الفصل 2 | من 56 فصل

رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني 2 - بقلم سارة علي

المشاهدات
51
كلمة
3,880
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

احتضنته والدته بلهفة ودموعها انسكبت على وجنتيها بغزارة. أخذت تتلمس ظهره تطمئن على حاله ولسانها يهتف ببكاء: -الحمد لله على سلامتك يا حبيبي.. أخيرا يا نديم.. ابتعدت عنه قليلا تحتضن وجهه بين كفيها تخبره بدموعها اللاذعة: -كنت أدعو الله كل يوم أن يطيل في عمري حتى أراك سالما يا حبيبي.. خفت أن أغادر الحياة قبل ذلك.. قاطعها بلهفة وهو يقبل كفها: -لا تقولي هذا يا أمي من فضلك.. حفظك الله لي وحماك من كل مكروه..

ثم أخذ يمسح دموعها فوق وجهها بأنامله وهو يردد بألم: -لا تبكي يا أمي.. لا تبكي من فضلك.. ها أنا أمامك بخير.. تحدثت غالية التي كانت تتابع ما يحدث بدموع مليئة بالوجع على هذا المنظر المؤلم رغم سعادتها بخروجه: -يكفي يا أمي أرجوكِ.. أنت تؤلمينه ببكائك هذا.. ثم تقدمت من نديم تحتضنه بعدما قالت: -وأنا أيضا أريد أن أحتضنه يا أمي.. شد نديم من احتضانها بشوق شديد لتبتعد قليلا عنه وترفع وجهها وعينيها الدامعتين

في وجهه تخبره بدموع الفرح: -لا أصدق عيني يا نديم.. اشتقت إليك.. اشتقت إليك يا أخي.. ضمها نديم من جديد وهو يهتف بخفوت: -وأنا اشتقت إليك أكثر يا غالية.. سار بعدها نديم معهما حيث ركب بجانب غالية التي جاءت بسيارتها لاستقباله وجلست والدتها في الخلف وهي تمسح دموعها لتسمع نديم يعاتبها: -لماذا أتيتما لاستقبالي..؟! ألم أخبركما ألا تصلان إلى هنا وإنني سآتي بنفسي..؟! ألا يكفي زياراتك المتكررة يا غالية مع أمي هنا إلي..؟!

أكمل بعدها وهو يلتفت نحو والدته: -وأين وسام..؟! ألم يخبرني إنه سيأتي لاستقبالي..؟! كان مندهشا من غياب صديقه الذي لم ينقطع طوال هذه السنوات عن زيارته لتجيبه والدته موضحة سبب غيابه: -والدته مرضت قليلا ودخلت المشفى مساء البارحة فاتصل بنا يعتذر عن قدومه.. قالت غالية بجدية: -كنا سنأتي بكل الأحوال يا نديم.. بوجود وسام أو غيابه..

أطلق نديم تنهيدة مسموعة ثم استدار نحو النافذة ينظر إلى الشوارع بملامح هادئة وهو يحاول أن يخفي ما يشعره في وضعه هذا لأجل كلا من والدته وأخته. *** دلت غالية إلى الفيلا بسيارتها لتتغضن ملامح نديم بألم من ذكريات الماضي التي عصفت به تلقائيا. توقفت غالية في الكراج وأشارت له ولوالدتها: -هيا دعونا نهبط.. ترجل نديم من السيارة وعيناه تنظران إلى المكان تتطلعان حوله بملامح مبهمة لا تدل على شيء.

كان يشعر ببرودة غريبة تجتاح كل إنش من جسده ما إن دلف إلى الفيلا وكأنه دلف إلى منطقة إعدامه. سار معهما بخطوات رتيبة وهو يتمنى مع كل خطوة ألا يصل إلى الداخل. فتحت الباب الداخلية ليخفق قلبه بضربات عنيفة عندما شعر بنسيم الهواء الخارجي يتغلغل داخله ورائحة منزله التي يعرفها جيدا اخترقت كيانه تعيد إليه ذكريات يتمنى لو يمحوها من باله إلى الأبد.

