الفصل 38 | من 56 فصل

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سارة علي

المشاهدات
24
كلمة
12,354
وقت القراءة
62 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

في صباح اليوم التالي، كانت تجلس على طاولة الإفطار ترتشف قهوتها بصمت تام. لم تنم طوال الليل وعقلها يفكر في ردة فعل زوجها عندما يعلم بما حدث البارحة في غيابه ووجود تلك الفتاة في القصر.

عقلها كان لا يكف عن التفكير طوال الليل بعدما غادرت المكان حيث جناحها لتنفرد به تمامًا. فيأتي زوجها ويخبرها بما حدث وطلاق جيلان ومهند. الذي كان المفترض أن يسعدها، فالفتاة حقًا بريئة ولا تستحق هذه الزيجة. لكن ما حدث قبلها لم يسمح لها بالتفكير بأي شيء سوى بردة فعل زوجها بعدما يعلم ما حدث. ألا يكفي إن تلك الفتاة ستصبح زوجة ابنها بل وستنجب حفيدا لهم؟ لا تعلم كيف يمكنها أن تتقبل هذا، بل كيف سيتقبل زوجها هذا؟

أفاقت من أفكارها على صوت توليب وهي تلقي تحية الصباح قبل أن تجلس في مكانها، يتبعها فيصل الذي تساءل: ” أين البقية؟ ألم يستيقظوا بعد؟ ” والدك تركته نائمًا فقد عاد متأخرًا جدًا البارحة. راغب وهمسة لم يستيقظا بعد. راجي غادر فجر اليوم فلديه مناوبة. ومهند لا أعلم عنه شيئًا.” هتفت توليب بصوت مرهق: ” أساسًا أنا أشعر بالتعب حقًا. لم أنم سوى ساعات قليلة ولولا إنه لدي موعد هام ما كنت لأستيقظ أبدًا.” ” جميعنا لم ننم حتى الفجر.”

قالها فيصل بجدية، لتسأله توليب: ” ولماذا استيقظت إذا؟ ” لدي موعد مع أصدقائي.” منحته توليب نظرة ذات مغزى، تجاهلها وهو يشير إلى الخادمة أن تصب له القهوة. تقدم بعد لحظات راغب ملقيًا تحية الصباح ليجلس في مكانه على الطرف الأيسر جانب كرسي أبيه، مقابلًا لكرسي والدته. لتسأله والدته باهتمام: ” همسة لم تستيقظ بعد، أليس كذلك؟ رد راغب بجدية: ” تركتها نائمة. تعلمين البارحة لم ننم حتى وقت متأخر.” رمقته بنظراتها وهي تتساءل بخفوت:

” ماذا ستفعل الآن؟ تبادل راغب النظرات معها ورد بعدما أطلق تنهيدة طويلة: ” سأتحدث مع والدي بعد الفطور.” ” أنا لا أريد تلك الفتاة هنا يا راغب.” قالها زهرة بصرامة، ليرد راغب بجدية: ” تحمليها يا أمي. جميعنا مجبورون على ذلك.” سأل فيصل بتردد: ” هل هي حقًا حامل من مهند؟ يعني ألا يمكن أن تكون كاذبة؟ رد راغب ببرود: ” شيء كهذا لا يمكن الكذب فيه يا فيصل. هي ليست غبية أبدًا لتكذب بشيء كهذا.” هتفت زهرة بملامح عصبية: ” يعني ماذا؟

ستتزوج أخيك وتنجب طفلاً منه أيضًا؟ يا إلهي لا أصدق. والله سأصاب بالجنون. لا يمكنني تحمل هذا.” ” ماما اهدئي.” قالتها توليب محاولة تهدئتها، لتهتف زهرة بانفعال: ” كيف سأهدأ وتلك الفتاة ستصبح فردًا من عائلتنا بل وتنجب حفيدًا لنا؟ فتاة كهذه كيف يمكن أن تنتمي لنا؟ قال فيصل بسرعة: ” لقد جاء أبي. لا تتحدثي الآن من فضلك.”

صمتت زهرة على مضض وهي تسحب فنجانها وترتشف منه مجددًا. بينما دلفت عابد ملقيًا تحية الصباح، متأملًا ملامح زوجته المتشنجة. جلس باسترخاء على مقعده وأشار للخادمة أن تصب له القهوة، قبل أن يصرفها ويبدأ في ارتشاف قهوته. لحظات قليلة وأشار إلى راغب يتساءل: ” أين مهند يا راغب؟ راغب وهو ينظر إلى والدته: ” لا أعلم. في جناحه بالتأكيد.” هتف عابد ببرود قبل أن يرتشف من قهوته مجددًا: ” مع تلك الفتاة، أليس كذلك؟

تطلع كلا من توليب وفيصل بدهشة، بينما سيطر الجمود على ملامح راغب. أما زهرة فتأملته بعدم استيعاب، ليبتسم مرددًا بتهكم: ” أزيلوا تلك الدهشة عن وجوهكم. ألم تتعلموا بعد ألا يوجد شيء يمكن إخفاؤه عني؟ ” جيد إنك تعلم. لقد وفرت علي الكثير.” قالها راغب بجدية، لتهتف زهرة بتجهم: ” بما إنك تعلم يا عابد، فدعني أتحدث بصراحة إذا. تلك الفتاة لا مكان لها هنا. أنا لا يمكنني تقبل فتاة مثلها في القصر.” رد عابد بجدية:

” تلك الفتاة تحمل حفيدك.” ” أساسًا هذا يثير جنوني أكثر.” قالتها زهرة بغضب، ليقول عابد بهدوء مريب: ” كل شيء سيتم حله، لا تقلقي.” سألته زهرة بعدم اقتناع: ” كيف يعني؟ ماذا ستفعل بتلك الفتاة والطفل الذي تحمله؟ رد عابد بغموض: ” سأفعل ما يتطلبه المنطق. أنت فقط اطمئني. طوال حياتي لم أسمح لأحد أن يسيء لسمعة العائلة ولن أسمح بذلك مهما حدث. في النهاية لن تأتي فتاة كهذه لا تساوي شيئًا وتدمر ما بنيته لسنوات.”

ضغطت زهرة على شفتيها بقوة، بينما أشار عابد لهم وهو ينهض من مكانه: ” لا تتدخلوا في هذا الأمر. تلك الفتاة ستبقى حاليًا هنا. لا تتسببوا في مشاكل معها نحن في غنى عنها. اتركوا الأمر لي وتصرفوا بشكل طبيعي.” أكمل وهو يشير إلى راغب: ” سأنتظرك في مكتبي لنغادر سويا إلى الشركة. هناك أمور كثيرة يجب أن نتحدث بها.” نهض راغب من مكانه قائلًا بسرعة: ” انتهيت من فطوري أساسًا. لنغادر الآن.”

تحرك عابد خارج المكان يتبعه راغب، ترافقهما نظرات زهرة غير الراضية أبدًا عما يحدث. *** تقدمت نحو طاولة الإفطار لتجد والدها يترأس الطاولة وبجواره أختها، بينما والدتها ليست موجودة. قالتها مبتسمة وهي تسحب كرسيًا لها على الجانب الآخر بجانب والدها، ليرد كلاهما تحيتها عندما تساءلت: ” ألم تستيقظ ماما بعد؟ رد أحمد بجدية: ” أظن إنها تتعمد عدم الاستيقاظ.” سألت مريم باستغراب: ” لماذا؟ هل حدث شيء ما؟ رد والدها بخفوت:

” اختلاف في الآراء ليس إلا.” نظرت مريم نحو أختها بتساؤل، فأوضحت ليلى باختصار: ” الأمر يخص سهام وما فعلته. يعني بابا لديه وجهة نظر وماما لديها وجهة نظر مختلفة تمامًا.” سألت مريم والدها: ” وما هي وجهة نظرك يا بابا؟ رد أحمد بجدية: ” أنا طلقت سهام وهي أصبحت خارج حياتي. وبما إنها تخلت عن طفلها، فسيقى ابني معي ولن أقبل أن تساومني على استعادة الطفل مقابل أي شيء كان.” ” هذا أفضل قرار يمكن اتخاذه تجاه واحدة مثلها.”

