يُخرج؟ لأ طبعًا يا شيماء، إزاي أسيبه يخرج يعني؟ أنا اديتله حقنة مهدئة لإنه كان منهار أول ما عبد الرحمن خرج من عنده، والصّبح هبلغ دكتور معتز أو دكتور عُمر، أنا ما أقدرش أتصرف من مزاجي مع الحالة دي بالذات. مش عارفة ليه لما عُديّ بلّغني إنه ما خرجش من المستشفى وإنه لسه موجود حسيت براحة من جوايا، يمكن لإن لسه عندي أسئلة كتير عايزة أواجهه بيها؟ شيماء انتِ معايا؟ ها.. آه آه يا عُديّ. شيماء أنا خطيبك مش حد غريب!
ومن حقي أعرف إيه بيحصل بالظبط! أخذت نفس طويل، خرجته بهدوء واتكلمت بثبات: حقك طبعًا يا عُديّ، اديني فرصة بس أهدى وأستوعب الأول وهفهمك كل حاجة. براحتك يا شيماء، أنا هكون مستعد أسمعك في أي وقت تقدري تتكلمي فيه. شكرًا يا عُديّ بجد. الشكر لله يا شيما، انتِ هتيجي المستشفى بُكرة مش كده؟ فكرت لثواني وبعدين رديت عليه: أيوه هآجي طبعًا. طيب هسيبك تكملي نومك وهروح أنام أنا كمان ونتقابل الصبح. ماشي تصبح على خير.
أنا بحب الوضوح في حياتي، مبحبش الألغاز أبدًا، مش هسمح بأي شيء يعكّر عليّا أنا وأخويا صفاء حياتنا. هروح المستشفى بكرة، مش عارفة إزاي هتحمل أشوفه تاني، بس لازم أحط النقط على الحروف، أنا عايزة أعرف هو عايز مني أنا وأخويا إيه بعد السنين دي كلها. عايزة أعرف إيه اللي حصل يحوّله من شيطان ما يفرقش معاه شيء لإنسان ندمان. ومن حجر لبني آدم بيبكي بحرقة وحزن على الماضي.
رغم إنه ميستاهلش مني إني أسمعه، بس أنا مضطرة أسمعه علشان أخلص من العبء اللي على قلبي، عايزة أخلص من عبء صالح درويش، بقى عامل زي المعضلة واقف في طريق حياتي وسعادتي أنا وأخويا. اتنهدت تنهيدة قوية، وقمت من السرير، الظاهر إني مش هنام النهاردة خلاص. غسلت وشي ورفعت راسي للمرآية اللي فوق الحوض، للحظة دققت النظر فيا، وابتسمت. أنا مش قادرة أفتكر ملامح أمي، بس شايفاها فيّا. فكرة إني شبهها دي مفرّحاني أوي.
فكرة إن كل اللي يشوفني يفتكرني فيروز دي محسساني بفرحة لا متناهية. يعني أنا كل ما توحشني وقلبي يوجعني عليها أبص لنفسي في المراية هشوفها. خرجت قعدت في البلكونة وسيبت الهوا يخبط فيا بقوة، كنت متغطية بشال خفيف وببص للطريق، سرحت في العربيات اللي رايحة وجاية ما أخدتش بالي من دخول عبد الرحمن البلكونة إلا وهو بيحط إيده على كتفي، اتخضيت وقمت من مكاني بقلق وأنا بقوله: عبد الرحمن! انت كويس يا حبيبي؟ مالك في حاجة! ابتسملي بملامح
مرهقة وعيون حزينة وقال: أنا كويس يا حبيبتي ما تقلقيش، أنا بس قلقان فقمت أشم شوية هوا، انتِ بقى إيه مصحيكي؟ كنت نايمة وصحيت على مكالمة من عُديّ فمعرفتش أنام تاني، جيت أشم هوا. قعد وقعدت جنبه، حاوط كتفي وضمني لحضنه وقال لي: هو كان عايز حاجة؟ أبدًا، كان بيستفهم عن اللي حصل، وأنا قلتله لما أبقى كويسة شوية وأقدر أستوعب اللي بيحصل هفهمك كل حاجة. هو انتِ عرفتي إزاي؟
على حسب كلام صالح درويش لما دخلت عنده الأوضة في المستشفى قال إنه محكاش ليكي حاجة، وإنك انتِ كنتِ عارفة كل حاجة لوحدك. بدأت أحكيله كل حاجة حصلت، من أول ما عُديّ كان واقف يناقشني باستغراب عن حالة في غيبوبة من عشرين سنة لحد ما وصلت بيه للنّهاردة ومحاولتي الفاشلة إني أسمّ صالح درويش بعد ما اكتشفت كل حاجة. وهو كان مستغرب جدًا ومش متوقع إني عملت كل ده، رد وقال لي بلوم: يااااه، مرّيتي بكل ده لوحدك!!
