تحميل رواية «حجر ينبض» PDF
بقلم فريحة خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أجيبلُكم اتنين لَمون وشجرة يَا دُكتور عُدىّ. عشان المُستشفى يِهمّها إنّك تِستمتع بالوقت مَع الدُكتورة شيماء!؟ - انتِ اتجننتي يَا دُكتورة!؟ اتنين لمون إيه وشجرة إيه!؟ عِيب الكلام ده. دُكتور عُدىّ كَان بِيناقشنِي في عِلاج مَريض و كَان هيخرُج علىٰ طُول. - وِ يُخرُج علىٰ طُول ليه!؟ هو إحنا ورانا حاجة؟ ما تسيبيه يهزّر وِ يِتنحنح معاكِي شوية قبل ما الدُكتور معتز يجي. وِ يضطّر يِمثّل دُور الدُكتور المُضحّي اللي مفيش منه ومن إخلاصه واجتهاده اتنين! الحقيقة أنا كُنت لسّه هرُد عليها و آخُد حقّي وحق عُديّ....
رواية حجر ينبض الفصل الأول 1 - بقلم فريحة خالد
أجيبلُكم اتنين لَـمون وشجرة يَا دُكتور عُدىّ.
عشان المُستشفى يِهمّها إنّك تِستمتع بالوقت مَع الدُكتورة شيماء!؟
- انتِ اتجننتي يَا دُكتورة!؟ اتنين لمون إيه وشجرة إيه!؟ عِيب الكلام ده.
دُكتور عُدىّ كَـان بِـيناقشنِي في عِلاج مَريض و كَـان هيخرُج علىٰ طُول.
- وِ يُـخرُج علىٰ طُول ليه!؟ هو إحنا ورانا حاجة؟
ما تسيبيه يهزّر وِ يِـتنحنح معاكِي شوية قبل ما الدُكتور معتز يجي.
وِ يضطّر يِمثّل دُور الدُكتور المُضحّي اللي مفيش منه ومن إخلاصه واجتهاده اتنين!
الحقيقة أنا كُنت لسّه هرُد عليها و آخُد حقّي وحق عُديّ.
لكن دُكتور عُمر دخل واتكلم هوّ:
- وطّي صُوتك يَـا بَسمة إحنا في مُستشفى محترمة.
ولو عندك حاجة عايزة تقوليها استني لمّا دكتور مُعتز يِجي.
بدل ما انتِ طايحة فِـي الكُـل كِده ومحدش فارقلك.
- واللّهِ! مُستشفي مُحترمة!؟ ضحكتني يَـا دُكتور عمر.
المستشفى المحترمة دي اللي كل دُكتور واخد دكتورة علىٰ جنب وبيهزر ويِضحك معاها كإننا علىٰ الكُورنيش مش في مُستشفىٰ بنأدّي واجب علينا.
- طب يا بسمة يا حبيبتي ، أنا ودكتور عُدىّ ناس قليلة الأدب وجاية تٍهزّر وتِضحك في المُستشفىٰ ومِش بنأدّي واجبنا.
وحتّي دُكتور عُمر اللي لسّه خارج من أوضة العمليات مش بيأدّي واجبه برضه.
حضرتك بقىٰ بتعملي زيّنا ليه!؟
مركزّة مع اللي رايح واللي جاي ، واللي بيضحك واللي مكشّر.
وِ مِش بتأدّي واجبك ليه وتشوفي المرضىٰ بدل الناس اللي مش شايفة شُغلها دي!؟
ولا هوّ شُغلك يا حرام إنك تُحشُرِي مناخيٍرك في حياة الناس بس!؟
اتعصّبِت جدًا من ردّي وخَرجِت من غِير ولا كِلمة.
وخرج وراها دكتور عُدىّ خَطِيبي ، ودُكتور عُمر من غير أي إضافة برضه.
هيّ اللي غلطت فيا الأول كان لازم أرُد مقدرش أسكت عن حقّي!
بعد ما دكتور مُعتز جِه ، وَصلُه اللي حَصل من دكتور عُمر صَديقهُ المُقرّب.
واتجمّعنا كُـلّـنا في مكتبه.
- ايه الهيجة والهيصة دي يا دكاترة ، دي مُستشفىٰ مش سُوق خُضار!
مِن فضلُكم مِش عايز ده يِتكرر تاني.
دكتورة بسمة حضرتك هنا مش مسؤولة غير عن شُغلك وبس ، وملكيش أي حق إنك توبّخي حد إنه مقصّر في شُغله.
الأولىٰ اللي يِعمِل كده دُكتور عمر صاحِب المستشفىٰ مِش حضرتك مفهوم؟
- مفهوم يا دكتور معتز ، عن إذنك.
وانتَ يا دُكتور عُدىّ أنا طبعًا مُدرِك كِويس إنك مُجتهد ومُخلِص في شغلك.
لكن بعد إذنك تجنّب الاختلاط بِـدكتورة شيماء طول فترة العمل منعًا إن حد يتكلم أي كلمة.
- أنا بشكر حضرتك يا دكتور علىٰ تقديرك لِـمجهُودي لكن واللّه أنا كُنت بناقش دكتورة شيماء في حالة المريض رقم متين وتِسعة.
- صَـالِـح دَروِيش؟
- بالظّبط يا دكتور ، كُنت بقولها لو جِيبنا التقارير بتاعته ، والسجل بِتاعه ممكن نقدر نوصل لأي حد من أهلُه يِساعده يِفوق من الغيبوبة؟
- إنتَ عارف المَرِيض ده في غَيبوبة من امتىٰ ؟
رديت أنا المرّة دي:
- إحنا شغّالين هِنا فِي المُستشفىٰ من أربع سنين ، ومن أوّل يُوم جينا وهو في الغيبوبة!
وحتّىٰ كذا مرة أحاول أطّلِع علىٰ التقارير بتاعته ألاقي إن كل حاجة سليمة في جِسمه نَبضه وضَغطُه وأعضاؤه الحيوية!
الغيبوبة غير مُبرّرة نهائي!
- أستاذ صَـالِـح دَروِيش في الغيبوبة دي من أول يوم اتعملت فيه المُستشفىٰ!
من عِشرين سنة!
الشخص ده ميّت من عِشرين سنة لكِن قلبه بس اللي عايش وبينبُض.
الصّدمة كانت باينة جدًا علىٰ وشّي أنا و عُدىّ!
عِشرين سنة!
إيه اللي يخلّي شخص يُدخُل في غيبوبة طول المدة دي ، ميحاولش حتّىٰ يفتّح عِينه ولو لِـمرة يِشُوف الدُّنيا عاملة ازاي من حواليه علىٰ الأقل؟
- انتم مستغربين مش كده؟
أنا كُنت لسّه مِتخرّج جِديد وِ والدي اللّه يرحَمه فتحلي المُستشفىٰ دي علشان أساعد الناس.
بس وقتها كانت صُغيّرة يَدوب مَكتب ليّا ومَكتب لِـعُمر وتسع غُرف لِـ المَرضىٰ.
لكن كانت مُجهّزة بأفضل أجهزة ومُعدّات ، وكان فيه أربع غُرف مجّانيّين لِـ الناس الغِير مُقتَدِرة.
وفِـي مرة وأنا رايِح المُستشفىٰ بليل علشان حالة طوارِئ لاقيت الراجل ده واقِع من طُوله علىٰ الطريق قُرب المقَابِر.
أنا قُلت إن عربية سوّاقها عَدِيم الضّمِير خَبطه وجِري ، لكن لاقيته صاخ سَليم.
خدته المُستشفىٰ وخلّيت عُمر يفحصه وِ بعد ما خلّصت العملية طِلعت فحصته بِـنفسي وِ زي ما قال عُمر مفيهوش خدش!
سَليم تمامًا ، مفيش أي سبب لِـدخُوله الغيبوبة.. العِلم عند اللّه..
وِ مَرّت سنين وسنين وِ حَصل توسيعات وِ سافرت وِ رحت وِ جيت.
وِ جه دكاترة جُداد وِ مِشي دكاترة غِيرهُم وِ هوّ حالته مُبهمة لِـ الجَميع.
كان أي دكتور يستلم وظيفته هِنا كُنت بوكّله بالاطلاع علىٰ حالته ويِكتب تقرير مُفصّل عنه وبحُطّه في السجلّ بِتاعه لكن محدش قِدر يِوصل لِسبب!
تعابير وشّي أنا وعُدىّ تُوحي بالصّدمة.
صمت طويل قَطعه عُدىّ بِـسُؤال:
- وِليه يا دُكتور حَضرتك مخلّيه هِنا طُول المدة دي ، وِ إزاي محدّش من أهله فكّر يِسأل عليه أساسًا وَلو لِـمرة!؟
- الراجل ده لمّا لاقيته لاقيت جِيبه فيه تالت حاجات..
محفظة فِيها بِطاقة شخصية ، سلسلة فضّة مَكتُوب عليها اسم نُـور ، وجَواب.
ولمّا فتحته لاقيت مكتوب فِيه:
" أوعِدك إن المرّة الجاية تِـكُون دَهب يا نُور عُيونِي وِ زَهرِة حيَاتي ".
لمّا نِزِلت محل إقامته اللي كان موجود في البطاقة وِ سألت النّاس عنّه حسّيت كإنّه هوا محدش يعرف عنّه أي شيء!
بالاتفّاق مع عمر قررنا نِـسيبه هِنا ، يِمكن في يوم من الأيام يِطلع ليه حد يِعرفه وِ يدوّر عليه.
وِ كُل يُوم أنا أو دُكتور عُمر بنطمّن علىٰ نبضه ومؤشّراته الحيوية علشان لو فيه أي جديد!
عِرفتوا بقىٰ يا دكاترة حِكاية المريض رقم متين وتِسعة؟
ردّيت بِـشُرود وِ زعل:
- زمَان أهلُه الحُزن مالي قلبُهم من غِيره!
- محدّش يِعرف إذا كان ليه أهل أو لا أساسًا يا دكتورة شيماء!
بس كان مَكتُوب فِـي البِطاقة إنه متزوّج فَـ ده معناه حاجة من الاتنين يا إمّا نُـور دي مِراتُه يا إمّا بِنتُه.
عِيُوني لِمعِت!
يَا بَخت نُـور لو بِنتُه ، يَا بختها بِـأبْ بيحبّها وبِـيحاول يفرّحها بِـأي طَريقة!
زَمان الحُزن واكِل قلبها دِلوقتي!
ويَا بختها لو مِراته بِـرَاجل بِيعامِلها بِـاللطف ده!
اتكلّم عُدىّ وِ قَال:
- لو سمحت يا دكتور مُعتز أنا عندي فِضول أتابع الحالة دي ممكن حضرتك تسمحلي؟
لمّا دكتور عمر طلب مني أفحصها بداله النهاردة علشان عنده عمليّات أنا رُحت فورًا أتناقِش مع دُكتورة شيماء فيها وِ كان عندي فِضول رهيب أكمّل مع الحالة دي.
خُصوصًا إن حضرتك عارِف إنّي بحب أطّلع على الحالات اللي بيبقىٰ ميئُوس مِنها.
قبل ما يُرد دُكتور معتز ، ادّخلت بِـسُرعة:
- من فضلك يا دكتور تسمحلي أتابع مع عُدىّ ، أنا هساعِد معاه لإنّ العَامل النّفسي أكيد هيفرِق معاه جدًا.
كُنت بتمنّىٰ دُكتور مُعتز يِوافِق.
الحقيقة كان نِفسي أكتشف أكتر عن المَرِيض ده!
وِ بِـالأخصّ كان نِفسي أكتشف أكتر عن أسرتُه علشان خاطر نُـور سواء كانت بِنته أو مراته علشان بِـالتأكِيد حيَاتهُم من غير سَنَد صَعبة جدًا.
- معنديش مانِع يَا دَكاترة أتمنّىٰ تِقدَروا تِوصَلوا لِـحاجة بِجد وِ تِساعدوا الراجل اللي عَاش شَبابه مَحرُوم مِن كُل حاجة.. عَاشه ميّت مُجرّد قلب بِـيُنبُض!
طِلِعت أنا وِ عُدىّ مِن عند دكتور مُعتز كَـإنّي شايلة الدُّنيا كلها علىٰ قلبي!
طَلبت مِن عُدىّ يوصلني لِـغُرفِة المريض رقم متين وتِسعة.
وِ أوّل ما فتحت باب الأوضة وِ لسّه بَـبُص علىٰ المَرِيض حَصل شيء غَرِيب جدًا.
خلّانا نُـبُص لِـبعض بِـذُهول.
نَطَق عُدىّ بِـصدمة:
- مِش مَعقول ده يِحصل !!!!
رواية حجر ينبض الفصل الثاني 2 - بقلم فريحة خالد
- مِش معقول اللي بيحصل ده ! شيماء نادي دُكتور معتز بِـسُرعة.
خرجت أنادِي دُكتور معتز ، كُـنت مخضوضة جدًا ، فتحت الباب من غير ما أخبّط ، ولاقيت دُكتور عُمر موجود هوّ كمان معاه ، دكتور معتز استغرب وقال :
- فيه ايه يا دُكتورة شيماء؟ بِتجرِي ليه كده وبتنهجي؟
مكنتش قادرة آخد نفسي من كتر ما كنت بنهج وِ ردّيت بِـتقطّع :
- المر.. المريض.. رقم.. رقم متين وِ تسعة يا دُكتور معتز ، أوّل ما فتحنا باب الأوضة وِ دَخلنا ، ضربات قلبه زادِت بِـمُعدّل مِش طبيعي !
اتحرّك دُكتور معتز في ثواني بِـسُرعة وهو بيقولّي بِـدهشة :
- مِش معقول ده يِحصل بعد السنين دي كلّها !
........
سبقنا دُكتور معتز لِـغُرفة المَرِيض وكان أول حد دَخل ، واتأخّرت عنّه بِـدقايق بسيطة ؛ علشان كُنت بحكي لِـدُكتور عُمر سبب دُخولنا لِـغُرفة أستاذ صَـالِـح دروِيش.
وِ أوّل مَا دَخلت مع دُكتور عُمر اتصَدمنا صدمة تانية أقوىٰ مِن صدمتي أنا وِ عُدىّ الأولىٰ !
اتكلّم عُدىّ بِذُهول وِ هوّ بيحرّك نظره بيني وِ بين جِـهاز القلب :
- شيماء فيه حاجة غريبة جدًا بِتحصل !
ازاي؟ ازاي ده يحصل !!!
إنتِ أوّل ما خرجتي ضربات القلب رِجعت لِلعادي ، ولما دُكتور مُعتز دَخل برضه محصلش جديد وكنّا حتّىٰ لسّه هنخرج.. بس.. بس.. أوّل ما دخلتي انتِ وِ دُكتور عُمر ضربات قلبه زادت تاني وبِمعدّل واضِح جدًا !!!!
دهشتي كانت تمام دهشتهم جدًا ، ضربات قلب المَرِيض لسّه في ازدياد !! دُكتور عُمر كان أول حد قطع سُكوتنا وِ دهشتنا وقال :
- ده معناه شيء مُهم جدًا.. وِ هوّ إن وجود دُكتورة شيماء هوّ السبب في ارتفاع ضربات القلب ؛ لإن أنا وِ دُكتور معتز بندخل هِنا من عشرين سنة !! وِ دُكتور عُدىّ دخل الصّبح وِ كان هنا لوحده ومحصلش الكلام ده غير في وجودك انتِ يا دُكتورة !!
أيّد رأيه دُكتور مُعتز وِ عُدىّ ، وِ طَـلبوا منّي أخرُج برّا الأوضة وِ أسبقهم لِمكتب دكتور معتز نكمّل كلامنا هناك ، بس الأول هيتأكدّوا إن وُجودي هوّ السبب في اللي بيحصل وإنّه مِش مُجرّد صُدفة !
......
وِ أنا صُغيّرة كُنت مفكّرة إن لما القلب يُدق بِـسُرعة في وجود شخص ده معناه إننا يا بنحبه أوي أوي ، يا إما بِنخاف منه وكارهين وجوده أوي أوي !
يا ترىٰ زيادة ضربات قلب أستاذ صَـالِـح في وُجودِي ليها تفسير من اعتقاداتي وأنا صغيرة ولا ده تخرِيف ، وفيه سبب عِلمي ورا اللي بيحصل !!
أكيد تخريف ايه العبط اللي بقوله ده ، أيوة ضربات القلب بتزيد في أوقات الفرحة والخوف والقلق.. بس ده شخص في غيبوبة من عشرين سنة ، يعني من وأنا عيّلة بِـضفيرتين !! ايه بقىٰ يخلّيه يحبّني أو حتىٰ يخاف من وجودي لدرجة زيادة دقات قلبه بالمعدل الغير طبيعي ده !!
- دُكتورة شيماء.. هتنزلي انتِ وِ دُكتور عُدىّ محل إقامة الأستاذ صَـالِـح اللي موجود في بطاقته ، وِ هتحاولوا تِوصلوا لِحد من أهل المَنطِقة يكون كبير وِ عَـارف كُل كِـبيرة وِ صُغيّرة في المكان ، وِ هتقولوا إنّكُم جايين من طَرف صَـالِـح دَروِيش وعايزين تِوصلوا لِحد من عيلته أو حتىٰ حد قرايبه ولو من بعيد.
ده الكلام اللي قالوا دُكتور معتز أوّل مَا دَخل من الباب وِ هوّ بيقعُد علىٰ كُرسِي المكتب ، وِ تَبع كلامه كلام دُكتور عُمر :
- لمّا خرجتي.. ثواني بسيطة وِ الجِهاز رِجع يبيّن مُعدّل الضربات الطبيعي ! وِ ده يِظهرلنا حاجة مُهمّة إنّ وِ بِنسبة خمسين في الميّة أستاذ صَـالِـح يعرفِك وِ يِعرفِك كُويس جدًا كمان.