قالتها مريم بتأكيد، لترد ليلى بهدوء: ” في خضم كل هذا، لا تنسوا إن هناك طفلًا يحتاج والدته وطفلًا آخر سيأتي بعد عدة أشهر. الأمر لا يتوقف عند سهام فقط، بل هناك طفلين في الوسط يجب التفكير بهما جيدًا قبل أي خطوة نتخذها.” ردت مريم ببرود: ” على أساس إنها تهتم حقًا لأمر طفليها. لو كانت تهتم ما كانت لتترك طفلها مهما حدث.” قالت ليلى بجدية:

” لا أحد يعلم كيف تفكر، ولكن من الخطأ أن نستعجل في اتخاذ قرارات قد تضر أشخاصًا لا ذنب لهم فيما يحدث.” تجهمت ملامح مريم، بينما قال أحمد بهدوء: ” لا تقلقي من هذه الناحية يا ليلى. لن أفعل ذلك أبدًا. من الآن فصاعدًا، لن أقوم بأي تصرف يؤذيكِ أنتِ أو أخوانك. الجميع سيكون بخير، وتأكدي إن قراري في وضع سهام وعبد الرحمن والطفل القادم سيكون لصالح الجميع.” ابتسمت له بصمت عندما رن هاتفها باسمه، فنظرت إلى الشاشة قبل

أن تنهض من مكانها قائلة: ” يجب أن أغادر الآن.” هتف والدها يتساءل: ” ألن تتناولي فطورك أولًا؟ ” سأتناوله في الخارج وأذهب بعدها إلى الشركة.” تحركت نحو الخارج بعدما ودعتهما، لتجده في انتظارها. لتتقدم نحوه مبتسمة بهدوء، لتلقي التحية عليه، فيسألها: ” هل أنتِ جاهزة للمغادرة؟ هزت رأسها وهي تجيب: ” نعم جاهزة.” هتف وهو يشير نحو سيارته: ” لقد غيرت رأيي. سأتبعك بسيارتي لإن علي الذهاب إلى الشركة بعدها.” ” سأوصلك إلى الشركة إذا.”

قاطعته مبتسمة، فيسألها: ” وماذا بعدما أنهي عملي؟ لأذهب بسيارتي أفضل.” قال مستسلمًا: ” حسنًا كما تريدين.” قالت وهي تخرج هاتفها من حقيبتها: ” سأرسل لك موقع المطعم، وأعتذر حقًا لإنني جلبتك إلى هنا بدلًا من ذهابك إلى المطعم مباشرة، لكنني قررت فجأة وقبل قليل الذهاب إلى الشركة.” ” لا عليك يا ليلى.”

قالها مبتسمًا، لتبادله ابتسامته وهي ترسل له الموقع، قبل أن تتجه نحو سيارتها، بينما يركب هو سيارته وينتظر تحرك سيارتها كي يتحرك بسيارته هو الآخر. بعد حوالي نصف ساعة، جلست ليلى على الكرسي المقابل له. ليتقدم النادل نحوهما ويضع أمامهما قائمة الطعام. قالت ليلى بسرعة: ” هنا يعدون فطور تركي رائع. يمكننا تجربته.” رد بنفس الابتسامة: ” لنجربه إذا.”

أشارت ليلى إلى النادل، فتقدم نحوها لتطلب منه أن يعد مائدة الفطور التركي التي اعتادت على تناولها هنا. غادر النادل، لتنظر نحو زاهر مجددًا وتقول: ” أشكرك جدًا لإنك لبيت دعوتي على الفطور.” ابتسم مرددًا بجدية: ” وأنا بدوري أشكرك على الدعوة.” أكمل يتساءل: ” ولكن بالتأكيد هناك شيء ما خلف هذه الدعوة.” ظهر التردد على ملامحها، فسألها مجددًا: ” ماذا هناك يا ليلى؟ هل هناك مشكلة ما؟ أخبريني.” ردت ليلى بسرعة:

” أبدًا، ليست هناك أي مشكلة. أريد التحدث معك قليلًا، ولكن دعنا ننتهي من تناول الطعام أولًا.” ” حسنًا.. كما تحبين.” قالها بجدية، لتبتسم له بامتنان، ليأتي النادل بعد لحظات ويبدأ في إعداد المائدة. انتهى النادل من تجهيز المائدة، ليهتف زاهر بإعجاب: ” المائدة منظرها رائع والطعام يبدو شهيًا للغاية.” قالت ليلى مؤكدة حديثه: ” نعم جدًا. تناوله هيا وأعطني رأيك.”

بدأ كلاهما يتناول الطعام، حيث بعض أنواع الأكلات التركية الخاصة بوجبة الفطور. فوجد زاهر الطعام لذيذًا حقًا. تأمل زاهر ليلى وهي تضع قطعة صغيرة من الخبز في ذلك الطبق الذي يحوي على ما يبدو شيئًا أصفر لا يعلم طبيعته، لكنه يبدو شهيًا. خاصة عندما حملت ليلى القطعة بشوكتها بعدما ذابت كليًا في الكتلة الصفراء، لترفعها بتأني، فترتفع معها الآكلة الذائبة التي لا يعرف مكوناتها بعد. فتسارع ليلى لقطع لقمتها وتناولها بتلذذ.

مضغت ليلى لقمتها، ثم قالت وهي تشير له: ” تذوقها. إنها لذيذة للغاية.” أكملت وهي تكرر نفس الفعل مجددًا، لكن وضعت اللقمة في طبقه هذه المرة: ” تناولها وأعطني رأيك.” ابتسم وهو يتناولها بالفعل، ليشعر بطعم الجبن قليلًا مع الزبد، ولكنه لم يشعر بنفس اللذة التي كانت تبدو عليها. فظهر ذلك على وجهه، لتسأله بإحباط: ” ألم تعجبك؟ رد بسرعة وهو يمسح فمه بالمنديل: ” ليس تمامًا. طعمها عادي. يعني لا بأس بها.” ” هل هي أكلة مشهورة؟

” مشهورة جدًا، وخاصة في منطقة الشمال التركي. اسمها موهلاما.” ضحكت وهي تردد: ” نعم، اسم غريب قليلًا، ولديها اسم آخر كويماك.” ابتسم مرددًا وهو يرفع بيالة الشاي: ” اسمها غريب حقًا.” أضاف بعدما ارتشاف القليل من الشاي: ” ولكن يبدو إنك تحبينها كثيرًا.” ” كثيرًا. إنها أكلتي المفضلة. في الحقيقة، أنا أحب الطعام التركي عمومًا.” ” ربما لإن أصولك تركية.” ضحكت قائلة بجدية: ” من قال هذا؟

” سمعت أبي يقول هذا ذات مرة. عمي أحمد لديه أصول تركية.” ” أظن هذا الكلام غير صحيح. البعض يقول إن أصول عائلتنا تعود إلى تركيا، وإن أجدادنا كانوا أتراك وأمور كهذه، لكن لا يوجد شيء مؤكد.” ” عندما أنظر إلى عائلتكم، يزداد شكوكي بشأن هذا.” ضحكت تتساءل بخفة: ” وما بهم عائلتي؟ ” يعني الشقار المنتشر في عائلتكم. ليس في عائلتك فقط، بل أغلب أفراد عائلة أبيك. حتى الغير شقر يمتلكون بياضًا ناصعًا.” أومأت برأسها موافقة:

” نعم. البشرة البيضاء والشعر الأشقر والعيون الملونة صفة مكتسبة في جميع أفراد عائلة سليمان.” هتف بنبرة ذات مغزى: ” والعيون العسلية أيضًا.” ابتسمت تتساءل بخفة: ” وما بها العيون العسلية؟ ” جذابة جدًا جدًا، وحلوة جدًا جدًا كالعسل تمامًا.”

توردت وجنتاها، فكحت بخفة وهي تحمل بيالة الشاي خاصتها ترتشف منها. فقرر أن يغير الموضوع ليتحدث في أمور مختلفة، فتبادلت الأحاديث معه، حيث تحدثا في الكثير من الأمور وغرقا في الضحك عدة مرات، حتى تناست ليلى سبب دعوته على الفطور وما أرادت قوله. *** جلست هايدي بجانب أختها تتأمل شرودها المستمر، فتهتف بجدية: ” حسنًا يا نانسي. لقد جاء الطعام. هيا لنتناوله.” التفتت نانسي نحوها بعدما أفاقت من شرودها وقالت:

” هايدي اتصلي بعمي. أريد أن يخبرني بقراره.” قالت هايدي بجدية: ” انتظري قليلًا. هو سيخبرنا بنفسه، وعمي بالطبع سيوافق لإنه لا يمكن أن يقف ضد رغبتك.” أضافت بجدية: ” ولكن المهم أنت. عليك أن تتخذي قرارًا سريعًا بشأن الطفلين.” نظرت نانسي لها للحظات، ثم سألتها: ” لو كنتِ مكاني، ماذا ستفعلين؟ نهضت هايدي من مكانها وأجابت بعدما عقدت ذراعيها أمام صدرها:

” كنت سأجهض بالطبع. لكن هذا لا يعني أن تفعلي مثلي. أنتِ تختلفين عني يا نانسي. شخصيتك تختلف عن شخصيتي. نعم، أنا كنت أشجعك على الإجهاض، لكن عندما فكرت، وجدت إنه من الأفضل أن تحددي قرارك بنفسك، ولهذا توقفت عن محاولة إقناعك بالتخلص من الحمل. أنا فقط لا أريدك أن تتخذي قرارًا تندمين عليه. عليك أن تتذكري دائمًا إن هناك مسؤولية طفلين ستتعلق بكِ إذا لم تجهضي. عليك أن تتأكدي من مقدرتك على تحمل مسؤوليتهما حتى لو رفض والدهما تحمل المسؤولية معك. إذا وجدتِ نفسكِ قادرة على هذا، فاحتفظي بهما، ولكن في المقابل إذا كنتِ لستِ متأكدة من ذلك، فلا تنجبي طفلين وتتسببين في تعاستهما طوال حياتهما بسبب عدم قدرتك على رعايتهما جيدًا وتحمل مسؤوليتهما كاملة.”