هنا ولد وعاش طفولته ومراهقته وشبابه حتى أصبح شابا يافعا ورجلا معتدا بنفسه يضرب به المثل بالاحترام والرقي. هنا قضى أيام حياته بحلوها ومرها. وهنا عاش أهم لحظات عشقه مع حب طفولته بين جدران هذا المكان. أغمض عينيه يبعد ذكريات كثيرة تسربت إلى داخله. ذكريات تعود إلى فترة الطفولة وأخرى للحظات مهمة عاشها هنا.

تذكر لا إراديا يوم خطبته. ذلك اليوم الذي سبق يوم القبض عليه وحبسه. أجمل يوم في حياته وأسوء يوم في حياته وفي كلا اليومين عاش ما لا يظن أنه سيعيش مثله يوما خيرا ولا شرا. أخذ نفسا عميقا وهو يفتح عينيه الزرقاوين بتأهب يحاول أن يسيطر على انفعالاته أمام والدته وأخته. شعر بيد تلمس كتفه فيجدها غالية تنظر إليه وهي تبتسم بهدوء رغم المرارة التي شعت في عينيها واختفت بعد لحظات قصيرة. -ألن تذهب إلى غرفتك وترتاح قليلا..؟

سألته بتردد بينما تبعتها والدتها تخبره: -هل ترتاح قليلا يا نديم أم تتناول طعام الغداء معنا أولا..؟ -أرغب بالنوم.. خرجت منه باردة كبرودة قلبه في هذه اللحظة. قلبه الذي فقد شعوره بعدما زارته تلك الذكريات من جديد. بعدما عاد إلى المكان الذي تركه منذ أعوام بسبب ذنب لم يرتكبه يوما. ودون أن يقول كلمة أخرى أو ينتظر ردا من أحد سار إلى غرفته في الطابق العلوي بينما نظرت غالية إلى والدتها تسألها بقلق:

-ماذا سيفعل عندما يعلم بوجود ليلى هنا..؟ هزت والدتها رأسها نفيا وهي تجيب بتوتر: -لا أعلم.. أكثر ما يقلقني ردة فعله عندما يراها.. نظرت غالية إليها بملامح تدل على عدم راحتها لما ينتظر أخيها بعد عودته. *** دلفت إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بقوة ليتأمل تفاصيل الغرفة التي ما زالت كما هي رغم مرور السنوات.

بعد دقائق من التأمل الصامت والأفكار المرهقة سار بخطوات بطيئة نحو تلك الطاولة التي توجد عليها عدة صور له ومنها صورة تخرجه من كلية الصيدلة. حمل الصورة ينظر إلى تلك الابتسامة الهادئة الخفيفة والثقة التي تطل من عينيه. كيف لا يبتسم وهو كان يشعر وقتها بأن الدنيا بأكملها كانت ملكه فهو نديم حسين الخولي أكثر الطلبة شهرة وتفوقا والأول على دفعته لخمسة أعوام متتالية.

يومها شاركه الجميع فرحته وأقامت والدته احتفالا لا ينسى. احتفالا حضره جميع الأقرباء والمعارف والأصدقاء يباركون له ويتمنون له المزيد من التقدم. لقد ذهب كل هذا وبات ذكرى مؤلمة لا يطيق تذكرها. لم يعد نديم المميز المتفوق الذي لديه مستقبلا رائعا يليق به وباسم عائلته. لقد أصبح مجرما آثما مدنسا بذنب لا يغتفر.

توقفت أفكاره عند هنا لينظر إلى الصورة للمرة الأخيرة قبل أن يحملها ويرميها في سلة المهملات ببرود مخيف وهو يعرف إن نجاحه وتفوقه ذلك تم رميه هنا في نفس المكان منذ أعوام. *** كانت تجلس في غرفتها على سريرها تضم قدميها إلى صدرها والدموع تغرق وجنتيها كالعادة. لقد عاد نديم بعد سنوات. عاد إلى منزله من جديد. عاد وهي عاجزة عن رؤيته رغم كل ما تحمله شوق ووله لرؤيته. شوق أرهق قلبها الذي يرفض أن ينساه أو يتناساه قليلا حتى.

ماذا ستفعل الآن وكيف ستتصرف..؟! ترغب برؤيته واحتضانه بقوة مدمرة حتى تشبع روحها منه رغم إنها تعرف إنها لن تشبع منه مهما حدث ومهما بقيت معه بين أحضانه. لو كان الأمر بيدها لانطلقت إليه راكضة ترمي روحها وقلبها وعمرها بأكمله بين ذراعيه وتخبره كم اشتاقت له وكم عذبها توقها إليه. لكنها لا تستطيع وهذا أسوء ما في الأمر.

