماذا شعرت إن رفضها نحو من الضعف أو الهزيمة. لم تفهم سبب شعورها هذا، لكنها وجدت نفسها توافق وكأنها وضعت أمام تحدي بتلك الدعوة، وهي بدورها قبلت التحدي دون تفكير. في المشفى. دلف عمار إلى الغرفة التي تقطن بها بوسي، ليجد الممرضة عندها تسألها عن أحوالها. تلاقت نظراتها الحادة مع نظراته الباردة، لتستأذن الممرضة وتخرج تتركهما لوحدهما. “كيف حالك؟!

قالها وهو يتقدم نحوها متأملا جسدها الذي يلتف أغلبه بالشاش الأبيض، وساعدها المجبر، وقدمها اليمنى التي تم تجبيرها هي الأخرى. “لماذا أتيت؟! سألته بصوت خرج حادا رغم ألمها الشديد، ليبتسم ببرود وهو يقول: “أردت الاطمئنان عليكِ يا بوسي .. لم أستطع النوم من شدة القلق عليك ..” “اخرج من هنا ..” قالتها بصوت حاد رغم ضعفها الواضح، ليهتف بجدية:

“سأخرج لكن سنتفق على شيء ما .. إذا جائك الشرطي وأراد التحقيق معه .. ستخبريه إنكِ فقدتِ توازنك ووقعتِ من أعلى الدرج .. هكذا فقط .. اتفقنا عزيزتي ..؟! ردت ببرود: “هذا ما كنت أنوي قوله أساسا .. لكن لا تظن إن هذه النهاية .. يوما ما سأنتقم منك على ما فعلته بي .. سأثأر لنفسي ولإبني الذي خسرته بسببك ..” ضحك مرددا بخفة: “لا تبالغي يا بوسي .. صدقيني هذا الأفضل لك ..”

“لا أبالغ .. أنت حاولتِ قتلي يا هذا .. دفعتني من أعلى السلم ..” رددتها بإنفعال جعلها تتألم بقوة، ليبتسم مرددا بإستفزاز: “لا تنفعلي بهذه الطريقة عزيزتي .. إنفعالك يضاعف من ألمك ..” “اخرج من هنا حالا ..” قالتها وهي تتحامل على نفسها كي لا يظهر ألمها على ملامحها. “سأخرج ولكن تذكري إذا ما حاولت الغدر بي والتفوه بأي شيء أمام الشرطي سأحاربك بأكثر شيء تحبينه وتنجحين به .. عملك وشركتك الصغيرة يا بوسي ..” ردت وهي تلعنه داخلها:

“لا يهمني أي شيء بعد الآن .. حتى الاتفاقيات التي بيننا جميعا ملغية .. لا يهمني ما سأخسره .. المهم إنني لا أريد رؤية وجهك بعد الآن ..” أضافت بعينين تلمعان بإصرار: “لكن كن واثقا إن نهايتك ستكون على يدي يا عمار .. فأنا لست هينة أبدا .. أنت قررت الاستخفاف بي وستنال عقوبة فعلتك المتهورة .. حقي وحق ابني سأناله ولو بعد حين ..” “أنتظر ذلك بكل لهفة يا بوسي ..”

قالها ببساطة وهو يرفع يده مودعا، قبل أن يخرج، لتأخذ نفسها بصعوبة وهي تشعر بألم في قلبها يفوق ألم جسدها بمراحل. أيام جديدة تمر وهي في قصر عمها. أيام عديدة مرت وهي بدأت تعتاد قليلا على وجودها بين هذه العائلة الضخمة.

كانت عائلة عمها كبيرة والقصر لا يخلو من الزوار، وهي بدورها ما زالت تحاول الاعتياد على أفراد العائلة الأساسيين، بينما تختار الانعزال في غرفتها عندما يأتي الزوار إلى القصر، حتى لو كان الضيوف من بنات عمها أو عائلة عمتها.

اليوم ستعود ابنة عمها من السفر، وهناك حفلة بسيطة لاستقبالها بوجود إخوانها الثلاثة المقيمين في المنزل، أما الرابع والذي لم تلتقِ به سوى مرة واحدة، لا تعرف إذا ما كان سيأتي أم لا. هي لا تعرف لمَ لا يعيش في القصر كبقية أخوانه، وتستغرب عدم حضوره أيا من جلسات العائلة وحتى ذلك التجمع العائلي كل جمعة، والذي يصر عمها عابد عليه، والتي بدورها مجبورة على حضوره.

