وقفت حياة في منتصف المطبخ تعد الطعام لنديم الذي كان بدوره يأخذ حماما يزيل من خلاله تعب الليلة الماضية. انتهت من إعداد طعام الفطور سريعا وبدأت في إعداد المائدة ثم اتجهت بعدها إلى الغرفة لتجده يجلس على السرير بملامح واجمة وشعره ما زال مبللا تتساقط منه قطرات الماء بينما المنشفة مرمية جانبه. رفع بصره نحوها ما إن شعر بوجودها في الغرفة فابتسمت له برقة وهي تجلس جانبه، فتسأله وهي تضع كفها فوق كفه:
"أعددت طعام الفطور لك… تعال معي لتتناول الفطور ثم عليك بالنوم بعدها فأنت متعب جدا وهذا واضح عليك." رمقها بنظرات غريبة قليلا… بدا حائرا جدا ومرهقا جدا. شعرت بحيرته بل ضياعه عندما سألته بنفس النبرة الرقيقة: "هل أنت بخير يا نديم؟ تنهد بصوت مسموع ثم أجاب بلهجة ثابتة وهو يقر بواقع حال: "كلا يا حياة.. أنا لست بخير ولن أكون بخير حتى يخرج عمار من حياتي إلى الأبد." كان معه حق وهي تعلم ذلك… أخوه لن يتركه وشأنه مهما حدث.
ما حدث البارحة مجرد تنبيه مبدئي… تنبيه لما هو قادم وكم تخشى ما سيقدم عليه ذلك العمار. حاولت أن تخفف عنه وهي تبتسم له: "لا تفعل ذلك… أنت مظلوم… الله معك دائما يا نديم… لا تنسى هذا أبدا." هتف بنبرة متألمة: "تعبت يا حياة… نفذ صبري ولم يعد لدي قدرة على التحمل." أخذ نفسا عميقا ثم أضاف ببوح مختلف محمل بكم هائل من الوجع والضعف: "إلى متى سأدفع ثمن أخطاء غيري؟! إلى متى سأتحمل ما يحدث معي؟!
كل شيء ينحدر نحو الأسود… كل شيء يا حياة…" ابتسم بمرارة وهو يضيف: "لقد كُتِبت التعاسة عليّ إلى الأبد… تعاسة لم يعد بمقدوري تحملها ولا التعايش معها." تهدجت أنفاسه وهو يسترسل: "أنا أيضا بشر… بشر ولدي طاقة تحمل… وطاقتي نفذت… لم يعد بمقدوري التحمل أكثر… يجب أن ينتهي كل هذا… يجب أن ينتهي بأي شكل." هتفت حياة بخفوت: "معك حق… والله معك حق ولكن ما الحل برأيك؟ أضافت وهي تنظر إلى عينيه بقوة:
"عمار لديه أساليبه الخاصة وهو لن يتوانى عن استخدامها في أي لحظة لذا لا حل أمامك سوى تجاهله والصبر وإلا…" أخذت نفسا عميقا ثم قالت بصراحة: "وإلا ستدخل في حرب علنية معه… حرب لن تخرج منها سالما حتى لو انتصرت… فأنت إذا خسرت في حربك معه ربما ستخسر حياتك كلها وإذا انتصرت ستخسر إنسانيتك لأنك ستضطر في حربك معه أن تتخلى عن إنسانيتك بل وتلجأ لأساليبه كي تنتصر عليه."
غامت عيناه بنظرة بعيدة المدى وعقله يؤكد كلامها… وفي داخله حروب متضادة ما بين قلب يرفض الخوض في معركة نتائجها محسومة وبين عقله الذي يطلب منه المحاربة لأجل مستقبله مجهول المعالم ولأجل استعادة الماضي ولأجل الكثير. شعر بكفها تضغط على كفه بخفة فوضع كفه الأخرى فوقها يضغط عليها بلين بينما عيناه ما زالتا شاردتين كأفكاره تماما.
سمع همسها له وهي تطلب منه أن ينهض ويذهب معها لتناول الطعام فأطاعها بصمت وهو ينهض من مكانه ويسير معها نحو المطبخ ليجدها أعدت المائدة حيث وضعت عدة أشكال من الطعام وصنعت له العصير البارد. سمعها تردد وهي تضع العصير أمامه بعدما جلس على كرسيه: "لم أصنع القهوة اليوم كالعادة… تناول العصير فهو أفضل والأهم إنك يجب أن تخلد إلى النوم بعد تناول الطعام." وجده يقبض على كفها بعدما وضعت العصير أمامه فنظرت له بتعجب
ليرفع عينيه نحوها يخبرها: "تناولي الطعام معي." ابتسمت برقة قائلة: "سأفعل بالطبع." ثم اتجهت نحو الثلاجة تخرج قنينة الحليب البارد لها وتصب لها كأسا كبيرا من الحليب. جلست قباله ترتشف الحليب وتتناول القليل من الطعام بينما توقف عن تناول طعامه وأخذ يتأملها للحظات دون أن تنتبه. كان يعلم جيدا إن قراره سيؤذيها ولكن لا حل آخر أمامه… يجب أن يقصيها من حياته تماما حتى تنتهي هذه المرحلة الصعبة من حياته ثم بعدها سيقرر ما يفعله.
رفعت عينيها نحوه لتجده يطالعها بنظرة غريبة فسألته بعدما ابتلعت لقمتها: "لماذا تنظر إلي هكذا؟ أجاب بصدق: "أحب أن أنظر إليك دائما… النظر نحوك يمنحني شعورا بالراحة دائما ما أفتقده." توردت وجنتيها وهي تحمل كأسها وترتشف منه القليل عندما عاد يسألها بجدية: "موعد الطبيبة بعد ساعتين، أليس كذلك؟ أومأت برأسها وهي تجيب: "سأعتذر عنه وأؤجله ليوم آخر." هتف بصوت قاطع: "بل سنذهب بعد ساعتين." هتفت بجدية:
"أنت متعب يا نديم والموعد يمكن تأجيله." قال بإصرار: "سـنذهب يا حياة… يجب أن نطمئن عليك وعلى الطفل." ابتسمت مرددة: "ما بالك يا نديم؟! أنا بخير الحمد والطفل كذلك." سأل بتذمر: "لا أفهم لماذا تعاندين يا حياة؟! أين المشكلة في ذهابنا اليوم إلى الطبيبة؟ ردت بحيادية: "لأنك متعب وتحتاج إلى الراحة.. منذ البارحة وأنت لم تنم." قاطعها ببرود: "عادي… منذ البارحة وأنا في مركز الشرطة بعد اتهامي بشيء لا أعلم عنه شيئا." أضاف
وهو يحمل كأس العصير مجددا: "الأمر عادي بالنسبة لي فوق ما تتصورين." همست بخفوت: "أنت لست بخير يا نديم." أضافت بتمهل: "أتفهم إن ما حدث صعب بل…" قاطعها بدوره: "أنت لن تتفهمي أبدًا طالما لم تعيشي التجربة بنفسك لكن عليك أن تستوعبي الحقيقة وتعترفي بها وتتصرفي على أساسها." سألته بتردد: "ماذا تعني؟ رد بهدوء: "يعني أن تقصي عواطفك جانبًا وتفكري في مصلحتك أنتِ وطفلك." بهتت ملامحها فأكمل بقوة: "وإذا لم تفعلي فأنا من سيفعل."
"أنا لا أفهم…" سألته بملامح بدأت بالشحوب عندما أجاب بثبات غير آبه بقسوة ما يقوله: "سننفصل يا حياة… سنتطلق." نطقتها والرجاء في عينيها ألا يفعل يقتله: "أنت تمزح." هز رأسه ينفض العاطفة من قلبه لأجلها هي: "أنا لا أمزح يا حياة." أكمل بنفس القسوة: "وجودك في حياتي يعيقني عن اتخاذ أي خطوة حقيقية." همست مدهوشة: "أنا يا نديم…" تجاهل الضعف في عينيها ونبرة صوتها وهو يقسو أكثر: "نعم أنت يا حياة." أضاف بتمهل ونبرة باردة:
"أنت يجب أن تخرجي من حياتي… لأجلي أنا ولأجلك أنت أيضا…. المرحلة القادمة من حياتي لا تناسبها وجودك… أنا لدي مخططات ووجودك معي سيمنعني عن تحقيق ما أريده." هتفت بصعوبة: "المخططات تلك تتضمن الانتقام من عمار." هز رأسه وهو يضيف: "نعم حتى لو كلفني ذلك الكثير." أضاف مكملا: "طوال وجودك معي فأنا سأبقى مقيدًا بك رغما عني." تمتمت بخفوت:
"تريد التحرر مني كي تتصرف كما تشاء وتفعل ما تريد… كي لا تفكر في غيرك ولا تخشى على أي أحد قد يصيبه الأذى بسبب انتقامك." "نعم، هو كذلك." تنهد وأضاف: "أنت تعلمين إن وجودك في حياتي يعرضك للخطر ويعرض طفلك أيضا." قاطعته من بين أسنانها: "طفلنا يا نديم… لا تتحدث وكأنه طفلي لوحدي." همس رغما عنه: "ليته لم يكن طفلي." شهقت بوجع عندما أضاف بثبات: "نعم يا حياة… ليته لم يكن طفلي… ليتك لم تحملي به." صاحت بحدة: "توقف يا نديم."
