بعد ولادة رحيم، حياتي اتغيرت مية وتمانين درجة، حياة صالح ما اختلفتش كتير، دي بقت أسوأ، وبقى باين جدًا على تصرفاته إنه مدمن في مرحلة خطيرة. أنا كنت فرحانة وطايرة من الفرحة إن ربنا رزقني برحيم، ملامحه صورة من ملامح باباه بالظبط، بس كنت بتمنى مياخدش من صفاته أي حاجة.
صالح كان بدأ يسيب الباب مفتوح ميقفلش عليا بعد إلحاح مني، بس كان مانعني من الخروج نهائي غير لما أعرفه أنا رايحة فين ومع مين وهعمل إيه، وبصراحة أنا ممانعتش كفاية إنه وافق أساسًا. وفي مرة كنت قاعدة أنا وهناء وشكرية عندي في البيت وصالح بره، وعلاء بيلعب مع سمية، ورحيم كان في حضني، كنا بنضحك ونهزر سوا زي ما اتعودنا دايمًا. وبعدين فجأة أخدت نفس عميق وقولتلهم بابتسامة: "تعرفوا إن رحيم كمل سنة امبارح؟
مش مصدقة إنه كبر سنة، مش مصدقة إني بقيت كده، سعيدة وراضية ومجرد ما أبص في وشه أبتسم! وأنا الدمعة مكنتش بتفارق عيوني قبل ما يجي حياتي." "مش قلتلك يا فيروز، لما تخلفي حضن ابنك هينسيكي أي هم وحزن في قلبك، وهتلاقي حياتك بقت أحسن مية وتمانين درجة." "كان معاكي حق يا شكرية فعلاً." "العمر كله ليه حبيب خالته، هجوزه بنتي إن شاء الله." ضحكت وكنت لسه هرد، فردت شكرية وقالت: "لا يا أختي سمية لعلاء أنا حاجزها من يوم ما اتولدت."
ردت هناء بضحكة: "ما أنا مش قصدي على سمية يا أم علاء، أنا قصدي على اللي في بطني إن شاء الله." "بجد والله يا هناء، انتِ حامل؟! هزت راسها بضحكة، فحضرناها وإحنا بنضحكلها ونباركلها. فقلت بحماس وابتسامة مش قادرة أمحيها: "الظاهر كده هيحجزولنا كلنا في مستشفى واحدة في يوم واحد." كانوا مش فاهمين كلامي، فكملت: "شكرية ولسه عارفين من أسبوعين إنها حامل، وهناء وأدينا عرفنا إنها حامل، والظاهر كده أنا كمان حامل."
كانت أجمل حاجة بتحصل في حياتي، لمّتنا إحنا التلاتة سوا، ضحكنا وهزارنا وابتسامتنا لبعض، كل واحدة فينا كانت بتهوّن عن التانية على قد ما تقدر. الحياة كانت ماشية طبيعية لحد ما، بس ده ما استمرش كتير. صالح حصل معاه مشاكل في شغله وبدأ يكون مكشوف للحكومة، والناس خفت في التعامل معاه خوفًا يتمسكوا، وهو مبقاش لاقي مخدرات يتعاطاها أو حتى يتاجر فيها بسهولة زي الأول.
الظروف اتغيرت كتير، خلّفت نور وبعدها بسنة واحدة خلّفت ندى، وشكرية كانت خلّفت علي، وهناء خلّفت سجدة، بس كل واحدة فينا مشاكلها زادت بطريقة صعبة مع مرور السنين علينا. شكرية جوزها مات وبقت هي اللي شايلة شغل الفرشة بتاعتها وشغل قهوة جوزها كمان ومسؤولية علاء وعلي. وهناء حصل بينها وبين جوزها مشاكل وبقى يسيبلها البيت بالأيام ويمشي، وهي بتصرف على سمية وسجدة من المحل بتاعها.