جلست على الكنبة في صالة الجلوس بفستانها الأخضر الرقيق المقارب للون عينيها. شعرها مرفوع بشكل ذيل حصان ووجهها على طبيعته التامة، ورغم هذا بدت جذابة بملامحها الناعمة اللطيفة. تأملت همسة التي تشرف على إعداد المفاجئة الخاصة باستقبال الابنة العائدة في رحلة قصيرة خلال إجازتها الدراسية. لا تعرف الكثير عن ابنة عمها، لكنها تتذكر لقاءاتهما القليلة وتتذكر كم كانت لطيفة ومحبوبة.

زوجة عمها عادت منذ أيام وتعاملت معها بلطف استغربته قليلا، لكنها تذكرت إنها لم تلتقِ بها سوى مرات قليلة جدا، وهذه المرة الأولى التي تتعرف عليها عن قرب، لتكتشف إنها غاية في الرقي واللطافة. تقدمت زوجة عمها تسأل همسة بفرحة بالغة لعودة ابنتها الوحيدة: “هل كل شيء جاهز يا همسة؟! ردت همسة وهي تبتسم لها: “كل شيء جاهز خالتي ..” التفتت زهرة زوجة عمها نحوها تتأملها للحظات، قبل أن تهتف بابتسامتها الرقيقة المعتادة:

“كم تبدين جميلة يا جيلان بهذا الفستان الذي يشابه لونه لون عينيك ..” ابتسمت جيلان بخجل وهي تشكرها بخفوت، بينما صدح صوت الابن الأصغر يهتف ممازحا وهو يتقدم نحوهم: “إنها ميزة العيون الخضراء يا والدتي العزيزة .. هذا اللون تحديدا يمنح لكل من يمتلكه هالة من الجاذبية .. همسة وجيلان أبسط مثال على ذلك ..” قالها وهو يشير إلى الفتاتين اللتين تحملان نفس لوني العين .. اللون الأخضر، وإن كانت عينا همسة أفتح قليلا من عيني جيلان.

ابتسمت همسة وهي تردد مشاغبة: “لم أكن أعلم إنك من محبي صاحبات العيون الخضر .. إذا أردت يمكنني البحث عن عروس مناسبة لك ذات عينين خضراوين ..” “لم سأبحث وجيلان موجودة؟! وما إن أنهى كلماته حتى صدح صوت رجولي حاد قليلا يردد بسخرية لاذعة: “رائع .. ينقصنا شيخ فقط ووالدي يأتي ومعه راغب وراجي ليشهدوا على عقد القران وأنا أبارك لكما ..” كحت زهرة بحرج، بينما شعرت جيلان بخجل مضاعف، أما فيصل فابتسم بهدوء وتقدم نحو جيلان يحاوطها

بذراعيه مرددا بقصد: “ولم لا؟ أين سأجد عروسا أفضل من جيلان؟ لكن سأنتظرها حتى تتم الثامنة عشر من عمرها و ..” قاطعه يصيح به بحدة: “ابتعد عنها ..” صاحت زهرة تؤنب ولديها بقسوة: “ماذا يجري هنا بالضبط؟! أضافت وهي تشير إلى فيصل: “ابتعد عن الفتاة يا فيصل ولا تبالغ في مزاحك مرة أخرى ..” أضافت تنهر مهند هذه المرة: “وأنت حاول أن تنتقي كلماتك مرة ثانية ..” أضافت بضيق: “أحرجتما الفتاة بتصرفاتكما السخيفة هذه ..”

ابتسم فيصل بحرج، بينما احتقنت ملامح مهند بقوة من حديث والدته، لتهتف زهرة وهي تتقدم نحو جيلان تربت على شعرها بحنو: “لا تنزعجي منهما يا حبيبتي .. هما هكذا دائما .. فيصل مزاحه ثقيل ومهند جلف قليلا .. أعتذر منكِ نيابة عنهما ..” ردت جيلان بسرعة وصوت ضعيف: “لا داعي لذلك .. لست منزعجة ..” أضافت وهي تنهض من مكانها بملامح مرتبكة: “سأخرج إلى الحديقة قليلا ..” “تفضلي حبيبتي ..”