صدمة ورا التانية أنا مِش فاهمة حاجة وِ مش قادرة أتكلّم وِ أتناقِش حتىٰ ، لَكن عُدىّ كان فاهمني وقارِي أفكاري واتكلّم بِـصُوت عقلِي وقلبِي وقال :
- يا دُكتور معتز ما حضرتك سَبق وِ نزَلت مَحل إقامته وِ موصلتِش لِـحاجة ، وِ بعدين أكيد بِنسبة كبيرة أهل الراجل ده ميكونوش موجودين لسّه في نفس المكان ، ده عَدّىٰ عِشرين سنة مش شهر ولا اتنين !!
وايه يخلّي شخص في غيبوبة مِـن عِشرين سنة يِعرف دكتورة شيماء !! يعني لمّا دخل الغيبوبة عُمرها كان يَدوب تِسع سنين !!!
رد دُكتور معتز وقال بِـتفكير :
- مُمكِن شيماء تكون كانت جارته أو قريبته أو حد من رِيحته وِ قلبه حس بيها وِ بيستغيث بِوُجودها تنقذه من بؤرة الظّلام اللي عايش فيها من عشرين سنة.
هِـنا دُكتور عُمر ادّخل بِـخُلاصة الكلام :
- بصّوا يا دكاترة ، أنا متفهّم حالة الدهشة اللي كلنا فيها دي ، بس إحنا بقالنا عشرين سنة واقفين في وِش حيطة سد مفيش أيّ سبيل يخلّينا نستكشف اللي وراها !!
فَـماذا لو فجأة ظهَر خِيط نُور ، الخِيط ده ممكن يُكون وَهم ، ممكن يكون مُجرّد تفسير لا منطقي ولا علمي ، لكن مِش هنخسر حاجة لو حاولنا تاني.
آه دوّرنا وراه قبل كده وِ موصلناش لِـحاجة ، لكن لو فكّرنا نفتح الملف بتاعه اللي في المُستشفىٰ تاني وِ نِدوّر بِـشكل أفضل أكيد هنوصل لأي حاجة.
علىٰ الأقل هنكون حاولنا ومسيبناش دِماغنا تضرب أخماس في أسداس خصّيصا في حِوار شيماء الغير مفهوم تمامًا !!
......
- مساء الخير يا بابا.
- مساء الوَرد يا وَردِة بابا ، عاملة ايه يا شِيما؟
- بِـخير يا قلب شيما ، أومال عبد الرّحمن فين؟
- لسّه مجاش مِـن المَكتب ، هرن عليه معمال ما تغيّرِي هُدومِك علشان نتعشّىٰ سوىٰ.
ماشي يا حبيبي.
اتحرّكت خطوة وِ التانية وِ مرة واحدة اديّرت وِ سألته سُؤال :
- بابا هوّ ماما الله يِرحمها أهلها كانوا عايشين فين؟
بابا .. باباااا .. يا حجنا .. يا عم منصوووور.
- نعم.. نعم يا بنتي خضتيني بتنادي بِصوت عالي كده ليه؟!
- بايِنّك كِبرت وِ عجّزت يا حج ، بنادي عليك من بدرِي وانتَ مِش سامعني.
- معلش التليفزيون صُوته عالي بس.
- طيّب كُنت بقولّك ماما اللّه يِرحمها أهل...
ملحقتش أكمّل السؤال وِ لاقيته بيقولّي :
- ثواني بس أخلّص المُكالمة مع عبد الرحمن.
مفيش أي تقدير لِـمشاعري نهائي ، بيرّن علىٰ سي عبد الرحمن وأنا بتكلّم معاه ، لا ومش بس كده كمان قطع كلامي علشان يرد عليه ، حتّىٰ بابا هَـيبقىٰ ذُكوري علىٰ آخر الزمن !!
......
- شُوفت يا سي عبد الرّحمن بابا عمل ايه؟!
عبد الرحمن اتخض من نبرة صُوتي ، أنا كنت بمثّل إني زعلانة ، ساب معلقته وِ وزّع نظراته بيني وبين بابا وقال :
- عمل ايه يا حبيبتي مزعلّك كده.
- كُنت بسأله أهل ماما الله يرحمها عايشين فين لمّا كان بيرن عليك ، وِ هوّ طنّشني مخلّانيش أكمل السؤال وقالي استني لمّا أكلم أخوكي الأول.
كُنت بتكلّم وِأنا مبتسمة بِهزار ، قطع ابتسامتي إني لاحظت شُرود عبد الرحمن ، وِ اصفرار وِش بابا.
- مالكُم فيه ايه؟! انتم زعلتوا منّي؟! أنا كنت بهزّر بس !!
- لا طبعًا يا حبيبتي إيه اللي يزعّل حقّك عليا يا ستي بعد كده لما أكون بتكلّم معاكِ نطنّش الدنيا كلها وِ نسمع لِـشيما بس ، بلا عبد الرحمن بلا كلام فاضي ، هوّ فيه أجمل مِن كلام شيما ولا ضِحكتها اللي مالية البيت لُطف وجمال.
- طب واللّهِ واللّهِ وبِـاللهِ ما في ألطف من بابا ولا أجمل منّه في الدنيا دي كلها ، قوم هات حُضن بقىٰ يا سيدي.
وِ أنا بحضن بابا ، طلّعت لِساني لِـعبد الرّحمن اللي الظاهر عليه إنه مِش رايق دِلوقتي..
......
- الشّاي لِـ أحلىٰ بابا وِ عبد الرّحمن في الدُّنيا.
- تسلَم إيدك يا شيما مننحرمش منك.
- العفو يا بابا تحت أمرك ، قولي بقىٰ يا سيدي أهل ماما الله يرحمها كانوا عايشين في أيّ بلد؟!
- فيه إيه يا شيماء؟ بتسألي ليه؟!
- عادي يا عبد الرحمن ، علشان مِن وقت وفاة ماما اللّه يرحمها ، وإحنا عُمرِنا ما شُوفنا حد منهم جه يِسأل علينا ، أنا حتّىٰ عُمر ما جِه في بالي أسأل.
- وايه اللي خلّاه يجي في بالِك دلوقتي؟
أنا كُنت مستغربة طريقة عبد الرحمن في الرد ، لأول مرّة في حياته يبقىٰ حاد معايا شوية في الكلام ، بابا هوّ اللي رد دلوقتي قبل ما ألحق أرد علىٰ عبد الرحمن :
- أهل ماما كانوا عايشين في قرية في مُحافظة قِنا ، وِ من وقت جوازنا وِ محدّش من أهلها زارها ولا مرّة لَحد وفاتها حضروا العزا وِ مشيوا تاني ؛ لإن أساسًا هيّ مكنش ليها غير عمتها وبنات عمّتها وِ ما صدّقوا خلصوا من أمك وِ اتجوّزت في القاهرة علشان بيت العيلة يفضىٰ عليهم.
ردّيت بِـخيبة أمل :
- اااه فهمت ، يعني ماما أساسًا مكنتش عايشة في القاهرة.
- لا يا حبيبتي ، كانت عايشة في قنا ، وِ أنا وقتها كان عندي قضيّة لِـشخص من قِنا فكُنت مُقيم هناك شهرين لحد ما أترافع فيها ، وِ كِسبت القضية ، و كِسبت أجمل قلب في حياتي وهيّ أمّك يا ست شيما.
- يا بختها بيك واللّه يا بابا ، كِسبت هيّ كمان أجمل راجل في الدنيا.
بصيّت لِـعبد الرحمن اللي أخيرًا كان مُبتسم وباصص لِبابا بِحب وقلتله :
- وِ يا بختها اللي هتبقىٰ من نصيبها يا بودِي.
ملامحه اتغيّرِت لِوهلة لِشيء من الحُزن ، وِ فجأة ميّل عليا ومسكني من هُدومي وهوّ بيقولي :
- يا إيه ياختي؟؟؟ دي بتقولي يا بودي يا بابا.. أنا المحامي عبد الرحمن منصور البحراوي يتقالّي يا بودي !!!
ضحكت علىٰ طريقته العصبية ، وِ قُمت بسرعة وأنا بجري وبضحك وبقولهم :
- تصبح علىٰ خير يا بابا ، تصبح علىٰ خير يا بودي.
......
- الحقني يا بابا بِـسُرعة ، بمووووت الحقني ، بابااااااااااا
اتنفضت من علىٰ السرير ، شربت بوق ماية وِ أنا بنهج كإنّي في سِباق ، قعدت آخد نفسي ، الحِلم اللي بحلمه من يوم ما بدأت أحلم تقريبًا.
بعيّط علىٰ عروستي اللي اتقطعت وِ وقعت في الشارِع من البلكونه ، ولمّا أنزل أجيبها ، أتكعبل وأقع و تتحِشر رجلي بين طوبتين في نص الطريق..
لمّا برفع راسي لِـفوق بلمح ضِل بابا من ورا ستارة البلكونة واقِف بستغيث بيه يساعدني لكن عربية بتيجي بسرعة وِ بتخبطني فَـبموت !!!!!
فُقت من شرودي في تفاصيل الحلم علىٰ صوت رنّة الموبايل ، ده رقم عُدىّ.
- يا ترىٰ البيه سهران لِـدلوقتي ليه؟
- شيماء أنا في الطّريق ليكِ البسي بِـسُرعة علشان هنروح المُستشفىٰ.
- فيه ايه يا عُدىّ خير !! مستشفىٰ ايه الساعة تلاته الفجر !!!
- صَـالِـح دَروِيش فاااق !!!!
.............
يُتبَع يَـ شباب.. رأيُكم؟
طوّلت الأحداث شوية عن المرة اللي فاتت
فَـ لو حِلوة وعَجبتكِم استنّوا جُزء بُكرة بِـ أحداث أفضل إن شاء اللّه.
رواية حجر ينبض الفصل الثالث 3 - بقلم فريحة خالد
رايحة عَلىٰ فين يا شيماء؟!
كُنت بلف طرحتي وِ أنا لا شايفة ولا سامعة أي شيء ، كل اللي بِـيتردد في بالي جُملة عُدىّ " صَـالِـح دروِيش فااق ".
شيماء أنا بكلّمك ! انتِ مش سمعاني؟!!
اتخضّيت لمّا عبد الرحمن علّىٰ صوته وِ اتكلّمت بِتوتر ظهر عليّا جدًا:
عبد الرحمن ! آسفة مخدتش بالي عايز حاجة؟
أيوة ، لابسة هدومك و بتلبسي طرحتك وِ رايحة علىٰ فين الفجر كده؟
نازلة ، رايحة المُستشفىٰ موضوع حياة أو موت لازم أكون موجودة دلوقتي.
خير فيه ايه بس؟
متقلقش مفيش حاجة ، ده مَرِيض حصل تطور مفاجئ في حالته ولازم لازم أكون موجودة في أسرع وقت علشان ألحقه.
طب استنّي هلبس وِ أوصّلِك.
لا لا خلّيك عُدىّ زمانه في الطريق وِ هروح معاه.
من امتىٰ يا شيماء؟! من امتىٰ وأنا بخليكِ تروحي أو تيجي مع عُدىّ ! انتم لسّه مخطوبين يعني مينفعش تبقوا في مكان لوحدكم من غير مِحرم.
أيوة يا عبد الرحمن ، بس ده ظرف طارِق و مستعجلين متقلقش عليّا أرجوك.
لِـتاني مرّة بعد امبارح عبد الرحمن يحتدّ معايا في الكلام ، وِ لِأول مرة ألاحظ إنّه لسّه مِش مِطمّن عليّا مع عُدىّ بعد تالت سنين خطُوبة:
شيماء إسمعي.. هيّ كِلمة واحدة ملهاش تانِي ، خُروج مع عُدىّ لِوحدكم من غير مِحرم قبل كتب الكتاب انسي مفهوم !! أنا هدخل أغيّر وِ آجي أوصّلِك.
دخل يغيّر هدومه ، وِ أنا اتصّلت علىٰ عُدىّ قلتله يسبقني لِـ المُستشفىٰ ، وِ فضلت سرحانة في كلام عبد الرحمن هوّ مش عايزني أخرج معاه لِوحدنا قبل كتب الكتاب ، وفي نفس الوقت هو اللي معطّل كتب الكتاب وِ كان شَرطُه الأول وِ الأخير علشان يوافق علىٰ خُطوبتنا إن كتب الكتاب والفرح مع بعض في يوم واحد بعد أربع سنين !!
فُقت علىٰ صُوته وِ هوّ بينادِي عليا علشان أناولُه العُكاز وِ ننزل.
......
يا خايبة يا مايلة يا قليلة الفِهم ، بقىٰ يا بت تسيبي الدُكتور وِ المُهندس وِ المُدرّس والنّاس السليمة كُلّها وِ رايحة تحبّيلي واحِد عاجِز !! ايه يا بت ايييه أنا كُنت برضّعِك غباء وِ بوكلهولك بِـمعلقة ولا ايييه !!
يا ماما إسمعيني.. إسمعيني وحياتي عندِك ، العاجِز اللي بتقُولي عليه ده ، سوي نفسيّا.. عارفة يا ماما يعني إيه سَوِي نفسيا؟!
يعني لما بتّك تتعب وِ تُرقُد في السرير محدّش هيشيلها وِ يراعيها غيرُه مش هيجي يرميني عندِك لحد ما أبقىٰ كويسة وِ بعدها يفتكر إنّي مراته فَـيجي ياخدني !!
يعني يا ماما لو في يوم بعد الشر عليكِ تعبتي هوّ اللي بنفسه هيقولّي روحي لِأمّك مِش هيمنعني عنّك زي ما الكَـلب جوز بنتك بيعمِل معاها.
يعني لو فيه مرة اختلفنا مش هيكسّر عضمي وِ يطلّعني من بيتي بِـعبايتي المَكشُوفة يخلّي اللي يِسوىٰ وِ ميسواش يتفرّج علىٰ لحمِي اللي أبويا الله يستُره دِنيا وِ آخره سترهولي طول عمري وِ يجي واحِد محسوب علىٰ الرجّالة غلط يِفضحني ، وِ يخلّيني أشحت طرحة من الجيران أستر بيها نفسي لحد بيت أبويا !
أحبّ علىٰ إيدك يمّا كفاية سُميّة اللي اندفَن جمالها وِ شبابها وِ رُوحها مع كلب ميعرفش يعني إيه إنسانية.
كَـانِت سَجدة بِـتبكِي وهيّ بِـتحاوِل تفهم أمها سبب رفضها لِـ العريس اللي بِـالمُناسبة هوّ أخو جوز سُميّة أختها !!
يعني أمها مُصرّة تقدّم بناتها الاتنين وجبة لِـ كلاب مسعورة يِنهشوا في لحمهم !!
يا بنتي اسمعيني ، سُميّة أختك عنيدة وِ مبتسمعش الكلام وِ مبتعرفش تِهاود جُوزها ، إنمّا إنتِ عاقلة وهادية وِمش هتعملي مشاكل بينكُم صدّقيني ، أحسن ما نُرفضُه ومنلاقيش فُرصة تانية زيّها.
ده شاب لُقطة يا بت ، عربيّة أوبهة وِ شُغل بِـمرتب عَالي وِ بيت مِلك عايزة إيه تاني يا موكوسة؟!
عايزة العاجِز بتاعك اللي لا نِعرف هو عايِش ولاّ ميّت ولا اشتغل شغلانة عِدلة ولاّ لسّه بِيحفىٰ عند الميكانيكيين وِ بتوع الكهربا وِ السّباكة علشان يلاقي شويّة ملاليم يعيشوا منهم !!
نزلِت دموع عيون سجدة من غير كلام ، هزّت راسها يمين وِ شِمال بِيأس ، وِ تأكدّت مليون في المية إنها هتبقىٰ سُمية نِمرة اتنين ، وِ إن حُب قلبها راح مِنها !!
......
هَتيجي علىٰ البيت يا شيما لمّا تخلّصي ولا هتستني للصبح لِحد معاد شغلك؟
مِش عارفة والله لسّه يا عبد الرحمن ، هشوف كده وِ أرن عليك.
ماشي يا حبيبتي ، يلا لا إله إلا الله.
سيدنا محمد رسول الله ، مع السلامة.
لسّه كُنت هفتح باب العربية وِ أنزل ، فُوجئت بِـعبد الرحمن مسك ايدي وِ رجّعني تاني وِ هوّ بيقولّي بِـقلق:
شيما افتكري إن مفيش حد يستحق ميّة في الميّة من ثِقتك غيري أنا وِ أبوكِ مفهوم؟
حتّىٰ عُدىّ؟
بِـالأخص عُدىّ يا شيماء !! بِـالأخص هوّ سمعاني؟ خليكِ دايمًا حَريصة علىٰ نفسِك وِ حطّي في بالك إن مفيش حد بيحبك غيري أنا وِ أبوكِ بسسس !!
كلام عبد الرحمن كان غريب جدًا ، لكن أنا مكنتش مركزة كل اللي مركزة فيه المريض رقم متين وِ تسعة هزّيت راسي بِابتسامة وِ طمنته:
متقلقش عليّا يا حبيبي أنا هعرف آخد بالي من نفسي كويس جدا
......
شيماء كُل ده تأخير؟
معلش يا عُدىّ معمال ما عبد الرحمن لبس وِ وصلني ، المُهم إيه الأخبار؟! وايه اللي حصل خلاها يفوق !