همست بتردد: ” ربما علي أن أسأل صلاح؟! قالت هايدي بجدية: ” برأيي هذا سيكون أفضل. يجب أن يكون لديه علم بهذا.” نهضت نانسي من مكانها تهتف بقلق: ” وماذا لو رفض؟ قالت هايدي بسرعة: ” غالبًا سيرفض وسيطلب منك إجهاضهما.” تساءلت نانسي بفزع: ” وهل سيجبرني على الإجهاض؟ ردت هايدي بجدية: ” توقعي منه أي شيء.” ظهر التوتر على ملامح نانسي، فتساءلت هايدي وهي تقترب منها وتقبض على كفيها: ” هل تريدين الطفلين يا نانسي؟

هل تريدين الاحتفاظ بهما؟ ابتلعت نانسي ريقها وهتفت بتحشرج: ” لا أعلم.. ولكن فكرة قتلهما وهما داخل رحمي تفزعني.” أكملت بعينين محتقنتين: ” الأمر ليس سهلًا، بل هو أصعب ما يكون.” أضافت بصوت مبحوح: ” أشعر إنني لن أسامح نفسي أبدًا إذا قتلتهما. وفي نفس الوقت أخاف أن أندم فيما بعد على إنجابهما. سأموت يا هايدي. تعبت حقًا. تعبت من وضعي هذا وعجزي عن اتخاذ قرار.” احتضنتها هايدي تردد برفق:

” حسنًا يا نانسي. تمهلي قليلًا. ما زال أمامك بضعة أيام.” أردفت وهي تنظر إلى عينيها بقوة: ” يمكنك الاحتفاظ بهما إذا تأكدتِ من رغبتكِ بذلك.” سألها نانسي بتردد: ” وماذا عن صلاح؟ أجابت هايدي بسرعة: ” ليس مهمًا قراره. أنتِ تتوقعين أن يرفض الطفلين. لا نريد منه شيئًا سوى اسمه فقط.” أضافت بتهمل: ” ولكن عليكِ أن تكوني مستعدة لمستقبلك مع طفلين دون وجود أب يهتم بهما. يعني ستكونين أنتِ الأب والأم حينها.” تساءلت نانسي بألم:

” ألا يمكن أن يقبل بوجودهما؟ يعني يكون أبًا لهما. في النهاية هما من صلبه. ابنيه. يعني من غير المعقول أن يرفضهما. أليس كذلك يا هايدي؟ هزت هايدي رأسها دون رد، لتأخذ نانسي نفسًا ثم تهتف بها: ” اتصلي بعمي يا هايدي من فضلك.” ” حسنًا. سأتصل به لأعرف قراره، ثم تتناولين الطعام بعدها.” هزت نانسي رأسها وهي تقول بترجي: ” فقط اتصلي به.” *** حمل أشرف هاتفه فوجد هايدي تتصل به، ليجيبها مرحبًا بها قبل أن يقول:

” كنت سأتصل بك اليوم يا هايدي.” هتفت هايدي بسرعة: ” حقًا يا عمي؟ رد أشرف بجدية: ” نعم، كنت سأخبرك إنني وافقت على طلب صلاح بالزواج من أختك، وسأبلغه هو أيضًا موافقتي اليوم.” هتفت هايدي بفرحة بالغة: ” حقًا؟ شكرًا كثيرًا يا عمي.” رد أشرف مبتسمًا: ” على ماذا يا ابنتي؟ أنا لا يمكنني الوقوف أمام رغبة أي واحدة منكما طالما رغبتكما تلك لا شيء سيء فيها.” قالت هايدي بسرعة: ” وماذا عن ماما؟ رد أشرف بجدية:

” سأذهب لرؤيتها الآن وأتحدث معها وأحاول إقناعها.” تساءلت هايدي مجددًا بقلق: ” وماذا لو أصرت على قرارها بالرفض؟ تنهد أشرف وقال: ” حينها سنضطر إلى إتمام الخطبة دونها.” قالتها هايدي بخفوت، ليطمئنها أشرف: ” لا تقلقي. كل شيء سيكون بخير.” ودعها بعدها وأغلق الهاتف معها، ليخرج من غرفته ومن الفيلا بأكملها، متجها إلى منزل أخيه الذي لم يدخله منذ مدة طويلة.

كان يشعر بالضيق وهو مضطر لرؤية زوجة أخيه الراحل، والتي لم يتفق معها يومًا، لكنه مضطر لذلك! وقف أمام باب الفيلا بعد مدة، لتفتح له الخادمة الباب، فيبتسم لها وهو يخبرها: ” أخبري تهاني هانم إن أشرف مختار يريد مقابلتها.” سارت به الخادمة نحو صالة الضيوف، ثم استأذنته لتنادي تهاني، بعدما سألته عما يفضل تناوله. جلس في مكانه يتأمل الفيلا التي لم تتغير كثيرًا منذ وفاة أخيه، والذي بعد وفاته تغيرت الكثير من الأشياء.

زفر أنفاسه ببطء مفكرًا إن كل شيء بسبب تهاني، التي لطالما حاولت تدمير علاقته بأخيه، ولكن أخيه رحمة الله عليه كان يقف لها دائمًا بالمرصاد. وعندما توفي أخيه، سارعت لقطع العلاقات بينه وبين أبناء أخيه، وقد نجحت في ذلك عندما أصبح تواصله مع ابنتي أخيه شبه معدوم، ولا يلتقيهما إلا نادرًا. بينما بقي كرم، ابن أخيه الوحيد، الذي يتواصل معه رغم سفره منذ سنوات للدراسة في الخارج.

ولكن الآن بدأ يتغير كل شيء، وها هما ابنتي أخيه لجئتا إليه، وسيدركان إنه مهما مهما حدث، سيظل عمهما الذي يسعى دائمًا لحمايتهما ورعايتهما، فهما ابنتي أخيه الراحل، أخيه الوحيد! أفاق من أفكاره على صوت تهاني تلقي التحية باقتضاب، فتأمل ملامحها الحادة كعادتها، وهو ينهض من مكانه يرد تحيتها. جلست قباله بملامح جامدة، فهتف بجدية: ” جئت للتحدث معك يا زوجة أخي بشأن موضوع خطبة نانسي.” قالت تهاني بتجهم خفيف: ” وما علاقتك أنت بالأمر؟

” كيف يعني ما علاقتي أنا؟ أنا عمها، أم نسيت هذا؟ ضحكت مرددة بسخرية: ” إذا عندما تعسرت عليها الأمور كليًا، لجأت إليك.” أضافت بعدها بصوت هامس لكنه مسموع: ” سأريها ماذا سأفعل بها. تظن إنها تتحداني بهذه الطريقة.” قال أشرف بصوت قوي لا يخلو من الحدة: ” ماذا ستفعلين بها يا تهاني؟ هل ستضربينها؟ أم تحبسينها وتمنعينها من رؤيتي؟ الفتاة لم تفعل شيئًا خاطئًا. لقد أتت إلى عمها. عمها أخو والدها الراحل.” قالت بسخرية:

” كف عن هذه الخطابات المملة بالله عليك.” ” كفي أنتِ عن تصرفاتك تلك يا تهاني. نانسي وهايدي كبرتا وبدأتا تستوعبان كل شيء بوضوح. هما لم تعدان تلك الفتاتين اللتين تتحكمين بهما وتملئين عقلهما وقلبهما كلامًا كاذبًا وحقدًا نحوي.” ” مالذي تقوله أنت؟ وثانيًا أنت كيف تتحدث معي هكذا؟ انظر إلي، أنا والدتهما و…” قاطعه بحزم: ” أعلم إنك والدتهما، لكن ليس دائمًا الأمهات هن الصح. أحيانًا يكن الأمهات لعنة في حياة أبنائهن.”