لقد فقدت نديم إلى الأبد وهي تعلم هذا. فقدته منذ أن فعلت ما فعلته. خسرته وخسرت قلبها الذي كان وما زال معه وليته يعلم بذلك. سمعت صوت طرقات على باب غرفتها لتهمس بصوت ضعيف: -ادخل..

فتحت الباب ودلفت أختها مريم التي خرجت من جامعتها تسارع القدوم إليها بعدما علمت إن نديم سيخرج اليوم من السجن من والدتها التي كانت تموت قلقا على ابنتها ووضعها بعد خروجه وبالرغم من رفض والدتها القدوم بسبب إحراجها من الموجودين إلا إنها أصرت أن تذهب إليها بنفسها وتساندها في هذه اللحظات العصيبة.

أغلقت مريم الباب وتقدمت نحو أختها بوضعيتها تلك ونظراتها الباكية فلم تفعل شيئا سوى احتضانها وهي على نفس وضعيتها لتنفجر ليلى بالبكاء. شدت مريم من احتضانها وقد بدأت تبكي هي الأخرى ألما على حال أختها الكبيرة. أخذت بعدها تربت على ظهرها وهي تهادنها كطفلة صغيرة: -اهدئي يا ليلى.. لا تفعلي بنفسك هذا.. ستموتين من الحزن.. هتفت ليلى من بين بكائها: -ليتني أموت.. ليتني أموت وأرتاح من هذا العذاب.. ابتعدت مريم عنها تشهق مستنكرة:

-إياكِ أن تقولي هذا.. بعيد الشر عنكِ.. لا تفعلي هذا بنفسكِ أرجوكِ.. أكملت وهي تقبض على كفها بقوة تحاول دعمها قليلا: -كوني قوية يا ليلى.. أعلم مدى حبك له لكن يجب أن تصبحي أقوى.. كوني قوية يا عزيزتي.. -أنا قوية في كل شيء عدا حبه.. أنا ضعيفة جدا أمامه.. ضعيفة جدا يا مريم.. خرجت جملتها الأخيرة بصوت مبحوح ونبرة منكسرة لتردف ببكاء عنيف: -أنا ضعيفة أمامه.. لا أستطيع الثبات والتظاهر بالقوة.. لا أستطيع يا مريم..

-تستطيعين.. تستطيعين يا ليلى.. قالتها مريم بتصميم وهي تحيط وجهها بين كفيها لتضيف بعدها بعزيمة: -أنتِ ليلى سليمان.. ليلى الجميلة القوية.. ليلى أختي التي أستمد منها قوتي وثباتي.. لا تضعفي هكذا يا ليلى.. أعلم إنك تعشقينه ولا خلاف على هذا لكن لا تقتلي نفسك بالبطيء بسبب حبه.. تجاوزيه يا ليلى.. تجاوزيه من فضلك.. ضغطت ليلى على كفيها المحيطتين بوجهها تقول بوجع لا ينتهي: -كيف سأنساه يا مريم..؟!

ليتني أستطيع أن أفعل.. ليتني يا مريم.. دمعت عينا مريم من جديد وهي ترى ضعف أختها الذي لم يظهر عليها إلا بعدما حدث. كان من المؤلم أن ترى أختها الكبرى بكل هذا الضعف والانهيار وكانت تتمنى في تلك اللحظة أن تقتل المتسبب بكل هذا. نظرت أمامها بحقد شديد وهي تتمنى لو تحطم رأسه وتأخذ روحه لما تسبب به لأختها من عذاب. عادت تنظر إلى ليلى بحزن ثم جذبتها نحوها تحتضنها وهي تخبرها بعزم:

-ستنسين يا ليلى.. ستنسين وتعودين كما كنت بل وأفضل.. تعودين ليلى الجميلة المشعة وأنا سأقف بجانبك حتى تعودي كما كنتِ.. *** تأملت مريم أختها وهي تجلس أمام المرآة تضع القليل من المكياج على وجهها بملامح منهكة. كانت تشعر بالإرهاق الشديد فهي ذهبت منذ الصباح الباكر إلى الجامعة ثم جاءت إلى هنا وقضت وقتا تحاول فيه تهدئة ليلى علها تستفيق من نوبة بكائها وحزنها الذي لا ينتهي.

