وصلنا القاهرة. نزلنا من الميكروباص وركبنا تاكسي. نزلنا في منطقة غريبة شوية، منها أخدنا توكتوك لحد الحارة هنا. اللي ما كنتش فاهماه في الأول إيه اللي جابنا فيها.
أول ما دخلتها كنا وِش الفجر، ما كانش فيه أي حد موجود وقتها في الشوارع. كنت ماشية وأنا مرعوبة. مش مرعوبة من المكان الجديد عليا وبس، لأ مرعوبة من صالح أكتر. مرعوبة أدخل معاه مكان واحد دلوقتي ويتقفل علينا باب، بعد ما ظهر على حقيقته. خايفة يعمل فيا أي حاجة، وأنا معييش حد. حتى موبايلي طلع الشريحة منه وكسرها قبل ما نتحرك، عشان محدش يكلمني ويعرفوا مكانه.
البيوت كلها كانت مرصوصة جنب بعض بطريقة حلوة. وصلنا لبوابة حديد صغّيرة على الشارع، فتحها ودخلنا سوا. طلعنا سلمتين صغيرين ولاقيت باب شقة قصادي، فتحه ودخل. دخلت وراه بهدوء، مش قادرة أتكلم من صدمتي. حطيت الشنطة اللي كنت شايلها على الأرض وقفت في مكاني مستنياه يتكلم. مستنياه يقول أي حاجة، يكذب اللي قاله من شوية، وإنه ملوش علاقة بالمخازن ولا بأي حاجة وإنه بريء. لكن جه كلامه وضرب بتخيلاتي عرض الحائط.
"بصّي بقى يا بنت الناس، عشان تكوني على نور من الأول، وعشان كل حاجة اتكشفت وبقت واضحة وباينة دلوقتي، اسمعي اللي هقولهولك كويس وحطيه حلقة في ودانك. الحارة دي هي المكان اللي اتولدت وتربيت فيه، والبيت اللي انتِ فيه ده، ده بيت أبويا وأمي اللي ماتوا وكنت عايش فيه قبل ما أنزل الجيزة وأتعرف على فاروق الدين وأشتغل معاه. وأظن بعد اللي حصل مبقاش له لازمة أخبي. فاروق لا قريب أبويا ولا حاجة. ده الراجل اللي كان بيبيع المخدرات ليا
أنا وأصحابي، وكنت بنزل مخصوص الجيزة عشان أجيبها منه. لحد ما الحكومة طبّت في مرة علينا في سهرة من سهراتنا، واتخدنا كلنا محدش لحق يهرب وقتها عشان كنا شاربين. بس لما دخلنا الاسم، جالنا هو مع محامي وقال ما نجيبش سيرته في التحقيق وإن لو حد سألنا جبنا المخدرات منين، نقول إننا منعرفش عن الشخص اللي بيديهالنا أي حاجة، هو بيسلمها لينا في المكان ده وياخد فلوسه وخلاص، وهنخرج كلنا على طول بشكل ودي قبل ما نتحول للنيابة عشان هو
عارف واحد هيخرجنا بالفلو.
وصدق في كلامه، وخرجنا إحنا التلاتة منها من غير ما نتحول للنيابة وقبل ما نلحق يتفتحلنا محضر أساسًا ونتحقق معانا. ولما خرجنا هو قال لنا: "أنا اتدخلت وأنقذتكم من مصيبة كنتم هتقعوا فيها، وكانت هتفضل نقطة سودا في حياتكم العمر كله، فكل واحد منكم يخلي عنده شوية إحساس واسهروا في مكان مداري مش على سطوح يا بهايم، احمدوا ربنا إني عرفت واتدخلت قبل ما يتفتحلكم محضر يا بشوات."