انتفضت من مكانها تصيح: ” هل تقصد أنتِ لعنة في حياة ابنتي؟ هل جننت؟ نهض بدوره من مكانه وقال بقوة وهيمنة: ” أنا أقول هذا بناءً على تصرفاتك التي لا داعي لذكرها مجددًا. اسمعي يا تهاني. رغم كل أفعالك، ما زلت أضع حدودًا للتعامل معك لأجل خاطر أخي الراحل وخاطر أبناء أخي، لهذا تعقلي واجلسي ودعنا نتحدث.” ” عم سنتحدث؟ أنا لست موافقة على هذه الخطبة. هذا قراري وانتهى.” ” لماذا؟ لماذا ترفضين هذه الخطبة؟ هل لديك سبب مقنع؟

” أنا حرة. أنا أرفض هذا الشاب. ابنتي لن تتزوجه. لا أحد يمكنه إجباري على شيء لا أريده.” ” ولكن ابنتك تريده يا تهاني.” قالها بجدية، لترد بلا مبالاة: ” فلتذهب إلى الجحيم. قراري هو الذي سينفذ.” ضحك مرددًا باستخفاف: ” يبدو إنك لم تفهمي بعد. نانسي جاءت وتركت القرار لي، وأنا عندما رأيت رغبتها في ذلك الشاب وافقت، وهي بدورها تتمنى موافقتك، لكنها لن تتراجع عن الزيجة إذا لم تحصل عليها. هذا كلامها هي وليس كلامي.”

” أنت تفعل هذا عن قصد، تحرضها ضدي.” قالتها بعينين مشتعلتين، ليرد بثبات: ” افهمي يا امرأة. ابنتك هي من جاءت بنفسها إلي وطلبت مني مقابلة الشاب.” ” وأنت لم تصدق ووافقت فورًا تكسبها وتجعلها في صفك ضدي.” قالتها بغضب، ليرد بقوة: ” هذه التصرفات تصدر من أمثالك يا تهاني. ممن يحاولون أذية من حولهم دون مبرر. أنا لا يمكنني استغلال ابنة أخي فقط لإغاضتك وإزعاجك كما تدعين.” تساءلت بعصبية: ” لماذا إذا وافقت؟ لماذا وافقت عليه؟

” لإن ابنتك تريده ومقتنعة به تمامًا.” صاحت بصوت أكثر علوًا: ” إنه شاب مستهتر لا مستقبل لديه. لو كانت ابنتك مكان ابنتي، هل كنت ستوافق عليه؟ ” كنت سأتحدث معها كما فعلت مع نانسي، وأتحدث معه أيضًا، وإذا وجدتها مصرة على قرارها وهو بدوره يحبها ويريدها وينوي التغير لأجلها، سأمنحهما الفرصة وأوافق.” ” كلام أهوج. انظر إلي يا أشرف. أنا لن أوافق على هذه الزيجة أبدًا.” قالتها بتحدي، ليرد أشرف بجدية:

” ولكنني وافقت وأخبرت صلاح بذلك، وسيأتي هو وعائلته غدًا للتقدم رسميًا لخطبة الفتاة. أتمنى أن تأتي يا تهاني.” صاحت بنبرة مجنونة: ” ستزوج ابنتي دون موافقتي يا أشرف؟ ” أتيت بنفسي وحاولت إقناعك، لكنكِ ترفضين بتعنت دون سبب واضح، ولهذا اعذريني، أنا مضطر لإتمام الخطبة دونك.” ” لا يمكنك فعل هذا. ولا تنسَ إن لديها أخ أيضًا يجب أن يمنح موافقته.” رد أشرف وهو يبتسم بهدوء:

” رغم إن القرار يخص نانسي لوحدها، لكنني تحدثت مع كرم وأخبرته، وهو بارك هذه الخطبة، بل وأخبرني إنه سيتواجد في الزفاف أيضًا.” اتجه نحو الباب بعدها، قبل أن يتوقف مكانه ثم يستدير نحوها مرددًا بجدية: ” فكري جيدًا فيما قلته، وحاولي أن تتواجدي غدًا لأجل ابنتك يا تهاني.” تركها ورحل، وهي تكاد تنفجر من الغضب، وقد جاءت موافقة ابنها كالصاعقة فوق رأسها، وهو الذي كان الأمل الوحيد المتبقي لها. ***

فتحت باب الشقة لتجده أمامها يتأملها بملامح تنطق بمدى غضبه، فشعرت بالقلق يكسوها وهي تهتف بتوتر ظهر رغما عنها: ” فراس؟ ماذا هناك؟ رد ببرود مخيف: ” قولي مرحبا أولًا، تفضل يمكنك الدخول. أم ستتركيني واقفًا هنا عند الباب يا أم ولدي؟ ” أنا لوحدي و…” لكنه دفعها بلا مبالاة وهو يردد: ” لا تخافي. لن آكلك لإنك وحدك.” استدار نحوها يخبرها بقوة: ” أغلقي الباب وتعالي. علينا أن نتحدث.”

هزت رأسها وهي تدفع الباب، تاركة فتحة لا تكاد ترى منه، قبل أن تتقدم نحوه، فيجذبها من ذراعها ويجلسها على الكرسي خلفها، ثم يجلس هو على الكنبة قبالها يسألها بحدة: ” أخبريني بكل شيء. متى وكيف خططتم لكل هذا؟ سألت بخوف: ” عم تتحدث يا فراس؟ تقدم نحوها أكثر حتى قبض على ذراعها بعنف، فشُهقت بفزع، ليتحدث من بين أسنانه: ” أنا لست غبيًا يا هذه. أخبريني ما حدث بينكما بالضبط. علام اتفقت مع غالية؟ أكمل وعيناه تقدحان شررًا:

” أنا أعلم إنك اتفقتِ معها من الباطن، وربما أنتِ من حرضتها على ذلك، فهي لم تكن لتفعل ذلك لوحدها. أنتِ السبب الخفي لكل ما حدث. ولكن ليكن بعلمك، لا أنتِ ولا هي تستطيعان إجباري على ما لا أريده.” انتفضت من مكانها مبتعدة عنه، تردد بغضب مكتوم: ” أنا لا أفهم عم تتحدث ولست مسؤولة عما يحدث بينك وبين خطيبتك. حسنًا؟ نهض بدوره مرددًا:

” بل تفهمين جيدًا ومسؤولة أيضًا. تظنين إنك ستلوين ذراعي بهذه الطريقة. لكنكِ مخطئة. لا أنتِ ولا هي ولا عشرة منكما يمكنهما الوقوف في وجهي وإجباري على ما لا أريده.” سمعا كلاهما صوت طرقات على باب الشقة، فاندفعت عهد مسرعة وفتحت الباب، لتجد فادي أمامها يتساءل باستغراب: ” لماذا الباب غير مغلق بالكامل؟ أضاف وهو يدلف إلى الداخل: ” جئت لرؤية تميم ورؤيتك.” ثم توقف مكانه متفاجئًا بوجود فراس، فهتف مندهشًا: ” أنت هنا يا فراس.”

رد فراس بوجوم: ” نعم، وسأغادر حالًا.” تحرك نحو الباب ليوقفه فادي متسائلًا باستغراب: ” ماذا حدث؟ لماذا تذهب بهذه السرعة؟ رد وهو يثبت عينيه فوق عهد الواقفة بجانب الباب: ” لم آت لأجلس أساسًا. أردت أن أخبر عهد بما عندي وأغادر.” نطقت عهد أخيرًا: ” أخبرتك إنني لا أعلم عم تتحدث.” رد فراس بقوة: ” كاذبة. أنتِ كاذبة يا عهد، وأنا سأكون أكبر غبي إن صدقتك.” التفت فادي نحو عهد يتساءل بضيق: ” هل يمكنني أن أعلم ما يحدث هنا بالضبط؟

قالت عهد وهي تتقدم نحوهما: ” أنا مثلك تمامًا لا أعلم أي شيء. يبدو إن هناك مشكلة بينه وبين خطيبته، ويتهم في إنني السبب عنها.” ” فراس، أنت بالتأكيد مخطئ. عهد بالتأكيد لن تتسبب بمشكلة بينك وبين خطيبتك.” قالها فادي بجدية، ليرد فراس بغلظة: ” لم تعد خطيبتي. نحن انفصلنا.” هتف بها فادي بدهشة، ليضيف فراس متهكمًا:

” ابنة الخولي تركتني. فسخت الخطبة بعدما حققت ما تريد بمساعدة تلك التي تقف جانبك وتدعي بكل براءة إن لا دخل لها فيما حدث.” ” ولكنني بالفعل…” قاطعه فراس بصرامة: ” اصمتي تمامًا. أنا أعرف كيف أتصرف معكِ ومعها. أعرف جيدًا.” أنهى كلماته بتهديد واضح واندفع خارج المكان، ليهتف فادي مسرعًا وهو يلحقه: ” سأتبعه وأفهم ما يحدث معه.” ثم ركض خارج الشقة وهو ينادي على أخيه، الذي توقف مكانه في غضب، ليتقدم فادي نحوه ويقف أمامه متسائلًا:

” ماذا يحدث يا فراس؟ مالذي فعلته خطيبتك؟ ولماذا تتهم عهد بالتواطؤ معها؟ ” لإن هذه هي الحقيقة.” قالها فراس بغضب، ليهتف فادي: ” أخبرني ما حدث. دعني أفهم. قبل ليلة كنتما سويًا تحتفلان بعيد ميلادك. ماذا حدث لتفسخ غالية الخطبة و…” قاطعه بصوت عصبي: ” ما حدث إنني أصبحت لعبة بين يدي هاتين المخادعتين. بين خطيبتي ومن كانت زوجتي وأم ابني.” ” كيف يعني؟ أغمض فراس عينيه بنفاذ صبر، ثم فتحها وقال: ” دعني الآن يا فادي من فضلك.”