لم تستطع تركها والذهاب وهي بهذا الوضع فظلت جانبها تشد من أزرها وتدعمها حتى تستعيد وعيها وتستطيع المواجهة. وضعت ليلى الفرشاة على الطاولة ونهضت من مكانها تتأمل ملامحها الواهنة بجمود قبل أن تلتفت نحو أختها التي رسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيها وهي تسألها: -هل نخرج الآن..؟ تحاملت ليلى على نفسها وقد قررت أن تمنح نفسها القوة الكافية لمواجهته بل مواجهة الجميع. كانت تعلم إن هذه المواجهة ستحدث حتما لذا لا داعي لتأجيلها.

سارت نحو الباب بتثاقل تتبعها مريم وهي تدعو الله أن تمر الليلة على خير. هبطتا نحو الطابق السفلي حيث اتجهتا نحو غرفة الجلوس الخالية من الجميع. جلست ليلى على إحدى الكنبات بثبات تجاهد للحصول عليه وجلست مريم جانبها تنظر أمامها بصمت. لحظات قليلة وسمعا صوت أحدهم يدلف وهو يقول: -مساء الخير.. ثم اقترب من ليلى وقبلها من وجنتها وهو يسألها بخفة: -كيف حالك حبيبتي..؟ واتجه ببصره نحو مريم يسألها بصوته البارد: -كيف حالك يا مريم..؟

رمته مريم بنظرات كارهة وأجابت بصوت محتقر: -كنت بأفضل حال حتى أتيت.. منحها نظرات فارغة رغم تجهم ملامحه الواضح ليعاود النظر إلى زوجته ويسألها عن قصد: -ما الأخبار يا ليلى..؟! هل خرج نديم اليوم بالفعل..؟ رفعت نظراتها الصامتة نحوه تمنحه ابتسامة غريبة لا معنى لها وهي ترد: -نعم.. عاد نديم يا عمار.. لم يظهر أي شيء على ملامحه التي حافظت على غموضها المعتاد في هذه اللحظة ليقول بصوت ثابت: -جيد.. سأنتظر هنا كي أراه عندما يأتي..

وما إن أنهى جملته حتى وجد غالية تدلف إلى الداخل وهي ترميهم بنظرات حذرة. نظرت نحو مريم تحييها بهدوء لتكتفي مريم بهزة من رأسها دون حديث. نظرت إلى عمار بنفس النظرات النافرة والتي لا تشبه نظراتها القديمة المحبة ليقابلها عمار بنفس نظراته اللامبالية وهو يسأل: -أين نديم إذا..؟! هل هو في غرفته..؟ سألته غالية بحدة: -ما الذي تريده من نديم..؟ هتف بها بتحذير: -لا ترفعي صوتك في وجهي يا غالية.. ثم أردف وهو يلوي فمه:

-ربما أسأل عليه لإنه خرج لتوه من السجن.. -اتركه وشأنه.. هو لا يرغب بسؤالك.. قالتها بنبرة معادية ثم أكملت وهي تشمل الجميع بنظراتها: -ومن الأفضل له ولكم ألا يراكم اليوم فلا يوجد داعي لإثارة غضبه وضيقه في أول يوم له بعد خروجه من الحبس.. كانت كلماتها تطعن قلب ليلى بقسوة. منذ متى وكان وجودها سببا لغضبه وضيقه..؟! منذ أن تركتيه يا ليلى وتزوجتِ بأخيه..!!

أجابت نفسها بملامح يملؤها العذاب بينما صدح صوته الذي تحفظه عن ظهر قلب في المكان ليقفز قلبها من بين أضلعها بقوة. -السلام عليكم.. نظر عمار إليه فورا بينما التفتت ليلى بلا وعي منها نحوه تتأمل وجهه الذي اشتاقت له بقوة مخيفة. تلاقت عيناه مع عينيها بنظرة مطولة تحمل الكثير، الألم والحب والكره والعتاب والشوق منه والضعف والعشق والرجاء واللهفة منها. مشاعر كثيرة امتدت بينهما ونظراتهما لبعضيهما تحمل ما يعجز العقل عن تفسيره.