شكيتي واتلخبطتي وعيشتي في كل الصدمات دي من غير ما تفكري تشكيني همّك؟ في الأول كان الموضوع مش في بالي، كنت بقول سوء تفاهم، بس بعدين حسيت إن فيه حاجة غلط ولازم أعرف إيه هي. بس كنت خايفة!! كنت خايفة لو جيت وحكيتلك ما أعرفش أوصل للي عايزاه، وبعد ما وصلت للي عايزاه تمنيت لو إني ما وصلتش لحاجة، ونويت أنسى كل حاجة عرفتها علشانك، علشان ما أفتحش في جرحك من تاني. رغم إني مش عارفة إيه اللي حصل عشان هويتنا تتبدل.
ورغم إني مش عارفة مين منصور البحراوي. ورغم إني مش عارفة أنا مش فاكرة ليه. بس للأسف انت اكتشفت كل حاجة خلاص. يعني ماكنتش صدفة أسئلتك عن إحنا شبه مين؟ وعن أهل ماما عايشين فين؟ ولا كانت صدفة الأسماء اللي كنتِ بتقولي إنك نفسك تسمي بيها ولادنا. ابتسمت بهدوء وقلت له: ماكنتش صدفة، كنت بحاول أثبت لنفسي إن دي مجرد شكوك. بس ردود أفعالكم أثبتتلي العكس ولذلك رحت للشيخ نوح. ياه الشيخ نوح!!
تتخيلي ما شوفتش الشيخ نوح ده من ساعة ما خرجت بيكِ من الحارة من عشرين سنة فاتوا..!! هو ينفع أسألك انت خرجت ليه؟ أخذ نفس طويل وخرجه في تنهيدة أطول، ضمّني ليه أكتر ورد على سؤالي اللي قلته باندفاع بنبرة كلها وجع وعذاب: ما كنتش عايزك تواجهي نفس مصير نور. ما كانش باقي لي غيرك، وما كنتش مستعد أخسرك انت كمان، انتِ وصية ماما الله يرحمها ليا وعلشان أنفذ وصيتها وأحافظ عليكي مستعد أدفع دمي التمن. الكابوس اللي كنت بصارعه كل ليلة.
القلق اللي كنت بعيشه في كل لحظة. الخوف اللي كان متمكن مني من وقت ما ماما ماتت. هو رجوع صالح درويش تاني. مكنتش آخر مرة شفته فيها اللي كانت قبل ما يغمى عليّا وأنا في حضن ماما. تفاصيل اليوم ده عمرها ما هتتمحي من دماغي، وهو بيضربني بالماسورة الحديد في رجلي بكل قسوة، كنت بموت قصاد عينه، كنت بعيط وبقوله كفاية، ماما كانت بتصوت وبتحاول تاخد عني الضرب بس هو كان مصر. كإنه كان في نيته يعجزني.