همس بجمود: "لن أتوقف… أنا سأنجب طفلا للعالم لن يتحمل فقط ماضي والده التعيس بل سيتحمل حقد عمه الأسود على والده." إسترسل بخوف بل رعب يسيطر عليه: "عمار لن يتركني وشأني مهما حدث وعندما يصبح لدي طفل من صلبي، لن يتوانى لحظة واحدة عن استغلاله للانتقام مني وهو يدرك إن هذا الطفل سيكون نقطة ضعفي… على العكس تماما بوجود هذا الطفل سيجد فرصة لإيلامي أكثر وتدميري أكثر." أخذ نفسا عميقا ثم قال: "أنت رأيت بنفسك مدى حقده وجنونه."
قالت بتشبث: "ولكن هذا ليس حلا… الانفصال ليس حلا." قاطعها: "يجب أن نفعل ذلك حتى أنتهي من عمار أو ينتهي هو مني… وفي كلتا الحالتين سأضمن على الأقل سلامتكما." "نديم…" قالتها بترجي تجاهله بقوة: "أنت يجب أن تغادري حياتي… يجب أن تفعلي." أكمل يقسو على نفسه قبلها: "أنا سأطلقك يا حياة… شئت أم أبيت سأفعل." وقبل أن تتحدث مجددا كان صوت هاتفه يصدح في أرجاء المكان باسم شقيقته. ***
غادر الطبيب بعدما أخبرها بمدى صعوبة وضع والدتها التي أصابتها جلطة قلبية شديدة ستبقى على آثرها في غرفة العناية المشددة تحت الملاحظة الدائمة عسى ولعل تتحسن حالتها تدريجيا رغم صعوبة ذلك قليلا. جلست على الكرسي جانبها ودموعها بدأت تتساقط فوق وجنتيها بغزارة… والدتها بين الحياة والموت وهي سببا رئيسيا في ذلك. لقد قست على والدتها طوال الأيام السابقة وإذا حدث لها شيء فلن تسامح نفسها أبدا.
توقفت عن بكائها وهي ترى الممرضة تتقدم نحوها فانتفضت من مكانها بهلع عندما سمعت الممرضة تخبرها: "المريضة تريدك يا آنسة… ادخلي إليها وتحدثي معها ولكن لا تطيلي الحديث من فضلك." كفكفت غالية دموعها بسرعة وهي تردد: "حسنا." ثم همت بالدخول عندما أوقفتها الممرضة بحرص: "ملابس الوقاية يا آنسة." تمتمت غالية معتذرة: "آسفة حقا لكنني نسيت." ابتسمت لها الممرضة مرددة: "لا بأس… تفضلي معي لترتدي ملابس الوقاية."
سارت غالية خلف الممرضة حيث سارعت ترتدي ملابس الوقاية المخصصة للدخول إلى غرفة العناية المشددة عندما دلفت أخيرًا إلى داخل الغرفة لتشهق باكية لا إراديًا ما إن رأت والدتها ممددة بتلك الطريقة فوق سرير المشفى والأجهزة الطبية تحيط بها وترتبط بجسدها. بالكاد سيطرت على دموعها وهي تتجه بلهفة نحو والدتها تهمس لها: "ماما حبيبتي." فتحت صباح عينيها ما إن سمعت نبرة ابنتها فتمتمت بصوت ضعيف: "غالية." غمغمت غالية من بين دموعها:
"ستصبحين بخير يا ماما… ستعودين إلينا سالمة بإذن الله." همست صباح بصوتها الضعيف وهي تبعد غطاء الأوكسجين عن وجهها: "لا يهم… ما يهم أن أرحل وقلبي مطمئن عليكما." كتمت غالية شهقة باكية كادت تصدر منها وهي تهتف بسرعة: "لا تفعلي يا ماما… أنت ستصبحين بخير… أنا متأكدة من ذلك." أكملت وهي تقبض على كفها: "سامحيني… لقد أحزنتك كثيرا… أنا آسفة يا ماما." غمغمت صباح بأنفاس متعبة: "بل أنت من يجب أن تسامحيني يا غالية… وكذلك شقيقك." أخذت
نفسا طويلا ثم أضافت بترجي: "سامحيني ودعيه يسامحني إذا رحلت قبل رؤيته." هتفت غالية بجزع: "كلا لن ترحلي… أنت ستصبحين بخير بإذن الله." همست صباح رغم تعبها: "اسمعيني يا غالية… أنا تسببت بالأذى لجميع من حولي." ترقرقت الدموع داخل عينيها: "وخاصة ديانا… أنا كنت سببًا في انتحارها… لقد دمرت سمعتها و…" توقفت وهي تشعر بأنفاسها تتثاقل فهمست غالية ترجوها: "لا تتحدثي أكثر… الحديث يتعبك." لكن صباح عارضتها وهي تمنعها من إعادة
غطاء الأوكسجين فوق وجهها: "دعيني أقول ما لدي يا غالية." أضافت بنبرتها الضعيفة: "أنا أحببت والدك حقا… أحببته أكثر من أي شيء… لكنه لم يحبني بل لم يراني يومًا." عادت تأخذ نفسا طويلا ثم تضيف وهي تشعر بعدم قدرتها على الحديث بعد: "ما قاله عمار صحيح… أنا تسببت بانتحارها." سقطت دمعة فوق وجنتها وهي تضيف: "ومنذ ذلك اليوم وأنا أدفع ثمن خطيئتي تلك." "ماما من فضلك…" قالتها غالية بتوسل باكي لتهتف والدتها:
"أنا آسفة على كل شيء… سامحيني ودعي شقيقك يسامحني." قالت غالية بدموع حارقة: "أنت من سامحيني يا ماما… سامحيني على كل شيء… لقد تعاملت معك بطريقة سيئة… أنا نادمة حقا… نادمة أكثر مما تتصورين." قالت صباح بصدق: "لم أغضب منك كي أسامحك… أنت ابنتي الوحيدة… ابنة قلبي وقرة عيني." ثم أخذت تبحث عن كفها عندما قبضت عليه بعدما وجدته وهي تخبرها: "عديني أن تكوني قوية دائمًا كما عهدتك… وأن تكوني سعيدة." أضافت بنبرة ضعيفة باكية:
"شقيقك يحتاجك يا غالية… لا تتخلي عنه وتذكري دائمًا إنني أحبك وسامحيني." "ماما…" قالتها غالية باكية لتضيف صباح وقد بدأت أنفاسها تشتد: "دعي نديم يسامحني… دعيه يسامحني يا غالية… أخبريه إنني أحبه كثيرًا وإنني آسفة على ما أصابه كثيرًا… أخبريه أيضًا إنني أريده أن يعيش مرتاحًا سعيدًا وينسى الماضي بكل ما فيه ويسامحني… دعيه يسامحني بالله عليك." "سامحتك يا ماما وهو كذلك… والله سامحتك." ابتسمت صباح بألم مرددة:
"كنت أريد رؤيته للمرة الأخيرة… تمنيت أن أراه وأرى طفلته." تساقطت دموعها بغزارة فأضافت وهي تلهث: "أخبريه إنه سيحيا سعيدًا وسيعوضه الله خيرًا عما جرى له وسيمنحه الذرية الصالحة بإذنه تعالى… وصيتي له أن يحيا سعيدًا مطمئنًا وينسى الماضي بكل ما فيه وأن يسمي ابنته القادمة شمس فأنا حلمت منذ يومين إن الله عز وجل رزقه بفتاة جميلة كالبدر في تمامه أسماها شمس." "ماما…"
هتفت بها غالية بتوسل عندما شعرت بيد والدتها ترتخي تدريجيًا وأنفاسها تختفي حتى صدح صوت الجهاز يخبرها إن قلب والدتها توقف فصرخت بفزع وهي تحتضن جسد والدتها بقوة وتشـبث عندما تقدمت الممرضة راكضة نحوها هي وطبيب شاب في المشفى فسارعوا يحاولون إبعادها عنها وهي تتشبث بها وترفض أن تتركها. لا تعرف بعدها كيف غادرت الغرفة بل كيف استطاعوا إبعادها عن والدتها.