أنا مستنيّكِ مَرضتش أدخل لِوحدي لحد ما تيجي ، كل اللي أعرفه إن المُمرضة كانت بتلِف وِ سِمعت صوت واحد بينادِي علىٰ حد ، وِ لمّا دخلت لاقيته فايق بس معرفتش تجمّع هوّ بينادِي علىٰ مين ، فَـاتصّلِت بِـدكتور عُمر وِ هوّ كلمني علشان آجي ، وقالّي هيبلّغ دكتور معتز وِهيحصّلونا علىٰ هنا.
طب تعالىٰ نِدخُل.
فتح عُدىّ الباب بِـهدُوء ، المرّادي مش أستاذ صَـالِـح بس اللي ضربات قلبه هتزيد ، حرفيًا صُوت ضربات قلبي هيخرُم وِداني ، بدأت أقرّب من السرّير ، ضربات قلبه كَـالعادة بِتزيد في وجودي ، وأنا قلبي هيُقف من شدة الرهبة اللي حاسة بيها.
خطوة سَحَبِت خطوة لحد ما وصلت جنبه لِـ السّرير وِ أوّل ما طليّت علىٰ ملامحُه وِ بدأت لِأول مرّة أدقق فيها ، لاقيت أيده بِتقبُض علىٰ ايدي ، صرخة واحدة وِ كنت في ثانية رِجعت لِـورىٰ.
عُدىّ قرّب منّي بِـقلق بس قبل ما يحاوِط كِتفي بِعدت وِطمنته إنّي كِويسة ، وِ قطعنا صُوته وِ هوّ بينادي ، صُوته فيه حاجة غريبة ، مش عارفة هو حزن ولا كسرة ولا ايه ده ، بدأت أقرّب تاني ، واصطنت علىٰ كلامه:
مَـا مَـا تمشيش.. مَـا.. تمشيش يَا ندىٰ.. خليكِ.. ما.. ما صدّقت لاقيتك.
كان بينهج جدًا ، بيتكلّم بِالعافية.. استغرابي أنا وِ عُدىّ خلانا منسألوش مين نَدىٰ دي؟!
كمّل كلامه يترجّىٰ ندىٰ ما تمشيش وِ هوّ بِيفتّح عينه بِـالعافية كإنه بيدوّر على حد معين في الأوضة ، كإنّه تايه عايز حد يمسك إيده يطمنّه ، قرّبت منّه وِ بتلقائية مسكت إيده وِقلت وِ دمُوعي خنقاني:
مين ندىٰ يا أستاذ صَـالِـح؟! مراتك؟! بنتك؟! قول أي حاجة علشان أساعدَك؟ هوّ إنتَ تعرفني طيّب؟؟؟
بصّلي بِـنظرة غريبة ، أنا كنت هموت من الرّعب من غرابة الموقف ، وِ زوّد رُعبي لمّا مد أيده التانية يرسم تفاصيل وشّي بإيده ، خلاص هِنا كنت حاسة إني في كابوس مش فاهمة منّه أي حاجة ، دمّعت ، فَـ نزّل ايده بِـسُرعة وقالي:
لسّه بتعيّطي لما تشوفيني يا ندىٰ !! خليكِ جنبي يا ندىٰ خليكِ.. جنبي ، أنا أنا معملتش كده صدّقيني.. معملتش كده واللّهِ... وِ اللَّهِ مش أنا.. لأ
لحد هنا وكفاية أنا مش فاهمة حاجة مين ندىٰ ومين الراجل ده وايه علاقته بيّا وايه علاقتي أنا بِـندىٰ؟!!! وايه اللي هوّ بيترجّاني أصدّقه إنه معملوش !!
سيبت ايده ، وِ قررت أخرُج أجيب حاجة أشربها وِ أرجع وِ أنا فايقة أحاول آخد منّه معلومات واضحة أفسّر بيها كل الغُموض ده !!
بعد ما خرجت بِثواني بسيطة ، لاقيت عُدىّ بيجري ورايا ، وِ بينادي عليا:
شيماء استني.. شيماااء اقفي دقيقة.
فيه إيه يا عُدىّ؟! إيه اللي حصل تاني.
نادىٰ عليكِ وانتِ خارجة وقالّك لو هتسيبيه زي ما سابك فَـده حقّك بس متعرّفيش حد مكانه علشان هيقتلوه !!
أسيب مين يا عدىّ زي ما سابني أنا معرفووش معرفوووش والله أول مرة أعرفه لما إنتَ كلمتني عنه.
معرفش يا شيماء معرفش ، هوّ عمّال ينادي علىٰ ندىٰ ويعيّط وِ بس.......
بعد حوالي رُبع ساعة بِـالظبط ، كُنت أنا وِ دكتور عُمر وِ دكتور مُعتز وِ عُدىّ حوالين سرير أستاذ صَـالِـح..
اتقدّم دُكتور عُمر خطوة وِ سأله:
إنتَ بِـخير يا أستاذ صَـالِـح؟!
مكنش فيه رد ، باصص ليّا وِ بيعيّط وِ بس !!
طب إنتَ عارِف إنتَ هِنا من إمتىٰ؟! عارِف طيب التّاريخ النهاردة ايه؟!
برضه مردّش علىٰ دكتور معتز ولسّه نظره متسلّط عليّا وِ شفايفه بترتعش بكلام مش سمعاه ولا قادرة أفسّر منه غير كلمة ندىٰ !!
طب إنتَ عايِز ندىٰ؟!!
هز راسه بِـشدة وِ هوّ بيبصلّي ، قرّبت منّه ، وِ اتكلّمت بِـهدوء جنبه:
طيب ممكن تقولّي ندىٰ تبقالك إيه؟؟!
أو كانت عايشة فين؟!
أو مثلًا إنتَ زعلتّها في ايه وِ عايز تِصالحها؟!!
ومين اللي مش عايزهم يعرفوا مكانك علشان هيقتلوك؟؟!
قولّي أي حاجة.. أي حاجة تبقىٰ واضحة وأفهمها منّك أرجووك..
ما تمشيش.. يا ندىٰ.. لأ.. واللّه هبقىٰ صَـالِـح واللّهِ.. صدّقيني مش عايزة تصدّقيني ليه؟!
كِفاية كده يا شيماء ، الرّاجِل هيموت.. ده مِش قادِر ياخد نفسُه ، أنا هدّيله حُقنة مُهدّئة ، وانتِ رَوّحي استريّحي النهاردة وِ بكرة بدرِي تعالي وِ نفكّر هنعمِل إيه.
رفَض يسيب ايدي طول ما هو مفتّح عينه ، لحد ما الدكتور معتز ادّاله الحُقنة المُهدّئة وِ نام ، سحبت ايدي برّاحة وِ خرجت ، جِه ورايا عُدىّ وِ قال:
تحبّي أوصّلِك؟!
لا لا أنا هروّح لِوحدِي عايزة أتمشّىٰ.
شيما ممكن يُكون بيخرّف ، أو بيشبّه عليكِ انتِ قلقانة ليه كده وِ حاسّك مِتّاخده وِمخطوفة؟!!
لا يا عُدىّ لا ، فيه حاجة غلط متأكدة إن فيه حاجة غلط بس مش عارفة هيّ ايه ، أنا ماشية دلوقتي بليل هكلّمك ، لو حصل أي جديد كلّمني.
حاضِر ، طمنيني لمّا توصلي.
.....
ركبت تاكسي ، دموعي مش قادرة أوقفها ، أنا مروحتش علىٰ البيت أبقىٰ هبلة لو روّحت نِمت بعد ده كلّه ، الرّاجِل ده فيه حاجة غريبة ، فيه حاجة شدّاني ليه وفي نفس الوقت مخوّفاني منّه ، أنا روحت علىٰ محل الإقامة اللي كان في بطاقته !!
طِلع فيه فايدة أهو من كلام دكتور عمر إننا ندرس معلومات عنه علشان أنزل أنا وِ عُدىّ محل إقامته ونكشف اللغز ، بس بما إنه فاق قبل ما ننزل سوىٰ..يبقىٰ لازم أنزل لوحدي.. مينفعش حد غيري يكشف الحقيقة ، لإن متأكدة إن فيه حاجة كبيرة أوي وراه ، ومينفعش أعرّف حد زي ما قالّي علىٰ مكانه ألا يقتلوه !!!
كده أنا لِوحدي اللي هدور ، وِ أنا لوحدي اللي هوصل !!
وصلنا يا آنسة.
نزلت من التاكسي ، دي حارة !! تكاتك وِ بيوت قديمة مترصصة جنب بعض ، وِ حدادين وِ قهاوي وِ سوق وِ دوشة جامدة..
لو سمحت.. يا أستاذ لو سمحت.
أؤمريني يا هانم.
إنتَ عايِش هنا في المنطقة؟
طبعًا يا هانم ، بدوّري على حد بِـعينه؟
آهه ، كُنت عايزة كِبير المنطقة هِنا تعرف تِدلّني عليه.
طبعًا يا هانم ، تعالِي ورايا.
دِلّني علىٰ طريقه وِ هوصله بدل مَا تِسيب القهوة لِوحدها؟
متقلقيش يا هانم كلنا هنا ولاد حتّة واحدة ما بنخافش علىٰ حاجتنا مع بعض........
اتفضّلي يا هانم ، ده الشّيخ نُوح كِبير المنطقة وِ كبيرنا كلّنا وِ إمام جامع الحارة..
كان واقِف مدّينا ضهره بِيتكلّم مع حد وِ هو ساند على عصايته ، وِ أول ما مشي اللي معاه اديّر وِ هو مبتسم وِ بيقول:
مين اللي معاك يا واد يا علِي؟!
لحظة.. اتنين.. وِ العصاية وِقعت من إيده ، وِ فتّح عينه بِـدهشة وِ بدأ يِضرب كف علىٰ كف وِ هوّ مصدوم ، وِ بِـذُهول همس:
ندىٰ ؟؟!!!!!!!........
رواية حجر ينبض الفصل الرابع 4 - بقلم فريحة خالد
مِش معقول !! كِبرتِي يا ندىٰ وِ بقيتي نُسخة بِـالمللي مِن فَيروز !!
كُنت مُتوقّعة إنّي لما آجي هِنا كُـل الألغاز هتتحل وِ هفهم شيء مِـن اللي بيحصل، لَـكن الظاهر مَكتُوب عليّا أتعذّب بِـالتوهان وِ الغُموض ده.
أخدت نفس عمِيق وِ اتكلّمت بِـكُل هدوء:
- حَضرِتك تعرفني؟!
- عِـز المَعرفِة يا بنتِي، انتِ مش فاكراني يا نَدىٰ؟!
- أنا مِش نَدىٰ !!
حركت كِتافي لِـفُوق بقلّة حِيلة، وِ نفِيت بِـراسِي بِـيأس، وِ قلتله كِده، بس هوّ مش مقتنِع.
فَـكملت وِ قُلت:
- ثوانِي، أنا هَـورّي لِـحضرِتك حاجة.
خرّجت بِطاقتي من شَنطتي وِ رفعتها قُصاد عينيه وِ كان ظاهِر عليه الصّدمة بِـشكل غريب جدًا.
- مِش حقيقي البِطاقة دي مزوّرة، انتِ نَدىٰ بِنت فيروز، يا بنتي لو مكنتش دافن أمّك بِـإيديا دول، كنت.. كنت قلت إنك فيروز !!
سكت، أصلي هتكلّم أقول إيه. ده كابوس، علىٰ كده الكابوس اللي بحلم بيه كُل يوم أهون مية مرّة من اللي عايشاه ده !!
أخدنِي لَحد قهوة عَلِي اللي وصّلني، وِ قعدت معاه علىٰ كُرسِي علىٰ جنب وِ اتكلّم بِـحِكمة وِ هدوء:
- بِـالنسبة للي عَندِي فَـانتِ ندىٰ بنت فيروز وِ أخت..
قطعته وِ هوّ بيتكلّم وِ قُلت بحرارة وِ اندفاع وِ أنا دُموعي نازلة علىٰ خدّي كإنّها في سباق:
- أنا مِش ندىٰ.. مِش ندىٰ وِ معرفش مين ندىٰ ولا أعرف مين فيروز وِ أول مرّة أسمع عن فيروز دي منّك، وِ أوّل مرّة أسمع عن ندىٰ كان من كام ساعة.
أنا اسمي شيماء منصور البحراوي، دكتورة نفسية في مُستشفىٰ دُكتور مُعتز رِضا، وِ أُمّي مكنتش عايشة في القاهرة أساسًا غير لما اتجوّزِت أبويا وِ قبل كده كانت عايشة في قِنا وِ اسمها حَنان مِش فيروز، وِ مليش غير أخ واحد وِ اسمه عبد الرحمـن.
صدّقني واللّهِ.. أنا مِش ندىٰ.. انتم ليه مُصممين تِجننوني؟!
- اهدِي يا بنتي اهدي طيب.. خُدِي نفس حقّك عليّا.. خَلاص انتِ مِش ندىٰ.. استنّي.
الشّيخ نُوح حاوِل يهدّيني لما لاقاني مبقتش قادرة آخد نفسي من كتر العياط، وِ طلب مِن عَلِي يجيبلي كوباية ماية وِ كوبّاية عصير.
وِ بعد خَمس دقايق، بعد ما شِربت العصير وِ هديت تمامًا، ابتسم وِ قالّي:
- أنا سَامعِك يا دُكتورة شيماء، سَامعِك وِ مِصدّق كُل حَرف قُولتيه، ممكن تقوليلي ايه بقىٓ خلّاكي تُقصُدي الحارة وِ تحديدًا تقصُديني أنا، يِمكن أقدر أساعدِك.
مرّة تانية آخد نفس عميق وِ اتكلّمت وِ أنا باين عليّا الضيق والتوهان:
- أنا شغّالة في مستشفىٰ دكتور معتز رِضا النفسيّة، لَـكِـن فيه أيّام كتير بروح المُستشفىٰ العام علشان فيه حَـالات بِتاخد كِيماوِي مثلًا أو أطفال وِ عاملة عمليّات صعبة فَـبيكون دُورِي أخفف عنهم شوية العامل النفسي بيفرق كتيير جدًا في العِلاج.
مرّة طلبت من دُكتور معتز أساعِد مع دكتور زميل ليّا وِ بيكون خطيبي كمان بِـالمُناسبة في حالة في غيبوبة من عشرين سنة، جايز دخُوله الغيبوبة أمر نفسِي لكن.. لكن حصل شيء غريب، وِ ده سبب إنّي جيت هِنا.
- وايه هوّ الشيء الغريب ده يا بنتي؟! وايه علاقته بِحارتنا وبيّا أنا تحديدًا؟
- هحكي لِحضرتك.. الشيء الغريب ده إن ضربات قلبه كانت بتزيد بمعدل مش طبيعي كل ما أدخل غرفته مرّة اتنين تلاتة نبضه بيبقىٰ طبيعي طُول ما أنا برّه وِ أوّل ما أخطّي خطوة لِـ الغُرفة النبض بِـيضطرب وِ يزيد.
سبب مجيئي هِنا بقىٰ، إنّ ده محل إقامته اللي كان في البطاقة الشخصية بتاعته، كانت موجودة في جيبه لمّا كان فاقِد الوعي وِ دخل المُستشفىٰ من عشرين سنة!!
وِ قصدت حضرتك لإنك كبير المنطقة.. جايز تكون تعرفه تدلّني علىٰ أي حاجة تخصّه يِمكن أفهم بيها ليه هوّ في غيبوبة طول المدّة دي وِ بالذّات وِ هوّ سليم مش بيعاني من أي تعب أو مَرض، وِ يمكن ألاقي المُفتاح لِـ اللغز اللي اقتحم حياتِي وخلّاها كابوس!!
الشّيخ نُوح كان باين عليه الاستغراب وِ عدم الفهم وِ التوهان زيي وِ باستفهام سألني:
- يعني انتِ بتدوّري وراه علشان تعرفِي ليه نبضُه بيزيد كُل ما تبقي في الغرفة بتاعته؟!
أنا مِش دُكتور طبعًا ومفهمش أوي في المواضيع دي يا بنتي، لكِن ايه العِلاقة بين إنك تدوّري وراه وِ إنك تعرفي سبب اضطراب ضربات قلبه لما تكوني قريبة منّه؟؟؟
اتنهدّت، اللي هَـقُوله جَايِـز يُكون غلط كبير، وِ خطوة متهوّرة بس قررت أعملها:
- هفهم حضرتك.. الأول كنّا هندوّر علشان لو ليه أهل مفكرّينه ميّت مثلًا كنّا بنحاول نساعدُه.. لَـكِـن دلوقتي أنا بدوّر علشان أحل اللغز الغامِض اللي ربطني بيه في شبكة خيوطها مُعقّدة.
وِ قبل ما تسألني إيه هوّ هقول لحضرتك..
الراجل ده فاق من كام ساعة، وِ أوّل ما شافني اتكلّم كلام غريب.. مِش مُترابط بِبعضه، لَـكِـن بيدور حوالين حاجة واحدة بس..
ندىٰ !!!!!!
بعد صمت ثوانِي، الشّيخ نُوح بحلق فيّا وِ بَلع رِيقُه وِ عيونه احمرّت، وِ اتكلّم وِ هوّ بينهج:
- اسمه إيه الراجل ده؟؟؟ وِ قالّك ايه بالظّبط؟؟؟ استحالة يُكون ده حقيقة....
أنا اتخضّيت مِن تغيير أسلوبه من الهدوء والابتسامة البشوشة لِـ الغَضب وِ اللهجة الآمِرَة، وِ مع ذَلك قلتله اللي حَصَل بالظّبط في الأوضة من ساعة ما فاق لحد ما أخد الحقنة المُهدّئة وِ نَام وِ جيت أنا علىٰ الحارة.
الرّاجِل ده اسمه..
- صَـالِـح دروِيش.
هِنا أنا اللي بحلَقت وِ عيُوني كإنّها خرجِت مِن مَكانها أوّل ما قطَع كلامِي قبل ما أقول الاسم وِ قاله هوّ، حسّيت كإن الخيُوط بِـتتعقّد أكتر وِ أكتر.