كل مرة أسند فيها على العكاز أفتكر اليوم ده وأتوجع، كإن اليوم ده كان إمبارح، كل مرة أحاول أدوس عليها وأفشل أتعذب كإنّي لسه متعجز إمبارح. شُفته مرة كمان، بس المرة دي كانت غير كل مرة، ودي بقى كانت آخر مرة، واللي بسببها خرجت من الحارة نهائي. كان عدى أربع سنين من بعد موت ماما، كنت بحلم فيهم وأنا صاحي بكابوس رجوعه، كنت مجهز نفسي كويس أوي لو رجع أنا هعمل إيه، كنت ناوي على موته.
كنت ناوي أقتله بإيدي زي ما قتل ماما ونور وده كان هيكون أقل عقاب ليه. رجع. بس رجع تعبان ومتبهدل وحزين واللي يصدمك بقى رجع ندمان.
يومها بليل كنتِ نايمة في حضني زي ما متعود من وقت موت ماما ونور علشان كنتِ بتفوقي على كوابيس كتير، وأول ما سمعت البوابة الحديد بتتفتح فتحت عيني برعب، وفي ثانية كنت قايم من مكاني وخارج من الأوضة وقفتلت ورايا بالمفتاح، دخلت المطبخ أستخبى فيه وسحبت سكينة وخبّيتها ورا ضهري علشان أول ما يخطّي لجوه أغرسها في قلبه بإيدي.
سمعت باب الشقة بيتفتح بهدوء، سيبته لما دخل خطوتين لجوه وجيت من وراه، حاولت أخرج السكينة من ورا ضهري علشان أقتله ما قدرتش. اتكتفت. اتكتفت زي ما اتكتفتي بالظبط وماعرفتيش تغرسي فيه السم. كإن تربية فيروز عائق ل انتقامي ول خطتي اللي فضلت ليالي بدرب نفسي في بالي إزاي أنفذها، ما كنتش قادر أستحمل شعور العجز ده، ورميت السكينة فجأة من إيدي وأنا بعيط. ادّاريت بصدمة وأول ما شافني قال لي بدموع: رحيم.
حاول يجي يقرب عليّا، بس أنا رجعت في ثانيتها لورا وأنا بعكز على رجلي، لما أخد باله إني عزقت على رجلي سألني بنبرة صوته ملهوفة: انتَ.. انتَ رجلك مالها؟ وقتها كنت بعيط، زعّقت فيه وقلت له: وانتَ مالك؟ جاي هنا ليه تاني؟ عايز مني إيه بعد كل ده؟ عجزتني وقتلت أمي وأختي وأختي التانية بتعيش أسوأ أيام حياتها، مش كفاية كده؟ ولا جاي تكمل وتقتلني أنا وهي ما انت قتال قتلة ومش مستبعد منك حاجة. رد. رد وقول لي جاي ليه.
نزل على رُكبه في الأرض، وطّى راسه لتحت ولمحت دموعه بتنزل، سمعته بيتكلم بصعوبة ويقول: ماتوا؟ نور وفيروز ماتوا؟ ماتوا بسببي. انت اتعجزت. أنا.. أنا اللي عملت كل ده؟ استحالة. أنا عملت فيكم كده. مشيت ناحيته وبقيت مش خايف منه كنت مبسوط بكسرته دي، نزلت لمستواه في الأرض وخبطته في كتفه بإيدي وأنا بقوله بقوة رغم إني كنت بعيط: أيوه انت اللي عملت كده. انت اللي قتلتهم وعجزتني يا صالح يا درويش.
وأقسم بدين الله مش هسمح لك. مش هسمح لك تقرب مني أنا أو ندى لآخر يوم في عمرك فاهم. رفع عيونه فجأة ليّا، وقام من مكانه وهو بيقول بحيرة وبيتلفت يمين وشمال: ندى. ندى فين؟ هي فين ندى. عايز أشوفها بالله عليك، هي فين؟ أنا كنت خايف، كنت خايف ألا يأذيكي، ألا يكون بيمثل جو الانكسار والندم ده، علشان ياخدك مني أو علشان يعمل فيكي حاجة، اتأكدت إن المفتاح في جيبي، وفضلت أراقبه من بعيد وهو بيحاول يفتح باب الأوضة.