خرجت منهارة بجوار الممرضة عندما رأت شقيقها يتقدم راكضًا نحوها وخلفه زوجته ليتجمد مكانه وهو يراها لأول مرة بهذه الهيئة. كانت هيئتها وحدها دليلًا على ما حدث… ودون وعي ولأول مرة تجد نفسها بحاجة لأحدهم فركضت نحوه تتشبث به وهي تصرخ دون وعي: "ماما ماتت يا نديم… ماتت." بينما بقي نديم جامدًا للحظات دون أن يرمش بعينيه حتى وشقيقته تتشبث به وكل ما يفكر به في تلك اللحظة إنه فقد والدته. فقدها للأبد. ***
رمت هاتفها جانبًا بحنق شديد… لا تعلم لماذا تصر على مراقبته بعدما تزوج. بينما هو ينشر صورًا يومية له تارة له وحده وتارة مع زوجته. ربما هو يتعمد ذلك… هكذا فكرت رغم إنه معتاد على التفاعل يوميًا في حسابه الشخصي. انكمشت على نفسها بملامح مظلمة والحقد والغيرة والتعاسة يسيطران كليًا عليها. سمعت صوت طرقات على باب غرفتها فخرج صوتها مقتضبًا وهي تردد: "ادخل."
دَلفت ليلى إلى غرفتها تتأملها وهي تجلس بتلك الطريقة المتحفزة وعينيها تشتغلان بنظرات حادة تسبب القلق. "مريم…" تمتمت بها ليلى مدهوشة وهي تتقدم نحوها عندما جلست جانبها تسألها باهتمام: "ما بالك تجلسين هكذا وملامحك تنطق بالغضب؟ تدفق الكلام من فم مريم دون وعي بعدما تحكم بها انفعالها كليًا: "الخائن… ينشر صوره يوميًا مع الحمقاء التي تزوجها… كاذب ولعين." تنهدت ليلى وهي تستمع لحديثها عن خطيبها السابق وابن عمهما فقالت بجدية:
"لا تحزني يا مريم… لو كان خيرًا لبقى." نهضت مريم من مكانها تتحدث بإنفعال: "أنا لا أصدق إنه نساني بهذه السرعة… تجاوز حبي بل وتزوج أخرى غيري… وكأنني لم أكن شيئًا يذكر." رغمًا عنها ابتسمت ليلى بتهكم فرفعت مريم حاجبها باستفهام لتأخذ ليلى نفسًا عميقًا ثم تردد: "آسفة ولكن ما الغريب فيما تقولينه؟!
في النهاية هو رجل… مثله مثل جميع الرجال… قلوبهم تنسى بسرعة خرافية تستحق الإعجاب… هذا إذا كانوا يمتلكون قلوبًا تحب بصدق من الأساس." هزت مريم رأسها بعنف تنفي حديث شقيقتها: "كلا يا ليلى… أكرم كان يحبني بحق… انتظرني لسنوات طويلة… تحملني كثيرًا وتقبل صفاتي المنفرة لكثير من الشباب غيره." "هذا ليس مقياسًا يا مريم." قالتها ليلى بثبات لتسأل مريم بحيرة: "ما المقياس إذا يا ليلى؟ هزت ليلى كتفيها تجيب بجهل حقيقي:
"لا أعلم ولا أعتقد إنني سأفعل." اتجهت مريم نحوها وجلست جانبها تهمس بضعف نادرًا ما يظهر عليها: "أنت تعلمين إنني أحببته حقًا وإنني خططت لحياتي كاملة معه." هزت ليلى رأسها وهي تخبرها بشفقة صادقة: "أعلم يا مريم لكنه ليس نصيبك." قاطعتها مريم بوجع: "لو أخبرني فقط… لو لم يفعل بي هذا… عندما تحدثنا لآخر مرة كان طبيعيًا للغاية و…" كتمت دموعها بصعوبة وهي تردد: "كيف فاجأني هكذا؟! كيف تزوج فجأة بعد بضعة أيام؟! لماذا فعل بي هذا؟!
أنا لا أفهم حقًا." سألتها ليلى بتردد وعي تتذكر تلك الصور من جديد: "هل أنت متأكدة إنه لم يحدث شيء جعله يتصرف كذلك؟ عقدت مريم حاجبيها تردد بتعجب: "شيء مثل ماذا؟! لا يوجد أي شيء أساسًا." ابتعلت ليلى بقية حديثها داخل حلقها وهي تربت على كف شقيقتها تخبرها: "لا بأس يا مريم… هو الخاسر بالتأكيد." أضافت وعيناها أظلمتا كليًا:
"هذا الواقع للأسف… نحن في حياة الرجال لسنا سوى محطات لا بد أن تنتهي يومًا ما وتأتي محطة جديدة في الحياة بدلًا عنا." نظرت لها مريم مرددة بحيرة: "لا أصدق إنك من تقولين هذا… منذ متى وأنت تمتلكين هذه النظرة؟! أضافت بخيبة: "لا سامحك الله يا نديم… هو من تسبب بذلك." ابتسمت ليلى بسخرية مريرة فقط: "نديم وغيره أيضًا." نظرت لها مريم بتأهب بينما ليلى تضيف ببوح مخنوق:
"نديم وبعده والدك العزيز وغيرهما… هل تصدقين إن صدمتي بوالدي تحديدًا لا توازيها صدمة؟ نظرت مريم بأسى لها فأكملت ليلى بخفوت: "أنا عشت قصة حبه مع والدتي طوال سنوات عمري السبعة والعشرين… عشت قصة حبهما لحظة بلحظة… كنت أرى العشق الجارف في عينيه والاهتمام وكل شيء… عشقه لها كان ظاهرًا للجميع دون مواراة لدرجة إنني كنت أسأل نفسي مرارًا إذا ما سيكون نديم مثل والدي ويحبني بنفس الطريقة حتى بعد عشرين عامًا من زواجنا وأكثر."
تشكلت ابتسامة مريرة فوق ثغرها وهي تهمس: "وفي النهاية لا نديم ولا والدي نفسه بقيا على مشاعرهما." سألتها مريم بتردد: "وكنان؟! ما وضعه معك..؟! لماذا قبلت الزواج منه وهذا رأيك بالحب والرجال عمومًا؟ ردت ليلى ببساطة: "لأنني اخترت بناءً على عقلي." أكملت تشرح لها:
"علاقتي مع كنان بعيدة عن الحب والمشاعر عمومًا… ليست علاقة عاطفية… علاقتي به مختلفة… ارتباط عقلاني بحت… أنا لا أحبه ولا أمتلك مشاعر خاصة نحوه وهذا يكفيني تمامًا ويحميني من أي خذلان مستقبلي." نظرت لها مريم بدهشة لتضيف ليلى وهي تبتسم بثقة:
"أعتقد إن راحة الإنسان الحقيقية عندما يحمي قلبه من التعلق بأحدهم… عندما يحافظ على توازن مشاعره دائمًا… مشاعري ناحية كنان حيادية وهو يعلم ذلك ولا يعترض لأنه هو الآخر مشاعره حيادية نحوي… لكنه في نفس الوقت رجل جذاب وثري وذو مكانة محترمة ويمكنني الاعتماد عليه دائمًا… يعني هو يصلح ليكون زوجي وأب لأطفالي وفي نفس الوقت لن أحزن إذا ما خانني يومًا أو خذلني بأي طريقة كانت… علاقة مريحة تمامًا ونتاجها عائلة وأطفال أحتاجهم في حياتي."
سألت مريم بجدية: "هل أنت متأكدة من حيادية مشاعره نحوك؟ هزت ليلى رأسها بإيجاب وهي ترد: "بالطبع… كنان ليس رجلًا عاطفيًا أبدًا… هو أرادني زوجة لأنني أناسبه وأشبه ما يريده في زوجة المستقبل." تنحنت مريم تردد: "برأيي ألا تتعجلي في قرار زواجك منه." نظرت لها ليلى باستنكار فأضافت مريم بجدية:
"أنتِ امرأة عاطفية يا ليلى… عاطفية بالفطرة وهذا شيء لا يعيبك بالمناسبة…. ارتباطك بهذه الطريقة التي لا تشبهك هي نتيجة تجربتك السابقة وما تعرضت له وهذا خطأ كبير لأنك مهما حاولت أن تغيري من نفسك وطريقة تفكيرك ووجهات نظرك سيأتي يوم وتحتاجين إلى الحب الذي تتجاهلينه حاليًا عن عمد… لا بد أن تغلبك عاطفتك يومًا يا ليلى مهما حاولت ترويضها… وعندما يحدث هذا ستشعرين بالورطة لأنك تزوجت بهذه الطريقة من رجل لا تحملين أي عاطفة نحوه."