أشاح نديم ببصره بعيدا عنها لتشعر بألم شديد يكاد يقسم قلبها إلى نصفين. نظر إلى عمار بثبات غريب بينما رد الأخير تحيته بهدوء ثم اقترب منه يحتضنه وهو يقول: -الحمد لله على سلامتك يا أخي.. ابتعد عنه وهو يبتسم ملأ فمه ليجد نديم ينظر إليه بوجه معتم قبل أن يفاجئه بلكمة قوية طرحته أرضا.

شهقت غالية وانتفضت مريم من مكانها بفزع بينما ظلت ليلى ثابتة مكانها ولم تظهر عليها ردة فعل وهي تنظر إلى نديم الذي كان ينظر إلى أخيه بنظرات مخيفة تراها في عينيه لأول مرة ثم عاد ونظر إليها بقوة وكأنه يخبرها إن هذا جزءا قليلا مما سيحدث. نهض عمار يمسح الدماء من فوق فمه وقد ملأ الغضب والحقد قلبه أكثر على أخيه بينما منحه نديم نظرات هازئة وهو يهتف به:

-هذه هدية الزواج يا أخي الكبير.. صحيح جاءت متأخرة لكن أن تأتي متأخرة خيرا من ألا تأتي.. -شكرا يا أخي الصغير.. قالها عمار مقلدا نبرته المتهكمة ليشمل نديم ليلى الساهمة بنظراته من جديد ثم ينظر إلى عمار للمرة الأخيرة قبل أن يتجه خارج المكان مقررا الابتعاد عن هذا الوسط المقرف بالنسبة له. ولكن قبل أن يخرج توقف في مكانه وهو يسمع عمار يهتف عن قصد: -لا تقلق ستراني باستمرار بعد الآن، فأنا وليلى نسكن هنا منذ زواجنا..

استدار نديم نحوه بنظرات تكاد تقتله حيا بينما منحته غالية نظرة غير مصدقة لمدى حقارة تصرفاته. نقلت مريم بصرها بينهما بقلق من حدوث شجار جديد لكنها فوجئت بنديم يمنح أخيه نظرة قاتمة قبل أن يندفع خارجا من المكان. *** دلت إلى غرفتها يتبعها هو بملامح جامدة مظلمة. أغلق الباب خلفه ثم خلع سترته ورماها أرضا. جلست ليلى على حافة السرير تضم قدميها لبعضيهما وهي تجاهد لكبح دموعها. التفت نحوها يتأملها للحظات قبل أن يخرج صوته غاضبا:

-تتألمين أليس كذلك..؟! يؤلمك ما يحدث.. يعذبك بعدك عنه.. لم تجبه ليتقدم نحوها وهو يجذبها من ذراعيها يوقفها أمامه ينظر إليها بعينين مشتعلتين. قبض على فكها بقسوة كادت تحطمه بينما يصيح بها بغضب مخيف: -تحدثي.. لماذا لا تجيبين..؟! هل أكل القط لسانك يا زوجتي.. دفعته بقوة وهي تصيح منفعلة: -نعم يؤلمني.. يؤلمني ويعذبني كثيرا.. أردفت بمرارة: -هل تدرك معنى أن أراه أمامي ولا أستطيع لمسه ولا حتى التحدث معه..؟!

هل تدرك مدى قسوة هذا..؟! كلا لا تدرك لإنك لم تجرب هذا.. تقدم نحوها بخطوات بطيئة لتسير هي إلى الخلف بخوف حتى ارتطمت بالحائط خلفها لتسمعه يهتف متسائلا: -ما الذي يجعلك تحبينه إلى هذه الدرجة..؟! لماذا تحبينه هكذا..؟! كنتِ وما زلتِ تحبينه رغم ما حدث.. أكمل وهو يقرب وجهه من وجهها: -حتى بعدما أصبح سجينا سابقا بماضي مدنس ومستقبل مظلم.. -بسببك.. أصبح هكذا بسببك.. صاحت بها بصوت جهوري وخلاياها تحفزت كليا بهذه اللحظة ليبتسم