وبعد ما مشي، كل حد فينا راح في طريقه. وأنا مرضتش أنزل القاهرة ورحتله طلبت أشتغل معاه في توزيع المخدرات، كنت عايز يبقى معايا واسطة وفلوس زيه. في الأول رفض وقال هيوقفني في العطارة لحد ما يبدأ يثق فيا وبعديها يشوف أنفع ولا لأ. وحصل ووقفت في عطارة من عطاراته شوية، وبعد كام شهر كنت بنزل أوزع البضاعة على الناس في الإشارات والقهاوي والبيوت، لحد ما بقيت دراعه اليمين ومسكت كل محلات العطارة بتاعته، وبدأت أستلم معاه المخدرات وأخبيها في المخازن وأوزعها بنفسي. وعشان يضمن إني هفضل تحت طوعه كتبلي شقة من شققه في عمارته، وبدأ يقول إنه قريب أبويا وأنا جيت أعيش معاه في عمارته لما مات. وجه معايا وطلبلي إيدك، وكنت هفضل شغال معاه ولحسابه لولا الكلب اللي بلّغ عننا.
فالمهم لو حابة تفضلي عايشة، اسمعي كلامي ونفذيه بالحرف الواحد. انتِ هنا مراتي، أي حد هيسألك عن أهلك هتقولي إنك من الجيزة وإن أهلك ميتين وملكيش حد خالص هناك. بالنسبة لعمك انسيه، انسي تمامًا إن ليكي حد هناك. ولو عرفت إنك حاولتي مجرد محاولة بس تتصلي بيه، هيكون آخر يوم في حياتك فهماني؟ أما بقى لو شيطانك وزّك تفكري تهربي من هنا، أو تبلغي البوليس يا ويلك يا سواد ليلك يا فيروز، صدقيني مش هيطلع عليكي شمس اليوم اللي بعده.
وآه صحيح بالمناسبة مش هيكون في مصلحتك تبلغي البوليس عني، لإن ممكن بكل بساطة أقول إنك شريكة معانا، خصوصًا إنك كنتِ شغالة في العطارة وكنتِ عايشة في البيت اللي المخدرات فيه. فخليكي مطيعة كده واسمعي كلامي من سكات وكلي عيش يا فيروز." بعد ما خلّص كلامه، سابني ودخل جوه. أنا من صدمتي في كلامه وفي الحقايق اللي عمالة تتكشف واحدة ورا التانية، ما قدرتِش أرد. قعدت على الأرض في مكاني، مش بعمل حاجة غير إني أعيط.
دموعي غرّقت وشي. بدأ صوت بكايا يعلى. لما بعيط نفسي بيضيق وبحتاج أشم هوا بأي طريقة. كان أقرب حاجة ليا أشم منها هوا هو باب الشقة، خصوصًا إني معرفش أي مكان في الشقة أساسًا. فتحت باب الشقة بسرعة ووقفت برا بحاول آخد نفسي، ومقدرتش أمنع نفسي من إني أعيط بكل قوتي. وبعد دقايق بسيطة لاقيته طالع من باب الشقة زي المجنون. تقريبًا فكرني هربت. وأول ما لقاني برا قدام الباب وبعيط، مسكني من شعري جامد وشدني لجوه، وهو بيقفل الباب ويزعق:
"آه يا بنت الكلب! ده أنا لسه قايلك.. لسه قايلك من خمس دقايق ما تحاوليش تهربي إيه لحقتي تنسي؟! كان لسه ماسك شعري، مكنتش قادرة أتكلم. عياطي وشهقاتي كانوا مكتفين لساني، كإنّه مشلول مش قادرة أنطق أدافع عن نفسي. زقّني وقعت على الأرض، وأنا بهز راسي يمين وشمال إني مكنتش بهرب. كل ما كنت أحاول أتكلم ألاقي صوت عياطي ورعشة شفايفي هي اللي بتطلع. خلع حزامه، وحاولت أقوم أقف أجري بعيد عنه، لكن كان أسرع مني. لما نزل بالحزام
على رجلي وهو بيقول: "قلتلك ولا ما قلتلكيش ما تحاوليش تهربي. قلتلك ولا ما قلتلكيش ما تحاوليش تبلغي عني. خلاص انسي إنك تخرجي بره الحارة دي غير على قبرك. انسي يا فيروووز.. انسسييي."