كان بيعيط وهو بينادي عليكي من ورا الباب وبيحاول يفتح، رجعلي تاني كنت لسه هبعد عنه لقيته نزل على الأرض وحاول يبوس رجلي، رجعت خطوة لورا بسرعة فوقعت في الأرض، كنت بعيط وهو بيعيط ولأول مرة هو اللي يترجاني مش العكس. أبوس رجلك يا ابني، أبوس رجلك، هشوفها مرة واحدة بس. هشوفها وآخدها في حضني مرة واحدة، مرة واحدة ومش هتشوف وشي تاني.
أبوس رجلك يا رحيم، ندى الوحيدة اللي بتحسسني إن ينفع حد يحبني، محتاج أحضنها، محتاج أشبع منها وأصبر نفسي على عمري من غيرها. كنت هضعف قصاد كسرته ودموعه دي كلها. كنت هضعف قصاده وهو بيترجاني. كنت هضعف وأطلع المفتاح من جيبي، بس في اللحظة الأخيرة وما أعرفش. ما أعرفش عملت كده إزاي والله.
إيدي قبضت على السكينة اللي وقعت منّي أول ما جه، كنت واقع في الأرض وهي ورايا، مسكتها وعلى غفلة منه وهو بيعيط وبيترجاني مسكتها وغرزتها في كتفه. وأنا بغرس السكينة فيه، ماكنتش شايف حالته دي لأ، كنت شايفه وهو بجبروته بيضرب أمي كل يوم والتاني. كنت شايفه وهو بيضربني بقساوة، كنت شايف نور وأنا بدفنها، كنت شايف ماما وهي في فرشتها بتودع. عيني ماكنتش قادرة تشوفه وهو ندمان ومكسور أبدًا.
أول ما صرخ من الوجع، سمعت صريخك من ورا الباب بتعيطي وبتنادي عليا وبتجربي تفتحي الباب المقفول. كنت مرعوب عليكي، ومرعوب منه، ومرعوب أكتر من اللي عملته. قمت من مكاني جري وأنا بعيط أكتر ومش عارف حتى أمشي على رجلي السليمة، كنت بهز راسي يمين وشمال مش مصدق إني عملت كده. هو حاول يقوم وهو بيبص لي من غير تصديق إني أنا فعلاً عملت فيه كده. لاقيت نفسي بصرخ وأنا مغطي وشي بإيديا الاتنين من منظر الدم اللي غرق قميصه وبقول له:
اطلع بره، امشي بالله عليك، امشي بعيد عن هنا. أنا خايف. لأ أنا مرعوب. أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي. ندى بتصرخ بالله عليك امشي. امشي بعيد عن هنا. بالله عليك. وقف عند باب الشقة وقال بنفس نبرة صوته المكسورة الحزينة من ساعة ما جه بس كان بينهج وباين عليه التعب جامد: أنا همشي. همشي ومش هتشوفني تاني صدقني. بس مش عايز منك غير إنك تسامحني أرجوك.
أول ما خرج من باب الشقة، أنا بصيت للسكينة اللي في الأرض والدم اللي عليها وعلى الأرضية وأنا هموت من الرعب. ومرعوب أكتر حد يسمع صوت صريخك يجي على البيت يشوف المنظر ده. إيدي كانت بترتعش وشفايفي وجسمي كله وأنا بمسح الأرض بفوطة، وبغسل الفوطة والسكينة أنضفها من الدم، وبعد خمس دقايق كنت فاتح باب الأوضة بتاعك وواخدك في حضني وبقينا نعيط إحنا الاتنين. كنت مدمر يا ندى. مدمر تمامًا، أنا إزاي قلبي طاوعني وغرزت السكينة فيه.