اتكلّمت بِـدهشة وِ أنا ببلع ريقِي بِصُعوبة:
- إنتَ... إنتَ تعرَفُه؟؟!!
ابتسم بس المرّادي بِـاستهزاء وِ قالّي بِـحَسرة واضحة في نبرة صُوتُه:
- صَـالِـح مُصطفىٰ محمود عبد المِنعِم دَروِيش.. اسم عَلىٰ غِير مُسمّىٰ، مَكنش ليه نَصيب من اسمه من الصلاح، عُمره ما كان صَـالِـح.. عَاش وِ مَات طَـالِـح !!
............
- ما تفتحي الباب يا بت يا سَجدة ايه انطرشتي !!!
يا بت يا سجدة.. يوووه عايشة مع بِت زيّها زي دَكر البط ما مفيش مِنها لا فايدة ولا منفعة.. يا شيخة ده دكر البط نافعنا عنّك علىٰ الأقل بناكلوه.
أيوة يا اللي بتخبّط جاية جايـ....
يا مصيبتي السوده يلاهوي يلاهوووووووي..
بِنتي.. بِنتي..
صُوت صِرِيخ.. لَطم.. وِ صِويِت من الحاجة هَـناء أوّل ما فتحت باب الشّقة وِ شافت سُميّة قُصاد عينها. اللي أوّل ما اطمّنِت إنّها وَصلِت بيت أبوها طبّت وَقعِت.
جه علىٰ الصّوت سجدة اللي كانت بتصلّي. كانت مخضوضة وِ مرعوبة أوّل مَـا شافت أختها وقعِت جنبها علىٰ الأرض وِ أخدتها فِي حُضنها وهيّ بتعيّط بِـهيستيرية وِ بِـتصرُخ:
- سُميّة.. رُدّي عليّا يا حبيبتي، رُدّي يا سُميّة أبوس ايدك، فُوقي يا سمسم يلّا.. فُوقي علشان خاطرِي.. اااااه يا سُميّة..
الجيران اتجمّعوا من العِمارة بتاعتهم، وِ من العِمارات اللي حواليهم، صُوت صِويت وِ صريخ الحاجة هناء وِ سَجدة كَفيل يسمّع المنطقة كلّها.
اتنقلِت لِـ المُستشفىٰ وِ هناك الدّكتور صَدمهم بِصدمة عُمرُهم:
- لازِم تبلّغوا البوليس يا جماعة.. دي حالة اغتـ...صاب وِ عُنف شديدة.. اللي عمل فيها كده مَنزوع مِن قلبه الرّحمة وِ الإنسانيّة بِـكُل معانيها.
الصّدمة كانت صعبة عَلىٰ سجدة وِ أمّها. اتكلّمت سجدة بِصعُوبة وِ قالت:
- يعني ايه يا دكتور.. أُختي جرالها إيه.. رُد عليّا أختي.. أختي مالها؟؟؟؟
- للأسف حضرتك.. اتعرّضت لِـ اغتصـ..اب وِ ضرب مُبالَغ فيه خلّاها خِسرِت الجنين.. وِ فيه كسر في الكِتف الشّمال وِ شوّية شِروخ وِ كدمات تحت الجِلد في دراعها اليمين.. وِ للأسف فيه كسر في الحُوض وِ مفصل في الرّكبة.. وِ.. وِ.. اتعرّضت لِـنزيف شديد.. لو استمر هنضطر نستأصل الرّحِم.
أنا آسف جدًا ليكم.. ربّنا يقوّمها بِـالسّلامة وِ ياريت تبلّغوا البوليس في أسرع وقت.
مكنش فيه كلام يِوصِف حالة أي حد مِنهم لا سَجدة ولا أمّها. اللي صحيح ياما عَطيِتها نصايح إزاي تِكون زوجة مثاليّة.. تِهاوِد جُوزها وِ لمّا يِضربها تُصبُر علشان ملهاش غِيره، وِ لمّا يتجبّر عليها تُسكُت علشان مينفعش تعترض وِ تهد بيتها.
ذكريات كتير في شريط زي شريط السينما بيجرِي بِـسُرعة البرق قُصاد عين سَجدة. ضِحكة سُميّة.. هِزارها.. أحلامها.. سهرهم وِ لعبهم وِ هما صغيرين.. كليّتهم.. كلامها دايمًا عن حِلمها بِبيت هادي وِ لطيف وِ زوج حنين تملاله البيت أطفال.
هِنا الشّريط وقف وِ افتكرت جُملة الدكتور عن النزيف و استئصال الرحم. صرّخت بِقلبها وِ صَدىٰ الصّوت رن في المُستشفىٰ بحالها.
......
- لو سمحتِ عايزة أقابِل أستاذ عبد الرحمن البحراوِي ضروري.
- حضرتك واخدة معاد يا فندم؟
- لأ بس الموضوع ضروري، أبوس ايديكِ دخلّيني خمس دقايق بس مش أكتر.
- ثوانِي أبلٍّغه طيب، اسمك إيه قولتيلي؟
- سجدة.. اسمي سجدة أحمد.
- أستاذ عبد الرّحمن في بنت برّه باين عليها إنها في مُشكِلة لإنّها بتعيّط وِ بتترجىٰ تِقابل حضرِتك ضروري.
- طب خلّيها تُدخل يا زينة......
- اتفضّلي تحت أمر حضرِتك.... سجدة !!!!!!!!!
مفاجآة كانت بِـتتمنّاها سجدة طول حياتها. دعوة بتنام وِ تقوم بيها.. تتحقق دلوقتي في الظروف دي!!
اتكلّمت بِدهشة:
- رَحيم !!!!
احتدّت مَلامحُه وقتها، وِ كشّر وِشّه وِ نبرة صوته بقت أغلظ وِ هوّ بيقول:
- السكرتيرة بلّغتني إنك عايزاني في أمر ضروري خِير..
- مِش مِصدّقة إني شُفتك بعد العُمر ده كلّه.. أنا مش فاهمة حاجة إزاي اليافطة مكتوب عليها عبد الرحمن منصور البحراوي.. إنتَ مش اسمك رَحيم..
قطع كلامها بِخبطة من إيده علىٰ المكتب بِقوّة، اتفزعِت سجدة، وِ اتكلّم هوّ تاني بِغلظة عن سبب طلبها ليه.
وهيّ ركنِت دهشتها من مقابلته بعد السنين دي كلّها وِ دهشتها من تغيير اسمه وِ حكت ليه كل اللي حصل بالتفصيل مِن بداية جواز سُميّة لحد وُجودها في المُستشفىٰ بين الحيا وِ الموت.
عبد الرحمن أخد دقيقتين ساكِت مانِع نفسه من إنّه يكسّر كل حاجة حواليه من شدة غضبه بِالعافية اتكلّم بِهدوء نِسبي وِ قال:
- بلّغتي البُوليس؟
- لأ، مِحتاجة قبل ما أبلّغ أعرف إذا كُنت هتساعدني آخد حق أختي وِ هسدلك كُل مصاريف أتعابك بعدها واللّهِ.. ولاّ لازم جزء من الأتعاب دِلوقتي.
- بلّغي البوليس يا أستاذة وِ أنا هكون المُحامِي الخاص بيها لحد ما حقّها يِرجعلها.. وِ خلّينا نتكلّم في التفاصيل المُهمّة في القضية.
سَرح عبد الرحمن في قصة دايمًا يحكيهالِي لِـغاية وقتها أنا مكنتش فاهمة سبب القصة دي بالذات.
لما سيّدنا أيوب اشتد عليه المرض وِ الفقر وِ السيّدة رحمة زوجته كانت بتشتغل لِـخدمة الناس في البيوت علشان تقدر توفّر فلوس لِـطعامهم وِ وصل بيها الحال إنها تقص جدائل شعرها وِ تبيعها علشان الناس رفضت تشغلّها لما طِلع إشاعة إن مرض سيدنا أيوب مُعدِي.
وهيّ راجعة مرّة من البيوت اللي كانت بتشتغل فيها، قابلت شخص من هيئته يبان إنه طبيب قالّها أنا هقدر أشفي زوجك.. لكن يقول إني أنا بس اللي شفيته وإنه شُفِي بِـسببي.
فَـ لما روحت وِحكت لسيدنا أيوب اتعصّب منها وِ أخد على خاطره لإنّه أدرك إن ده شيطان.
فَـأقسم باللّهِ إنه لمّا يبقى كويس هَـيضربها مئة ضربة.
فَـ لما ربنا أنعم عليه بالشفاء.. ايه حصل؟؟
نِزلت آية بتقول.. "وَ خُذ بِيدِك ضِغثًا فَـاضرِب به وَلا تحنَث".
يعني خُد حِفنة من الحشيش أو الريحان وِ اضربها ضربة واحدة.
تحليلًا لِحلفانكوِ ده رحمة من عَند ربّنا بيها كَـ امرأة.. وِ لُطف بِحالها.
فَـ هو كَنبيّ لما حلف يِضرب ربّنا أمره يِضرب بِحفنة من الريحان أو العشب علشان متتإذيش. وِ إحنا كَـ بشر بِنكسّر عضم ونِدفن أرواح !!!
فاق عبد الرحمن من شروده علىٰ صوتها وهيّ بتسأله إذا كان معاها ولا لأ. هز راسه وِ بدأ يركّز معاها.
- مِش فاهمة من حضرتك حاجة مين أستاذ صَـالِـح ده؟ وِ ليه حضرتك بتتكلّم عنّه كده.. أرجوك ساعدنِي...
- صَـالِـح ده يبقي أبوكِ...
أبوكِ اللي قَـتَـل أُمّـك بِـقلب حَـجَـر وِ دم بَـارِد...
أبوكِ اللي عجّز أخوكِ بِـدِمعة ناشفة.
وِ أبوكِ اللي سَـاب بنته تُموت قصاده وِ جفنه متهزّش.
أبوكِ اللي وَصل بيه الحال إنه يحاول ينتهك عَرض بِنته.
- أبويا !!!!!!!!
- أيوة أبوكِ.. انتِ ندىٰ صَـالِـح دروِيش.
أخت رَحيم وِ نُور وِ بنت فَيروز اللّه يرحمها.
اللي زي الرّاجِل ده مش يستاهل غيبوبة تسرق شبابه وِ عمره يِستاهل النّار تاكُل عضمه، وِ تكوِي لحمه، وِ تفحّم جِلدُه.
وِ صدّقيني كُل ده قُليل وِ عُمر النار دي ما هتقدر تخلّيه بني آدم هَـيفضل لحد ما يُموت مُجرّد حَـجَـر يَـنْـبُـض !!
رواية حجر ينبض الفصل الخامس 5 - بقلم فريحة خالد
صُوتِي كان عَالِي وِ أنا بتكلّم وِ كان واضِح جدًا إنّي بزعّق.
الشيخ نُوح بص حواليه، وِ رِجع بصّلِي وِ حاول يهدّيني.
"طب اهدي يا نَدىٰ وِ أنا هفهمك كل حاجة."
معطيتوش فُرصة يِكمّل كلامه وِ بِـكُل قوّتي زقّيت الكوبّايات اللي كانت قُصادنا.
وقعت علىٰ الأرض.
صُوت التكسير كان عالِي وِ النّاس بدأت تتجمّع خُصوصًا لمّا وقفت قُصادُه وِ بدأ صُوت زِعيقي يعلىٰ وِ أنا بقول:
"قُلتِلك مية مرررة... مية مرررة أنا مِش نَدىٰ.. مِششش ندىٰ.. افهممم بقىٰ.. وِ استحالة استحااالة الشّخص اللي عَـمَل كُل ده يبقىٰ أبويا.. فاهِـم استحااالة.. أبويا ده مَفيش في أخلاقه في الدنيا كلها وِ مبيحبّش في حياته قدّنااا ، وِ الأسماء اللي بِـتقول عليها دي مسمعتش عنها ولا مرة قبل كده ولا مررررة !!!"
قُلت آخِر جُملة بِصُوت هز حنجرتِي من كُتر ما كان عَالِي.
كُنت لسّه هَـاخُد شنطتِي وِ أمشي.
لاقيته وَقف هوّ كمان وِ مد عصايته قُصادِي يِمنعني إنّي أمشِي.
اتعصّبت وِ لسّه هَـزُق العصاية لاقيته بِـيقُول بِـكُل ثِقة:
"هَـسيبك تِمشي المرّادِي بس مُتأكّد إنّك إنتِ اللي هتيجي بنفسِك تاني ؛ تُطلبي منّي تِسمعي اللي حَصل زمان وِ يُكون في علمِك محدّش هيسمّعك الحقيقة غيِري.. مِن أوّل مَـا صَـالِـح دروِيش اتوَلد لحد مَـا مَات.."
استغربت وِ ملامِح وِشّي كرمشِت لمّا لاحِظت إن للمرّة التانية يُذكُر إنّه ميّت رغم إنّي وضّحتِلُه إنه مِش ميّت وِ إنه كان في غيبوبة.
مكنش عندي القُدرة إنّي أعلّق سيبته يكمّل كلامه.
وِ من جُوايا بدأ شيء يِقنعني أصدّقه بِالذّات لمّا قال:
"وِ لو مِش مصدّقاني.. اسألِي نفسك.. معرفش.. معرفش ازاي انتِ مش فاكرة إنّك ندىٰ.. وِمش فاكرة أي حاجة من اللي بحكيهالك.. بس.. بس اسألِي نفسِك انتِ شبه مين؟! هَـتلاقِي نفسك صُورة طِبق الأصل من فيروز اللّه يرحمها.. بلاش دي.. اسألي نفسِك رَحِيم أخوكِ عَندُه عَجز فِي رجله اليمين ليه؟!! اسألي نفسِك نُور أختك ماتت ليه؟!!! لو جاوبتي علىٰ كُل الأسئلة دي.. هَـتلاقِي نفسك عِرفتي انتِ مين.. نَدىٰ ولا شيماء !!!"
بصّيتله بصّة أخيرة ، وِ بصّيت علىٰ النّاس اللي كانِت مِتجمّعة حوالينا.
وِ انسحبت بِكُل هُدوء.
بس الحقيقة ده مكنش هُدوء.. ده كان استسلام وِ هزيمة.
زي شُعور المُحارِب اللي قَضىٰ عُمرُه يِدافع عن أرضه علشان يِحرّرها وِ يكتشف في الآخِر إنّها مِش أرضُه أساسًا وِ كُل حياته مُجرّد كِدبة كِبيرة.
عِشت عُمرِي كُلّه مع أب وِ أخ... وِفي الآخِر اكتشف إن أبويا مش أبويا... وِ أبويا الحقيقي ياريته ما كان أبويا... وِ أخويا مِخبّي عَنّي حَياتِي كُلّها.
السّؤال هنا.. هوّ أنا مِش فاكرة ليه أي حاجة عن الكلام اللي بيقوله ده؟؟؟
فِضِلت ماشية لحد ما خَرجت برّه الحارة تمامًا وِ أنا بَـجُر رِجلِي لحد ما وقّفت تاكسي علشان أروّح وِ هناك أقدر أفكّر كِويّس أوي في كُل اللي بيحصل.
"شيما.. مِش هتقومي تتغدّي ، عبد الرحمن جِه وِ بيسأل عليكِ."
فتّحت عيني بِـصُعوبة وِ سألته علىٰ السّاعة فَـ رد عليّا بابتسامة:
"الساعة تمانية وِ نُص يا ست شيما ، بقالك اتناشر ساعة نايمة."
اتخضّيت وِ قُمت مرّة واحدة قعدت علىٰ السّرير مَسكت موبايلي ببص علىٰ السّاعة ، لاقيت فعلًا أنا نايمة من ساعة ما جيت الصّبح ، أوّل مرّة أطوّل في النوم كده !!!
قُمت وِ غسلت وِشي وِ بدأت أبص في ملامحي ، أوّل مرّة أدقق فيها بالشّكل ده.
لحظة كده.. وِ أوّل مرة أكتشف إنّي مِش شبه بابا ولا عبد الرحمن فِعلًا.
خرجت من أوضتي وِ قابلت عبد الرّحمن سانِد علىٰ عُكّازه وِ هوّ خارج من الأوضه.
بصّلي وقالّي:
"أهلا بالسّت شيما.. ايه يا جميل كُل ده نُوم.. بابا بيقولّي إنّك نايمة من الساعة تمانية وِ نص الصّبح."
ابتسمت وِ أخدت العُكّاز من ايده وِ سندتّه بايدي وِ أنا بقول:
"دُكتور مُعتز قالّي روّحي مش ضروري تيجي تاني النهاردة ؛ علشان كُنت هناك من بدري بسبب حالة الطوارئ ، فَـ ما صدّقت بقىٰ يا سيدي وجيت أخدّتها نوم."
قعدنا كُلّنا علىٰ السّفرة وِ بدأنا ناكل وِسط كلام بابا وِ عبد الرحمن الهادِي.
كُنت بقلّب في الأكل مليش نفس آكُـل.
حطّيت معلقة في بُقّـي وِ قُلت بابتسامة مرسومة كوّيس:
"ألاّ قولّي يا بابا هوّ أنا مش طالعالك زي القمر كده ليه؟! ولا حتّى جامدة زي بُودِي... وِ ماما اللّه يرحمها مفيش بينا أي شبه خاالص.."
حطّيت ايدي علىٰ خدّي وِ أنا راسمة الابتسامة البريئة علىٰ وِشّي بِحرفيّة تامّة.
بدأت أوزّع نظاراتي بينهم ، فيه توتر في عُيونهم.