قالتها زهرة وقد تفهمت رغبتها بالانفراد بنفسها قليلا، لترمي ابنيها بنظرات مشتعلة شديدة الغضب ما إن خرجت جيلان وهي تردد بقوة تليق بها: “لو لم نكن ننتظر وصول أختكما التي لا أرغب أن يتم استقبالها بشكل كهذا لكنت تصرفت معكما بطريقة تلائم حماقة ما فعلتماه ..” كح فيصل بحرج، بينما اندفع مهند بغضب خارج المكان واتجه تحديدا إلى الحديقة وهو قاصدا أن يذهب إلى هناك. تقدم بخطوات حذرة ليجدها تقف في أحد أركان الحديقة تأخذ نفسها

عدة مرات وهي تردد داخلها: “شهيق وزفير يا جيلان .. كما أخبرتك الطبيبة ..” تأملها بجبين متغضن وهو يراها تستنشق الهواء ثم تزفره بقوة. تقدم نحوها بعدما لاحظ توقفها عما تفعله، ليرى نظرات القلق في عينيها ما إن رأته يتقدم نحوها. “ماذا تفعلين لوحدك هنا؟! سألها وهو يحرك بصره بإهتمام حول وجهها، لترد بتلعثم واضح: “أنا فقط .. أنا أردت أن ..” صمتت ولم تعرف بماذا تجيب، ليرفع حاجبه مرددا بسخرية خفية: “هل سؤالي صعب لهذه الدرجة؟!

وقبل أن تجيب كان صوت فيصل يصدح مجددا وهو يتقدم نحوهما قائلا بمرح: “تعالي يا جيلو .. نزار يبحث عنك منذ الصباح لتساعديه في تخطي المستوى السادس من اللعبة ..” توقف أمامها ليرفع مهند حاجبه مرددا بتعجب: “جيلو ..” أومأ فيصل يقول وهو يكتم ضحكته بصعوبة: “نعم جيلو .. دلع جيلان ..” “وتدلعها أيضا ..” رددها مهند بتهكم، قبل أن يقول مدعيا التفكير: “برأيي إن هناك دلع ملائم كثيرا لإسم جيلان .. جيجي مثلا ..”

ولم يكن يعرف إنه بما قاله عاد ذكرى سيئة للغاية لعقلها، وهي تتذكر ذلك الشاب وهو يناديها بجيجي مخبرا إياها إنه يليق بها للغاية وبجمالها. شعرت بالاختناق في تلك اللحظة وعادت الذكريات مجددا بمجرد تذكرها بكل شيء، فبدأت ذكريات ما حدثت تتدفق داخل عقلها ككابوس لا ينوي أن يفارقها طوال حياتها. لاحظ فيصل شحوب وجهها، فتقدم نحوها يسألها بإهتمام: “جيلان .. هل أنت بخير؟!

وقبل أن يلمسها كانت تضع يدها على صدرها وهي تشعر بشيء ما يخنقها بشدة وهي لا تستطيع التنفس. تأمل مهند ما يحدث بدهشة، قبل أن يسارع ويقبض على ذراعها بقوة يهمس لها بجانب أذنها: “اهدئي وحاولي أن تأخذي نفسك جيدا ..” لكنه فوجئ بها تدفعه وهي تنتفض وتصرخ بفزع: “لا تلمسني ..” لحظات قليلة وبدأت تسعل بقوة، بينما مهند ما زال مصدوما من ردة فعلها. حاول فيصل أن يقترب منها، لكنها انكمشت على نفسها كليا وهي تحاول السيطرة على اختناقها،

عندما هتف فيصل بسرعة: “سأنادي راجي فهو في المنزل ..” وبالفعل ركض لينادي أخيه الأكبر، الذي عاد مبكرا على غير العادة لأجل استقبال أخته.