أما عني، فلما صالح عرف صدفة إني شغالة على ماكينة الخياطة من وراه وإني طول الوقت ده بصرف من فلوسي عليا وعلى ولادي، وإني أنا اللي كنت بخلي المستشفى ترجعله فلوس الولادة وأدفعها من معايا، في لحظة عصبية منه رماني بمفتاح الأنبوبة فتحلي راسي، من غير ما ينتبه حتى إن بنته على دراعي. كانت ندى يدوب سنتين على دراعي الدم كان بينزل من راسي على وشها وهي في حضني.
ونور.. نور اتصرعت، كانت لسه أربع سنين بتبدأ تمشي لسه، صوت صريخها كان أعلى من صريخي. الوحيد اللي دموعه نزلت في هدوء كان رحيم، رغم إن رحيم كان عنده ست سنين بس، لكن هو اتعود يشوف باباه بيضربني وأنا بعيط. ساعتها جرى على دكتور عبد العزيز عشان ييجي يشوفلي الجرح. ويومها بليل بعد ما خيطت راسي في المستشفى بأمر من دكتور عبد العزيز، صالح مرجعش البيت. كنت قاعدة وندى على رجلي ورحيم ونور في حضني. بدأت أتكلم معاهم بحب:
"عارف يا رحيم أنا بخليك تروح المسجد تحفظ قرآن وتصلي مع الشيخ نوح ليه؟ علشان عايزاك تبقى شاطر لما تكبر وتعمل بكل حرف بتحفظه في القرآن، وتخلي بالك من نور وندى وتعاملهم حلو لا تزعلهم ولا تضربهم وتساعدهم دايمًا وتكون جنبهم." "تيجي أقولك على حديث حلو أوي للرسول صلى الله عليه وسلم؟ هز راسه، فكملت بابتسامة موجوعة وقلتله: "ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
-ألا أخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم النار عليه؟ على كل هين لين قريب سهل." "يعني ربنا بيحرم النار على القلوب اللينة الرحيمة اللي الناس بتحبها وتحب تتعامل معاها لطيبتها ونضافتها، عايزاك تكون من الناس دي يا رحيم، توعدني؟ "أوعدك يا ماما." حضنتهم كلهم بحب، وأنا بتمنى أيامي الجاية تعدي على خير.
عدت سنة كمان ما خلتش من الأذى النفسي والجسدي ليا، كان أوقات رحيم يدافع عني فيضربوه هو كمان، كنت بحضنه وأعيط وأنا بوصيه ميأذيش أي حد كده أبدًا في حياته، كنت بحاول أخلي رحيم ميتأذيش منه على قد ما أقدر.
وبدأ يروح المدرسة، صالح كان ميّال لندى أوي، عمري ما شفته بيعمل مع نور أو حتى رحيم كده، رغم إن الاتنين هما اللي شبهوه بالظبط في شكله وإن ندى صورة مني أنا، لكن رحيم كان دايمًا نافِر منه بسبب تصرفاته، ونور كانت بتترعب لما تشوفه وتجري تستخبى في حضني.
ندى الوحيدة اللي كانت بتضحك لما تشوفه، وهي الوحيدة اللي كان بيلعبها ويضحك معاها، الوحيدة فيهم التلاتة وفي الناس اللي صالح يعرفهم كلهم كانت بتستنى تشوفه، أول كلمة نطقتها كانت بابا على عكس أخواتها تمامًا، وده كان مخلي صالح فرحان بيها. كنت بقول اشمعنا ندى اللي قلبه اتحرك ناحيتها، اشمعنا ندى اللي اتخلى عن قسوته معاها، بس كنت مبسوطة إن حد فيهم التلاتة هيحس بأمان ناحيته.
"كنت فين يا رحيم كل ده، المسجد قفل من نص ساعة خضتني عليك." "كنت مع علاء يا ماما." "و بتعمل إيه مع علاء كل ده بقى يا سي رحيم؟ "عملنا حاجات كتير يا ست فيروز استني هقولك.. أول حاجة رحنا نصالح سمية عشان كنا بنلعب سوا في الفسحة في المدرسة الصبح وعلاء ضربها وأنا قلتله على الحديث اللي دايمًا بتقوليه ليا وإنه مينفعش يكون قلبنا قاسي ونأذي حد عشان ربنا يدخلنا الجنة ويحرم علينا النار، وبعد كده اتفقنا بكرة بعد المدرسة....