عبد الرحمن اتكلّم بعد صمت دام حوالي دقيقة كاملة:
"أنا وإنتِ أساسًا يا شيماء مِش شبه لا بابا ولا ماما ، تقريبًا ماما الله يرحمها من حُبّها في أهلها جابتنا شبهم بالظّبط."
هزّيت راسي ، وِ قعدت أتكلّم أي كلام عن المُستشفىٰ وِ الشّغل علشان ميحسوش بشيء غريب فيّا وِ نجحت فعلا وِ هُمّا دخلوا في الحوار معايا.
بعد الغدا ، خرجنا البلكونة مكان تجّمعنا دايمًا نِشرب الشّاي.
كُنت بتساهِر معاهم مستنيّة الوقت المُناسِب اللي هرمِي فيه الطُّعم الجاي.
لحد ما عبد الرحمن سألني سؤال خلاّني ابتسمت:
"ألاّ صحيح يا شيما ، هو عُدىّ فين أراضيه معتش بيجي ليه؟!!!"
"بذّمتك ليك قلب تسأل؟! يا عم ده إنتَ بتجيبه تحقق معاه.. وِ واقفله علىٰ كُل نفس يتنفّسه.. وِ كُل ما تشوفه تأجل معاد كتب الكتاب.. لحد ما بقىٰ يخاف يجي تلغي الفرح خالص."
ضحكت في آخر كلامي ، وِ بابا شاركني ضِحكتي بس عبد الرحمن اتنهّد تنهيدة طويلة ، واتكلّم بِـقلق واضِح في نبرة صوته:
"معلش يا شيما.. غصب عنّي معنديش أغلىٰ منّك ، وِ بخاف عليكِ أكتر من نفسي.. خايف ألاّ أكون سلّمتك للشخص الغلط.. خايف ألاّ أجوّزِك ليه يطلع مش كويس معاكِ ويئذيكِ.. خايف.. خايف ألاّ يهينك أو يجرحك في يوم.. خايف علىٰ عيالِك مِنّهُ وِ يجي اليُوم اللي يقولولك مش مسامحينك علىٰ اختيارك لِـ بابا.. صدّقيني مش هَـسامِح نفسي.. أنا من يوم ما طلب ايدك وِ أنا عايش في رُعب من جوايا.. دِماغي بتتخيّل أسوأ السيناريوهات لو جوزتك ليه وطلع شخص سيء !! علشان كده بحاول أخلّي فترة التعارف طويلة ، عايز أثبت لِـ نفسي إنه كويس وِ يستحقك وِ هيعرف يحافظ عليكِ !!"
سَكَت شويّة.
دِماغي بتربط كلام عبد الرحمن اللي كلّه قلق وِ خوف بِـكلام الشّيخ نُوح عن كل اللي عمله صَـالِـح دروِيش.
كوني دكتورة نفسيّة يخليني أحس إن عبد الرحمن عنده أزمة ثِقة وِ خوف رهيب من جواه.
مش واثِق في عُدىّ وِ عنده كُل التخوّفات دي رغم إن عُدىّ شخص خلوق جدًا وِ بشهادة الجميع ، لكن هوّ فيه حاجة من جواه مخليّاه مِش مُتخيّل إن فيه شخص كده بجد.
معقول الحاجة دي ممكن تُكون صَـالِـح دروِيش !!
وِشّي بهت وِ أنا بسأل نفسي سُؤال.
هتعملي إيه لو طِلع صَـالِـح دروِيش أبوكِ بجد؟!
هتعملي إيه لو اكتشفتي إن أبوكِ أسوأ نُسخة لابليس في الأرض؟!
لاحظ بابا إنّي سرحت في كلام عبد الرحمن.
مسك وشّي ديّره ليه بِهدوء وِ قالّي بنبرة حب وِ حنيّة:
"مفيش في الدُّنيا حد هيحبك ولا يخاف عليكِ زي أخوكِ يا شيما ، أوعي تحسّي إنه بيتحجج بِحجج ملهاش وجود غير في خياله علشان يأجل جوازِك وخلاص ، ده بالعكس هوّ أكتر حد عايز شيما تبقى بخير وِ مبسوطة في حياتها ، هو بس علشان محامي في شؤون الأسرة وِ بيشوف حاجات صعبة في بيوت الناس قلقان بس.. وِ بصراحة أنا كمان قلقان.. بذّمتك ينفع يبقى معانا جوهرة جميلة زيّك كده ونِوافق إنها تبعد عننا وتسيبنا ، ده إحنا نبقى عبط."
ضحكت على آخر كلامه ، وِ بوست ايده بِحُب.
بصّيت لعبد الرحمن لاقيته بيتابع كلامنا بهدوء.
مسكت ايده وِ بوستها وِ بكل حب قلتله:
"ربنا ما يحرمني من وجودك ولا من خوفك عليا وتفضل إنتَ وِ بابا في ضهري العُمر كلّه ، وِ بعدين يا سيدي أنتَ خايف عليّا من عُدىّ.. طب والله انتَ غلبان ده لو فكّر يزعلّني مش هيلاقي مُستشفىٰ تِرضىٰ بيه واللّهِ."
"لا كده المفروض تخاف عليه هوّ من أختك يا عم عبدُه."
ضحكنا كُلّنا وِ من قلبي اتمنّيت لو يفضل الحال على ما هو عليه..
أفضل شيماء منصور البحراوي.. أخت عبد الرحمن وبنت منصور وِ حنان..
وِ كل اللي اكتشفته ده كِذب في كِذب..!!!
"بقولّك يا بُودِي."
كُنت برمش بعيني كذا مرة وأنا بتكلّم غيظًا في عبد الرحمن لإنه مش بيحب الدّلع ده.
ضيق عينه وِ قالّي بتحدّي:
"أؤمريني يا شوشوو."
"يووووه ده إنتَ رِخم ، مش بحب الاسم ده."
"واحدة بِـ واحدة ، والبادي أظلم."
"بقىٰ كده واللّهِ؟! تمام هتقمص وأدخل أنام بس بعد ما أسألك علىٰ حاجة."
"لا اتقمصِي ونامِي أحسن."
"لا هسأل يا رِخم.. هوّ أنا هبقىٰ عمتو امتى بقىٰ؟!!"
رميت الطُّعم التّاني ، وِ إجابة عبد الرحمن هتحسِم أمور كتيرة.
"مِش فاهم قصدك!"
"يعني يا حبيبي هتتجوّز امتىٰ؟ أنا عندي ليك عرايس كتير واللّهِ ، وِ كُلّهم بنات زي القمر ، نفسي تتجوّز وِ تخلّف علشان أشيل وِلادك و أبقىٰ عمـ...."
"شيمااااء ، أنا مش عايز أتكلّم في الموضوع ده بعد إذنك ، وِ قلت كذه مرة قبل كده مش عايز كلام في الحوار ده ، مفهووم؟?"
قطع كلامي بِعصبيّة واضحة عليه ، وِ هِنا قُلت الجُملة اللي مستنيّة أقولها من بدرِي:
"أنا آسفة مش قصدِي أزعّلك ، انتَ عارِف إنّي بحب الأطفال جدًاا ، وِ بما إنّي موّالي طويل مع عُدىّ.. كُنت عايزاك تِنجِز وِ تتجوز وتخلّف وتجيبلنا بنوتة حلوة كدة زيي وِ أسميهالك أنا.. عارف مِخططة هسميّها ايه.. لو طِلعت شبهي هسمّيها فيروز ، وِ لو طلعت شبهك هسمّيها نُور ايه رأياااك؟؟؟"
طُول عُمرِي عندي قُدرة علىٰ ضبط تعابير وشّي وِ بقدر أتحكّم فيها ، قِدرت أرسم البرائة علىٰ وِشّي وِ أنا بتكلّم ، وِ قدرت أكتر أبيّن إنّي بتكلّم بِفرحة وِ حماس عن الأطفال وِ أسمائهم كإني مخططة فعلًا أسميّهم كده زي ما قُلت !!
وتابِعت بِكُل هدوء الصّدمة اللي اترسمت علىٰ وِش عبد الرحمن وِ بابا بِوضوح الشّمس.
بصّوا لِـبعض في وقت واحد أول ما نطقت الاسمين.. كإنهم بيتأكدوا إنهم سِمعوا صح.. !!
بِـسُرعة علشان محدّش يشك فيّا ، كمّلت وِ قُلت:
"في حالة بقىٰ يا سيدي لو طلعت شبه مامتها هِنا هنسمّيها نيروز علشان نبقىٰ جمعنا بين الاسمين.. إيه رأيك يا بابا في اختياراتي الجامدة؟!"
بلع رِيقه وِ بص لعبد الرحمن وِ رجع بصلي وقال بابتسامة هادية:
"جميلة أوي يا شيما فعلا."
غمزت بعيني وِ بعدين قُلت:
"واللّهِ ما حد جميل غيرك يا حاج. وِ إنتَ يا بودي إيه رأيك في الأسماء؟!!!"
قصدت أقول بودي.. علشان أتأكّد لآخر مرّة من شكّي.
لو ضحك وزعّق علشان بودي يبقىٰ كده اللي بيحصل ده سوء تفاهم مش أكتر ، وِ أنا فعلا شيماء.
ولو استغرب من اختياري لِـ الاسماء دي وِ شك في حاجة يبقىٰ أنا لازم أكرر زيارتي لِـ الشّيخ نُوح.
أسماء حِلوة فعلا ، بس اشمعنا الأسماء دي اللي مخططة تسمّيهم بيها يعني؟! إيه السر في كده؟!!!
"لا عادِي يا سيدي ، أصل أنا بحب الأسماء دي أوي ، وفي نفس الوقت نفسي أخلّف ولاد بس ، فَـ قُلت مفيش قدامي غير إني أسمّيلك بناتك كده."
بابا ابتسم وِ سألني بِـعفويّة كانت واضحة عليه ، تقريبًا كان عايز يقفّل الموضوع:
"طب يا ستّي و انتِ اللي هتسمّي ولادك ولا هتسيبي عبد الرحمن يسمّيهم؟?"
"لا هسيب عبد الرحمن يسمّيهم زي ما هسمّي بناته ، بس لو جبت توأم هسمّيهم أنا ؛ علشان نفسي أسمّي رحيم وِ رُحمَان."
فُرصة وِ جت لحد عندي ، سؤال بابا جه في ملعبي ، وِ أنا سدّدت الجُول.
"الله!! جُمال أوي.. ربّنا يسعدك وِ ينوّلك اللي في بالِك يا حبيبة بابا."
"يارب يا بابا ، وِ يسعدك يا عبده إنتَ كمان وِ يفرّح قلبك."
استأذن أنا بقىٰ ؛ علشان هكلّم عُدىّ أسأله على حاجة وِ أنام عندي شُغل بكرة ، تصبحوا علىٰ خير.
اتحرّكت من مكاني وِ أوّل ما اديّرت الابتسامة اللي كانت مرسومة اتمَسحِت.
وِ دماغي بدأت تحلل وِ تفكّر في كُل تعبير اترسم علىٰ وِش عبد الرحمن وِ بابا بعد ما نطقت الأسماء دي بالذّات.. ' فيروز ، نور ، رحيم '...
دخلت أوضّتي وِ طلّعت موبايلي علشان أكلّم عُدىّ.
***
في المُستشفىٰ وِ تحديدًا عند سجدة وِ سُميّة وِ مامتهم.
سجدة بتتكلّم بِدُموع:
"استريّحتي يما ، استريّحتي لما كُل ما تجيلك مَضروبة بدل ما تاخديلها حقّها تروّحيها وتقوليلها ملهاش غيره.. أهو اللي ملهاش غيره جيبهالك المرّادِي بتموت علشان تبقِي تكفّينيها انتِ ، يارب تكوني استريحتي يما.. يارب تكوني استريحتي.."
ردت عليها بِوهن وبصوت عاجز ضعيف:
"كُنت عايزة أحافِظ علىٰ بيتها ، مَكنتش عايزة حد يجيب سيرتها في العاطِل وِ الباطِل ، مكنتش عايزاها تعيش اللي عيشته ، وِ تحس إنها ناقصة وفيها عيب علشان اطّلقِت ، كُنت عايزة أحميها من كلام الناس المُر."
"طب وِ بعد ما حميتيها من كلام الناس ، مين حماها من جوزها ، مين حماها من رقدِتها كده بين الحيا وِ المُوت؟! النّاس بتتكلم على طول.. على الفاضي والمليان.. كانت هتنسىٰ بعد يومين ولا تلاتة.. إنما بنتك هتعيش عُمرها كله وِ مش هتنسىٰ اللي هيّ فيه دلوقتي."
خرجِت سجدة من الأوضة اللي أختها نايمة فيها ، وِ رنت علىٰ رقم عبد الرحمن اللي كان في الكارت.
رنّت مرة وِ اتنين مردّش.
زعقّت لِـ نفسها:
"انتِ عبيطة يا سجدة !! بترنّي علىٰ حد الساعة حداشر وِ عايزاه يُرد ، زمانه نايم طبعًا ولاّ مع مراته.. مراته؟! ممكن يكون اتجوّز؟؟! لا لا مكنش في ايده دبلة الصبح.. يا ترَىٰ يا رحيم إنتَ بتحبني زي ما بحبك ولا لأ؟ وايه السر الغريب اللي يخلّيك تغيير اسمك وِ هويّتك؟?"
اتنهدت بحيرة وِ لسّه هتدخُل الأوضة تاني ، لاقت رقمه بيرن وِ صوته الهادِي بيقول:
"السلام عليكم ، مين معايا؟!"
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. أنا سجدة أحمد.. مش دي نمرة أستاذ عبد الرحمن البحراوي."
"أيوة معاكِ يا آنسة سجدة خير فيه حاجة؟!"
"معلش لو بزعج حضرتك ، بس الصبح يعني طلبت مني قبل ما أمشي أستنىٰ ما أبلغش البوليس لحد ما سُميّة تِفوق وِ تقرر ده بنفسها وِ توكّلك المحامي الخاص بيها."
"أيوة مظبوط ، هيّ فاقِت؟!"
"الدكتور لسه مطمنّا من شوية وقال هتفوق بكرة بإذن الله ، آجي آخد التوكيل اللي المفروض تمضيه امتىٰ بقىٰ؟!!!"
"لما توافِق ترفع قضية ، بلّغيني وِ أنا هجيب الورق وآجي بيه المُستشفىٰ علشان لازم أقعد معاها وِ أسألها علىٰ كذه حاجة مُهمّة ، وِ حمد الله على سلامتها."
"شكرًا اللّه يسلمّك."
قفلت سجدة مع عبد الرحمن ، وهيّ مش مصدّقة معقول الصّدفة تجمعها بِـ رحيم بعد السنين دي كُلها.
تبقىٰ رايحة لِـعبد الرحمن البحراوي ، المُحامي الشاطر وِ المشهور عنه إن أتعابه قليلة ؛ علشان ياخد حق أختها ، تُفاجئ إنه رحيم جارهم القديم !!
عدّى كتير أوي علىٰ طلاق مامتها وِ خُروجهم من الحارة اللي كانوا عايشين فيها مع باباهم.
كِبرت وِ هوّ كِبر بس منستش شكله زي ما نستش إنه الولد الوحيد اللي كانت مش بتخاف منه في الحارة وِ بتحب دايمًا تشوفه.
نفسها بس تعرف إيه حصل بعد ما خرجت من الحارة ، علشان رحيم يغيّر اسمه لعبد الرحمن البحراوي !!!!
***
في أوضتي كنت ماسكة ورقة وِ قلم وِ برسِم بِـعشوائية ، بفكّر.
بفكّر في كلام المريض رقم متين وِ تسعة لما قالي يا نَدىٰ ، لما طلب مني أستنّىٰ جنبه ما أمشيش ، لما لاقاني بعيّط وقالّي لسه بتعيطي في وجودي ، لما قال أنا ما صدقت لاقيتك.
بفكّر في الصدمة اللي اترسمت علىٰ وش عبد الرحمن وبابا لمّا قلتلهم أنا مش شبه حد فيكم ليه.. والصدمة الأكبر لما قلتلهم على أسماء البنات والولاد اللي بفكر أسمي بيهم عيالنا.
افتكرت لما كانت مِفكّرة إن صَـالِـح دروِيش قريبنا من ناحية ماما ، وِ سألتهم عن مكان أهلها ، تقريبًا بدأت أجمّع ليه عبد الرحمن كان حاد معايا شوية في الكلام وِ هو بيقولّي إيه فكرّك بيهم دلوقتي.
بدأت أربط كل ده بكلام الشيخ نُوح.
حسّيت إن اللي بيحصل مش سُوء تفاهم ، وِ إن زي ما الشيخ نوح قال هرجع أروحله تاني ؛ علشان أسمع منه الحقيقة ، بس يا ترىٰ أنا قد الحقيقة اللي هسمعها !!
"صباح الخير يا شيما ، رايحة فين بدري كده مش لسّه ساعة علىٰ شغلك."
"صباح النور يا بابا ، آه فاضِل ساعة ، بس أنا مروحة بدري إمبارح فَـ هروح بقىٰ دلوقتي علشان لو فيه شغل كتير أكون موجودة ، عايز حاجة؟!"
"لا يا حبيبتي سلامتك مع السّلامة."
خرجت من البيت ، وِ ركبت تاكسي قبل ما أروح الحارة ، هروح المُستشفىٰ.
دخلت مكنش لسّه عُدىّ جه ، ولا حتّىٰ دكتور معتز.
فُرصة حِلوة أدخل لِـوحدِي الأوضة.
أخدت نفس عميق ، وِفكرت نفسي إنّي لازم أكون هادية علشان أعرف أحل كُل العُقد دي.
فتحت الباب ، راقبت جِهاز القلب ، الضّربات بتزيد في دخولي.
قرّبت منّه وِ سحبت كُرسِي من علىٰ جنب الأوضة وِ قعدت عليه.