خفت ألا يرجع تاني، أنا كنت لسه مش مصدق إنه ندمان بجد. مش مصدق إنه اتغير. أول ما نمتي في حضني، لميت كل حاجة تخصك وتخصني في شنطة وأخدت معاهم شوية حاجات لماما ونور، غيرت هدومي وخليتك تغيري، ماكنتش عارف أنا رايح فين أو ناوي على إيه، كل اللي كنت عارفه إن صالح درويش ممكن يرجع تاني في أي لحظة. وأنا خايف من اللحظة دي. قفلت الأنوار، ووقفت نفس وقفة ماما عند الباب وهي بتودع البيت، كنت حاسس إننا مش هنرجع تاني.
كان على عيني أسيب البيت رغم إن ليا ذكريات مرة فيه، بس ذكرياتي الحلوة معاكم كانت كلها فيه. شدّيت باب البيت قفلته و دموعي بتنزل ومش عارف أرد على سؤالك وانتِ بتقولي إحنا رايحين فين. خرجت من الحارة وفضلت ماشي بيكِ وبالشنطة لحد الصبح، تعبت وانتِ كنتِ تعبتي، قعدت بيكِ على الرصيف ومش عارف أفكر.
ماكنش معايا فلوس غير الفلوس اللي كنت بحوشها وكانت تعتبر شوية ملاليم، افتكرت ماما لما كنا هنهرب من الحارة زمان وكانت قايلالي إننا هنركب قطر لأسيوط وهناك هنسأل على خالها، هي كانت موصياني وهي بتموت أسيب الحارة أساسًا، بس أنا كنت خايف. كنت خايف من الحارة بس في نفس الوقت كنت خايف لو سبتها أتوه ومأعرفش أرجع تاني.
أخدتك ووصلنا لأقرب محطة قطر، سألت على تذاكر لأسيوط ما لقيتش قطر طالع لأسيوط الوقت ده، القطر اللي هيتحرك لأسيوط هيكون كمان ست ساعات. أخدتك وقعدت على رصيف المحطة، كنت بعيط من قلة الحيلة، انتِ نمتي في حضني، وأنا كنت بقاوم علشان ما أغمضش لحد ما نركب القطر. ركبنا القطر وساعتها نمت أنا وإنتِ فيه لحد ما وصلنا، لما وصلنا أنا كنت عامل زي اللي بيدور على إبرة في كوم قش. مش عارف عن الراجل اللي بدور عليه غير اسمه.
لفيت ولفيت وما عرفتش أوصل لحاجة، كنت بسأل أي شخص بيعدي من قصادي عن الاسم ده، سألت في المحلات والمطاعم وأي مكان يقابلني ومافيش أي فايدة. انتِ كنتِ تعبتي وجبتي آخرك خلاص وبتعيطي من التعب والجوع. كنت ببص لدموعك وتعبك وأنا ماسك دموعي بالعافية وللحظة الرعب دب في قلبي أول ما خطر في بالي سؤال. هعمل إيه لو ما عرفتش أوصل لخال ماما. الفلوس اللي معايا ما ترجعنيش القاهرة.
الفلوس اللي معايا ما تعملش أي حاجة غير إنها تجيب ساندوتش لكل واحد فينا. رحت جبت لكل واحد فينا ساندوتش وقعدنا على الرصيف في الطريق ناكل، كنت بتمنى لو أرجع تاني الحارة. على الأقل لو حصلي حاجة هناك انتِ هيكون معاكِ ناس تعرفك تحافظ عليكي، إنما هنا لو حصلي حاجة مكنتش عارف أتخيل مصيرك هيكون إيه.
سيبتك تكملي أكلك وحطيت الشنطة جنبك وجريت على راجل كان ماسك جُرنال بيقرأ فيه وهو ماشي على جنب الطريق، قلت جايز يكون عارف حاجة، كنت واقف بسأله وهو كان متجاوب معايا وبيحاول يساعدني.