ضربة ورا التانية وأنا بصرخ بصوتي كله وبعيط. حاولت آجي على نفسي وأتحكم في أعصابي. حاولت بكل قدرتي إني أخلي لساني يطاوعني وينطق. حاولت أسيطر على رعشة فكوكي عشان أتكلم. حاولت لحد ما اتمكن الحزام من رجلي وإيدي ودراعاتي، زي ما اتمكنت مني دموعي وشلّتني عن الكلام. كان بيضربني بطريقة وحشية ما صعبتش عليه ولا رأف بحالي.
لحد ما بعد وقت رمى الحزام من إيده ونزل لمستوايا على الأرض. سندت على إيدي بسرعة وحاولت أرجع لورا خوفًا منه. لكن هو مسكني من شعري وقربني من وشه وقال وهو بينهج:
"أنا معروف في الحارة هنا بجحود قلبي، لا هتصعبي عليا ولا هرحمك لو غلطتي. اللي أقولك عليه تنفذيه وأنتِ مغمضة. جربي تسألي أي حد عن صالح درويش هنا كده، هيقولولك إنّي أول بني آدم من غير قلب. أنا حذرتك وقلتلك متحاوليش متفكريش تهربي، لإنّي هجيبك هجيبك. يبقى ليه تجيبي لنفسك الأذية وتخليني أشوهلك جسمك؟! كنت لسه بعيط، لكن أخيرًا طلع صوتي. كان مهزوز وضعيف وأنا بقول:
"أنا.. أنا مكنتش.. مكنتش ههرب.. والله.. كنت بَـ.. بَـشم هوا، مكنتش عارفة آخد نفسي صدقني." كان كل كلمة أقولها تخرج بشهقة. رد عليا بسخرية كإنه مصدقنيش: "وهو مفيش غير باب الشقة اللي تشمي منه هوا؟ ما البيت مليان شبابيك وبلكونات! "أنا معرفش مكانهم.. أعرف مكانهم منين.. دي أول مرة أدخل البيت.. وكان أقرب حاجة ليا هو الباب.. والله.. صدقني.. ما فكرت حتى أهرب، لو.. لو كنت عايزة أهرب كان زماني جريت على برا ما وقفتش قدام الباب."
ساب شعري وزقّني بعيد عنه وقال: "اعتبريه درس عملي عشان تعرفي اللي هيحصلك لو فكرتي تهربي بجد بقى، وخلّي بالك يا فيروز أي غلطة منك هتشوفيني أسوأ من كده بكتير، فحافظي على حياتك." سابني قاعدة في مكاني وراح قفل الباب بالمفتاح ودخل على أوضة جوه. ضميت رجلي لبطني وحاوطتهم بدراعي ودفنت راسي واستسلمت لدموعي. تقريبًا نمت في مكاني من التعب والإرهاق والحزن. ما فتحتش عيني غير على صوته اللي بقيت بكره أسمعه حتى وهو بينادي عليا.
"هتفضلي مخمودة لـ امتى يا فيروز هانم، اخلصي قومي حضريلي لقمة أطفحها، ونضّفي القرف اللي في البيت ده، وحطّيلي هدومي في الدولاب." بصّيتله وأنا بهز راسي بهدوء. حاولت أقوم من مكاني ما عرفتش، كإن رجلي متكسرة متين حتة. حاولت تاني وعيني مدمّعة. سندت على طرف الكرسي ورايا، وقمت بالعافية. فقال لي: "اخلصي يا زفتة انتِ هتتدلعّي، أنا جبتلك لحمة وخضار من السوق من تحت، وشوية جبن، وعيش. هروح أجيب علبة سجاير وآجي تكوني حضرتي الفطار."