بعد حوالي عشر دقائق فتحت جيلان عينيها، لتتفاجأ بالجميع حولها. راجي الذي يقيس ضغطها، وهمسة التي تجلس جانبها تربت على شعرها بحنو والقلق واضح على معالمها. عمها يقف فوق رأس ابنه بملامح مرتعبة وزوجته بجانبه والقلق يسيطر عليها هي الأخرى. وعلى الجانب الآخر يقف فيصل ومهند، الأول يبتسم لها محاولا طمأنتها، والثاني يتأملها بجمود. “ماذا حدث يا راجي؟ طمئني يا بني ..” سأل عمها عابد ولده بخوف واضح، ليجيب راجي بجدية

بعدما انتهى من قياس ضغطها: “لا شيء يدعو للقلق ..” قاطعه فيصل متسائلا: “كيف ذلك وهي فقدت قدرتها على التنفس؟! قاطعه راجي بهدوء مريب: “لا شيء يدعو للقلق يا فيصل .. حالة كهذه تحدث مع البعض أحيانا ..” أضاف وهو يشير إلى الجميع بعينيه: “اتركوها ترتاح قليلا ..” أضاف مشيرا إلى همسة: “ابق معها يا همسة فقد تحتاج شيئا ..” أضاف بصوت صارم: “هيا نخرج جميعا فوجودنا جميعنا هنا ليس جيدا لأجلها ..”

خرج الجميع تدريجيا، لتبقى هي مع همسة التي سألتها وهي تربت على وجهها: “هل أصبحتِ أفضل الآن؟! ردت جيلان بتعب: “نعم أفضل قليلا ..” أضافت متأسفة: “أعتذر على ما تسببت به من فوضى ..” هتفت همسة بسرعة: “لا عليكِ حبيبتي .. المهم أن تكوني بخير ..” أما في الخارج، وقف عابد أمام ابنه يسأله بإهتمام: “أخبرني الحقيقة يا راجي .. هل جيلان تعاني من مرض مزمن؟ هل هناك خطورة عليها؟! هم بالرد لكنه توقف وهو يرى مهند يقف مقابلا لهما، ينتظر

جواب أخيه الذي خرج جادا: “لا يوجد شيء خطير .. ما حدث معها نفسي وليس عضوي .. هي تعاني من مشكلة ما وما يحدث معها بسبب أزمة نفسية يجب أن نعلم سببها ونعالجها .. لكن عضويا هي سليمة بناء على ما رأيته ..” سأله مهند بجدية: “ماذا تعني بأزمة نفسية؟ هي لم تكن قادرة على التقاط نفسها حتى …” “وهذا ما أتحدث عنه .. هذه نوع من الأعراض التي تظهر على الأشخاص الذين يعانون من أزمة نفسية .. ربما هذا العارض لديها منذ سنوات حتى ..”

“وما الحل يا راجي؟! سأله عابد بإهتمام، ليتنهد راجي وهو يجيب: “يجب أن نعرضها على طبيب نفسي في أقرب وقت ..” ثم رمق مهند بنظراته، ليجد الوجوم يسيطر على ملامحه، فهمس مضيفا: “لنهبط إلى الطابق السفلي .. تولاي ستصل بعد قليل ..” وبالفعل هبط الثلاثة إلى الطابق السفلي، ليكونوا في استقبال أختهم الصغيرة. بعد مرور حوالي ساعة كانت قد وصلت تولاي، ورحب الجميع بها بسعادة، فصغيرة المنزل ومدللة الجميع قد وصلت.

راغب بدوره وصل وعلم ما أصاب جيلان، لكن راجي أخبره ألا يذهب إليها حاليا ويكفي وجود همسة معها. مرت نصف ساعة أخرى وتولاي تجلس بينهم تتحدث بحماس وسعادة، عندما انتبه الجميع على دخول همسة ومعها جيلان إلى المكان. نهضت تولاي بسعادة وركضت نحو همسة تعانقها بمحبة أخوية وهي تهمس: “لقد اشتقت لكِ كثيرا .. لماذا لم تكوني في استقبالي كالبقية؟! ردت همسة وهي تبتسم لها:

“الحمد لله على سلامتك حبيبتي .. كنت مع جيلان فهي كانت متعبة قليلا ..” تقدمت تولاي نحو جيلان تبتسم لها بمحبة وهي تقول: “أهلا جيلان … كيف حالك؟! سعدت كثيرا برؤيتك اليوم .. مر وقت طويل على آخر مرة اجتمعنا ..” ابتسمت جيلان ترد بخجل: “أهلا توليب … الحمد لله على سلامتك ..”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...