ادّرت وأنا مبتسم لإنه قالي على مكان هروحه وهناك هقدر أوصل لخال ماما بسهولة، بس أول ما شفتك وانتِ بتجري على عربية الجيلاتي اللي على جنب الطريق من الناحية التانية، ابتسامتي اتمسحت وحل مكانها الرعب والقلق، صرخت باسمك وأنا شايف عربية مش واخدة بالها منك بتخبطك.
جريت عليكِ وأنا بعيط وبفوق فيكِ، اترجيتك كتير تفوقي وما تقلقنيش عليكي، بس انتِ كنتِ بتنزفي دم من راسك بطريقة صعبة، وعيونك مغمضة، الناس كانت ملمومة علينا، صاحب العربية أخدنا للمستشفى، وهناك الدكتور قال إن حصلك ارتجاج في المخ نتيجة للغبطة. لما سمعت كده انهارت، كنت عارف ومتأكد بنسبة مية في المية إنك هتروحي من إيدي.
بقيت بعيط وأنا جنبك وأنا حاسس إني ما أفرقش حاجة عن صالح درويش، هو السبب في موت ماما ونور وأنا هكون السبب في موتك. نفس الطريقة اللي ماما ونور ماتوا بيها. كنتِ انتِ هتموتي بيها. وأنا. أنا كان عمري ما هسامح نفسي إني ما قدرتش أنفذ وصية ماما وأحافظ عليكي.
عدى يومين وانتِ لسه في المستشفى ما فوقتيش، خلال اليومين دول صاحب العربية كان دايماً يجي يطمّن عليكي وكان متكفل بمصاريف المستشفى لحد ما تفوقي، وأنا كنت بات معاكِ وخايف أسيبك. لما قلت له إن شنطة هدومنا في الشارع اللي خبطك فيه وإني محتاجها، سألني أنا بعمل إيه هنا بيكِ وبشنطة الهدوم.
لاقيت نفسي بحكيله كل حاجة حصلت معايا في حياتي، من جواز ماما وحياتها مع صالح درويش لهروبها منه وموتها، لهروبي أنا وانتِ منه على أسيوط، كإن ما صدقت حد يسمع اللي جوايا، كإن الحمل اللي شايله عايز حد يساعدني فيه مش شرط يشيل معايا ممكن يسمعني بس ده كان هيخفف عني.
كان متأثر جدًا جدًا باللي حكيتهوله وكان بيبص لي بعطف وهو شايف دموعي بتنزل وأنا بحكي، سألني عن اسم خال ماما اللي أنا كنت جايله وقالي هيساعدني مش هيسيبني أنا وانتِ غير لما نوصل له، وأول ما نطقت الاسم قام وقف من مكانه بصدمة وهو بيقول بعيون مفتحة على آخرها: فيروز! أنتم ولاد فيروز. هزيت راسي باستغراب وسألته: أيوه، انت تعرفها؟ أنا منصور البحراوي. ابن خال فيروز. ابتسمت وأنا مش مصدق، مسحت دموعي وأنا بسأله تاني بتأكيد: بجد؟
انت ابن خال ماما؟ بس إزاي وماما كانت بتقول إن خالها ما عندوش غير ابن واحد بره مصر. أنا فعلاً كنت بره مصر ولسه راجع من أسبوع، وأول مرة كنت أنزل فيها أسيوط يوم ما خبطت ندى بالعربية. بقالي سنين وسنين ما أعرفش حاجة عن فيروز، كان نفسي لما أعرف عنها أخبار تكون أحسن من كده. بس. بس أوعدك أول ما ندى تفوق هاخدك انت وهي لبابا هيفرح بوجودكم جدا جدا.