كنت حابة علاقة رحيم بيا، أنا قدرت أصاحبه وأخليه يحكيلي تفاصيل يومه بكل حب، كنت بسمعه وأنا مبسوطة ومتجاوبة معاه، رحيم كان هادي في تصرفاته وهادي في طباعه، كل الحارة كانت بتحبه وبتستلطف وجوده. مرت سنة كمان، والسنة دي كانت النقطة السودا اللي هختم بيها آخر سطر في آخر صفحة في كتاب حياتي.
لو كان صالح مش كويس بنسبة تمانين في المية وبيفقد أعصابه كتير بسبب إنه بيتعاطى، فدلوقتي هو خارج عن السيطرة تمامًا، تعدى مرحلة الإدمان والخطر ووصل لمرحلة الموت خلاص، فلوسه بدأت تخلص ومعتش قادر يجيب الجرعة اللي متعود عليها، مبقاش متزن في تصرفاته نهائي. لحد ما وصل لمرحلة إنه بيجي البيت يفتش كل سنتي فيه عشان يدور على فلوس معايا، ولما مكنش بيلاقي كان بيضربني ولو شاف حد من الولاد كان بيضربهم ضرب مبرح.
كنت موصية رحيم أول ما باباهم يدخل البيت ياخد أخواته ويدخل جوه ومايفتحش مهما حصل باب الأوضة غير لما يمشي، لأن نور كان عندها حالة صرع بسببه كبر معاها، من صغرها مجرد ما تشوفه تجري عليا وتحضني بكل قوتها تستخبى فيا وهي حاضنة عروستها جامد. والمؤسف ندى، كانت بترفض تدخل معاهم الأوضة وتفضل تعيط عشان تقعد معاه، لكن هو مكنش في وعيه، كان كذا مرة يضربها لحد ما بقت تعيط لما تشوفه هي كمان وتستخبى معاهم.
مرة كنا بناكل وأنا سرحانة في حياتي، بقالي تسع سنين مستحملة عشان مليش مكان أروحه وعشان خايفة على ولادي من البهدلة، بس لو فضلت هنا هنتبهدل كلنا أكتر، أنا لازم أشوف طريقة أخرج بيها من الحارة ومن حياة صالح نهائي بس مش عارفة. مش عارفة لو خرجت ورجعت الجيزة المصيبة اللي سبناها ورانا هتوديني على فين. فوقت على صوت نور وهي بتقولي: "ماما هو انتِ ليه مش عايشة من غير بابا زي خالتي شكرية وخالتي هناء كده عايشين لوحدهم؟ اتصدمت
من السؤال بس قلتلها: "عشان خالتك شكرية جوزها عند ربنا، وخالتك هناء جوزها مسافر، إنما انتِ يا حبيبتي بابا عايش وموجود معانا مش مسافر." "طب وهو هيموت أو هيسافر امتى بقى؟ "نور!! انتِ بتقولي إيه يا حبيبتي ده بابا، مينفعش تقولي كده." وطّت صوتها وميّلت عليا كأن فيه حد هيسمعها وهي بتقول:
"أنا بخاف منه يا ماما، شكله بيبقى يخوف أوي وهو بيزعق ويضربك، أنا كل يوم بليل بقوم أتسحب من الأوضة، أبص عليكي أتأكد إنك عايشة وأرجع بسرعة قبل ما يشوفني تاني." أخدت نفسي بصعوبة وبدأت أفهمها إنه باباها وإنه غصب عنه مش قصده يعمل كده وإنها تدعيله يبقى كويس وتبعد عنه لما يبقى متعصب بس.