تغضن جبين ليلى للحظات لكن سرعان ما ابتسمت وهي تخبر مريم بتهكم: "منذ متى وأنت تتحلين بكل هذا العقل يا مريم؟ فهمت مريم رغبتها بالهروب من الحديث فضحكت مشاغبة رغم الألم الذي ما زال يسيطر عليها: "أنت لم ترِ شيئًا بعد." ابتسمت ليلى وهي تربت على كتفها عندما رن هاتفها لتخبرها بجدية وهي تنظر نحو الهاتف المضيء باسم خطيبها: "كنان وصل… يجب أن أغادر الآن." سألتها مريم وهي تنهض من فوق سريرها معها: "ستذهبين إلى قصره؟ أجابت:
"نعم، سأراه لأننا غالبًا سنعيش فيه بعد الزواج." رفعت مريم حاجبها تردد مستهجنة: "وشروطك عن منزل قريب من هنا." ابتسمت ليلى مرددة بخفة: "كان نوعًا من الاختبار ليس إلا." غمغمت مريم بمكر: "اختبار أم محاولة لإفشال الخطبة؟ تجاهلت ليلى حديثها وهي تقبلها من وجنتها وتخبرها: "اعتني بنفسك ولا تحزني لأجل أي شخص… حسنًا."
احتضنتها مريم بحب قبل أن تتابعها وهي تغادر غرفتها فتتنهد بصوت مسموع وهي تعود تجلس فوق سريرها بملل لا يخلو من الكآبة. *** بعد حوالي نصف ساعة هبطت ليلى من سيارته بعدما فتح لها الباب لتتأمل بوابة القصر الفخمة بإعجاب لحظي سرعان ما اختفى وهي تتذكر إنها لم تسأله إذا ما كان يعيش لوحده هنا أم هناك خدم في المكان غير الحرس في الخارج.
ورغم كونها باتت زوجته لكنها لن تدخل إلى الفيلا معه لوحدها مهما حدث ورغم تأكيد وجود خدم في القصر الضخم فهو لا يمكن أن يعيش لوحده لكن هواجسها سيطرت عليها فقررت السؤال رغمًا عنها بسبب شكوكها الغبية. "هل تعيش لوحدك؟ سألته بتعجب ليجيب وهو يفسح لها المجال لتسير أمامه: "نعم." تراجعت إلى الخلف للحظة ترمقه بملامح أباحت بما فكرت به عندما أدركت إنه يعيش وحيدًا في هذا القصر الشاسع ليبتسم بخفة مضيفًا:
"يوجد في الداخل مدبرة منزل وأكثر من خادمة." أضاف متأملًا إحراجها: "اطمئني يا ليلى… أعرف جيدًا إنك لن تدخلي هذا القصر لو لم يكن فيه أحد سواي أنا وأنتِ." حدقت به بصمت للحظات قبل أن تشمخ برأسها وتسير إلى الداخل مرددة: "جيد إنك تعلم ذلك." استقبلتها مدبرة المنزل بابتسامة واسعة عندما أشار كنان نحو ليلى يعرفها عليها قبل أن يعرفها على مدبرة منزله والتي كانت تمتلك وجهًا هادئًا لطيفًا للغاية بسنوات عمرها التي تجاوزت الأربعين:
"صوفيا… مدبرة القصر والمسؤولة عن كل شيء." ابتسمت ليلى بود مماثل وهي تحييها عندما سارت جانبه تتأمل القصر شديد الفخامة بغرفه الواسعة وأثاثه الراقي الذي تم اختياره بحرص شديد. تستطع منع فضولها من سؤاله: "لماذا لا تعيش مع عائلتك؟ رد باعتيادية وهو يقف جانبها في صالة الجلوس الواسعة جدًا: "لا يمكنني التأقلم تمامًا مع عادات شريفة هانم نصار." معه حق… هكذا فكرت وهي تتذكر تلك المرأة كبيرة السن بكل قوتها وصلابتها وتسلطها.
مرة واحدة رآتها فيها كانت كافية لتدرك طبيعتها وتعنتها وفوقيتها المبالغ فيها واعتدادها بنفسها وأصولها العريقة لتشعر بمدى صعوبة التفاهم مع شخص مثلها. أفاقت من شرودها وهي تسمعه يخبرها: "لنذهب إلى الحديقة الخلفية… ستعجبك كثيرًا." خرجت من خلال الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية لتتأمل الحديقة الواسعة بأشجارها الكثيفة وزهورها الخلابة بل إن كل شيء بها خلاب ورائع.
سار بها نحو ذلك المنزل الصغير الخاص بكلبه الضخم والذي قفز من مكانه ما إن رأى صاحبه يتقدم نحوه. تأملت الكلب الضخم بمظهره الذي بدا مخيفًا للوهلة الأولى عندما هبط كنان هو بجواره يمرر يده فوق رأسه مرددًا وهو يعرفها عليه بفخر: "هذا روكي." أشار إلى الكلب الذي مال نحوه يلعقه وجهه بفرحة لقدومه: "وهذه ليلى يا روكي." نظر روكي نحوها لا إراديًا مستمعًا لحديث صاحبه عندما أشار له يخبره والأخير يفهم عليه وكأنه صديقه:
"سلم على ليلى يا روكي." لكن الكلب تجاهل وجودها ولم يفعل ما اعتاد أن يفعله مع البقية وكأنه شعر بخطر وجودها حول صاحبه واستحواذها على جزء أساسي من حياته وربما قلبه. كرر كنان حديثه بنبرة جادة: "سلم عليها يا روكي." منحها روكي نظرة تظهر عدم رغبته بوجودها فكتمت ضحكتها بصعوبة عندما هدر كنان بنبرة حازمة قوية: "هيا يا روكي."
وأخيرًا استسلم روكي لأمر صاحبه ووقف أمامها يمد قدمه نحوها فانحنت ليلى تبتسم برقة وهي تلتقط قدمه وتردد بينما عينا كنان تتأملها بقوة: "أهلًا روكي." ثم مسحت فوق رأسه ليستسلم الكلب لها على مضض عندما هتف كنان وهو يمسح فوق رأسه: "سيحبك… هو فقط يحتاج إلى فترة حتى يعتاد على الغرباء." هزت رأسها بتفهم وهو تردد كاذبة: "إنه لطيف." قال بجدية: "هو ليس كذلك." نظرت له بدهشة ليبتسم بمكر وهو يضيف:
"روكي تحديدًا لا تليق به كلمة لطيف أبدًا… هو شرس جدًا ومشاكس جدًا ومزعج في أغلب الأحيان." هزت رأسها بصمت عندما أضاف: "لكنه إذا أحب شخصًا ما يتحول تمامًا… يفديه بروحه إذا اقتضى الأمر." أنهى حديثه بإقرار: "سيحبك وترين ذلك عندها." "ربما لن يحبني." قالتها وهي تهز كتفيها ببساطة ليهتف مبتسمًا بغموض: "لا أحد يستطيع ألا يحبك." كسا الوجوم ملامحها وعاد الاضطراب يغزوها عندما أضاف وعيناه كانتا تحتضنانها كليًا هذه المرة:
"لا أحد يعرفك دون أن يُغرم بك." يوترها… وجوده يوترها… حديثه يوترها… كل شيء به يعبث بروحها دون رحمة. منحته نظرة جاهدت لجعلها عادية وهي تهتف: "شكرًا على هذه المجاملة اللطيفة." تمتم بهدوء: "أنا لا أجامل… لا أجيد المجاملة أساسًا." أضاف بقوة: "أنا فقط أقول الحقيقة." "أية حقيقة؟ سألته بتلعثم جديد عليها ليمنحها ابتسامة شديدة الجاذبية وهو يهتف:
"إنك رائعة… جميلة ومثالية لدرجة تبدين وكأنك آتية من الخيال البعيد ولست واقعًا حقيقيًا." أخذ نفسًا عميقًا مضيفًا بكلماته التي تعبث على أوتار أنوثتها رغمًا عنها: "أنت أميرة… أميرة بحق… محظوظ من يمتلكها وينال قلبها وروحها." قالت بحزم وعيناها تنظران له بتحدي: "أخبرتك إن هذا مستحيل… لا تبني آمالًا كاذبة… لا وجود للمشاعر بيننا و…" قاطعها ببرود:
"أنتِ قلتِ كلمتكِ وأنا احترمتها… تفهمت هذا… استوعبته… أنتِ قلتِ ما عندك أما القادم فهو عندي… أنتِ لا تهتمي ولا تفكري… فقط اتركي نفسك للتيار وهو سيأخذك إلى المكان الذي سيستقر به قلبك ويجد مرساه." أغاظتها كلماته بل وثقته المفرطة بنفسه فتمتمت ببرود متعمد يشابه بروده المغيظ: "أعتقد إننا تحدثنا عن هذا مسبقًا وأنت تعرف بعدم وجود العواطف بيننا أو من ناحيتي على الأقل." ابتسم بهدوء رتيب متمتم:
"أخبرتك إنني أعلم ذلك وأحترمه جدًا ولكن…" توقف قليلًا وهو ينظر في عينيها بهدوء أربكها فأكمل ونفس الابتسامة الهادئة ترتسم فوق ثغره: "ما زلنا في البداية وما زال طريقنا طويل… أنا لا أطلب منك العاطفة وأنت تعرفين ذلك لكن من حقي أن أسعى للحصول عليها يومًا وهذا لن يضرك بشيء." ردت بإقتضاب: "لن تحصل على شيء كهذا مني وأنت تعلم." سألها بجدية: "لأنك لا تريدين ذلك…؟! أليس كذلك؟ تبادلا النظرات ليضيف:
"لأنك ترفضين الحب أو لأكن أكثر دقة فأنت تخشينه… وأنا لا ألومك." احتقنت ملامحها بينما يضيف: "تجربتك الأولى في الحب كانت صعبة ومؤلمة لذا لا يمكنني لومك ولكنني أعدك إنك ستتجاوزين آلام الماضي بكل ما فيها وستجدين حبًا جديدًا ومختلفًا معي… حبًا صادقًا ومريحًا وقويًا يصمد في وجه أي شيء مهما بلغت صعوبته." ابتلعت ريقها وهي تسأل بسخرية تخفي بها توترها: "ما كل هذه الثقة؟! أنت تتحدث بثقة غريبة."