لولا تدابير ربنا، كان زمانا مشردين، يشاء ربنا العربية تخبطك علشان يطلع صاحبها ابن الراجل اللي جاي أسيوط بدور على أي خيط يوصلني بيه. اليوم ده بليل قبل ما هو يمشي الدكتور بلغنا إنك فوقتي، دخلت وحضنتك وأنا مبسوط إنك بقيتي كويسة بس الصدمة كانت لما انتِ اتخضيتي وبعدتي عني وما كنتيش عارفاني. هنا أنا ما كنتش مستوعب إيه؟
كل ما أقرب منك وأقول لك أنا أخوكِ وأحاول أهديكي تصرخي وتبعدي عني، الدكتور دخل وقال إنك للأسف فقدتي الذاكرة نتيجة للارتجاج اللي حصل في مخك، قال ممكن تفقديها يوم اتنين تلاتة وممكن العمر كله، وعدى عشرين سنة وانتِ لسه فاقداها أهو. اللي حصل بعد كده هو اللي قلب موازين حياتنا، منصور البحراوي كان الشخص اللي ربنا مسخره يقف في ضهرنا ويكون سند لينا، هو اللي يستحق عن جدارة إنه يكون أبونا، هو الوحيد اللي يستحق لقب بابا بجد.
أخدنا يومها عنده البيت، كنتِ انتِ نايمة بسبب حقنة المهدئ، وأنا كنت مصدوم من فكرة إنك فقدتي الذاكرة ونسيتيني، حسيت إني لوحدي تمامًا. هناك قابلت خال ماما، جدو عبد العزيز، ولما اتعاملت معاه عرفت ماما جايبة الحنية دي كلها منين. مكنش بيحب يقولك يا ندى، كان دايماً يقولك يا شيما على اسم أخته اللي هي مامة ماما لإنك شبهها أوي.
عيشت أنا وانتِ شهر كان من أجمل أيام حياتنا، منصور البحراوي عاملنا على إننا عياله بجد، وانتِ كنتي بتقوليله بابا أنا ممانعتش بالعكس اتمنيت لو ده كان أبونا الحقيقي. لحد ما ربنا حققلي أمنيتي، وأجازته في أسيوط خلصت، وكان لازم ينزل القاهرة، جدو طلب منه ياخدنا معاه وقاله إننا مسؤوليته، وإننا الحاجة الوحيدة اللي هيوصيه عليها، وطلب منه يحافظ علينا بقدر حبه لفيروز. بس أنا كان عندي حسابات تانية كتير وكنت قلقان وخايف.
أنا هربان من صالح درويش في القاهرة هستفاد إيه إني أرجع له برجليا. لما ناقشت جدو في كده وقلت له نفضل هنا في أسيوط رفض وقال إنه كبير في السن ومش عارف هيعيش لينا لحد امتى، وإن الوحيد اللي هيعرف ياخد باله مننا ويحافظ علينا هو منصور البحراوي، ده غير إننا مش هنفضل نهرب من صالح درويش طول عمرنا. لما جينا هنا كان عايز يقدملنا في مدرسة وأنا كنت متردد خايف وخصوصا عليكي، خايف يتعرض لك في أي وقت وانتِ مش فاكرة حاجة عنه.
ساعتها بابا اقترح عليا الحل اللي ريحني وشال كل الهموم من على كتفي، الحل اللي طبطب على قلبي وحسسني إن خلاص أنا هقدر أدفن الماضي بكل جروحه وأعيش حياة طبيعية. اقترح عليا إنه ينقل أسمائنا لاسمه، بحيث لو حتى هو حاول يتعرض لنا هيقدر يحمينا منه لأنه هيطلع لنا شهادات ميلاد جديدة يكون هو فيها اللي أبونا، يعني عمره ما يقدر يأذينا.
أنا وافقت وكنت مبسوط، شبح صالح درويش هيختفي من حياتي، وفعلاً تاني يوم بابا بحكم إنه محامي وإنه دارس قانون بره مصر واشتغل فترة بره كان له علاقات كتير، قدر ببساطة يطلع لنا شهادتين ميلاد جداد كان اسمنا فيهم كالتالي. عبد الرحمن منصور البحراوي. شيماء منصور البحراوي. كتبك شيماء على اسم تيتا لإنك سبحان الله زي ما بيقولوا انتِ صورة من ماما الله يرحمها اللي كانت صورة من تيتا.