بعد ما شيلت الأكل واطمأنت إن رحيم بيذاكر، ونور بتلعب بعروستها المفضلة، وندى بترسم كعادتها، دخلت الأوضة وبدأت أفتش عن ورقي الخاص اللي مخبيه مني من يوم ما جينا هنا. أنا لازم أشوف طريقة أتصرف بيها وأمشي، كفاية أذى ليا ولولادي كده، كل واحد فيهم بقى جواها رعب من ناحيته. لاقيته شايل كل الورق في كيس فوق الدولاب حطيته في مكانه من تاني لحد ما ألاقي الطريقة اللي همشي بيها وبعدين آخده.
يومها بليل، رجع حاله يصعب على الكافر، عيونه دبلانة وتحتها أسود، ومش قادر يصلب طوله. ندى كانت بترسم في الصالة أول ما شافته اتخضت وكانت بتلم حاجتها وهتقوم. قرب منها وهو مش واعي وقال: "انتِ بتخافي مني يا ندى؟ بتعيطي ليه.. لأ متعيطيش لأ."
كان بيمسح دموعها بكف ايده بخشونة وهي كانت خايفة ودموعها بتزيد. قرب منها وباسها من خدها. صالح اتعمى وقتها ومشافش ندى قدامه. خرجت من المطبخ مفزوعة على صوتها بتعيط وتصرخ بكل قوتها. في ثانية كنت واقفة قدامه بشد ندى بعيد عنه وأنا بقول بصويت: "يلاهوي يخربيتك يا صالح فوق دي ندى، أبوس إيدك سيبها دي بنتك، أنا.. أنا فيروز أهو دي ندى سيبها يا صالح أبوس ايدك متشدش فيها كده دي ندى بنتك."
كان مصر يشد فيها ويقربها لحضنه وهو بيقولها يا فيروز، وهي بتصرخ تستغيث بيا وأنا مش عارفة أعمل إيه. رغم إنه مش في وعيه خالص، إلا إنه مستقوي عليها. ملقتش حل قصادي غير إني أضربه بالقلم على وشه وأزقه بعيد. أخدت ندى في حضني ودخلت بيها الأوضة جري، قفلت الباب بسرعة وفضلت واقفة وراه، واخداها في حضني بعيط بالصوت العالي مش متصورة اللي كان هيحصل من شوية.
لما رحيم ونور جم من المدرسة يوميها رفضت أتكلم وفضلت طول اليوم بحاول أخلي ندى تنسى اللي اتعرضتله وهي من يومها بقى حالها من حال نور مجرد ما يشوفوه يعيطوا ويستخبوا في حضني. مر كام شهر من أصعب شهور حياتي، كنت بقفل الأوضة بالمفتاح عليهم وأنا القلق هياكلني. كنت محضرة بطاقتي وشهادات ميلادهم وشهادة ميلادي وعقد جوازي وأي حاجة هحتاجها، وبقيت بشتغل ليل ونهار أوفر فلوس زيادة وكنت بسيبهم مع شكرية ألا يلاقيهم وياخدهم مني.
كنت معرفة رحيم إننا هنسيب الحارة ونبعد عن صالح نهائي وهو مكنش مانع ده كان مبسوط، وهو بنفسه بقى يساعدني وينزل يشتغل يوم الجمعة والسبت عند أي سباك أو كهربائي أو ميكانيكي ويديني الفلوس أحوشها. أنا كنت رافضة رفض تام بس إصراره عليا واستعجاله إننا نمشي في أقرب وقت خلاني أوافق بصعوبة. وفي يوم كنا متجمعين عندي للمرة الأخيرة، بس المرادي القعدة كانت كلها حزن. ختمت هناء القعدة بكلامها:
"هتوحشوني أوي، مش عارفة إذا كنت هشوفكم تاني ولا لأ، بس أتمنى أشوف وشكم بخير." "هتقطعي بينا يا هناء، طب خليكي وسطنا و خدي شقة تانية في الحارة بعيد عن أبو سمية." "معلش يا شكرية كده أحسن أنا خلاص بعت المحل والبضاعة اللي فيه، وهنقل مكان تاني بعيد أنا مش هستحمل أفضل في حتة واحدة مع اللي كان جوزي وكمان هيكون معاه مراته الجديدة." "هتوحشيني أوي يا هناء، انتِ وسمية وسجدة، ربنا يكتبلنا نتجمع تاني."