بعد ما حضرت الفطار طلعته على سفرة صغيّرة بره عشان لما يجي يأكل على طول. وبدأت أنضف الشقة من التراب والعفرة اللي فيها. الشقة كانت بسيطة وصغيّرة مش كبيرة زي بيت الجيزة. أوضتين وصالة وحمام ومطبخ بأدوات بسيطة كويسة.
لفت انتباهي هدوم موجودة في الدولاب في الأوضة الكبيرة. عرفت إنها هدوم باباه ومامته وإن دي كانت أوضتهم. طلعتهم حطيتهم في الشنط وحطيت مكانهم هدومه وهدومي. ولاقيت كذا كتاب في أرضية الدولاب، كلها كتب سنة وفقه وتفسير للقرآن. سرحت فيهم شوية وسألت نفسي سؤال. إيه اللي يخلي ابن يطلع بالشكل السيء ده وأبوه أو أمه كانوا فاهمين وعارفين دينهم، إزاي يطلعوا نبتة فاسدة طالحة كده؟
خلصت ترتيب وتنضيف البيت وغسلت الحمام ودخلت المطبخ نضفته وبدأت أجهز الغدا قبل ما يجي من بره. وحمدت ربنا إنه مشى بعد الفطار على طول عشان أبقى على راحتي من غيره. وبعد ما كنت قربت أخلص، سمعت صوت مفاتيحه في الباب. اترعبت وفي ثواني نزّلت كمام العباية لتحت أداري بيها دراعاتي، أنا مش ضامنة ممكن يعمل فيا إيه تاني. دخل من بره، وسألني على الغدا وحطيتهاله على طول. بعد ما اتغدى، نادى عليا وقال لي:
"أنا عارف إنك غلبانة وهادية وبتسمعي الكلام وإلا مكنتش اتجوزتك. ف عايزك تفضلي كده على طول أصحى من النوم ألاقي فطاري جاهز، وأرجع آخر اليوم ألاقي الغدا جاهز والبيت نضيف مفهوم؟ هزيت راسي من سكات. فابتسملي بانتصار وطبطب على راسي وهو بيقول: "أيوة كده براڤو عليكِ."
بعد ما شيلت الأكل، وخلصت تنضيف المطبخ، لاقيت المغرب بيأذن. دخلت آخد دش من التراب اللي كنت فيه طول اليوم عشان أتوّضى وأصلي كمان. لاقيت العلامات اللي في رجلي ودراعاتي وإيدي ملتهبة. أخدت نفس عميق ودموعي اختلطت بالمية، وبدأت أتخيل شكل حياتي هيكون عامل إزاي قدام. خلصت وطلعت البلكونة عشان أحاول أبص على المسجد اللي ورا البيت، أشوف القبلة من فين. مصلّيتش ولا فرض من وقت ما جيت هنا. كنت بشب من على السور، لحد ما فجأة لاقيته
ورايا ماسكني من دراعي: "بتعملي إيه عندك؟! "بَـ.. بَـ.. بحاول أشوف الناس في المسجد بتصلّي ناحية فين.. أصلي عايزة أصلي." ارتبك وقال لي: "طب ادخلي جوه ومتطلعيش البلكونة بـ لبس البيت من غير حاجة على راسك، هنا كل الستات لابسة طرح وأنا هبقى أسألك أي حد على القبلة."