بدأت أدقق في ملامح وِشّه وِ هوّ مغمّض ، عنده شامّة تحت عينه زي اللي عند عبد الرحمن بالظّبط.
لاحظت إنه هيفتّح عُيونه فَـبعِدت شوية عن وِشه وِ اتعدلت في الكُرسي.
أول ما فتح عينه وِ شافني ابتسم بتعب وِ حاول يرفع ايده لِـ وِشّي.
المرّادِي مسمحتلوش يعملها !!
بِـعدت عنّه وِ قلتله:
"مِش عايز تقول حاجة؟؟ مش حاسس إن فيه حاجة عايزني أعرفها؟?"
بدأ يِنهج وِ هز راسه بالنّفي وِ قال:
"ما تمشيش.. ما تمشيش يا نَدىٰ.. خلّيكِ جنبي.. أرجوكِ..."
اتنفّست بِـعُمق وِ قلتله بِـهدوء:
"أنا مش عارفة إذا كُنت ندىٰ أو لأ ، بس صدّقني اللي مُتأكّدة مِنّه إنّه مِش في مصلحتك أطلع أنا ندىٰ اللي بتدوّر عليها ، واللي عملت فيها كل اللي اتقال ده !!"
سيبته وِ قُمت ؛ علشان أروح للشيخ نُوح.
قبل ما أخرج من الأوضة ، وقفت علىٰ الباب ، وِ قلتله بِدُموع:
"عارِف لو طِلع كلام الشيخ نوح عنّك حقيقة ، هَـيكون اللي متوصّل بالجهاز ده حجر مِش قلب !! وِلأوّل مرّة في الطّب نِشوف حَجَر يَـنـبُـض !!!"
***
"يا أستاذ لو سمحت."
"انتِ تاني !!!"
"معلش يا أستاذ عَلِي ، ينفع تبلّغ الشّيخ نُوح إنّي مستنيّاه هِنا."
"ثواني."
عدّىٰ دقيقتين وِ لاقيت الشّيخ نوح واقِف قُصادِي بِـجلابيّته البيضا وِ عصايته وِ هو بيقولّي:
"متوقعتِش تيجيلي تاني بالسّرعة دي يا نَدىٰ !!"
رواية حجر ينبض الفصل السادس 6 - بقلم فريحة خالد
- مَـكُونتش مِـتوقّـع إنّي هجيلك تاني؟
- مين قالّك كِده؟؟ بِـالعكس كُنت متأكد إنّك هتيجي بنفسك من تاني علشان تعرفي الحقيقة ، لَـكن اللي مكُنتش مُتوقّعه تيجي بِـالسُّرعة دي !!
يا ترىٰ إيه غيّر رأيك يا نَدىٰ من إمبارح لِـ النّهاردة؟!!
- مِش عايزة أسيب نفسي لِـ دماغي تودّيني وِ تجيبني... حضرِتك مِش فاهمني يا شيخ نُوح..!!
أنا في ظرف أقّل مِن أسبُوع لاقيت حياتي عِبارة عن خُدعة ، كِذبة كِبيرة وِ لُغز كُلّه غموض !!
إمبارح طول الليل ما نمتش بفكّر.. بربط الخيوط بِـبعضها بحاول ألاقي إشارة تِثبت إن اللي بيحصل ده سُوء تفاهم وِ إني شيماء مش نَدىٰ ، بس كإن كُل حاجة بتثبتلي إنّي غلط وإني مِحتاجة أعرف أنا مين بالظبط !!!!
- هحكيلك كُل حاجة ، بس الأول عايز أقولّك علىٰ شيء مُهم جدًا..
مِش كُل قلب بِـينبُض عايِش !!
ياما قُلوب بِـتُنبض ، لكن هيّ ميّتة في عُيونّا..
وياما قُلوب ميّتة ، لكن بِـتُنبض وِ حيّة جُوّه قُلوبنا...
الشيّخ نُوح كان بيتكلّم بِـمُنتهىٰ الأسىٰ ، أنا كُنت حاسّة إن الحقيقة اللي هسمعها صعبة ، بس كان شَر وِ لابُد مِنّه ، سَألتُه بِـمُنتهىٰ الحَذر عن معنىٰ كلامُه وِ كان ردّه كَـالآتِـي:
- صَـالِـح دروِيش عاش وِسطنا سنين وِ سنين عُمرنا ما اعتبرناه حيّ ، عُمرنا ما حسّينا إنّه عايِش وِسطنا ، بالعكس طُول الوقت شايفينه طَـالِـح بِـحق السّوء وِ الأذىٰ اللي سبّبه لِـكُـل شخص عَرفه..
وِ لمّا خَرج من هِـنا محدّش زعل عليه اعتبرناه ميّت من غِير ما نهتّم حتّىٰ نِعرف هو جراله إيه... عاش ومات علىٰ الطّلاح وِ السّوء في عيون كل شخص عاشره وعرفه..!!
عُيوني دمّعِت من كلامه ، يا ترىٰ إيه السوء اللي عملته في حياتك يا صَـالِـح يا دروِيش ؛ علشان توصّل الناس إنها تِعتبرك في قايمة الميتيّن حتّى وِ لو كنت عايش !!
لاحِظ دُموعي ، فَـ ابتسم بِقلّة حِيلة وِ قالّي بِـكُـل هدوء:
- اللي هتسمعيه مِش سهل يا بنتي ، لو مِش قد مواجهة الحقيقة دلوقتي فَـ بلاش.
رفضت بِـسُرعة ، وِ طلبت منّه يحكيلي كُل شيء من الأوّل وِ بكل صِدق ، وِ هوّ وافِق وِ نادىٰ علىٰ عَلِي -الشّاب اللي في القهوة- علشان يجيب كوبّاية مايّة وِ كوبّاية عصير ليا وِ قال:
- أنا عايزك تسمعي كُل كِلمة للآخِر ؛ لإن حل اللّغز كُلّه مش عندي ، باقي الخيط معاكِ انتِ وِ أخوكِ رحيم.
هزّيت راسي بِـتوتّر ، معلّقتِش علىٰ فِكرة إن باقي الخيط معايا ؛ لإنّي أساسًا لو فاكرة حاجة أكيد مكُنتش هستنّىٰ ده كُـلّه وِ آجي بعد تسعة وِ عشرين سنة من عُمرِي أعوز أعرف الحقيقة ، باقِي الخيط عند عبد الرّحمن ، أمسك طَرفه بس وِ حتميًّا هَـجيب آخره بأي طريقة تَـكُن..!!
بدأ يِـحكِي ، وِ بدأت أركّز معاه بِـكُـل جزء فيّا...
- من أربعة وِ عِشرين سنة فاتوا ، وِ تحديدًا في الفجرّية وَقت ما الجبان الـطّـالِـح هرب مِـن الحارة قبل ما حد يلحَق يِوصلّه ، وِ وقت ما أمّك كَـانِـت في فرشِتها بِـتودّع الدُّنيا بِـاللّي فيها ، حَـكِيتلي كُـل حاجة حَصلِت وِ دُموع عينيها بِـتكوي وِشها بِـالنّار كَـيّ كده..
بدأت معايا قبل تِـسع سنين من أوّل يوم عرفت فيه صَالِـح دروِيش..
اللي بالمُناسبة كان شاب عايِش في الحارة مع أمّه وِ أبوه ، ربنا رزقهم بيه بعد سنين من غير خِلفة ، بس للأسف عُمرنا ما شُفناه بِيبرّهم ولا يسمع كلامهم في حاجة..
أبوه كان صديق عزيز ليّا ، كان دايمًا يِتكلّم معايا بِـحُزن عن حال ابنه ، قلبه مش مِـتعلّق بأي حاجة في الدُّنيا غير اللعب وِ صُحاب السّوء وِبس ، وِ مهما حاول يبعده عن طريقه بالعافية أو الذوق كان بيرجع ألعن من الأول.. سمّاه صَـالِـح علشان يكون له حظ من اسمه وللأسف مكنش ليه حظ غير من الطّلاح وِ بس..
طلب منّي أحاول أقنعه يِصلّي أو يحفظ قرآن في المسجد مع الولاد وِ البنات.. بس قلبه كان مقفول ، كُل مُحاولة كانت بتزوّده عِند وِ نفور أكتر ، تعملي ايه بقىٰ!! محدّش يقدر يهدِي حد بيحبّه ، الهُدىٰ من عند ربّنا وِ بس..
عدّت السّنين وِ أبوه مش بينساه في الدعاء بالصّلاح ، لِـيشاء القدير وِ يتوفّىٰ أبوه وِ هوّ عنده تمنتاشر سنة ، وِ هنا بدأت نُقطة التحوّل من السيّء لِـ الأسوأ...
ساب تعليمه وِ بقىٰ يسيب البيت بِـالأسبوع وِ الاتنين لِـدرجة إن والدته كانت بتمشي في الشّارِع تِدوّر عليه ، لَـيكون حصلّه حاجة وِ تبكي بالصّوت العالي وهيّ بتردد الآية الكريمة: إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ.
كانت ست طيّبة وِ غلبانة ، مكنتش بترضىٰ تكلّمه لما يجي البيت بعد ما يختفي فترة ، ولا تسأله إنتَ اختفيت فين وليه ألا يسيب البيت تاني ، كانت بتبقى سعيدة بوجوده لأقصىٰ درجة ، بس مرة من المرّات.. شافته بيعمل آخر حاجة توقّعِت إنّه يِعملها..
صوّتت من الصّدمة وِ هوّ لما خاف حد يسمعها وِ النّاس تيجي ، زعّقلها وِ بدأ يعلّي صوته كنت معدّي من تحت البيت وِ قصدت اصطنت علىٰ الحوار بينهم من تحت الشبّاك اللي علىٰ الشارع ؛ خوفًا منّي ألا يئذيها:
- مخدرات يا صَـالِـح.. مخدّرات.. يلاهوي عليك يا ابني.. يلاهوي عليك.. ليه كده ليييه بتضيّع شبابك لييه ، بلاش سكّة اللي يروح ميرجعش يا ابني الله يكرمك.. الله يكرمك بلاشها..
- وطّي صُوتك يا وليّة ، وطّي صوتك إيه هتفضحينا اسكُتِ شويّة.
- من امتىٰ يا ابن بطني ، من امتىٰ الهباب اللي بتهببه ده؟!!! من ساعة ما أبوك مات ها !! من تالت سنين !! بقالك تالت سنين بِـتِـنهب تالت تربع معاش أبوك ؛ علشان تجيب بيه هباب تهببه.. ليه يا ابني ليه قصّرنا في إيه في تربيتك علشان تبقى بالشّكل ده..
هِنا سِمعت صُوت استغاثة مكتومة حسيت كإنّه بيحاول يقفل بوقّها ، سِمعته وِ هوّ بيقول:
- قلتلك اسكتِ يا وليّة.. اسكتِ هتفضحيني إيه مبتفهميش ، وانتِ مالك أشم مخدّرات ولا حتّىٰ أشرب خمرة ، انتِ مالك؟؟؟ كِفاية إنّي سايبك في البيت تبرطعي فيه بدل ما كنت بِعته وِ جبت منّه قرشين كوّيسين ، وكتر خيري إني بسيبلك قرشين من معاش جوزك تعيشي منهم احمدي ربّنا وِ اسكتِ.
ما استنيّتش أكتر من كده وِ لفّيت بِـسُرعة علشان أخبّط على الباب ألحقها قبل ما يعمل فيها حاجة ، ده بيتعاطىٰ ومش واعي لِـنفسه ممكن يعمل فيها مُصيبة ، لسّه هَـخبّط لاقيته فتح الباب وِ نزل جري قبل ما ألحق أكلّمه ، ناديت علىٰ والدته من برّه اطمّن عليها:
- يا أم صَـالِـح ، انتِ بخير؟!
ردّت عليّا بِـبُكا أم قلبها محروق:
- بِـخير إزاي يا شيخ نُوح وِ ضنايا راح في سكّة يا عالم هيرجع منها امتىٰ وِ هيرجع من أصله ولا لأ !!!
صعبِت عليّا.. دعيتلها بالصّبر في قلبي ، عُقوق الأبناء أصعب ابتلاء يُبتلىٰ بيه الأهل !!
روّحت علىٰ بيتي ، كانت ليلة جُمعة وأنا ناوي بكرة في الخُطبة ، أتكلّم عن بر الوالدين وِ أدعي لكل أب وأم إن ربنا يرزقهم بر ولادهم..
وِ يشاء سُبحانه إني أصلّي الجنازة علىٰ الست دي بعد خُطبة الجُمعة!!!
بعد ما واحدة من جيرانها راحت تتطمّن عليها في المِسا قبل النوم ، لاقيتها قاطعة النّفس ، ماتت وهيّ بتبكي علىٰ حاله ، خَسر رِضا أبوه وِ أمّه ، فَـ متوّقعة باقيّة حياته تبقىٰ عاملة ازاي؟!!!
وِ عدّىٰ سنتين وِ هوّ بيروح وِ يجي علىٰ الحارة ، محدّش متقبّله فيها من كبيرها لِـصُغيّرها ، خصوصا إنه لما جه بعد وفاة أمّه وعرف إنها ماتت مفكّرش يسأل حتّىٰ عن قبرها..
وِ لمّا تقريبًا كان عنده أربعة وِ عشرين سنة ، دخل الحارة بِـ حتّة من الجنّة ، بِـنت فيها هدوء وِ أدب وِ براءة ، كُتلة من السّماحة والجمال والطّيبة ماشية علىٰ الأرض..
وِ من هِنا بالظّبط بدأت أمّك تحكِيلي بداية حكايتها وِ المُر اللي داقِتُه طُول التّسع سنين اللي عاشتهم معاه...
- كُنت شغّالة يا شيخ نوح في محل عِطارة عند راجل كان بيعاملني كويّس ، مكنش ليّا حد غير عمّي اللي ربّاني ، وِ كنت بشتغل علشان أخفف عنّه شويّة ، كفاية عليه مصاريف عياله ، كُنت بشوف صَـالِـح يجي يُقعد كتير مع الرّاجِل صاحب العِطارة ، كان بيحاول ياخد وِ يدّي معايا في الكلام وِ كنت دايما أصدّه...
مرّة وِ التانية وِ التالتة ، لحد ما فيه مرّة روّحت البيت لاقيت عمّي بيقولّي إن فيه عريس متقدملي ، وقتها انبسطت إنّي هخفف عنّه الحِمل وهمشي من البيت أخيرًا ، وِ لمّا قابلت العريس ولاقيته هوّ اتصدمت وِ سألته ليه اتقدملي وِ ضحك علىٰ عقلي وقتها بِـردّه:
- المفروض تكوني واخدة بالِك إني بآجي العِطارة لعم فاروق علشان أشوفك ، أنا مُعجب بيكِ وِ بأدبك وِ أخلاقِك وِ أتمنّىٰ إنّك توافقي وِ أوعِدك إنّي أسعِدك.
دار بينّا كذا حوار ، كان كُله ضِحك علىٰ عقلي بِـكلام معسول..
وافِقت وِ وافِق عمّي على الجوازة بالذات لمّا اللي كان طالب ايدي ليه كان عم فاروق ، اللي قال إنه يبقىٰ قريب باباه ، وِ صَـالِـح عايش معاه هِنا من وقت وفاة أبوه وِ أمّه ، وِ فهمّنا إنّه ماسكله كُل شغله اللي في الفُروع التّانية ، وِ لِـسُمعة عم فاروق الطّيبة في السّوق ، عمّي ما سألش وراه ، وِ وثق فيه..
وِ بعد شهرين كُنت جهزت نفسي ، مطلبوش مننا أي حاجة غير هدومي و حاجتي بس ، وِ بيته اللي في عمارة عم فاروق كامل من مجاميعه ، قُلنا خير البر عاجله وِ كتبنا الكتاب.. وِ أنا بمضي عقد الجواز مكنتش أعرف إني بإيدي بمضي علىٰ عقد اعدامي بِـنفسي..!!
عشت أربع شهور معاه في بيته ، كُنت أسعد حد في الدنيا ، كان بيغيب كتير أيوة ، بس كان بيقول شُغل ، لِـغاية ما اتصعقت بِـ صدمة عُمرِي..
رِجع مرّة البيت نص الليل وِ هوّ ملبوخ ، وِ مش علىٰ بعضه ، جاب شنطة هدوم من فوق الدّولاب وِ بدأ يلم الهدوم بِـسُرعة وِ هوّ بيقول بِـربكة:
- فيروز ، لمّي شنطة هدومك وِ يلاّ بِـسُرعة هنمشي من هِـنا.
- هنمشي!! نمشي نروح فين؟!!
- مش وقته بِـسُرعة قبل البوليس ما يجي.
- بوليس!!!! برّاحة بس أنا مِش فاهمة حاجة ، بوليس ايه وهايجي هنا علشان مين ، وانتَ بتلم هدومنا ليه أساسا؟!!
صرّخ فيّا وِ دي كانت أوّل مرّة أشوفه فيها علىٰ حقيقته:
- قلتلك لمّي هدومك واخلصي خلّينا نغُور مِش وقته الهَـري ده ، البوليس هيطب علينا في أي لحظة و نروح في داهية.
عيّطت من خُوفي من التغيير المُفاجئ ده وِ قلتله:
- حاضر هلم هُـدومي بس فهّمني إنتَ عملت ايه علشان البوليس يدوّر عليك وعايز تهرب!!
- فيه حد ابن ** بلّغ عن المخازن بتاعة البِضاعة وِ البوليس بيفتّش فيها دلوقتي ، وِ لو متحركناش من هنا بِأسرع وقت هنروح في ستين داهية.
سألته بِحذر وِ خوف:
- ليه هيّا المخازن بتاعة البِضاعة فيها ايه؟!