"إن شاء الله والله هنتجمع من تاني كلنا." كنا بنعيط وإحنا بنحضنها نودعها، حتى الولاد كانوا زعلانين. علاء وعلي، رحيم وندى و نور، سمية وسجدة اتعودوا يكونوا دايمًا سوا ما بيلعبوش من غير بعض، خصوصًا سجدة كانت بتخاف تلعب مع أي حد غيرهم. النهاردة اتنين ماشيين وبكرة همشي أنا بتلاتة غيرهم. سلمنا على بعض ومشيت وفضلت قاعدة مع شكرية قلتلها بحزن:
"أنا قربت أجمع المبلغ اللي محتاجاه يا شكرية وهمشي أنا كمان قريب، هروح عند خالي في أسيوط، هو راجل وحداني ملوش غير ابنه اللي مسافر بره. عمي كان رافض يسيبني أروح أعيش معاه عشان وصية أبويا ليه إنه ميسيبنيش غير وأنا في بيت جوزي، بس أظن إني مليش غيره دلوقتي." "حتى انتِ يا فيروز؟!
"كل لحظة زيادة بعيشها هنا خطر عليا وعلى ولادي، زمان صالح كان بيأذيني بس وهو واعي، دلوقتي هو مش واعي بيعمل إيه، أنا بخاف أغمض عيني ألا يعمل مصيبة في حد منهم، أنا عايشة ميتة من الرعب يا هناء." "طب وخالك ده عارف إنك هتروحيله؟! "لأ، أنا نفسي معرفش أي حاجة عنه غير إنه في أسيوط، أنا مشوفتوش من زمن وزمن، بس أخرج من هنا وأوصل أسيوط وبعدها ربنا يحلها من عنده، ده الحل الوحيد اللي وصلتله يا شكرية معنديش غيره لحد دلوقتي."
استعديت لكل حاجة خلاص في السر، كل حاجة كانت ماشية مظبوط. كنت لميت حاجتنا كلها في شنطة كبيرة وخبيتها تحت سرير الولاد، وخبيتها فيها الفلوس. فاضل اليوم المناسب للتنفيذ، خصوصًا إن صالح بقى يقعد كتير في البيت. ومع قرب الفجر لليوم المشؤوم ده، اتسحبت من جنب صالح واتحركت للأوضة التانية. كنت بكلم رحيم بهمس: "مستعد يا رحيم؟ هز راسه من غير ما يتكلم. بصيت لنور وقلت لها: "مستعدة يا نوارة نمشي من هنا؟
هزت راسها هي كمان وهي حاضنة عروستها وماسكة ندى في ايدها. اتسحبت وأنا شايلة الشنطة، ورحيم ورايا وفي ايده نور وندى. وقفت عند باب البيت بصيت على كل تفصيلة قصادي بصة سريعة وغصب عني دمعت.
مكنتش عارفة وقتها ليه دمعت إذا كانت دي دموع الحزن على حالي واللي وصلتله وإني سايبة البيت اللي عشت فيه تسع سنين وماشية، ولا دموع شفقة على صالح رغم كل اللي عمله، إلا إني حاسة بندم إني هخليه يقوم من النوم ميلاقيش عياله ومراته حتى لو مش هيفرق معاه.
فتحت الباب بكل هدوء ولسه هتحرك سمعت صوته من ورايا. عيوني برقت واتجمّدت في مكاني فقدت الشجاعة إني أدير حتى ليه. قرب ناحية الباب وهو بيسحبني من طرحتي وسط رعب رحيم ونور وندى. وأثناء زعيقه وصريخي كنت باصة لرحيم اللي بيعيط وهما مستخبيين في حضنه عند باب الشقة وأنا بقوله: "امشيييي يا رحيم، خد أخواتك وامشي بسرعة، إنت عارف هتعمل إيه، امشي إنتَ واخواتك يا رحيم بسرعة يلا."