دخلت وأنا سرحانة، وبوصف نفسي بالغباء جوايا. ده مش عارف اتجاه القبلة وهو مولود ومتربي هنا. وهناك.. هناك لولا إني سألت عم فاروق من الأول أساساً وأنا بتفرج على البيت مكنتش هلاحظ إنه مش بيصلي. انتِ غبية للدرجادي ملاحظتيش إنه مبيركعهاش!!! شخص جاحد في علاقته بربنا.. عايزاه يكون عامل إزاي معاكِ؟!! حسيت إني دايخة مش قادرة أقف على رجلي. ما حسيتش غير وأنا بقع على الأرض في مكاني. بعد شوية لاقيت نفسي على السرير في الأوضة وهو
واقف جنبي بيقولي بعصبية: "لا شغل الدلع وتقعي كل دقيقتين ده عشان تكون حجة ليكي وتخرجي لـ دكتور انسيها. قولتهالك مرة يا فيروز وهفضل أقولهالك على طول انتِ مش هتطلعي من الحارة دي غير على قبرك." "أنا مش بدلع إنتَ عارف إني عندي أنيميا ومخدتش المقويات النهاردة، ومكلتش حاجة من امبارح غير إني بطلت في شغل البيت." "ويا ترى الهانم مكلتش حاجة ليه؟! إيه مستنياني أحطلك اللقمة في بوقك؟!! دمّعت وأنا بقوله:
"لأ، بس أنا مش هاكل ولا هنزل معدتي لقمة من فلوس حرام." ضحك عليا بصوت عالي وهو بيقول بسخرية: "طب تعرفي إن الفلوس الحرام دي، هي اللي أكلتي منها طول الأربع شهور اللي فاتوا؟ طب تعرفي إن الفلوس الحرام دي، هي اللي خرجتك وجبتلك الهدايا كلها منها في شهرين الخطوبة؟ وهي هي اللي دفعتلك منها المهر وجبتي منها لبسك كله؟
ومش عايز أصدمك وأقولك إنها هي هي اللي جايبلك بيها الحلقين والدبلة اللي في إيديكي، واللي كنت بجيبلك منها المقويات بتاعتك!! ف هتقومي تاكلي بكل هدوء كده ولا أخليكي تقومي بطريقتي؟!! وأظن إنك جربتيها في مرة ومش هتعوزي تجربيها تاني!! أنا مش عايز دلع وكلام فاضي كتير.. مفهوم يا فيروز؟؟؟ مكنش قصادي غير إني أسمع كلامه. هزيت راسي وقلتله بدموع نازلة على خدي: "مفهوم يا صالح."
رمى عليا البصلة اللي كان بيفوقني بريحتها، وخرج من الأوضة وسابني. طلعت أجيب حاجة آكلها من المطبخ لاقيته بيسمع التليفزيون وبيضحك على فيلم بيسمعه. اتعجبت في نفسي وقلت.. يبقى سارق الضحكة من الوشوش وبيضحك بمنتهى البرود وعجبي!! الظاهر إنه زي ما قالي أول بني آدم من غير قلب..!!! عملت لنفسي ساندوتش جبنة بس، أسد بيه جوعي، لحد ما أشوف طريقة أقدر آكل منها حلال... خرجت الصالة وقعدت على أبعد كرسي بالنسباله وقلتله بتوتر:
"كنت عايزة أسألك على حاجة كده؟ -خيير؟! -هو إحنا معتش هننزل الجيزة تاني نهائي؟! بصّلي بتكشيرة ولسه هيرد كملت بسرعة: "قصدي يعني أنا معتش هشُوف عمّي تاني بأي طريقة؟! أو بيتنا اللي هناك معتش هنروحله تاني!!
-أنا مش عارف انتِ غبية ولا إيه والله، قلتلك بدل المرة متين، انسي أهلك وانسى الجيزة وانسى إنك كنتِ عايشة هناك من الأساس، وحتى البيت لما الدنيا تهدى وأعرف إيه حصل مع فاروق هبيعه. وارضي بوجودك في الحارة لإنك هتعيشي وتموتي فيها يا فيروز." -طيب طالما أنا هعيش وهموت فيها هتفضل قافل عليا الباب بالمفتاح من بره لحد امتى لما تخرج؟! -ويا ترى عايزاني أسيبلك الباب مفتوح ليه لما أكون بره؟ ليه مصرة تخليني أتعصب عليكي وأأذيكي!!