لكن فادي أوقفه مرددًا بحزم: ” لن تتحرك خطوة واحدة دون أن تخبرني بما حدث. أنا متأكد إن هناك مصيبة ما حدثت معك، ولن أتركك دون أن أعرف ما هي.” ” ما بالك يا فادي؟ لا تنسَ إني أخوك الكبير. أنت لا يمكنك أن تجبرني على ما لا أريد.” رد فادي بهيمنة: ” بل يمكنني، مثلما يمكنني الذهاب حالًا إلى خطيبتك المصونة ومعرفة منها كل شيء.” تجهمت ملامح فراس بعدم رضا، ليقول فادي بحزم: ” والآن تعال معي إلى شركتك، حيث سنتحدث في مكتبك عما حدث.”

*** انتفض فادي من مكانه ما إن أنهى فراس حديثه، صارخًا بغضب بدا كالجحيم: ” أيها اللعين! كيف تفعل شيئًا كهذا؟ هل أنت غبي؟ نهض فراس بدوره صائحًا بتحذير: ” الزم حدودك ولا تتجاوزها معي يا فادي، ولا تنسَ إنني أخوك الكبير.” قال فادي بعينين مشتعلتين غضبًا: ” أخي الكبير المحترم، الذي لا يتوقف عن علاقاته المشبوهة حتى وقع في يد فتاة صورت له فيديو فاضح.” نطق فراس من بين أسنانه: ” فادي، يكفي.” ردد فادي بإصرار:

” أليست هذه الحقيقة؟ هل قلت شيئًا خطأ؟ بسبب نزواتك الحقيرة حدث كل هذا، وها أنت بل نحن جميعًا مهددون بفضيحة كبيرة مثل هذه.” ” انظر إلي. أنا لم أخبرك بما حدث لتبدأ في تأنيبي.” قاطعه فادي بحدة: ” بل أنت من يجب أن ينظر إلي، بل ويسمعني جيدًا. ألن تتوقف عن نزواتك وعبثك الذي لا ينتهي وعلاقاتك القذرة؟ ألا ترى ماذا فعلت بك نزواتك؟ بسبب ما تفعله خسرت الكثير وما زلت تخسر.” هتف فراس بصوت متصلب: ” لكن فادي لم يسمعه

وهو يسترسل بنفس النبرة: خسرت زوجتك التي كانت تحبك بحق. خسرت احترامك أمام جميع من يدرك حقيقتك. حتى ابنك خسرته.” ضرب فراس على المكتب بقوة يصرخ بصوت مرعب: ” قلت يكفي.” تقدم فادي نحوه يجذبه من ياقة قميصه مرددًا بصوت قوي: ” أنت من يكفي. أنت من يكفي يا فراس. في السابق كنت تدمر نفسك. لطالما حذرتك وأنت لم تسمع. لكن الآن الموضوع لم يعد يخصك وحدك، بل يخصنا جميعًا. سمعتنا جميعًا سوف تتدمر بسببك. بسبب نزوة من نزواتك الحقيرة.”

قال فراس بملامح مشدودة غضبًا: ” نعم، بسبب نزوة من نزواتي الحقيرة. في النهاية، أنا القذر الوحيد بينكم، وأنت القديس هنا.” قاطعه فادي بنفور: ” أنا لست قديسًا ولن أكون. لكنني على الأقل لا أرمي نفسي كل يوم بين أحضان عاهرة لا أعرف اسمها حتى.” ” نعم، أساسًا قلتها منذ قليل. أنا القذر الوحيد بينكم.” قالها فراس بتهكم، ليرد فادي ببرود: ” قذارتك تخصك وحدك. لكن أنا ولوجين ووالدتي لن نسمح لك أن تؤذينا بسبب أفعالك تلك.”

أكمل وعيناه تنطقان قوة: ” اتصل بغالية تلك وتحدث معها.” قالها فراس ببرود، ليتساءل فادي بغضب مكتوم: ” ماذا يعني لا تريد؟ الفتاة معها فيديو يخصك، فيديو فاضح.” ” سأتصرف معها بنفسي.” قالها فراس ببرود أغاظ فادي، الذي ردد هازئًا: ” حقًا؟ وماذا ستفعل؟ كيف ستأخذ الفيديو منها؟ هل سوف تهددها؟ أم ترسل عصابة وتخطفها؟ رد فراس بنفس البرود: ” كل شيء ممكن.” قال فادي بتحذير: ” لا تجن. هيا اتصل بها وحاول أن تتفاوض معها.”

نظر له فراس برفض، لكن فادي أشار له بقوة: ” ماذا تنتظر؟ لا يوجد حل آخر أمامك. أي تصرف آخر سيؤدي بك إلى الجحيم. حاول أن تتفاوض معها، وإذا اضطررت، تنازل عن تميم.” هتف فراس بعدم تصديق: ” هل تطلب مني التنازل عن ابني؟ رد فادي بسخرية: ” على أساس إنك تركت لنا حلاً غير هذا.” زفر فراس أنفاسه بضيق، قبل أن يخرج هاتفه ويتصل بها، ليطلب منه فادي أن يجعله يسمع المكالمة كي يسجلها في هاتفه، الذي أخرجه وبدأ يسجل بالفعل،

عندما جاء صوتها يردد: ” أهلًا فراس بك. توقعت أن تتصل بهذه السرعة.” أشار له فادي أن يتحدث، ليقول فراس: ” يجب أن نتحدث يا غالية.” ردت غالية ببساطة: ” عم سنتحدث بالضبط؟ الأمر لا يحتاج إلى حديث. الفيديو عندي. إذا تنازلت عن حضانة الطفل لعهد، فلن أنشره. وإذا لم تفعل، فسيتم نشره في كافة المواقع.” قاطعها فراس يتساءل بغضب مكتوم: ” هذا ابتزاز يا غالية؟ صدحت ضحكتها الناعمة وهي تردد:

” ابتزاز من النوع الجيد. أنا لا أطلب منك مقابلًا ماديًا يا فراس.” تساءل فراس بأعصاب بدأت تفلت: ” وما علاقتك أنت بكل هذا؟ ما علاقتك بعهد وابني؟ ردت غالية بجدية: ” هذا ما عندي. إذا تنازلت عن حضانة الطفل، فلن يتم نشر الفيديو أبدًا.” ” لحظة، هل تعنين إنك لن تعيدين لي الفيديو إذا ما تم نشره؟ تساءل بوجوم، لترد بخفة:

” الفيديو سيبقى معي حتى بعدما تتنازل، لإنني لا أضمن كيف سيكون انتقامك مني بعدها. طالما الفيديو معي، فأنا في أمان ولا يمكن أن تلمس شعري واحدة مني.” هم بشتمها قائلًا: قاطعته بتحذير: إياك أن تتجاوز حدودك يا فراس. انتظر قرارك في أسرع وقت. مع السلامة.” أغلقت الهاتف في وجهه، ليغلق فادي هاتفه بدوره بعدما حفظ التسجيل، فيتبادل النظرات مع أخيه، وكلا منهما له أفكاره. ***

هبطت من غرفتها أخيرًا وهي ترتدي ملابس شديدة الأناقة استعدادًا للخروج مع مجموعة من صديقاتها للترفيه. وجدت والدتها تتناول قهوتها في صالة الجلوس وهي تتابع أحد البرامج، لتلقي التحية بإبتسامة صادقة وهي تتقدم نحوها وتقبلها من وجنتها، لتبتسم صباح بدورها وهي تتأملها مرددة: ” أهلًا حبيبتي. ما كل هذا الجمال؟ ضحكت غالية مرددة بثقة: ” أنا دائمًا جميلة حتى لو ارتديت شوال بطاطا كما يقولون.” ” أنتِ جميلة وجذابة وفاتنة وكل شيء.”