صالح كان مشغول في الضرب فيا مكنش شايف قدامه، لكن أول ما لقى رحيم هيتحرك باخواته فعلًا، اتحرك ناحية الباب في ثواني وقبل ما رحيم يتحرك بدأ يضرب فيه. نور وندى كانوا واقفين قصاد البوابة من جوه ماسكين في إيد بعض وبيعيطوا. قمت من مكاني وحاولت أدافع عن رحيم، كنت بحميه وبحاول آخد الضرب كله مكانه، بس صالح اتنزع من قلبه معاني الأبوة زي ما اتنزع منه الرحمة وسحب ماسورة حديد مركونة على جدار الحيطة جنب الباب.
كان أعمى أنا متأكدة إنه كان أعمى، مكنش شايف إن ابنه اللي مرمي قدامه في الأرض بيصرخ من كتر الضرب، وهو بينزل بكل قوته على رجله بالماسورة الحديد اللي في ايده. مكنش شايف إن الماسورة نزلت على راسي أكتر من أربع مرات وأنا بحاول أحمي رحيم وآخده في حضني وأبعده عنه. كل اللي كان شايفه إننا بنهرب ونسيبه، كل اللي كان بيقوله كلمة واحدة بس "هقتـ لـكم يا ولاد الكـ ـلب".
نزل الدم من راسي ورحيم أُغمى عليه بين إيديا. كنت بتزحزح لورا على الأرض وأنا بنتحب في كلامي: "خلاص يا صالح أبوس ايدك خلاص، ابنك بيموت بين ايديا، ابعد أبوس ايدك.. آاااااه." خبطني فجأة بالماسورة على راسي بس المرادي كانت بقوة. بدأت أدُوخ وعيني تزغلل جامد. نور وندى كانوا بيعيطوا بكل قوتهم. أول ما صالح رفع عينه وجت في عيونهم، نور ما استحملتش وترعبت، صرخت بصوتها كله، فتحت البوابة وهربت وفي ايدها ندى.
حاولت أسند رحيم على الحيطة وزحفت على إيدي ورجلي لحد ما سندت على البوابة الحديد اللي بره ووقفت بالعافية. خرجت بتسند لحد ما شفت صالح وهو بيجري وراهم وبيزعقلهم يقفوا.
نور كانت كل شوية تبص وراها بخوف لحد ما وقعت اتكعبلت، وعروستها طارت من ايدها اتحشرت بين طوبتين. ندى ما أخدتش بالها من إن نور معتش بتجري جنبها وفضلت جري. صالح ساب نور واقعة من غير ما يهتم وكمل جري ورا ندى. كان في اعتقاده إنه هيرجع يلاقي نور لسه محشورة في مكانها بس أنا أخدت بالي من كارثة. فضلت أصرخ ومحدش سامعني: "نووور سيبي العروسة، سيبي العروسة وابعددي يا نووور، يا نووور ابعددددي...
كان فيه عربية نقل جاية بسرعة في الطريق من وراها. نور بتحاول تطلع عروستها من بين الطوبتين بس مش قادرة تحركها. أنا بصرخ وهي بتحاول ترفع الطوبة. وصلتلها بالعافية لسه بشيل نور وبتحرك بيها بعيد. كان فات الأوان والعربية ما انتبهتش لينا من الضلمة اللي كانت مالية المكان. اتحدت صرختي بصرخة نور ووقعت في الأرض وهي في حضني. من هنا بقى أنا اللي هكمّلك يا ندى لإني مش قادر أنسى حالتكم كانت عاملة إزاي وأنا بنقلكم المستشفى.
كنت رايح أفتح المسجد لصلاة الفجر، وبعدها لقيت باب بيتكم مفتوح، خبطت بقلق وناديت محدش رد فدخلت لقيت رحيم سايح في دمه. جريت عليه بفزع أتأكد إنه لسه بيتنفس وحاولت أفوق فيه بس مكنش فيه فايدة. دخلت جوه لقيت مفيش حد في البيت وفيه شنطة سفر واقعة على جنب. وقتها اتأكدت إن أمك كانت هتهرب.