"ثقتي في محلها وستعرفين هذا قريبًا." قالها وهو يبتسم بهدوء لترفع حاجبها مرددة باستخفاف متعمد وغزوه مشاعرها بتلك الطريقة يزعجها: "أنت تحلم بالتأكيد." تقدمت بخطوتين نحوه وهي تضيف: "لم أكن أعلم إنك تسعى لامتلاك قلبي في هذه الزيجة… لم يكن هذا منطوق حديثك قبل الخطبة." هتف ببساطة: "أليس من الطبيعي أن أسعى لامتلاك قلب زوجتي يا ليلى…؟! ما الغريب في حديثي؟ تمتمت بإرتباك: "أنت قلت…" لكنه قاطعها ببرود:
"أنا لم أقل شيئًا بخصوص هذا الأمر حسب ما أتذكر." همست بجمود: "دعنا نغادر." أوقفها وهو يقبض على كفها يمنعها من التحرك: "توقفي لحظة." أضاف وهو يلتقط نظراتها الرافضة لما يحدث: "يجب أن تري القصر كاملًا." أزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها وهي ترد: "لا داعي لذلك… أعجبني أساسًا وهو مناسب حقًا لنسكن فيه بعد الزواج." كتمت شهقتها وهي تراه يجذبها نحوه وينحني نحوها مرددًا بثبات: "أنت شجاعة يا ليلى بل محاربة… الهرب لا يليق بك."
تلعثمت وهي تنطق: "ماذا تقصد؟ ابتسم بهدوء وكفه تحرر كفها بينما تتحرك فوق خصلاتها الشقراء: "لا تهربي مني يا ليلى… أنا زوجك وقريبًا سنكون سويًا… لا الهروب حاليًا حل ولا محاولة نأي قلبك عني هو الحل… أخبرتك أن تتركي كل شيء كما هو… لا تضغطي على نفسك ولا تتصرفي بطريقة لا تشبهك والأهم لا تهربي لأنك قوية بما يكفي لتجابهي أي شيء بثبات."
أنهى كلماته وهو يتأمل الخوف الرهبة في عينيها فمال أكثر نحوها يلتقط قبلة خفيفة من ثغرها ثم يبتعد عنها مجددًا لترمش بعينيها بعدم استيعاب ويغزو الاحمرار وجهها الذي توهج كليًا بشكل أشعل الرغبة فيها داخله بقوة لكنه تجاهلها بثبات يحسد عليه وهو يطلب منها أن تتحرك معه ليريها غرف القصر. *** دلف سيف إلى جناحها بعدما سمحت له جيلان بالدخول فنهضت من مكانها فورًا وهي تراه يبتسم لها بهدوء قبل أن يلقي التحية: "صباح الخير يا جيلان."
ردت جيلان بخفوت: "صباح النور." تنهد بصوت منخفض ثم تقدم نحوه يلقي نظرة عابرة على بطنها المنتفخة قليلًا قبل أن يقول: "انظري يا جيلان… سبق وعدتك إنني لن أعيدك إلى عائلتك حتى تريدين ذلك." ارتبكت كليًا وهي تحرك رأسها بإيماءة بطيئة ليضيف وهو يصل لها مرددًا: "وأنا سألتزم بوعدي ولن أتراجع عنه مهما حدث." شكرته بصوت متردد: "شكرًا." ابتسم برحابة وهو يضيف بعدها: "عائلتك في الأسفل يا جيلان." جحظت عيناها برعب حقيقي
فقبض على كفها يخبرها بصدق: "لن يأخذونك حتى تريدين أنت ذلك… لقد وعدتك يا جيلان." أخذ نفسا عميقا وهو يكمل: "لكن دعيهم يرونك أولًا… هم يبحثون عنك منذ هروبك دون توقف… دعيهم يرونك ويتحدثون معك ثم سيكون القرار لك بكل الأحوال." ظهر التردد ممزوجًا بالخوف في عينيها… الخوف من رؤية عمها وراغب والبقية بعد هروبها بتلك الطريقة. "لكنني أغضبتهم بعدما فعلته وربما يعاقبونني." هتف يطمئنها: "لن يفعلوا ذلك أبدًا يا جيلان." أكمل بجدية:
"هم يحبونك للغاية ويخافون عليك كثيرًا ولا يريدون سوى رؤيتك سالمة." أضاف وهو يشد من عزيمتها: "وكي تطمئني فأنا سأكون معك وسأظل أتابع وضعك حتى إذا قررت المغادرة معهم." بللت شفتيها بارتباك فسألها مجددًا: "هل توافقين على رؤيتهم إذا؟ هزت رأسها ببطء رغم الخوف البديهي داخلها فعاد يبتسم لها بحنو وهو يطلب منها أن تتبعه.
سارت خلفه بخطوات بطيئة مترددة عندما هبطت درجات السلم ومنه إلى صالة الجلوس حيث يجلس كلا من عمها عابد وولديه راغب وراجي مع كمال والد سيف والذي بدوره استقبلهما بترحيب شديد وهو الذي يعرفهم جيدًا فقد سبق وتعاون معهم في عدة صفقات وما زالت هناك علاقات معرفة أقرب للصداقة بين العائلتين. نهض عابد من مكانه بسرعة ما إن رأى جيلان تتقدم خلف سيف نحوهم ليهتف بسعادة: "جيلان حبيبتي… وأخيرًا رأيتك بخير."