-مش قصدي تسيبه مفتوح عشان أخرج وأنتَ مش هنا، أنا بس قصدي افرض مرة طلعت من البيت وغيبت بره وأنا تعبت ولا حصلّي حاجة أكيد هكون محتاجة أنزل الصيدلية اللي تحت البيت على الأقل." "أو افرض لا قدر الله البيت حصل فيه تسريب غاز ولا حاجة.. هعوز أستغيث بحد ينقذني!
-ما تهريـش كتير يا فيروز، لا أنا هغيّب بره، ولا البيت هيحصل فيه حاجة طول ما انتِ واخدة بالك من الأنابيب اللي فيه. ولو عايزة تخرجي من البيت بسبب حاجة معينة، هاتيهالي طوالي متلفيش وتدوري كتير." -بصراحة عايزة أشتغل، هشتغل أي حاجة هقف في محل ملابس، أو بقالة، أو حتى أجيب شوية خضار وأقعد بيهم على فرشة في الشارع." -عايزة إيه يا بابا؟! سمعيني تاني كده؟ تشتغلي..!!! ليه أنا أكتع!!!
-الفلوس اللي معاك طوّلت ولا قصّرت هتخلص يا صالح، وهتعوز تشتغل والشغل مش هتلاقيه بالساهل، وأنا.. أنا مش عايزة أصرف من الفلوس اللي مدفوعة تمن لـ أرواح شباب وتدمير حياتهم ومستقبلهم، أرجوك.. أنا راضية بوجودي هنا ومش معترضة والله، ولا هفكر أعترض، بس عمري ما هرضى بفلوس حرام تنزل معدتي." طفى التليفزيون بالريموت اللي في ايده وقال لي: -يعني أفهم من كده إن الهانم مش عايزاني أصرف على البيت وتصرف هي مظبوط؟
-لو من فلوس حرام فمظبوط، إنما لو هتشتغل في مكان وتكسب فلوس حلال تصرف بيها على البيت فأنا مستعدة ما أطلعش من الباب ده حياتي كلها." -اممم حلو الكلام ده، طيب أحب أعرفك إن الفلوس اللي معايا، جبت بيها بضاعة جديدة وبدأت أوزع فيها بمعرفتي، وإن الفلوس الحرام اللي بتقولي عليها دي هتفضل هي اللي معايا وفي جيبي العمر كله يا ترى هتعملي إيه؟!!
-مش هاكل لقمة تمنها منها لحد ما أموت يا صالح وساعتها الناس كلها هتعرف مكانك لما تعرف إني مت." -ضحكتيني والله، على أساس إن لو عايز أقتلك وأدفنك بإيديا دول هغلب!! ولا حد هيعرف أساسًا إنك متي؟!! ده انتِ طلعتي هبلة خالص." -ما هو أنا لو مش هبلة، مكنتش اتجوزتك." -فيروووز!!!
مش عايز عفاريتي تطلع عليكي، كفاية اللي حصل لك امبارح، جسمك ملحقش يتعالج منه. ولو عايزة تنزلي تشتغلي عشان الهانم مش عاجبها فلوسي الحرام فاسمعي مني بقى.. لو حسيت بأي تقصير منك ناحيتي صدقيني هخليكي تدفعي الفلوس اللي اشتغلتي بيها على علاجك.. عايز أصحى من النوم ألاقي فطاري جاهز، وأرجع من بره ألاقي الغدا جاهز والبيت بيلمع، وعايز هدومي تكون مغسولة ومكوية وجاهزة على طول.. ده غير إن لو رجعت في مرة سواء بدري أو متأخر ولاقيتك مش في البيت، فيومها انسى إن رجلك تخطي عتبة البيت، هسيبك تباتي في الشارع.