جريت على بره في الشارع وبدور على أمك وانتِ وأختك بقلق. فكرت صالح عمل فيهم حاجة. بس أول ما طلعت من الشارع وقفت متكتف في مكاني وأنا شايف أبشع منظر في حياتي. أمك واقعة على الأرض غرقانة في دمها، وشها وجسمها وكل حتة فيها متلونة بالدم. نور أختك واقعة فوقها وملامحها مش باينة من الدم، وانتِ كنتِ واقعة جنبهم بس سليمة.
في ثواني كنت بنادي بعلو الصوت في الحارة على حد ييجي يساعدني نوديكم المستشفى. وفعلاً الناس طلعت من بيوتها وهم مفزوعين وكلّه بيضرب كف على كف. اتنقلتوا للمستشفى ونص الحارة كانت معاكم هناك. كل حد فيكم دخل في أوضة وكان معاه دكتور. أول دكتور طلع كان طالع من أوضة رحيم وأول ما شافني بجري عليه قال لي بحزن:
"أنا متأسف للي هتسمعه، بس للأسف الطفل ده تعرض لأذى مبرح في رجله اليمين، إحنا هنحتاج أشعة عشان نتأكد بس بنسبة كبيرة جدًا هو مش هيقدر يدوس عليها تاني لفترة ووارد يكون عنده عجز فيها."
أول ما سمعت منه كده اتصدمت وفتحت عيوني بصدمة. كان واقف كذا حد جنبنا من ستات ورجالة. الناس كانت مش مصدقة وكذا ست صوّتت بصدمة. منهم شكرية اللي كانت هتموت من كتر البكا والصويت. وملحقناش نفوق من صدمة رحيم وشوفنا الأسوأ والأسوأ ودكتور تاني بيبلغنا بموت نور.!!
هنا الصريخ على في المستشفى والستات كانت بتلطم على وشها وأنا قعدت في الأرض من صدمتي. كنا مش مصدقين، نور كانت بريئة وجميلة جدًا، كانت زي الفراشة اللي يشوفها يفضل باصصلها بإعجاب عن كمية الجمال واللطف اللي فيها. خبر موتها صعقنا زي ما صعق أمك الغلبانة.
اللي لقيناها هي طالعة من أوضتها وهي بتصوت وبتعيط وتنادي عليكم، كانت مش عارفة تمشي، تمشي خطوة وتقع عشرة. سنّدتها شكرية وهي بتترجاها تهدى، لكن هي كانت في عالم تاني. عالم مفيهوش غير رحيم ونور وندى. أول حد دخلت أوضته كانت نور، ولما عرفت إنها ماتت، شالت الملاية من على وشها وفضلت تصرخ فيها وهي بتترجاها تقوم:
"لأ.. لآ يا نور لآ.. قومي.. قومي يا حبيبتي يلا هنمشي من هنا يلا يا نور قومي اسمعي كلامي، طب يلا وهجيب لك عروسة بشعر أصفر، مش انتِ بتحبي العرايس اللي بشعر أصفر.. قومي معايا وإحنا هنمشي من هنا خالص وهجيب لك سلسلة عليها اسمك زي ما انتِ عايزة، يا نوووووووور.." صرخت باسمها ووقعت بعدها في الأرض. كان عندها ارتجاج شديد في المخ، كانت بتدخل في غيبوبة أكتر من مرة في اليوم وأول ما تفوق منها تنادي عليكم ويغمى عليها تاني.
عدى يومين مشوفناش فيهم صالح ولا مرة خلاص بعد اللي حصل، ودفنت نور في المقابر مع جدها وجدتها. كنتِ فوقتي لإن الدكتور قال إنك أغمى عليكِ من الصدمة بس. رحيم أخوكِ كان واخدك في حضنه وقاعد جنب أمك في السرير رافض يسيبها لحظة طول الوقت متحركش غير وقت دفن نور وأصر ينزل معايا وأنا بحطها في المقبرة رفض يسيبها لحد ما قفلنا المقبرة تاني وروّحنا.