- مُخدّرات.
- يلاهوووي!!!
يلاهوووي بتقول اييه مخدرات!!! مخدرات؟!! ينهر إسود ومنيّل.. ينهر اسود وِ منيّل.. مخدرات يا صَـالِـح مخزّنين مخدّرات في البضاعة!!!!
كإنّه اتحوّل وِ مبقاش صَـالِـح بِـتاع الكلام المعسول اللي بياكل بِعقلي بيه عِيش وِ حلاوة ، وِ فجأة لاقيت شيطان قُصادِي ، ضربني قلم بِكُل قوّته وقعت على الأرض ، نزل لِـ مستوايا وِ مسكني من شعرِي واتكلّم بِـشر:
- أيوة مُخدّرات.. المخازِن كلها فيها مخدّرات.. محلّات العِطارة دي مُجرّد سِتارة بندّارىٰ فيها ، وِ وراها كُل شغلنا الـ** ، هَـتنجِزي تقومي معايا ولا تفضلي هِنا ولمّا يفتّشوا البيت وِ يلاقوا فيه حاجة ياخدوكِ انتِ؟!!
الدّم كان بينزل من مناخِيري من أثر الضّربة ، برّقت بِصدمة ، مش قادرة أصدّق إنّي كُنت واقفة في محل عطارة صاحبها تاجِر مُخدّرات ، ضحك على الكل بِقناع البراءة وِ الطّيبة ، مش قادرة أصدّق إن صَـالِـح ضحك عليّا زيّه بِـالظّبط ، مكنتش قادرة أرد ، هزّيت راسي بِـخُوف.. خايفة من صَـالِـح ، جُوزي اللي اكتشفت إنه تاجر مُخدّرات ، وِ خايفة من المُصيبة اللي لو ما سمعتش كلامه ومِشيت معاه هشيلها أنا..
بعد نُص ساعة ، كُنت ركبت معاه عربيّة وِ خرجنا من المُحافظة كلّها وِ اتحرّكنا علىٰ القاهِرة ، مكنتش قادرة أتخيّل أي سيناريو في بالي ، ولا إيه ممكن يحصل لما نوصل للمكان اللي رايحينه ، كُل اللي في بالي إن جُوزي طِلع تاجر مُخدّرات....!!!!!
كُنت حاسّة إنّي داخلة علىٰ أيّام صعبة ، لكن عُمري ما تصوّرت ولا حتّي في أسوء خيالاتي ، إن مُمكن أتعرّض وَلو لِـجُزء بسيط من اللي شفته مع صَـالِـح دروِيش..!!!
اللي جوازي منّه كان حُكم إعدام بالبطئ.. بيتنفّذ عليّا في كُل يوم من أيّام حياتي..
رواية حجر ينبض الفصل السابع 7 - بقلم فريحة خالد
وصلنا القاهرة. نزلنا من الميكروباص وركبنا تاكسي. نزلنا في منطقة غريبة شوية، منها أخدنا توكتوك لحد الحارة هنا. اللي ما كنتش فاهماه في الأول إيه اللي جابنا فيها.
أول ما دخلتها كنا وِش الفجر، ما كانش فيه أي حد موجود وقتها في الشوارع. كنت ماشية وأنا مرعوبة. مش مرعوبة من المكان الجديد عليا وبس، لأ مرعوبة من صالح أكتر. مرعوبة أدخل معاه مكان واحد دلوقتي ويتقفل علينا باب، بعد ما ظهر على حقيقته. خايفة يعمل فيا أي حاجة، وأنا معييش حد. حتى موبايلي طلع الشريحة منه وكسرها قبل ما نتحرك، عشان محدش يكلمني ويعرفوا مكانه.
البيوت كلها كانت مرصوصة جنب بعض بطريقة حلوة. وصلنا لبوابة حديد صغّيرة على الشارع، فتحها ودخلنا سوا. طلعنا سلمتين صغيرين ولاقيت باب شقة قصادي، فتحه ودخل. دخلت وراه بهدوء، مش قادرة أتكلم من صدمتي. حطيت الشنطة اللي كنت شايلها على الأرض وقفت في مكاني مستنياه يتكلم.
مستنياه يقول أي حاجة، يكذب اللي قاله من شوية، وإنه ملوش علاقة بالمخازن ولا بأي حاجة وإنه بريء. لكن جه كلامه وضرب بتخيلاتي عرض الحائط.
"بصّي بقى يا بنت الناس، عشان تكوني على نور من الأول، وعشان كل حاجة اتكشفت وبقت واضحة وباينة دلوقتي، اسمعي اللي هقولهولك كويس وحطيه حلقة في ودانك. الحارة دي هي المكان اللي اتولدت وتربيت فيه، والبيت اللي انتِ فيه ده، ده بيت أبويا وأمي اللي ماتوا وكنت عايش فيه قبل ما أنزل الجيزة وأتعرف على فاروق الدين وأشتغل معاه. وأظن بعد اللي حصل مبقاش له لازمة أخبي. فاروق لا قريب أبويا ولا حاجة. ده الراجل اللي كان بيبيع المخدرات ليا أنا وأصحابي، وكنت بنزل مخصوص الجيزة عشان أجيبها منه. لحد ما الحكومة طبّت في مرة علينا في سهرة من سهراتنا، واتخدنا كلنا محدش لحق يهرب وقتها عشان كنا شاربين. بس لما دخلنا الاسم، جالنا هو مع محامي وقال ما نجيبش سيرته في التحقيق وإن لو حد سألنا جبنا المخدرات منين، نقول إننا منعرفش عن الشخص اللي بيديهالنا أي حاجة، هو بيسلمها لينا في المكان ده وياخد فلوسه وخلاص، وهنخرج كلنا على طول بشكل ودي قبل ما نتحول للنيابة عشان هو عارف واحد هيخرجنا بالفلو.
وصدق في كلامه، وخرجنا إحنا التلاتة منها من غير ما نتحول للنيابة وقبل ما نلحق يتفتحلنا محضر أساسًا ونتحقق معانا. ولما خرجنا هو قال لنا: "أنا اتدخلت وأنقذتكم من مصيبة كنتم هتقعوا فيها، وكانت هتفضل نقطة سودا في حياتكم العمر كله، فكل واحد منكم يخلي عنده شوية إحساس واسهروا في مكان مداري مش على سطوح يا بهايم، احمدوا ربنا إني عرفت واتدخلت قبل ما يتفتحلكم محضر يا بشوات."
وبعد ما مشي، كل حد فينا راح في طريقه. وأنا مرضتش أنزل القاهرة ورحتله طلبت أشتغل معاه في توزيع المخدرات، كنت عايز يبقى معايا واسطة وفلوس زيه. في الأول رفض وقال هيوقفني في العطارة لحد ما يبدأ يثق فيا وبعديها يشوف أنفع ولا لأ. وحصل ووقفت في عطارة من عطاراته شوية، وبعد كام شهر كنت بنزل أوزع البضاعة على الناس في الإشارات والقهاوي والبيوت، لحد ما بقيت دراعه اليمين ومسكت كل محلات العطارة بتاعته، وبدأت أستلم معاه المخدرات وأخبيها في المخازن وأوزعها بنفسي. وعشان يضمن إني هفضل تحت طوعه كتبلي شقة من شققه في عمارته، وبدأ يقول إنه قريب أبويا وأنا جيت أعيش معاه في عمارته لما مات. وجه معايا وطلبلي إيدك، وكنت هفضل شغال معاه ولحسابه لولا الكلب اللي بلّغ عننا.
فالمهم لو حابة تفضلي عايشة، اسمعي كلامي ونفذيه بالحرف الواحد. انتِ هنا مراتي، أي حد هيسألك عن أهلك هتقولي إنك من الجيزة وإن أهلك ميتين وملكيش حد خالص هناك. بالنسبة لعمك انسيه، انسي تمامًا إن ليكي حد هناك. ولو عرفت إنك حاولتي مجرد محاولة بس تتصلي بيه، هيكون آخر يوم في حياتك فهماني؟
أما بقى لو شيطانك وزّك تفكري تهربي من هنا، أو تبلغي البوليس يا ويلك يا سواد ليلك يا فيروز، صدقيني مش هيطلع عليكي شمس اليوم اللي بعده.
وآه صحيح بالمناسبة مش هيكون في مصلحتك تبلغي البوليس عني، لإن ممكن بكل بساطة أقول إنك شريكة معانا، خصوصًا إنك كنتِ شغالة في العطارة وكنتِ عايشة في البيت اللي المخدرات فيه. فخليكي مطيعة كده واسمعي كلامي من سكات وكلي عيش يا فيروز."
بعد ما خلّص كلامه، سابني ودخل جوه. أنا من صدمتي في كلامه وفي الحقايق اللي عمالة تتكشف واحدة ورا التانية، ما قدرتِش أرد. قعدت على الأرض في مكاني، مش بعمل حاجة غير إني أعيط.
دموعي غرّقت وشي. بدأ صوت بكايا يعلى. لما بعيط نفسي بيضيق وبحتاج أشم هوا بأي طريقة. كان أقرب حاجة ليا أشم منها هوا هو باب الشقة، خصوصًا إني معرفش أي مكان في الشقة أساسًا. فتحت باب الشقة بسرعة ووقفت برا بحاول آخد نفسي، ومقدرتش أمنع نفسي من إني أعيط بكل قوتي.
وبعد دقايق بسيطة لاقيته طالع من باب الشقة زي المجنون. تقريبًا فكرني هربت. وأول ما لقاني برا قدام الباب وبعيط، مسكني من شعري جامد وشدني لجوه، وهو بيقفل الباب ويزعق:
"آه يا بنت الكلب! ده أنا لسه قايلك.. لسه قايلك من خمس دقايق ما تحاوليش تهربي إيه لحقتي تنسي؟!"
كان لسه ماسك شعري، مكنتش قادرة أتكلم. عياطي وشهقاتي كانوا مكتفين لساني، كإنّه مشلول مش قادرة أنطق أدافع عن نفسي.
زقّني وقعت على الأرض، وأنا بهز راسي يمين وشمال إني مكنتش بهرب. كل ما كنت أحاول أتكلم ألاقي صوت عياطي ورعشة شفايفي هي اللي بتطلع.
خلع حزامه، وحاولت أقوم أقف أجري بعيد عنه، لكن كان أسرع مني. لما نزل بالحزام على رجلي وهو بيقول:
"قلتلك ولا ما قلتلكيش ما تحاوليش تهربي. قلتلك ولا ما قلتلكيش ما تحاوليش تبلغي عني. خلاص انسي إنك تخرجي بره الحارة دي غير على قبرك. انسي يا فيروووز.. انسسييي."
ضربة ورا التانية وأنا بصرخ بصوتي كله وبعيط. حاولت آجي على نفسي وأتحكم في أعصابي. حاولت بكل قدرتي إني أخلي لساني يطاوعني وينطق. حاولت أسيطر على رعشة فكوكي عشان أتكلم. حاولت لحد ما اتمكن الحزام من رجلي وإيدي ودراعاتي، زي ما اتمكنت مني دموعي وشلّتني عن الكلام.
كان بيضربني بطريقة وحشية ما صعبتش عليه ولا رأف بحالي.
لحد ما بعد وقت رمى الحزام من إيده ونزل لمستوايا على الأرض. سندت على إيدي بسرعة وحاولت أرجع لورا خوفًا منه. لكن هو مسكني من شعري وقربني من وشه وقال وهو بينهج:
"أنا معروف في الحارة هنا بجحود قلبي، لا هتصعبي عليا ولا هرحمك لو غلطتي. اللي أقولك عليه تنفذيه وأنتِ مغمضة. جربي تسألي أي حد عن صالح درويش هنا كده، هيقولولك إنّي أول بني آدم من غير قلب. أنا حذرتك وقلتلك متحاوليش متفكريش تهربي، لإنّي هجيبك هجيبك. يبقى ليه تجيبي لنفسك الأذية وتخليني أشوهلك جسمك؟!"
كنت لسه بعيط، لكن أخيرًا طلع صوتي. كان مهزوز وضعيف وأنا بقول:
"أنا.. أنا مكنتش.. مكنتش ههرب.. والله.. كنت بَـ.. بَـشم هوا، مكنتش عارفة آخد نفسي صدقني."
كان كل كلمة أقولها تخرج بشهقة. رد عليا بسخرية كإنه مصدقنيش:
"وهو مفيش غير باب الشقة اللي تشمي منه هوا؟ ما البيت مليان شبابيك وبلكونات!"
"أنا معرفش مكانهم.. أعرف مكانهم منين.. دي أول مرة أدخل البيت.. وكان أقرب حاجة ليا هو الباب.. والله.. صدقني.. ما فكرت حتى أهرب، لو.. لو كنت عايزة أهرب كان زماني جريت على برا ما وقفتش قدام الباب."
ساب شعري وزقّني بعيد عنه وقال:
"اعتبريه درس عملي عشان تعرفي اللي هيحصلك لو فكرتي تهربي بجد بقى، وخلّي بالك يا فيروز أي غلطة منك هتشوفيني أسوأ من كده بكتير، فحافظي على حياتك."
سابني قاعدة في مكاني وراح قفل الباب بالمفتاح ودخل على أوضة جوه. ضميت رجلي لبطني وحاوطتهم بدراعي ودفنت راسي واستسلمت لدموعي.
تقريبًا نمت في مكاني من التعب والإرهاق والحزن. ما فتحتش عيني غير على صوته اللي بقيت بكره أسمعه حتى وهو بينادي عليا.
"هتفضلي مخمودة لـ امتى يا فيروز هانم، اخلصي قومي حضريلي لقمة أطفحها، ونضّفي القرف اللي في البيت ده، وحطّيلي هدومي في الدولاب."
بصّيتله وأنا بهز راسي بهدوء. حاولت أقوم من مكاني ما عرفتش، كإن رجلي متكسرة متين حتة. حاولت تاني وعيني مدمّعة. سندت على طرف الكرسي ورايا، وقمت بالعافية.
فقال لي: "اخلصي يا زفتة انتِ هتتدلعّي، أنا جبتلك لحمة وخضار من السوق من تحت، وشوية جبن، وعيش. هروح أجيب علبة سجاير وآجي تكوني حضرتي الفطار."
بعد ما حضرت الفطار طلعته على سفرة صغيّرة بره عشان لما يجي يأكل على طول. وبدأت أنضف الشقة من التراب والعفرة اللي فيها.
الشقة كانت بسيطة وصغيّرة مش كبيرة زي بيت الجيزة. أوضتين وصالة وحمام ومطبخ بأدوات بسيطة كويسة.
لفت انتباهي هدوم موجودة في الدولاب في الأوضة الكبيرة. عرفت إنها هدوم باباه ومامته وإن دي كانت أوضتهم. طلعتهم حطيتهم في الشنط وحطيت مكانهم هدومه وهدومي. ولاقيت كذا كتاب في أرضية الدولاب، كلها كتب سنة وفقه وتفسير للقرآن. سرحت فيهم شوية وسألت نفسي سؤال.
إيه اللي يخلي ابن يطلع بالشكل السيء ده وأبوه أو أمه كانوا فاهمين وعارفين دينهم، إزاي يطلعوا نبتة فاسدة طالحة كده؟
خلصت ترتيب وتنضيف البيت وغسلت الحمام ودخلت المطبخ نضفته وبدأت أجهز الغدا قبل ما يجي من بره. وحمدت ربنا إنه مشى بعد الفطار على طول عشان أبقى على راحتي من غيره. وبعد ما كنت قربت أخلص، سمعت صوت مفاتيحه في الباب. اترعبت وفي ثواني نزّلت كمام العباية لتحت أداري بيها دراعاتي، أنا مش ضامنة ممكن يعمل فيا إيه تاني.
دخل من بره، وسألني على الغدا وحطيتهاله على طول. بعد ما اتغدى، نادى عليا وقال لي:
"أنا عارف إنك غلبانة وهادية وبتسمعي الكلام وإلا مكنتش اتجوزتك. ف عايزك تفضلي كده على طول أصحى من النوم ألاقي فطاري جاهز، وأرجع آخر اليوم ألاقي الغدا جاهز والبيت نضيف مفهوم؟"
هزيت راسي من سكات. فابتسملي بانتصار وطبطب على راسي وهو بيقول:
"أيوة كده براڤو عليكِ."
بعد ما شيلت الأكل، وخلصت تنضيف المطبخ، لاقيت المغرب بيأذن. دخلت آخد دش من التراب اللي كنت فيه طول اليوم عشان أتوّضى وأصلي كمان. لاقيت العلامات اللي في رجلي ودراعاتي وإيدي ملتهبة. أخدت نفس عميق ودموعي اختلطت بالمية، وبدأت أتخيل شكل حياتي هيكون عامل إزاي قدام.
خلصت وطلعت البلكونة عشان أحاول أبص على المسجد اللي ورا البيت، أشوف القبلة من فين. مصلّيتش ولا فرض من وقت ما جيت هنا.
كنت بشب من على السور، لحد ما فجأة لاقيته ورايا ماسكني من دراعي:
"بتعملي إيه عندك؟!"
"بَـ.. بَـ.. بحاول أشوف الناس في المسجد بتصلّي ناحية فين.. أصلي عايزة أصلي."
ارتبك وقال لي:
"طب ادخلي جوه ومتطلعيش البلكونة بـ لبس البيت من غير حاجة على راسك، هنا كل الستات لابسة طرح وأنا هبقى أسألك أي حد على القبلة."
دخلت وأنا سرحانة، وبوصف نفسي بالغباء جوايا. ده مش عارف اتجاه القبلة وهو مولود ومتربي هنا. وهناك.. هناك لولا إني سألت عم فاروق من الأول أساساً وأنا بتفرج على البيت مكنتش هلاحظ إنه مش بيصلي.