وهو يردد بملامح شيطانية: -نعم بسببي.. بسببي أنا.. هل لديك اعتراض..؟! هل بوسعك فعل شيء..؟ -أكرهك.. أكرهك.. قالتها وهي ترغب بتمزيق وجهه ليعود برأسه إلى الخلف مرددا: -وأنا أحبكِ يا زوجتي العزيزة.. دفعته بكل ما تملكه من قوة وركضت نحو الحمام هربا منه بينما نظر هو أمامه بملامح جامدة ونظرات يملؤها الحقد والتوعد. *** جلست أمام والدها بعدما انتهت من المذاكرة تتأمله وهو يسعل بقلق. سألته وهي تربت بكفها على صدره:

-هل ما زال صدرك يؤلمك..؟! هل أخذه إلى المشفى..؟! أخبرني يا أبي ولا تكذب علي.. أخذ يسعل بقوة وهو يردد بصوت متقطع من بين سعاله: -لا تقلقي يا حياة.. أنا بخير.. ثم حمل كوب الماء بضعف لتأخذه منه وتجعله يتناوله ببطء. أخذ نفسا عميقا بعدما تناول الماء لتعاود سؤاله: -هل أصبحت أفضل الآن..؟! أخبرني يا أبي.. -أفضل يا ابنتي.. أفضل.. قالها وهو يبتسم بوهن لتبتسم بتصنع تحاول إخفاء ذعرها عليه ثم تنهض من مكانه وهي تخبره:

-سأعد لك شيئا تتناوله كي تأخذ دوائك بعدها.. اتجهت نحو المطبخ وبدأت في إعداد الطعام عندما سمعت صوت ارتطام شديد في أرضية الغرفة لتركض مسرعة فتجد والدها ممددا على الأرضية فاقدا للوعي فتعلو صرخاتها وبكائها وهي تحاول إيقاظه. *** خرج أخيرا.. خرج من سجنه الذي دام لأعوام. أعوام انتظرته خلالها منذ أن علمت بهجره من قبل خطيبته. خطيبته التي تزوجت أخيه من بعده.

كم كرهتها في تلك اللحظة وكم تمنت لو تستطيع فعل أي شيء له يعوضه عما حدث معه. أطلقت تنهيدة صامتة وهي تنظر من زجاج سيارتها الأمامي إلى الفيلا التي يسكن بها تتأمل خروجه صدفة رغم إدراكها لصعوبة حدوث ذلك في أول يوم بعد خروجه من السجن. شعرت بالتعب يخيم عليها فهي تقف هنا منذ مدة على أمل رؤيته. قررت أن تعود إلى منزلها أخيرا على وعد بالقدوم باكرا صباح الغد وانتظاره في نفس المكان فهو بالتأكيد سيخرج صباحا ولن يبقى في المنزل.

شغلت سيارتها وكادت أن تدير مقودها لكنها توقفت وهي تلمحه يخرج من الفيلا بغضب مغلقا سحاب سترته الجلدية بعنف. رأته وهو يستأجر سيارة مارة من أمام الفيلا لتدير مقود سيارتها بسعادة وهي تمني نفسها برؤيته أخيرا. سارت خلف سيارة الأجرة التي توقفت بعد مدة أمام البحر لتجده يهبط ويسير نحو مياه البحر الهائجة في هذه الليلة الباردة من ديسمبر. ركنت سيارتها جانبا ثم هبطت منها واتجهت نحوه حيث يقف أمام البحر يستنشق هواءه بقوة.

-هل اشتقت إلى البحر لهذه الدرجة التي كي تزوره في أول يوم لك بعد خروجك من الحبس..؟ التفت لها مصدوما ونبرتها العذبة ذكرته بإحداهن ليتأكد إن ذاكرته في محلها وها هو يراها أمامه من جديد. -نانسي.. قالها مصدوما غير مستوعبا وجودها أمامه في هذا المكان. كيف جاءت وكيف عرفت مكانه ولماذا جاءت من الأساس..؟ تأمل عينيها اللامعتين بنظرة عاشقة لم يخطئها. نظرة لطالما خصته بها. ما زالت كما هي بنفس جرأتها ولا مبالاتها.

جرأتها التي جعلتها تعترف له بكل ثبات عن مشاعرها نحوها حتى وهي تعلم بحبه لأخرى. مشاعرها التي رفضها بهدوء وهو يؤكد لها إنه لم ولن يحب سواها. ليلى فقط لا غير. منحته ابتسامة خالصة وهي تمد كفها نحوه تهتف بصوتها العذب: -كيف حالك يا نديم..؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...