الحزن كان مخيّم علينا في الحارة بطريقة بشعة. شكرية كانت بتفضل في المستشفى طول اليوم وتيجي تبات هنا آخر الليل مع عيالها. لحد ما قلت لها تخليها مستريحة هي وأنا هروح أبيّت معاكم الليلة دي. قعدت جنبها في فرشتها وبدأت توصيني عليكم، وهي بتقول إنها خلاص مش هتكمل وهتموت. وكانت بتوصي رحيم ياخدك ويعمل زي ما كانوا متفقين. بصيت لها بحزن وأنا بقول لها إنها هتبقى كويسة وهترجع الحارة تاني وسطنا وهتعيش حياتها، بس هي قالت بتعب:
"أعيش حياتي؟! أنا ميتة قبل تسع سنين وقت ما وقعت بإيدي على عقد جوازي من صالح درويش!! وساعتها بقى حكت لي على كل حاجة أنا قلتهالك دلوقتي من وقت ما شافت صالح درويش أول مرة لمحاولة هروبها من جحيمه. وبعد ما خلصت وطّت على إيدي تحبها وقالت: "أحب على إيدك يا شيخ نوح.. رحيم وندى أمانة في رقبتك ليوم الدين." "أنا دفعت شبابي وعمري تمن لحياتهم."
"صحيح خسرت حتة منهم، بس والله حاولت.. حاولت يا شيخ.. حاولت بروحي وطاقتي كلها عشان أحميها هي كمان بس دي إرادة ربنا إنها تسبقني وأنا أحصلها كمان كام يوم... "خلّي بالك منهم، مش عايزهم يبقوا نسخة من صالح درويش، كفاية سوء وطلاح... كفاية... وقتها مسكت إيد رحيم أخوكِ اللي كان قاعد بيعيط جنبها على الأرض وهي في السرير، واخدك في حضنه مخبيّكِ؛ عشان ما تشوفييش أمك وهي بحالتها دي وقالت له بابتسامة وسط دموعها:
"عارف سميتك رحيم ليه يا حبيبي؟! عشان تبقى رحيم في الدنيا فربنا يرحمك في الآخرة." "عشان الرحمة من صفات ربنا ورسوله.. حد يطول يتحلى بصفة من صفات الرسول!! مش إنتَ عارف إن اللي قلبه رحيم ربنا بيحبه ويبعد عنه النار؟! أوعى يا رحيم تقسي قلبك في يوم، أوعى تاخد من أبوك قسوة القلب، مهما حصل فيك.. ومهما حصل معاك افتكر حديث النبي اللي دايمًا أقوله لك لما كنت تلاقيني بعيط فاكره؟!
هز رحيم راسه وهو بيعيط ووشه متغرّق دموع، باس ايديها بحب وهو متثبت فيها بقوته كلها، مكنش قادر يتكلم حتى. فكملت:
"خلي بالك على ندى، أوعى تقسي عليها في يوم من الأيام، وأوعى تعلمها القسوة، املى قلبها وحياتها بالرحمة والحنية، ندى أمانة في رقبتك من بعدي يا رحيم، حافظ عليها زي ما حاولت أحافظ عليكم لحد ما ربنا أراد إني خلاص أودع كمان كام دقيقة، ندى نسخة مني في الشكل، ابذل كل جهدك عشان متخليهاش نسخة مني في حياتي.. اوعدني يا رحيم اوعدني بكده...
كانت بتنهج ووقتها حسيت إنها خلاص هتودع. دموعي نزلت غصب عني، وصوت شهقات رحيم أخوكِ ملت المكان، وحتى إنتِ يا ندى رغم إنه كان مخبيّكِ جوه حضنه كويس إلا إن صريخك كان محاصرنا. اتكلم رحيم بصعوبة وهو بيوعدها ينفذ كلامها بالحرف. نطقتها الشهادة، وبعد ثواني كانت روحها الطيبة خرجت من جسمها. ماتت.. ماتت وهي ماسكة إيد أخوكِ، وبإيديها التانية لمست وشك وابتسمت لك لآخر مرة في حياتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!