قالتها صباح وهي تربت على كفها، لتهتف غالية بجدية رغم إنها ما زالت تحتفظ بإبتسامتها: ” لقد فسخت خطبتي.” اختفت ابتسامة صباح كليًا وهي تردد بعدم استيعاب: ” ماذا؟ ابتسمت غالية بخفة وهي تردد: ” فسخت الخطبة.” ” لماذا؟ سألتها صباح وقد أفاقت من دهشتها أخيرًا، لترد غالية بنفس الجدية: ” لم نتفق.” رددت صباح: ” هكذا فقط؟ قالت غالية موضحة: ” هذا سبب أكثر من كافٍ بالنسبة لي.” قالت صباح بحيرة رغم فرحتها بخبر انفصالها عن ذلك الشاب:

” حسنًا ولكن أنا لا أفهم. لماذا وافقت على الخطبة من الأساس ثم فسختها بهذه السرعة؟ ” يا ماما، الخطبة هي فترة تعارف لأي اثنين، وأنا بالفعل تعرفت على فراس وفهمت إنه لا يناسبني وأنهيت الأمر بهدوء.” سألتها صباح بشك: ” هل أنتِ متأكدة إنه لا يوجد سبب آخر يا غالية؟ قالت غالية وهي تبتسم بهدوء: ” صدقيني، هذا هو السبب الوحيد يا ماما.” هزت صباح رأسها بتفهم، ثم ربتت على كتفها تقول بدعم: ” لا تحزني حبيبتي. خطبة وانتهت. لا بأس.”

ضحكت غالية وهي تردد: ” أنا لست حزينة من الأساس. على العكس تمامًا، أنا سعيدة. سعيدة للغاية.” ” سعيدة. للغاية؟ كررتها صباح بعدم استيعاب، لتهتف غالية بجدية: ” نعم، سعيدة ومرتاحة وأشعر بكافة المشاعر الإيجابية.” ” غريب أمرك يا غالية. يعني عادة الفتيات ينزعجن ويحزن قليلاً في هذه الحالات.” ضحكت غالية وقالت: ” هؤلاء الفتيات الأخريات، أما أنا فلا أحزن على شيء كهذا لإنني من ربحت عندما تخلصت من زيجة كانت ستفشل في جميع الأحوال.”

أضافت بعدها وهي تنظر إلى ساعتها: ” حسنًا، سأتأخر على موعدي. دعيني أذهب. أراكِ مساءً.” سألتها والدتها: ” إلى أين ستذهبين؟ ردت غالية بجدية: ” سأذهب مع مجموعة من صديقاتي إلى مطعم جديد يقولون إنه رائع، لذا سنذهب لتجربته. هيا، أراكِ مساءً.” قالتها بعدما قبلتها من وجنتها، تاركة والدتها تتابعها وهي تغادر بحماس غير مستوعبة ما يحدث حتى الآن.

اتجهت غالية نحو الكراج وشغلت سيارتها لتركبها وتتحرك خارج الفيلا، عندما وجدتـه يقف خارج الفيلا بجانب سيارته. وما إن رآها حتى اعتدل في جلسته وأخذ ينظر لها بقوة. تجهمت ملامحها وأوقفت سيارتها وسارعت تهبط منها وهي تتجه نحوه، تتساءل بضيق: ” ماذا تفعل هنا؟ رد يتساءل بقوة: ” ألم أحذرك مسبقًا ألا تقتربي من عائلتي؟ عقدت ذراعيها أمام صدرها تتساءل باستفزاز مقصود: ” حقًا؟ وماذا فعلت ومتى أساسًا اقتربت من عائلتك؟ تقدم نحوها

خطوتين يردد من بين أسنانه: ” غالية، أنتِ تدركين جيدًا ما أعنيه. كيف تجرأت على فعل هذا؟ هتفت بتهكم: ” من الواضح إن أخيك أخبرك بما حدث.” ” نعم، أخبرني بتصرفك الدنيء والذي لا يليق بفتاة محترمة.” قاطعته بحدة: ” إياك أن تتجاوز حدودك. أنا محترمة غصبًا عنك وعن أخيك.” أضافت ببرود وهي تعاود عقد ذراعيها أمام صدرها:

” وثانيًا، إذا كان هناك من يستحق محاسبته فهو أخيك المحترم. ماذا كنت تتوقع مني بعدما اتضح لي إنه يخونني بعد فترة قصيرة من خطبتنا؟ تأملها بملامح جامدة للحظات، قبل أن يتساءل بنبرة ذات مغزى: ” أخبريني يا غالية. تصرف كالذي قمت به أنت. هل يليق بفتاة محترمة حقًا؟ ردت بجدية: ” تصرفي كان لدوافع محددة وأهمها كشف حقيقة أخيك.” ” وما علاقة هذا إذا بموضوع حضانة تميم؟ سألها متهكمًا، لترد ببرود:

” والله فكرت في أكثر شيء يكسر أخيك، فوجدت إن هذا أكثر شيء سوف يؤذيه بل ويلقنه درسًا قويًا أيضًا كي لا يتلاعب من خلاله ببنات الناس. إضافة إلى ذلك، سأقوم بعمل خيري حيث سأعيد طفلًا مسكينًا إلى أحضان والدته التي حُرم منها لسنوات.” ” نشكرك على خدماتك العظيمة يا غالية.” قالها بسخرية، قبل أن يهتف بقوة: ” ولكن لا تتدخلي في أمورنا العائلية، فنحن نعرف كيف نحل مشاكلنا بيننا.” رددت باستهزاء:

” نعم، وأكبر دليل تصرفات أخيك وعلاقاته المشبوهة، وفوق هذا استغلاله ابنه الوحيد كورقة ضغط على طليقته.” ردد فادي بتصلب: ” لا تتدخلي فيما لا يعنيك. والآن هاتي الفيديو فورًا. هيا.” ضحكت مرردة بخفة: ” يا لك من مضحك. هكذا بكل بساطة.” رد ببرود: ” نعم، هكذا يا غالية وبكل بساطة.” ” وإذا قلت لا؟ سألته بنعومة مستفزة. ” أنت تعبثين مع الشخص الخطأ.”

قالها بملامح مهيبة، وقد شعرت في تلك اللحظة إنه تحول إلى نسخة من أخيه، ولا تعرف لماذا شعرت بذلك رغم اختلاف ملامحهما، لكن ربما نزعة الشر التي ارتسمت على ملامحه في تلك اللحظة كانت تشبه شر أخيه. ” أنا لا أعبث. أساسًا العبث ليس من صفاتي. أنا فقط أخطط وأنفذ وأنال.” اقترب منها خطوتين أخريين حتى بات قريبًا للغاية منها، وقال بصوت متسلط قوي: ” أنتِ تدركين جيدًا إنني يمكنني حبسك بتهمة الابتزاز؟ ردت والبرود يسيطر على ملامحها:

” جيد، ولكن حينها عليك أن تحبس أخيك المحترم بتهمة الزنا.” رد عليها مستهزئًا: ” حقًا؟ هل تظنين إن القانون سيحاسب أخي لكونه أقام علاقة غير شرعية مع بائعة هوى بكامل إرادتها؟ ردت بصوت قوي حازم: ” لن أمنحك الفيديو مهما حاولت.” هتف وقد بدت عيناه في تلك اللحظة تتحديانها أن ترفض:

” هاتي الفيديو وإلا قسما بربي سأريك وجهًا آخر لم تعهديه. أنا لا أسمح لأي شخص أن يقترب من عائلتي، وأنتِ بتصرفك تجاوزت كل الخطوط الحمراء، لذا تراجعي فورًا عن تصرفك الدنيء وإلا…” وصمته كان وراءه الكثير من الحكايا. نطقت أخيرًا وهي ما زالت ثابتة في مكانها: ” ليتنازل أخيك أولًا عن حضانة الطفل، وسنتحدث بعدها بشأن الفيديو.” أضافت:

” وأنت لا يمكنك أن تهددني. لا أنت ولا عشرة أمثالك يمكنهم أن يهزوا شعرة واحدة مني، ولا تنسَ يا حضرة الضابط إن الفيديو الذي معي سيدمر سمعة عائلتك بالكامل. يعني رقبتك أنت وأخيك وكل عائلتك بيدي، لذا تمهل قليلًا ولا تتحدث بطريقة تندم عليها فيما بعد.”