ثم سار نحوها وهي التي توقفت قباله برهبة ليحتضنها بحنو خالص وهو يتمتم بالحمد والشكر لله. أبعدها من بين أحضانه يردد معاتبًا: "كيف تفعلين بي هذا يا جيلان؟! كدت أموت من قلقي عليك يا حبيبتي… لو تعلمين ما حدث معي طوال الأيام السابقة." تمتمت والكلمات بالكاد تخرج من فمها: "أنا آسفة." قال عابد بصدق: "لا عليك يا صغيرتي… المهم إنك بخير… هذا كل ما يهم." تقدم راجي نحوها يبتسم لها بحنو مرددًا:
"الحمد لله على سلامتك يا صغيرة… أرعبتنا عليك حقًا يا جيلان." ثم عانقها بمحبة خالصة فاستجابت له للحظات قبل أن تبتعد عنه وهي تبتسم بارتعاش لترمش بعينيها وهي تنظر إلى راغب بهيئته الرزينة الهادئة عندما سار نحوها هو الآخر ومنحها ابتسامة هادئة مرددًا بصدق: "لم أكن لأسامح نفسي أبدًا لو أصابك أي مكروه." ثم فتح لها ذراعيه لتنظر له بتردد قبل أن تعانقه بتحفظ فوجدته يطبع قبلة خافتة فوق جبينها مرددًا:
"الحمد لله على سلامتك يا صغيرة آل هاشمي." ارتعش جسدها بقوة وهي تسمع تلك النبرة الحانية لأول مرة منه وهو الذي كان دائمًا صلبًا قويًا وشامخًا. ابتعد راغب عنها وهو يبتسم لها بينما قال عابد بجدية: "تعالي واجلسي بجانبي يا جيلان… يجب أن نتحدث." أطاعته جيلان وهي تجلس بحذر على الكنبة فيجاورها عمها بينما يجلس كلا من راغب وراجي على الكرسيين جانبها أما كمال وسيف فجلسا على الكنبة المقابلة لها هي وعمها. ابتسم عابد مجددًا
وهو يخبرها: "صغيرتي جيلان، أنا لن أعاتبك على هروبك أبدًا… أتفهم سبب تصرفك ولكن عديني ألا تكرريها." نظرت له بصمت فأضاف بتروٍ: "أنا عمك يا جيلان يعني بمثابة والدك… أخبرتك سابقًا وسأخبرك مجددًا… أنا دائمًا معك وبجانبك… ثقي بي يا صغيرتي… كان عليك أن تلجئي إلي بدلًا من الهروب." تمتمت بخجل: "أنا آسفة يا عمي." "لا داعي للاعتذار يا صغيرتي… الجميع يخطئ وأنت لك عذرك." قال راجي بدوره:
"نحن جميعنا معك يا جيلان… سنفعل لك ما تريدينه… أنت ابنة عمنا الصغيرة يعني بمثابة شقيقتنا لذا كوني على ثقة إننا دائمًا معك ندعمك وسندًا لك في كل خطوة تخطينها." تحدث كمال بدوره وهو ينظر لها:
"أنت لديك عائلة كبيرة ورائعة يا ابنتي… تمسكي بعائلتك فهم سندك وعكازك في هذه الحياة… ربما الآن لا تدركين ذلك لكن عندما تكبرين ستفهمين مدى أهمية العائلة… عندما تحتاجين شيئًا وتجدينهم دائمًا خلفك وفي ظهرك حالما تحتاجينهم… عندما يكونون هم السند الذي تحتمين به من أي شيء… حينها ستدركين مدى أهمية وجودهم في حياتك." سألتها عابد بجدية: "هل توافقين على العودة معنا يا صغيرتي؟
نظرت له بصمت للحظات قبل أن تهز رأسها موافقًا فابتسم عمها وهو يعانقها متمتمًا: "حفظك الله لي يا ابنتي وبارك لي فيكِ." نهض بعدها الجميع حيث ابتسم كمال لجيلان عندما تحدث عابد: "أشكرك حقًا يا كمال بك على استضافتكم ابنتنا عندكم… ليس غريبًا عليكم شيء كهذا… دائمًا ما كنتم أصحاب كرم ونخوة." صافحه كمال مرددًا: "لا داعي للشكر يا بك… لم نقم سوى بواجبنا."
ربت عابد على كفه قبل أن يتقدم نحو سيف وجواره جيلان بينما أخذ كمال يودع راغب وراجي. أشار عابد لسيف: "جميلك لن أنساه أبدًا يا ولدي… أنت حافظت على ابنة أخي حتى عادت إلينا سالمة." قال سيف بجدية: "لا شكر على واجب يا عماه… جيلان بمثابة شقيقتي الصغيرة وأنا تصرفت بما يمليه علي الواجب." أكمل بجدية ونبرة خافتة: "أنا سعيد بعودتهما معكم وأتمنى حقًا أن تراعوها فهي صغيرة وتحتاج للكثير من الرعاية والاهتمام."
ربت عابد على ذراعه مرددًا: "لا تقلق يا سيف… جيلان في عيني… إنها صغيرتنا التي سنحرص دائمًا على العناية بها." استدار نحو جيلان التي تتابعهما بصمت حتى نظرت إلى سيف وابتسمت برقة مرددة: "أشكرك كثيرًا… أنت ساعدتني وأنقذتني من بقائي وحيدة في الشوارع." هتف سيف مبتسمًا: "على الرحب والسعة يا صغيرة… اعتني بنفسك جيدًا." همس لها دون أن يسمع أحد: "ومتى ما احتجتني ستجديني معك رغم إن لديك ماشاء الله بدل ابن العم الواحد أربعة."
ضحكت بخجل فقال وهو يربت على ذراعها: "اعتني بنفسك يا جيلان ولا تفعليها وتهربي مجددًا." هزت رأسها بصمت عندما ودع سيف البقية وهو يسير معهم خارج القصر حتى غادرت جيلان مع عمها وولديه القصر فتنهد براحة بعدما اكتملت مهمته على خير وأعاد الصغيرة إلى أحضان عائلتها. *** "أنت هنا يا مهند." قالتها توليب وهي تتقدم نحو شقيقها الذي يجلس في الحديقة الخلفية للقصر داخل تلك الغرفة التي أُعدت للجلوس فيها بشكل عائلي بين الحين والآخر.
رفع مهند عينيه نحوها مرددًا: "نعم يا توليب… أنا هنا." اتجهت تجلس جانبه وهي تتأمل ملامحه الهادئة تمامًا فمازحته: "تبدو شاردا في أمر مهم جدًا." ابتسم مرددًا بسخرية: "ولماذا سأفعل وحياتي والحمد لله مثالية وخالية من أية مشاكل أو تعقيدات؟ هتفت توليب بتروٍ: "لا تفعل يا مهند… لقد وجدوا جيلان والحمد لله." تنهد بصوت مسموع وقال: "وهل هذا يكفي من وجهة نظرك؟ ردت بصدق: "كلا ولكن سنرتاح قليلاً بعدما كنا نموت خوفًا بسبب غيابها."
تمتم مهند: "ما عداي بالطبع… فأنا لم أدرك غيابها إلا بعد أيام وما إن أدركته حتى علمنا بمكانها." ابتسمت تشاغبه: "هذا دليل على إن وجهك خير علينا يا مهند." ابتسم بتهكم قائلًا: "على العكس تمامًا… كيف سيكون وجهي خيرًا وأنا لا أتسبب سوى بالأذى لجميع من حولي." نظرت له بشفقة وهي تقول: "لا تقل هذا من فضلك." "أليست هذه الحقيقة يا توليب؟!
أنا السيء دائمًا… الشرير الذي يؤذي جميع من حوله… أنا الذي أتسبب دائمًا بالفوضى والمشاكل دون توقف." قالها بإنفعال مكتوم فهمست تخبره: "لا تفعل هذا… أنت تحمل نفسك فوق طاقتها." غمغم بتعب: "هذه الحقيقة يا توليب." هتفت معترضة: "كلا ليست الحقيقة… صحيح أنت عصبي ومتهور وحانق دائمًا… لكنك طيب وقلبك أبيض والجميع يدرك هذا."