وخلي في علمك طالما مصرة على موقفك أوي كده وعاملي فيها الشريفة اللي متقبلش الفلوس الحرام على نفسها، فأكلك ولبسك وشربك كله على حسابك، يعني أي أكل هجيبه للبيت هكون عارف بالظبط هو إيه ويكفي كام يوم ومتزعليش من اللي هعمله فيكِ لو لقيتك قربتي منه.. مفهوم؟ وحتى الكهربا والمية على حسابك.. أكيد يا حرام مش هتقبلي تشربي وتقعدي على نور تمنهم من فلوس حرام.!!
أهم حاجة بقى انتِ عارفاها كويس وعارفة لو فكرتي فيها هيحصلك إيه فما أنصحكيش تخاطري وتجربيها..ها لسه مصرة على رأيك؟! وعايزة تشتغلي؟! كنت كاتمة دموعي بالعافية، للحظة سرحت أنا إزاي كنت عميا كده؟! سألته عن شغله في محلات العطارة نقدر نعيش منه ولا لأ وما سألتهوش هو بيصلي ولا لأ؟ سألته مكسبه بيزيد ولا لأ ومسألتوش هو بيكسب فلوس حلال ولا لأ !!! أديني عايشة مع واحد في حكم الكافر وبفلوس حرام!!
كل طلباته كإنه بيعجزني مش عايزني أنزل أشتغل وأخرج من تحت طوعه، هو خايف.. خايف أهرب.. بس اللي ما يعرفوش إني لو رجعت على الجيزة وعمي وصلوا أخبار باللي حصل هو اللي هيرجعني على القاهرة ليه تاني.. عمي سمعته وسمعة بناته أهم شيء عنده في الدنيا، وميقبلش بحاجة تلوث الشمعة دي حتى لو كان مليش ذنب..!
لاقيت نفسي بهز راسي من سكات. معرفش إزاي أنا وافقت على كل الشروط دي، بس أبقى حاولت على الأقل آكل لقمة حلال. رد عليا وهو مستغرب مكنش مصدق إني هأوافق على كل شروطه. "تمام زي ما تحبي يا فيروز، بكرة الصبح قبل ما أنزل هسيبلك الباب مفتوح، وآه بالمناسبة ورقك الشخصي، والبطاقة وعقد الجواز كل ده معايا عشان بس لو بتفكري في حاجة كده ولا كده.."
الحقيقة ما توقعتش يوافق بالسرعة دي. آه هو حط شروط كتير، بس أول حاجة توقعتها يرفض رفض تام. وآه واخد مني شهادة الميلاد، وعقد الجواز والبطاقة وأي أوراق تخصني بس برضه إزاي وافق أشتغل!! ده أول حاجة طلبها مني في الجيزة بعد الخطوبة أسيب العطارة، وهيدفع المهر في الخطوبة عشان أجهز نفسي بيه!!
دخل ينام، ودخلت وراه، أول ليلة أحط فيها راسي على المخدة وأنا بتمنى ما أقومش تاني، بتمنى من ربنا يقبض روحي قبل ما أصحى وأعيش يوم كمان معاه. الضغط النفسي والخوف اللي بعيشه بمجرد ما أشوفه هيزهق روحي، كمية الغضب اللي بحسها جوايا وأنا شايفة نفسي متجوزة واحد لسه عارفة حقيقته من يومين هتولع في قلبي. نمت وأنا بردد دعوة واحدة بس "يا منجي من المهالك نجني.. يا من أنجيت يونس من بطن الحوت أنجيني".
أنا مش عارفة أنا داخلة على إيه معاه، ولا عارفة هيحصلّي إيه، والأسوأ من ده كله إني مش قادرة أتوقع ممكن يعمل إيه فيّا تاني، بس الأكيد إن الغلطة الوحيدة اللي هعيش وأموت وأنا بدفع تمنها هي جوازي من صالح درويش.!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!