منحته نظرة مليئة بالقوة والغرور، وهي تنسحب بخطواتها متجهة نحو سيارتها لتركبها، فتنظر إليه من مرآة السيارة تمنحه ابتسامة باردة، قابلها بملامح جامدة تمامًا، قبل أن تشغل سيارتها وتحركها بأقصى سرعة. *** جلس في صالة الجلوس يتناول الشاي مع زوجته وحنين ونضال، عندما هتفت حنين تتساءل بفضول: ” برأيك لن تأتي حقًا يا بابا؟ رد أشرف بتجهم: ” لا أظن.” همست حنين: ” إنها امرأة صعبة حقًا.” قال أشرف بجدية:

” أنا فعلت ما يتوجب علي فعله. هي حرة فيما ستفعله.” قالت أحلام بجدية: ” ولكن يجب أن تتواجد في يوم كهذا بجانب ابنتها.” قال أشرف: ” أساسًا إذا تحدثنا بناءً على الأصول، فالخطبة يجب أن تتم في منزل والد الفتاة وبحضور والدتها وأنا وكبار العائلة، لكن ماذا نفعل؟ هذا ما أرادته تهاني هانم.” سألت أحلام بجدية: ” هل أخبرت كبار عائلتك؟ أومأ برأسه وهو يجيب: ” تحدثت مع عمي وأبناء عمومي. سيأتون جميعًا.” تساءلت حنين بجدية:

” بابا، هل ذلك الشاب سيء إلى هذا الحد لترفضه زوجة عمي لهذه الدرجة؟ تنهد أشرف وقال: ” هو ليس سيئًا، لكنه يبدو غير مناسبًا للزواج كونه لا يعمل وما زال لا يتحمل مسؤولية وأشياء من هذا القبيل. لكنني تحدثت معه وأخبرني إنه بدأ يتغير لأجل نانسي وإنه يحبها حقًا، والأهم من ذلك إن نانسي تحبه أيضًا.” ” ولكن ماذا لو لم يفِ بوعده واستمر بنمط حياته هذا؟ سألته حنين باهتمام، ليرد أشرف:

” حنين ابنتي. هذا شيء في علم الغيب. صلاح لا يبدو سيئًا وكلامه معي يدل على ذلك، وأنا أساسًا وافقت بناءً على رغبة ابنة عمك.” هتف نضال بجدية: ” برأيي إن الأمر سار بسرعة قليلًا. يعني نانسي ما زالت صغيرة وهو أيضًا. ليستقر في حياته وعمله لفترة ويثبت تغييره على الأقل كي نطمئن على الفتاة معه.” التفت أشرف نحو ابنه يقول: ” افهم يا نضال. الفتاة تريده. هذا ما جعلني أوافق. أن تتزوج أمامي وبموافقتي أفضل من أن تتصرف لوحدها.”

قالت حنين بعدم تصديق: ” بالطبع لن تفعل نانسي ذلك. يعني مستحيل أن تتزوج دون موافقتك أنت ووالدتها.” قال أشرف بعقلانية:

” لا يوجد ضمان يا ابنتي. نحن في زمن كل شيء متوقع فيه. نانسي فتاة أحبت شابًا وتريده بشدة، وهي بالغة راشدة. يعني يمكنها أن تتزوجه دون الرجوع إلينا، ولا أحد يستطيع منعها أو محاسبتها مهما حدث، لإنها شرعًا وقانونًا لم تفعل شيئًا خطأ. لذا الأفضل أن تتزوج بموافقتي وتبقى أمام عيني وتحت رعايتي وفي حمايتي، بدلًا من أن تتصرف بطريقة تسيء لنا ولها مستقبلًا.” سألته أحلام: ” هل سيتزوجان فورًا أم هناك فترة خطبة؟ رد أشرف بجدية:

” لا أعلم. غدًا سنتحدث في هذه الأمور.” ” لا تستعجلوا يا أشرف. برأيي أن تكون هناك فترة خطبة في البداية.” قالتها أحلام بجدية، وهي تضيف بتنهيدة: ” على الأقل تتعرف عليه جيدًا وتتأكد من حسن أخلاقه ونيته.” ” ما بالكم تتحدثون جميعًا بنفس الطريقة؟ حتى أنتِ يا أحلام تفكرين بنفس طريقة تهاني؟ قالها أشرف بعدم تصديق، لترد أحلام بجدية:

” والله لو كنت مكانها ما كنت لأزوج ابنتي لشاب ليس مضمونًا يا أشرف. شاب لست واثقة من قدرته على تحمل المسؤولية.” قاطعه أشرف مرددًا وهو مصدوم من تفكير زوجته: ” ما هذا الكلام؟ على أساس إن كل شاب يعمل ومسؤول عن نفسه يصلح للزواج. أخبريني كم شاب ينتمي لعائلة محترمة ومتعلمًا ويعمل بجدية ويبدو قمة في الأخلاق والاحترام لم يفلح في زواجه وتسبب بتعاسة زوجته؟ نحن لا يمكن أن نحكم على نجاح زيجة من عدمها بناءً على ما نراه خارجيًا.”

” ولكن الحذر واجب.” قالتها أحلام بإصرار، ليسألها نضال ببرود: ” غريب أمرك يا زوجة أبي. تتحدثين عن الحذر في اختيار الزوج بكل هذا الإصرار الغريب، ومع هذا سمحت لابنك أن يتزوج من سجين سابق. ربما كان عليك أن تطبقي نصائحك أولًا على ابنتك.” ” نضال.” صاح به أشرف بحزم، بينما أوقفته أحلام وهي تقول: ” ومن أخبرك إني موافقة على هذه الزيجة يا نضال؟ هل تظن إنني سعيدة بزواج ابنتي منه؟ هتف أشرف بضيق: ” ما هذا الكلام يا أحلام؟

قالت أحلام بقوة: ” أنا لم أوافق أبدًا على هذه الزيجة، وأنت تعلم يا أشرف، لكن حياة كانت مصرة، لذا كنت مجبرة على الموافقة، خاصة بسبب طبيعة علاقتنا، وأنا لم أرغب أن أخسرها بعدما سامحتني أخيرًا.” ” ولماذا لا توافقين يا أحلام؟ ما به الشاب لترفضيه بهذا التعنت؟ رد نضال نيابة عنها: ” خريج سجون يا أبي.” نظر أشرف نحوه قائلًا عن قصد: ” المهم إن حياة تحبه وتريده ومقتنعة به تمامًا.” ” نعم. ابنتي معمية بحبه للأسف.” قالتها

أحلام بحنق وهي تضيف: ” عاطفتها حكمت بها للأسف.” رد أشرف بقوة: ” لو كنتِ تعرفين ابنتك جيدًا، ما كنتِ لتقولي هذا. حياة ليست من هذا النوع. رغم معرفتي القصيرة بها، لكنني أدركت كم هي فتاة ذكية وواعية وتتصرف بتعقل وحكمة.” قال نضال ببرود:

” برأيي إن زوجة أبي معها حق. يعني مهما كانت حياة واعية وذكية، لكن في هذا الأمر تحديدًا عواطفها من حكمت بها، لإنها لو كانت اتخذت قرارها بعد تحكيم عقلها، ما كانت لتربط مصيرها بمصير رجل سُجن مسبقًا بتهمة مشينة كهذه. حتى لو لم تفكر بنفسها، كان عليها أن تفكر بمصير أطفالها منه، والذين ستلتصق بهم تهمة والدهم إلى الأبد.” منحه أشرف نظرات نارية، ليهتف نضال بتحدي: ” لماذا تنظر إلي هكذا يا أبي؟ هل قلت شيئًا خاطئًا؟ قال أشرف

وهو بالكاد يتحكم بغضبه: ” اتركوا الفتاة وشأنها. دعوها تعيش مع زوجها بسلام. عندما تشتكي لكم، تحدثوا حينها.” قالت أحلام: ” وهل سأنتظر حتى تشتكي؟ تساءل أشرف بملل: ” ما جرى يا أحلام؟ أليست الفتاة بخير؟ ردت أحلام بجدية: ” ونعم، لكنني سأرتاح أكثر عندما أراها. سأسافر قريبًا لها.” ” حقًا؟ هتفت بها حنين بدهشة، فهزت أحلام رأسها وقالت: ” نعم، وأنتِ ستأتين معي.” ابتسمت حنين بحماس، بينما قال أشرف:

” جيد، اذهبي لها في إجازة منتصف العام.” قاطعته أحلام: ” بل سأذهب بعد حوالي شهر.” هتف أشرف بعدم تصديق: ” بهذه السرعة؟ الفتاة ما زالت عروسًا جديدة. يعني من غير اللائق أن تذهبي عندهما بهذه السرعة.” ” والله، المهم أن أطمئن على ابنتي، وما زال هناك أمامي شهر كامل.” زفر أشرف أنفاسه بضيق، بينما قال نضال بجدية: ” صحيح يا أبي. هناك شيء هام أريد إخبارك به.” ” ماذا هناك؟ سأله والده باهتمام، ليرد نضال بجدية:

” لقد اتخذت قراري. سوف أستقر هنا بشكل نهائي. لا عودة إلى كندا بعد الآن.” ” حقًا؟ قالها أشرف بسعادة وهو يتساءل مجددًا: ” يعني ستبقى هنا معي بعد الآن؟ ابتسم نضال مرددًا: ” نعم، سأبقى دائمًا. لم أكن أعلم إن هذا الخبر سيفرحك لهذا الحد.” قال أشرف بصدق: ” لطالما تمنيت أن يحدث هذا، ولكنني لم أشأ أن أضغط عليك. الحمد لله، لقد تحقق ما أردته لسنوات، وسوف تستقر جانبي.” ابتسم له نضال، بينما رن هاتف أشرف ليخرجه فيقول:

” هذا كرم يتصل بي.” خفق قلب حنين بقوة ما إن نطق والدها اسم ابن عمها، وهو يجيب عليه، لتلتفت حنين نحو والدتها تسألها: ” هل كرم يعلم بأمر الخطبة؟ ردت والدتها بجدية: ” نعم، ووافق أيضًا.” سألتها بلهفة: ” هل سيأتي ويحضر الخطبة؟ ردت والدتها وهي تهم بالنهوض: ” كلا، لكنه سيحضر الزفاف. لقد أكد هذا لوالدك.” ابتسمت لا إراديًا وهي تشعر بالفرحة تملأ قلبها، فابن العم الغائب وحبيب طفولتها سيعود وتراه أخيرًا. *** كانت

تتحدث معه الهاتف تقول: ” ستبدأ منى الأسبوع القادم جلسات العلاج النفسي مع جيلان.” جاءها صوت عمار مرهقًا قليلًا: ” جيد.” ” هل أنت بخير؟ سألته بقلق، ليرد بنبرة بدت حزينة رغم سخريتها: ” كيف سأكون بخير بعدما حدث؟ قالت محاولة التخفيف عنه: ” لا بأس يا عمار. لا تغضب منها. جيلان صغيرة وتصرفت على فطرتها.” قال بصدق: ” أنا لست غاضبًا منها، أنا غاضب من نفسي. أنا خسرت جيلان يا شيرين. خسرت أختي الوحيدة.” قاطعته بجدية:

” لن تخسرها يا عمار. جيلان الآن تعيش فترة مضطربة للغاية. صدقني عندما تبدأ جلسات العلاج، سوف تتحسن نفسيتها تدريجيًا، وحينها يمكنك التحدث معها وإخبارها كم إنك تحبها وتخاف عليها.” أطلق تنهيدة مرهقة وقال: ” سأفعل أي شيء كي أكسب محبتها وثقتها مجددًا.” ” هي تحبك يا عمار. صدقني. هي فقط تتصرف نتيجة ما تعرضت له.” ” هل تظنين إنها ما زالت تحبني ولم تكرهني بعد؟ ردت بتأكيد: ” بالطبع يا عمار. هي لا يمكنها أن تكرهك. صدقني.”

قال بصدق: ” ليتك كنتِ معي يا شيرين.” ردت بنفس الصدق: ” أنا معك أصلًا يا عمار.” قال عمار بخفوت: ” أقصد أن تكوني هنا بجانبي.” أضاف بجدية: ” أنتِ تفهمين ما أعنيه.” قالت بنبرة مترددة: ” أفهم يا عمار.” تساءل باهتمام: ” إذا متى سيحدث هذا؟ متى سوف تفاتحين عائلتك بهذا الأمر؟ ردت بجدية: ” في أقرب وقت يا عمار.” قال بهدوء: ” أتمنى ذلك.”

ودعته بعدها، وأخذت تنظر أمامها بشرود، عندما نهضت من مكانها وخرجت من غرفتها، حيث هبطت إلى الطابق السفلي، لتجد أخيها وزوجته مع ابنيهما، فألقت التحية وهي تجلس معهما، لتتبادل النظر مع منى، التي شعرت بوجود شيء، فنطقت بتردد: ” وليد…” نظر لها وليد باهتمام، لتهتف بجدية: ” أريد إخبارك بشيء مهم. قرار اتخذته.” نظر لها وليد بهدوء، لتهتف بثبات: ” أنا سأتزوج عمار الخولي.” انتفض وليد من مكانه يصيح بعصبية: ” ماذا تقولين أنت؟

هل جننت؟ سارعت منى تنهض من مكانها وتجذب طفلها تتجه به إلى الطابق العلوي، بينما تقدمت والدتهما تتساءل بقلق: ” ماذا حدث؟ لماذا صوتك عالٍ يا وليد؟ رد وليد بغلظة: ” اسألي ابنتك.” نظرت والدتها نحوها وتساءلت: ” ماذا حدث يا شيرين؟ نهضت شيرين من مكانها تقول بجدية: ” أخبرته إنني سأتزوج عمار الخولي.” رأت الصدمة في عيني والدتها، فقالت: ” ما بالكما لا أفهم؟ أين الخطأ فيما قلته؟ أليس من حقي أن أتزوج الرجل الذي أريده؟

قال وليد بقوة: ” بإمكانك أن تتزوجي الرجل الذي تريدينه بالطبع، لكن يجب أن يكون رجلاً محترمًا وجيدًا.” نظرت له تردد: ” أنت لا تعرفه حتى تحكم عليه.” قال وليد ساخرًا: ” يكفي ما سمعته عنه حتى الآن.” ” زوجي الأول كان يبدو مثاليًا ومحترمًا لدرجة إنك وافقت عليه دون تردد وشجعتني على المضي في زيجتي منه. ماذا حدث فيما بعد؟

تبين إن كل هذا الاحترام والمثالية ليست حقيقية ولا وجود لها من الأساس. كان غطاءً ليس إلا. ربما نفس الشيء مع عمار، ويكون عكس ما يظهر أمامنا.” قال وليد بعدم تصديق: ” وهل سأجازف بك وأمنحك له، عسى ولعل يظهر إنه عكس ما نعرفه عنه؟ ” أنا مسؤولة عن قراري يا وليد.” قالتها شيرين بقوة، ليرد وليد بتحدي: ” وهذا القرار مرفوض. وأي قرار سيؤذيك فهو مرفوض.” نظرت إليه بصمت للحظات، قبل أن تهتف:

” يبدو إنك لم تفهم بعد. أنا لا آخذ رأيك. أنا أبلغك بقراري.” اندفعت خارج المكان بعصبية، لتتوقف مكانها وهي تسمعه يهتف بصوت قوي غاضب: ” افعلي ما تشائين. أنا لا يمكنني منعك. لكن تأكدي إنني لست موافقًا على هذه الزيجة يا شيرين، وإذا تزوجتِ من ذلك الحقير، فسوف تنسين إن لديك أخًا اسمه وليد! اعتصرت قبضتي يديها بقوة، وغشت الدموع عينيها، فسارعت ترتقي درجات السلم بعصبية وبكاء. ***

كانت تجلس على سريرها تنظر إلى ملزمتها باهتمام، عندما دلفت نديم إلى غرفتها قائلًا: ” ألا تنوين الخروج الجلوس معي؟ رفعت وجهها نحوه تبتسم وهي تقول: ” سأفعل. فقط ربع ساعة أنتهي من المحاضرة الأخيرة وآتي عندك.” ابتسم مرددًا: ” جيد، أنتظرك.” خرج بعدها لتعاود النظر إلى الصفحة المتبقية من المحاضرة، وهي تخبر نفسها: ” هيا يا حياة. ركزي جيدًا وسوف تحفظين بسرعة كعادتك.”

ثم صبت جم تركيزها على الصفحة لتنتهي منها أخيرًا، فأغلقت المحاضرة وهي تأخذ نفسها براحة، فتتأمل الساعة لتجد إنه مرت حوالي نصف ساعة بعد خروج نديم. نهضت مسرعة وخرجت من غرفتها وهي تقول: ” آسفة لإنني تأخرت، ولكن المادة كانت صعبة.” توقفت وهي ترى المائدة التي أعدها وما تحويه من أطعمة، بينما تقدم نديم نحوها وهو يحمل طبقًا من الفواكه ويقول: ” لا بأس. المهم إنكِ أتيت.” ابتسمت وهي تتساءل: ” ما هذا يا نديم؟ وضع

طبق الفاكهة يسألها بدوره: ” ما رأيك؟ هل أعجبك ما أعددته؟ قالت وهي تبتسم: ” يعني مائدة متكاملة. طعام عشاء وحلويات وفواكه وبوشار وشيبس والكثير.” رد مبتسمًا: ” قلت لنغير الأجواء قليلًا.” ابتسمت تردد بصدق: ” أنت رائع.” ضحك وقال: ” ليس بقدر روعتك.” ثم جذبها من كفها وقال: ” تعالي نتناول طعام العشاء أولًا، ثم بعدها نختار فيلمًا نشاهده سويًا.” ” هيا.” جلست جانبه وبدآ يتناولان طعام العشاء سويًا وهما يتبادلان الأحاديث.

بعدما انتهيا من تناول الطعام، قال نديم وهو ينهض من مكانه ويمد يده نحوها: ” هيا تعالي لنختر فيلمًا نراه.” وضعت كفها داخل كفه ونهضت، عندما رن هاتفها فوجدت ماذي تتصل بها، لتقول: ” دقيقة. سأرد عليها وأعود.” هز رأسه بتفهم وهو يتجه ليقلب في الأفلام التي اشتراها، بينما أجابت حياة على الاتصال، ليأتيها صوت ماذي المتحمس: ” حياة، كيف حالك؟ اشتقت إليك كثيرًا.” ردت حياة وهي تبتسم: ” وأنا أيضًا اشتقت لك. أنتِ كيف حالك؟ ردت ماذي:

” أنا بخير. كنت خارج البلاد لبضعة أيام وعدت صباح اليوم.” ” حقًا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...