تأملها للحظات… شقيقته الجميلة الدافئة… ذات الكلمات الرقيقة المحببة… دائمًا ما تفعل هكذا… تحب الجميع وتدعمهم. ها هو رغم كل ما فعله وتدركه جيدًا وما زالت تحاول التخفيف عنه… لطالما كانت توليب هكذا… حانية ودافئة… تحاول أن تحتوي الجميع وتساند هم. دائمًا ما وقفت جانبه ولم تتخل عنه في عز أزماته وفي أسوأ تصرفاته الحمقاء. ابتسم لها مرغمًا وهو يردد: "أنت جميلة جدًا يا توليب… محظوظ من ينالك." ابتسمت مرددة برقة:
"وأنت كذلك يا مهند." هزأ من حديثها: "توقفي عن المجاملة بالله عليك… أنت كما يقولون تعرفين البئر وغطاه." هدرت بحنق تعترض على حديثه: "بل أنت من لا تدرك ميزاتك يا مهند… أنت شاب وسيم وثري ومن عائلة محترمة يحلم الجميع بمصاهرتها… مهند متخرج من أعرق الجامعات في العالم." قاطعها: "ولكنني أحمق… مستهتر وغبي… لا توجد فتاة تستطيع تحمل طبعي." قاطعها بدورها:
"ليس تمامًا… أنت فقط لم تجد الفتاة التي تستطيع لجم تمردك وترويض أعصابك الهائجة دائمًا." "حقًا؟! من المستحيل أن أجد فتاة كهذه أساسًا." قالها ببرود لترد بحالمية: "أنت مخطئ يا مهند… لا بد أن يأتي يوم وتجد الفتاة التي تغير حياتك بل تغيرك كليًا… أنت لم تجرب الحب بعد… عندما تعشق إحداهن يومًا ستتغير لأجلها وهي ستنجح في تغييرك لأنها تحبك ولأنها تستحق ذلك أيضًا." رفع حاجيه يتأملها بتهكم لننتبه على نظراته فتحمر
وجنتيها وهي تردد بتململ: "المهم… أنا لا أريدك أن تفكر بهذه الطريقة." أكملت وهي تنهض من مكانها: "هيا تعال معي إلى الداخل… جيلان ستصل بعد قليل." وهو يعود بظهره إلى الخلف: "دعني هنا… من الأفضل ألا تراني فور عودتها." عادت تجلس جانبه تردد برفض: "خطأ يا مهند… ما تفعله ليس حلًا… جيلان أم طفلك أو طفلتك القادمة… عليك أن تستوعب هذا." قال بصدق:
"ولكنني استوعبت هذا فعليًا… مثلما استوعبت إنه لا ذنب لها فيما حدث ولا يحق لي تدمير حياتها كلها نتيجة خطأ أنا المسؤول الوحيد عنه." سألته توليب بحيرة: "ما الذي تريده يا مهند..؟! علام تنوي بالضبط..؟! رد بجدية:
"جيلان من حقها أن تعيش الحياة التي تناسب عمرها وأحلامها… من حقها أن تعيش المستقبل الذي يناسبها… لذا سأتصرف بما يقوله المنطق… سأنتظر ولادتها كي آخذ الطفل منها وأتحمل مسؤوليته كاملة لوحدي وهي ستعيش حياتها كما تريد وإذا أرادت ألا تعترف به ولدًا فهي حرة." "ما الذي تقوله أنت؟! سألته توليب مصعوقة ليرد مهند ببساطة:
"جيلان لا تريد الطفل يا توليب وأنا لا ألومها على ذلك… من الأفضل أن يعيش الطفل معي ولا تنسي إنها صغيرة جدًا… ستكبر فيما بعد ويصبح لها حياتها وربما ستتعرف على أحد عندما تكبر وتحبه وحينها سيكون هذا الطفل عقبة في طريقها وهذا ما لا أريده… أريدها أن تمضي في حياتها قدمًا وتنسى هذا الطفل… لا أريد ذنبًا جديدًا فوق كاهلي وأنا أراها تعاني بسبب أمومتها لطفل في هذا العمر الصغير إجبارًا عنها."
صمتت توليب ولم تعلق فشعر مهند بعدم رضاها عما يقوله وأكد ذلك حديثها وهي تخبره: "والطفل..؟! ألم تفكر به..؟! كيف سيعيش دون أمه..؟! رد مهند بجدية: "سأعتبره يتيم." نظرت إليه توليب باستنكار فقال بجدية: "نعم يا توليب… سأفعل ذلك وأنا سأوفر له ما يحتاجه وسأكون معه دائمًا." "مهما وفرت له فلن تستطيع تعويضه عن والدته يا مهند." قالتها توليب بحنق ليردد مهند بأسى: "هذا قدره يا توليب وعليه أن يرضى به." ***
عادت ليلى إلى منزلها بعدما أوصلها كنان لتفتح الخادمة لها الباب مرحبة بها. ابتسمت ليلى بود لها وهي ترد تحيتها قبلما تهم بالتوجه إلى الطابق العلوي لكنها توقفت وهي تسمع صوت والدها الغاضب يرتفع بطريقة أشبه للصياح. تحركت بقلق نحو صالة الجلوس حيث يأتي صوت والدها عندما سمعته يهب بأحدهم: "كيف هربت..؟! بأي حق تفعل ذلك..؟! هناك اتفاق بيننا." دلفت ليلى بسرعة نحو صالة الجلوس تهمس بخوف: "بابا.. ماذا حدث؟ أغلق أحمد
الهاتف وهو يردد بعصبية: "الحقيرة سهام." سألته ليلى بخوف: "ماذا فعلت سهام يا بابا؟ أجاب بأعصاب متشنجة: "هربت يا ليلى… أخذت عبد الرحمن والطفل الآخر وهربت بهما." اتسعت عينا ليلى وهي تردد بعدم تصديق: "كيف يعني هربت… أليس هناك اتفاق بيننا..؟! هي حتى لم تأخذ باقي الأموال." أضافت: "وكيف أخذت عبد الرحمن..؟! أنا لا أفهم شيئًا." جلس أحمد بتعب على الكرسي خلفه مرددًا:
"لقد اتصلت بي صباحًا وأخبرتني عن رغبتها برؤية عبد الرحمن قبل ولادتها التي ستكون اليوم ظهرًا… رفضت ذلك وأخبرتها إن هناك اتفاقًا بيننا لأتفاجأ بعبد الرحمن يرجوني أن يراها بعدما اتصلت به عن طريق المربية الحقيرة… لم أستطع الرفض أمام دموع الطفل وتوسلاته فسمحت للمربية أن تأخذه مع السائق كي يراها مبدئيًا ثم ألحقت بهما قبل موعد الولادة كي أستلم الطفل وأمنح بقية الأموال لسهام بعدما تتعهد بتنازلها رسميًا عن الطفل الآخر لأصدم بهروبها مع الطفلين بمساعدة المربية."
صاحت ليلى عدم تصديق: "كيف تفعل هذا يا بابا..؟! كيف ترسل عبد الرحمن لها..؟! كيف تثق بتلك المربية..؟! كيف..! أغمض أحمد عينيه مرددًا بتعب: "لا أعلم يا ليلى… كنت متعبًا ومتوترًا بعدما علمت بخبر ولادتها وما زاد من وضعي السيء حديثي مع والدتك والجدال الذي حدث بيننا لذا لم أطق صبرًا على دموع الصغير المتشبث برؤية والدته فأخبرت المربية بسرعة أن تأخذه."
ضغطت ليلى على شفتيها تمنع نفسها من قول شيء آخر وتأنيبه وهي تلاحظ مدى تعب والدها وهو على ما يبدو يلوم نفسه على تصرفه الخاطئ الأقرب للساذج. هتفت بخفوت: "ولكنها لم تأخذ بقية الأموال بعد..؟! أم إنها اكتفت بذلك المبلغ وستربي الطفلين بهما وتنتقم منك بأن تحرمك منهما." غمغم أحمد بتهكم: "سهام تتنازل عن الأموال لأجل ولديها… على ما يبدو إنك لم تعرفيها جيدًا بعد رغم كل ما فعلته." أضاف بغضب:
"الهانم هربت بعدما أرسلت لي رسالة تخبرني عن هروبها بالطفلين وإنها لن تعيدهما إلي حتى أمنحها مبلغًا مقداره عشرون مليون دولار كحق مشروع لها ولطفليها." هتفت ليلى مصعوقة: "أنا لا أصدق… هذه لا يمكن أن تكون إنسانية طبيعية… إنها…" توقفت وهي تبتلع كلمة غير لائقة كادت أن تصدر منها عندما همس والدها بضعف: "ماذا أفعل يا ليلى..؟! لقد أخذت ولدي." أكمل يتسائل بأنفاس مضطربة: "خسرت ولدي يا ليلى… أضعتهما ولن أستطيع رؤيتهما فيما بعد."
هتفت بتوسل: "اهدأ يا بابا من فضلك." امتدت يد أحمد نحو يسار يصده يدلكه ببطء فسألته ليلى بقلق: "هل تشعر بألم في صدرك..؟! ماذا يحدث معك؟ تمتم بصوت خافت: "أريد ماء يا ليلى… بسرعة." صاحت ليلى على الخادمة قبل أن تركض بسرعة كي تجلب الماء لولدها. عادت وهي تحمل قدح الماء تقدمه نحو والدها الذي لم يستطع حمل القدح بكفه المرتعشة لتنظر ليلى له بهلع وأنفاسه تتثاقل تدريجيًا.