وكتبني عبد الرحمن علشان تكون أسمائنا الجديدة بعيدة تمامًا عن أسمائنا الحقيقية، وساعتها اتفقت معاه يساعدني ما نرجعش الماضي بأي طريقة كانت. يعني انتِ لما تكبري مش هنقول إنه مش أبوكِ الحقيقي نهائي، ولا هنقول إنك اسمك ندى، ولا هنقول إن أنا حتى رحيم، إحنا هنعيش زي ما مكتوب في شهادات الميلاد الجديدة بالظبط، وهنحاول ما تفتكريش أي لحظة من اللي فات.
وده اللي حصل يا ستي، انتِ كنتِ عارفة إن اسمك شيما أساسًا لإن من وقت ما فوقتي ورحنا بيت جدو عبد العزيز وهو وبابا بيقولولك كده، وبدأت أحفظك إني اسمي عبد الرحمن، وساعدني في ده فكرة إنك مش فاكرة أي حاجة عن الماضي فَـ استوعبتي بسرعة وبقت بالنسبالك دي الحقيقة.
أما بقى يا ستي، ماما حنان اللي عاشت معانا ست سنين وماتت، دي انتِ عارفة قصتها من بابا نفسه لما سافر قنا واتجوزها، كانت حنينة زي ماما الله يرحمها وكانت بتحبنا جدا ورغم إنها كانت عارفة الحقيقة كلها، إلا إنها خبّت عن أهلها، وأي حد يسألها علينا تقول إننا عياله من مراته الأولى اللي ماتت، بابا اتجوزها بعد حوالي شهر وشوية أيام لما جينا هنا، وانتِ لما سألتى عليها هي بنفسها قالتلك إن هي ماماتك وكنت مسافرة فترة عند أهلها بعيد علشان كده ما كنتيش موجودة جنبك.
رغم إني كنت زعلان علشان مش قادر أعرفك إن فيروز هي مامتك الحقيقية، بس كنت مبسوط إني قدرت أنفذ وصيتها وخليتك تعيشي في حياة هادية مليانة حب وحنية. كنت مبسوط بيكِ وبالرحمة اللي قدرت أزرعها في قلبك زي ما ماما زرعتها فيا. تعرفي إن مر عشرين سنة على الأحداث دي، ورغم كل السنين اللي فاتت أنا عايش حاطط إيدي على قلبي. خايف ألا بعد كل اللي عملته ده، يجي اليوم اللي تشوفي فيه صالح درويش من تاني ويأذيكي.
وأهو حصل فعلاً وكل المجهود اللي بذلته طول حياتي علشان أمنع ده يحصل اتبخر في الهوا، اتبخر وأنا شايفك منهارة قصادي لما اكتشفتي الحقيقة. مع آخر جملة نطقها عبد الرحمن انفجر في العياط، كنت بعيط أثناء ما هو بيحكي وأول ما خلص وتيرة عياطي زادت، واتشبثت في حضنه أكتر. كنت حاسة بحاجات كتير جوايا متضاربة مع بعضها، كنت لسه هتكلم من وسط دموعي، بس موبايل عبد الرحمن رن، اتنحنح ومسح دموعه، شدني ليه أكتر ورد على الموبايل بقلق:
ألو أيوه يا آنسة سجدة في إيه خير. سمعت صوتها من الموبايل بتعيط بصوت مكتوم وبتتكلم بهمس بتقول: الحقني يا رحيم، أبوس إيدك الحقني، مصيبة. هروح في ستين داهية، تعالى المستشفى بسرعة. في إيه يا سجدة عندك؟ أنتم كويسين. لأ لأ مش كويسين بسرعة يا رحيم بالله عليك بسرعة. كان لسه عبد الرحمن هيرد، سمع صوت صرخة سجدة ومن بعدها الخط قطع والصوت اختفى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!