حملت القدح نحو فمه تحاول أن تجعله يشرب القليل من الماء لكن سرعان ما اندفع القدح من يدها وتحطم أرضًا وسقط والدها معه وهو يحاول التنفس دون فائدة. *** في المشفى… وقفت ليلى تبكي ووالدتها تجلس جانبها بملامح جامدة تمامًا تنتظر خروج أي شخص يطمئنها على حالة والدها. سمعت والدتها تهمس بصوت خافت: "أنا السبب." نظرت لها ليلى بتأهب لتكمل فاتن بدموع: "تشاجرت معه وتحدثت معه بقسوة… تناسيت إنه مريض بالقلب و…" جلست ليلى بجانبها تخبرها:
"أنت لا دخل لك يا ماما… سهام السبب." نظرت لها فاتن تسألها بعدم فهم: "ما علاقة سهام..؟! ماذا فعلت؟ همست ليلى تجيبها: "خَطفت عبد الرحمن والطفل الآخر وهربت." شهقت والدتها بينما تساقطت دموع ليلى وهي تضيف: "لم يتحمل بابا ما عرف فسقط فورًا." "كيف يعني هربت..؟! كيف حدث هذا..؟! ألم يكن هناك اتفاق بينهما..؟! تمتمت ليلى من بين أسنانها: "الحقيرة… تريد عشرين مليون دولار من بابا كي تتركهما." أضافت ودموعها
تتساقط فوق وجنتيها بحرارة: "هذه ليست أم… من الظلم أن تحمل لقب أم." غمغمت فاتن بشرود: "سامحك الله يا أحمد… ألم تجد غيرها لتتزوج بها..؟! كان عليك على الأقل أن تختر أمًا جيدة لأبنائك." همست ليلى من بين بكائها: "كل ما أراده الولد وتجاهل أي شيء آخر وهذه النتيجة..! ما ذنب الطفلين المسكينين ليكون لديهما أم كهذه." ثم أخذت تبكي بصمت عندما جذبت والدتها نحوها تحاول تهدئتها رغم وجعها الشديد هي الأخرى.
سألتها والدتها بعدما هدأت قليلًا: "ألن تخبري مريم؟ ردت ليلى وهي تمسح دموعها: "أنتظر خروج الطبيب أولًا والاطمئنان عليه." ثم سألت والدتها بأمل: "سيكون بخير، أليس كذلك؟ ارتعشت ابتسامة والدتها وهي تحاول طمأنتها فعادت ليلى تبكي بانهيار بين أحضان والدتها عندما خرج الطبيب بعد دقائق فنهضت ليلى بسرعة تسأله على والدها ليجيب: "ذبحة صدرية… لن أخفي عليكم وضعه خطير جدًا… نسبة النجاة ضعيفة."
شهقت ليلى باكية بينما تراجعت فاتن وهي تستند على الحائط خلفها عندما تحرك الطبيب بعدها لتأتي طبيبة أخرى صغيرة تعمل تحت إشرافه وهي تخبرهم إنه سيبقى حاليًا في نفس الغرفة حتى ينتظرون تحسن وضعه رغم صعوبة ذلك. حاولت أن تطمئن ليلى وتشد من أزرها خاصة عندما رأتها وحيدة مع والدتها. حاولت ليلى التماسك بعدها واتجهت نحو والدتها الساهمة بصدمة حقيقةً فربتت على كتفها بدعم لتسألها فاتن بذعر حقيقي: "هل سيموت والدك يا ليلى؟
ارتعش جسد ليلى بخوف عندما أضافت فاتن بعينين باكيتين: "لا أريده أن يموت… لا يمكنني تحمل ذلك." تساقطت دموع ليلى بغزارة وهي تندس بين أحضان والدتها تحتمي بها من الفكرة نفسها.
نهضت بعدها بقليل وهي تهم بالاتصال بشقيقتها لكنها توقفت وهي تسمع صوت صفارة الجهاز فأخذت تصرخ وتنادي على الأطباء غافلة عن تلك الطبيبة الموجودة في الداخل معه وبدأت الإجراءات اللازمة محاولة إنعاش قلبه الذي توقف عندما جاء طبيبان ومعهما ممرضة وسارعوا إلى الداخل فبقيت ليلى تتابع ما يحدث بعينين جاحظتين وقلب يكاد يخرج من مكانه وهي ترى الأطباء يحاولون إنعاش قلبه والدها الذي يرفض الاستجابة لمحاولاتهم.
مرة.. مرتين… ثلاثة… مع كل محاولة كانت تشعر بروحها تسحب تدريجيًا والأمل يتضاءل بينما جلست والدتها مجددًا وقد فقدت قدرتها على رؤية ما يحدث مع زوجها وحبيبها وهي تبكي بنحيب صامت. صرخت ليلى حالما رأت النبض يعود مجددًا بينما انتفضت والدتها من مكانها تركض نحو الزجاج تلمسه وهي تبكي وترجو الله عز وجل أن يعيده لها سالمًا. خرج الطبيب بعدها وهو يتمتم: "ادعوا له… وضعه حرج للغاية."
ثم غادر بعدما أعطى وصاياه للطبيبة الصغيرة بينما ابتعدت ليلى قليلًا عن المكان تاركة والدتها لوحدها فأخذت تبكي دون توقف والخوف من خسارة والدها ينهش روحها دون رحمة. نظرت إلى هاتفها بعد لحظات بتردد وهي تشعر بحاجة ملحة لوجود شخص ما جانبها… إنها المرة الأولى التي تشعر بها بهذا الكم من الضعف والوحدة.
وفي الواقع لم يكن أمامها سواه لتتصل به… ولا تعرف لماذا ترددت وهناك رفض بديهي داخلها رغم كونه بات زوجها… رغم التردد… رغم رفضها البديهي لم تستطع إلا أن تتصل به وهي تهمس بتلقائية: "أحتاجك." أكملت وهي تتشبث به دون وعي: "بابا! ختمت حديثها بأنفاس مرعبة: "بابا يموت." شعرت بانتفاضته من مكانه وهو يسألها: "أين أنتم الآن؟ أخبرته باسم المشفى وأغلقت الهاتف بعدها تبكي مجددًا والخواء يملأ روحها.
بعد أقل من عشر دقائق وجدته أمامه يتقدم نحوها بلهفة لترتمي بين ذراعيه منهارة فاحتضنها بسرعة محاولًا التخفيف عنها. جذبها بعدها وأجلسها على الكرسي خلفها ثم أخفض جسده أرضًا جالسًا أمامه كالقرفصاء يسألها محاولًا تهدئتها: "اهدئي وأخبريني ماذا حدث." همست بدموع غزيرة: "أصابته ذبحة صدرية… وضعه خطير جدًا حتى منذ قليل توقف قلبه… لقد عاد النبض لقلبه بعد عدة محاولات والطبيب يقول إن وضعه حرج." إنهاء كلماتها وهي تبكي مجددًا
فقال بجدية: "حسنًا اهدئي من فضلك." أكمل يسألها: "من معك هنا؟ ردت: "ماما ولكنني تركتها لوحدها و…" انتفضت من مكانها تردد: "يجب أن أذهب لها." نهض بدوره مرددًا: "تعالي معي." ثم قادها حيث تجلس والدتها فوجدتها ليلى تجلس في نفس المكان بوجه باكي فسارعت تجلس جانبها وهي تقبلها من كتفها. وقف كنان أمامها يشير لها: "سيصبح بخير إن شاء الله." أكمل مشيرًا لزوجته: "سأتحدث مع الطبيب يا ليلى ثم أعود." همست ليلى: "انتظر لحظة."
نظر لها بحيرة فوقفت أمامه تفرك يديها وهي تردد: "هناك مشكلة بل مصيبة." سألتها بقلق: "مصيبة ماذا..؟ تحدثي يا ليلى." أجابت بحزن: "زوجة والدي خطفت عبد الرحمن وطفلها الآخر والذي ولد اليوم ولا نعرف أين أخذتهما." اتسعت عينيه مرددًا: "ماذا..؟! كيف حدث هذا..؟! أخذت تشرح له ما حدث وكيف استطاعت الهرب بالطفلين وما طلبته مقابل عودتهما لتظلم عينا كنان وهو يردد من بين أسنانه: "يا لها من امرأة عديمة الضمير والأخلاق." أكمل بجدية:
"لا أريدك أن تقلقي… سأتصرف أنا." "حقًا يا كنان..؟! سألته بلهفة وهي تضيف: "هل تستطيع إعادتهما؟ رد بثقة: "اطمئني… الطفلان ووالدتهما سيكونون عندكم غدًا مساءً بالكثير." أخبرها بعدها: "أريد الاسم الكامل لزوجة والدك والمربية وعنوان المشفى وبعض المعلومات." هزت ليلى رأسها ومنحته بعض المعلومات التي تعرفها عندما أخبرته عن جهلها بعنوان المشفى ليهتف ببساطة: "لا مشكلة… سيبحث رجالي عن المشفى الذي ولدت به طفلها ويجدونه بسهولة."
توقف عن حديثه وهو يستمع إلى صوت رنين هاتف زوجته التي نظرت إلى والدتها تهتف: "خالو جمال.. تحدثي أنت معه." نهضت فاتن تهتف بقلق:
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!