انتِ غبية للدرجادي ملاحظتيش إنه مبيركعهاش!!!
شخص جاحد في علاقته بربنا.. عايزاه يكون عامل إزاي معاكِ؟!!
حسيت إني دايخة مش قادرة أقف على رجلي. ما حسيتش غير وأنا بقع على الأرض في مكاني.
بعد شوية لاقيت نفسي على السرير في الأوضة وهو واقف جنبي بيقولي بعصبية:
"لا شغل الدلع وتقعي كل دقيقتين ده عشان تكون حجة ليكي وتخرجي لـ دكتور انسيها. قولتهالك مرة يا فيروز وهفضل أقولهالك على طول انتِ مش هتطلعي من الحارة دي غير على قبرك."
"أنا مش بدلع إنتَ عارف إني عندي أنيميا ومخدتش المقويات النهاردة، ومكلتش حاجة من امبارح غير إني بطلت في شغل البيت."
"ويا ترى الهانم مكلتش حاجة ليه؟! إيه مستنياني أحطلك اللقمة في بوقك؟!!"
دمّعت وأنا بقوله:
"لأ، بس أنا مش هاكل ولا هنزل معدتي لقمة من فلوس حرام."
ضحك عليا بصوت عالي وهو بيقول بسخرية:
"طب تعرفي إن الفلوس الحرام دي، هي اللي أكلتي منها طول الأربع شهور اللي فاتوا؟ طب تعرفي إن الفلوس الحرام دي، هي اللي خرجتك وجبتلك الهدايا كلها منها في شهرين الخطوبة؟ وهي هي اللي دفعتلك منها المهر وجبتي منها لبسك كله؟ ومش عايز أصدمك وأقولك إنها هي هي اللي جايبلك بيها الحلقين والدبلة اللي في إيديكي، واللي كنت بجيبلك منها المقويات بتاعتك!! ف هتقومي تاكلي بكل هدوء كده ولا أخليكي تقومي بطريقتي؟!! وأظن إنك جربتيها في مرة ومش هتعوزي تجربيها تاني!! أنا مش عايز دلع وكلام فاضي كتير.. مفهوم يا فيروز؟؟؟"
مكنش قصادي غير إني أسمع كلامه. هزيت راسي وقلتله بدموع نازلة على خدي:
"مفهوم يا صالح."
رمى عليا البصلة اللي كان بيفوقني بريحتها، وخرج من الأوضة وسابني. طلعت أجيب حاجة آكلها من المطبخ لاقيته بيسمع التليفزيون وبيضحك على فيلم بيسمعه.
اتعجبت في نفسي وقلت.. يبقى سارق الضحكة من الوشوش وبيضحك بمنتهى البرود وعجبي!!
الظاهر إنه زي ما قالي أول بني آدم من غير قلب..!!!
عملت لنفسي ساندوتش جبنة بس، أسد بيه جوعي، لحد ما أشوف طريقة أقدر آكل منها حلال...!!
خرجت الصالة وقعدت على أبعد كرسي بالنسباله وقلتله بتوتر:
"كنت عايزة أسألك على حاجة كده؟"
"- خيير؟!"
"- هو إحنا معتش هننزل الجيزة تاني نهائي؟!"
بصّلي بتكشيرة ولسه هيرد كملت بسرعة:
"قصدي يعني أنا معتش هشُوف عمّي تاني بأي طريقة؟! أو بيتنا اللي هناك معتش هنروحله تاني!!"
"- أنا مش عارف انتِ غبية ولا إيه والله، قلتلك بدل المرة متين، انسي أهلك وانسى الجيزة وانسى إنك كنتِ عايشة هناك من الأساس، وحتى البيت لما الدنيا تهدى وأعرف إيه حصل مع فاروق هبيعه. وارضي بوجودك في الحارة لإنك هتعيشي وتموتي فيها يا فيروز."
"- طيب طالما أنا هعيش وهموت فيها هتفضل قافل عليا الباب بالمفتاح من بره لحد امتى لما تخرج؟!"
"- ويا ترى عايزاني أسيبلك الباب مفتوح ليه لما أكون بره؟ ليه مصرة تخليني أتعصب عليكي وأأذيكي!!"
"- مش قصدي تسيبه مفتوح عشان أخرج وأنتَ مش هنا، أنا بس قصدي افرض مرة طلعت من البيت وغيبت بره وأنا تعبت ولا حصلّي حاجة أكيد هكون محتاجة أنزل الصيدلية اللي تحت البيت على الأقل."
"أو افرض لا قدر الله البيت حصل فيه تسريب غاز ولا حاجة.. هعوز أستغيث بحد ينقذني!"
"- ما تهريـش كتير يا فيروز، لا أنا هغيّب بره، ولا البيت هيحصل فيه حاجة طول ما انتِ واخدة بالك من الأنابيب اللي فيه. ولو عايزة تخرجي من البيت بسبب حاجة معينة، هاتيهالي طوالي متلفيش وتدوري كتير."
"- بصراحة عايزة أشتغل، هشتغل أي حاجة هقف في محل ملابس، أو بقالة، أو حتى أجيب شوية خضار وأقعد بيهم على فرشة في الشارع."
"- عايزة إيه يا بابا؟! سمعيني تاني كده؟ تشتغلي..!!! ليه أنا أكتع!!!"
"- الفلوس اللي معاك طوّلت ولا قصّرت هتخلص يا صالح، وهتعوز تشتغل والشغل مش هتلاقيه بالساهل، وأنا.. أنا مش عايزة أصرف من الفلوس اللي مدفوعة تمن لـ أرواح شباب وتدمير حياتهم ومستقبلهم، أرجوك.. أنا راضية بوجودي هنا ومش معترضة والله، ولا هفكر أعترض، بس عمري ما هرضى بفلوس حرام تنزل معدتي."
طفى التليفزيون بالريموت اللي في ايده وقال لي:
"- يعني أفهم من كده إن الهانم مش عايزاني أصرف على البيت وتصرف هي مظبوط؟"
"- لو من فلوس حرام فمظبوط، إنما لو هتشتغل في مكان وتكسب فلوس حلال تصرف بيها على البيت فأنا مستعدة ما أطلعش من الباب ده حياتي كلها."
"- اممم حلو الكلام ده، طيب أحب أعرفك إن الفلوس اللي معايا، جبت بيها بضاعة جديدة وبدأت أوزع فيها بمعرفتي، وإن الفلوس الحرام اللي بتقولي عليها دي هتفضل هي اللي معايا وفي جيبي العمر كله يا ترى هتعملي إيه؟!!"
"- مش هاكل لقمة تمنها منها لحد ما أموت يا صالح وساعتها الناس كلها هتعرف مكانك لما تعرف إني مت."
"- ضحكتيني والله، على أساس إن لو عايز أقتلك وأدفنك بإيديا دول هغلب!! ولا حد هيعرف أساسًا إنك متي؟!! ده انتِ طلعتي هبلة خالص."
"- ما هو أنا لو مش هبلة، مكنتش اتجوزتك."
"- فيروووز!!! مش عايز عفاريتي تطلع عليكي، كفاية اللي حصل لك امبارح، جسمك ملحقش يتعالج منه. ولو عايزة تنزلي تشتغلي عشان الهانم مش عاجبها فلوسي الحرام فاسمعي مني بقى.. لو حسيت بأي تقصير منك ناحيتي صدقيني هخليكي تدفعي الفلوس اللي اشتغلتي بيها على علاجك.. عايز أصحى من النوم ألاقي فطاري جاهز، وأرجع من بره ألاقي الغدا جاهز والبيت بيلمع، وعايز هدومي تكون مغسولة ومكوية وجاهزة على طول.. ده غير إن لو رجعت في مرة سواء بدري أو متأخر ولاقيتك مش في البيت، فيومها انسى إن رجلك تخطي عتبة البيت، هسيبك تباتي في الشارع.
وخلي في علمك طالما مصرة على موقفك أوي كده وعاملي فيها الشريفة اللي متقبلش الفلوس الحرام على نفسها، فأكلك ولبسك وشربك كله على حسابك، يعني أي أكل هجيبه للبيت هكون عارف بالظبط هو إيه ويكفي كام يوم ومتزعليش من اللي هعمله فيكِ لو لقيتك قربتي منه.. مفهوم؟ وحتى الكهربا والمية على حسابك.. أكيد يا حرام مش هتقبلي تشربي وتقعدي على نور تمنهم من فلوس حرام.!!
أهم حاجة بقى انتِ عارفاها كويس وعارفة لو فكرتي فيها هيحصلك إيه فما أنصحكيش تخاطري وتجربيها..ها لسه مصرة على رأيك؟! وعايزة تشتغلي؟!"
كنت كاتمة دموعي بالعافية، للحظة سرحت أنا إزاي كنت عميا كده؟! سألته عن شغله في محلات العطارة نقدر نعيش منه ولا لأ وما سألتهوش هو بيصلي ولا لأ؟ سألته مكسبه بيزيد ولا لأ ومسألتوش هو بيكسب فلوس حلال ولا لأ !!!
أديني عايشة مع واحد في حكم الكافر وبفلوس حرام!!
كل طلباته كإنه بيعجزني مش عايزني أنزل أشتغل وأخرج من تحت طوعه، هو خايف.. خايف أهرب.. بس اللي ما يعرفوش إني لو رجعت على الجيزة وعمي وصلوا أخبار باللي حصل هو اللي هيرجعني على القاهرة ليه تاني.. عمي سمعته وسمعة بناته أهم شيء عنده في الدنيا، وميقبلش بحاجة تلوث الشمعة دي حتى لو كان مليش ذنب..!
لاقيت نفسي بهز راسي من سكات. معرفش إزاي أنا وافقت على كل الشروط دي، بس أبقى حاولت على الأقل آكل لقمة حلال. رد عليا وهو مستغرب مكنش مصدق إني هأوافق على كل شروطه.
"تمام زي ما تحبي يا فيروز، بكرة الصبح قبل ما أنزل هسيبلك الباب مفتوح، وآه بالمناسبة ورقك الشخصي، والبطاقة وعقد الجواز كل ده معايا عشان بس لو بتفكري في حاجة كده ولا كده.."
الحقيقة ما توقعتش يوافق بالسرعة دي. آه هو حط شروط كتير، بس أول حاجة توقعتها يرفض رفض تام. وآه واخد مني شهادة الميلاد، وعقد الجواز والبطاقة وأي أوراق تخصني بس برضه إزاي وافق أشتغل!!
ده أول حاجة طلبها مني في الجيزة بعد الخطوبة أسيب العطارة، وهيدفع المهر في الخطوبة عشان أجهز نفسي بيه!!
دخل ينام، ودخلت وراه، أول ليلة أحط فيها راسي على المخدة وأنا بتمنى ما أقومش تاني، بتمنى من ربنا يقبض روحي قبل ما أصحى وأعيش يوم كمان معاه.
الضغط النفسي والخوف اللي بعيشه بمجرد ما أشوفه هيزهق روحي، كمية الغضب اللي بحسها جوايا وأنا شايفة نفسي متجوزة واحد لسه عارفة حقيقته من يومين هتولع في قلبي.
نمت وأنا بردد دعوة واحدة بس "يا منجي من المهالك نجني.. يا من أنجيت يونس من بطن الحوت أنجيني".
أنا مش عارفة أنا داخلة على إيه معاه، ولا عارفة هيحصلّي إيه، والأسوأ من ده كله إني مش قادرة أتوقع ممكن يعمل إيه فيّا تاني، بس الأكيد إن الغلطة الوحيدة اللي هعيش وأموت وأنا بدفع تمنها هي جوازي من صالح درويش.!!!!
رواية حجر ينبض الفصل الثامن 8 - بقلم فريحة خالد
صباح الخِير ، أنا حضّرت الـفِطار ، وِ موجود برّه علىٰ السُّفرة.
تمام ، جهّزيلي هدومي وِ لو عايزة تنزلي تدوّري علىٰ شغل براحتِك ، بس يكون في عِلمِك أنا هرجع الساعة أربعة العصر ، وِ عايز أفكّرك إني لازم أرجع ألاقي الأكل جاهِز وِ البيت نضيف.
حاضر ، حاجة تانية؟
آه ، ما تفطريش قبل ما تنزلي ، أصله بِـفُلوس حرام!
سابني ، وِ اتحرّك ناحية الحمّام. عادي أنا اعتادت الجُحود من صَـالِـح من يوم ما عرفته علىٰ حقيقته.
لبست هدومي ، وِ طلعتله.
عايزة مُفتاح لِـ البيت وِ البوابة أفتح بيهم لمّا أرجع.
كان بِـيُمضغ في الأكل ، بصّلي وِ بدأ يطلّع مُفتاحين من المفاتيح الكتير اللي معاه ، وِ قام وقف حطّهم في ايدي وِ هوّ بيقول.
عارفة يا فيروز أنا سايبك تنزلي تشتغلي ليه؟
هزّيت راسي بِـالنفي. الحقيقة أنا مش عارفة السبب فعلًا.
رد وِ قالّي.
علشان تتعلّمي الأدب وِ تحرّمي تتمرّدي عليّا تاني ، لإن انتِ مش هتلاقي شُغل وِ لو لاقيتي محدّش هيرضىٰ يشغلّك ، وانتِ بنفسك هتيجي تتحايلي عليّا علشان أصرِف عليكِ وأنا اللي هرفُض.
المُفتاح أهو متنسيش أنا راجع العصر ، وِ ما تنزليش قبل ما تحطّي إيشارب ولاّ طرحة علىٰ راسك. قُلتلك مفيش حريم هِنا بِـ شعرها.
دخلت أخدت إيشارب صغيّر حطّيته علىٰ راسي لحد ما أقدر أشتري طرحة ، وِ فساتين طويلة لحد الكعب بدل فساتيني اللي مش مغطّياه وِ مبيّنة جُزء من رجلي ، واتحرّكت ناحية برّه.
وِمع حركة المُفتاح في الباب وِ فتحه.
حسّيت كإنّي لِـ أوّل مرّة في حياتي أشم هوا. لاقيت نفسي مُبتسِمة ، وِ نزلت درجتين السلّم بِـسُرعة وِ فتحت البوّابة الحديد وِ وقفت خمس ثواني بَبُص حواليّا بِسعادة.
إحساس إنّي خرجت من البيت مخلّيني طايرة من الفرحة. فِضلت ماشية مُبتسِمة بَحاوِل أحفظ مكان البيت بِـالظّبط علشان أرجعله من تاني.
وِ بدأت رِحلتي بِـالبحث عن شُغل.
دخلت الصيدليّة اللي ورىٰ البيت أوّل حاجة وِ لاقيت فيها دكتور كبير.
السّلام عليكم وِ رحمة اللهِ وِ بركاته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، تحت أمرِك يا هانم.
كُنت عايزة أسأل حضرتك علىٰ شغل ، لو يعني مِحتاج حد يُقف في الصيدلية أو كده.
امممم وانتِ منين يا بنتي؟! وِ مين قالّك إن الصيدلية مِحتاجة بنات تُقف فيها؟
أنا من هِنا من الحارة ، في الشّارع اللي ورىٰ الصيدلية على طول ، وِ محدّش قالي أنا قُلت أسأل لو فيه فُرصة بس.
إن شاء الله هيكون فيه فُرصة ، بس الأول قوليلي انتِ تبع مين في الحارة ، أنا عمري ما شفتك قبل كده!!
أنا.. أنا مِرات صَـالِـح دروِيش جاركُم في الشّارِع اللي ورىٰ ، وِ.. وِ كُنت عايشة في الجيزة بس جيت هنا لما اتجوزنا.
صَـالِـح دروِيش مين!! صَـالِـح بن مُصطفىٰ!!!
مظبوط حضرتك.
كُنت متوترة جدًّا وِ أنا بتكلّم ، خصوصا إن ملامحه بدأت تتغير لمّا عرف إني مِرات صَـالِـح. لاقيته فجأة اتعصّب وِ بدأ يزعّق فيّا وِ هوّ بيقول.
اطلعي برّه.. برّه.. معنديش شُغل هنا لِـناس زيّكُم ، معنديش شُغل هنا لحد تبع الجَاحِد ، عديم القلب والاحساس ده ، برررره.
خرجت برّه بِـسُرعة وِ أنا بعيّط. خُفت ألا من عصبيّته يضربني.
مشيت خطوات سريعة بعيد عن الصيدلية ، لحد ما وقفت قُصاد محل ملابِس.
أخدت نفس عميق وِ مسحت دُموعي وِ دخلت.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، هوّ حضرتك صاحبة المحل؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، إزيك يا حبيبتي ، أيوة أنا صاحبة المحل تحت أمرك.
الأمر للّه ، كنت عايزة أسألك لو حضرتك محتاجة بنت تقف هنا في المحل تشتغل يعني؟
لا والله للأسف أنا مش محتاجة حد معايا ، أنا بقف هِنا أنا وِ جُوزي بدال بعض ، بس انتِ محتاجة تشتغلي هنا ليه؟
أنا جارتكم في الحارة هنا وِ كنت بسأل بس علىٰ شغل ، ولاقيت محل الملابس ده فَـ قُلت أسأل فيه.
عُمومًا شُكرًا لِـ حضرتك عن إذنك.
لسّه كُنت هتحرّك نادِت عليّا.
استنّي بس يا قمر ، انتِ جارتنا هنا في الحارة ازاي؟! أنا عُمري ما شفتك قبل كده!! الحارة هنا كلها عارفة بعضها كبير وِ صُغيّر.
آه ما أنا لسه جاية هنا من يومين بالظبط ، أنا متجوّزة في الشّارِع اللي ورىٰ صيدلية النّجدة ده ، قُريّب من المحل مش بعيد.
وانتِ مرات مين بقىٰ من جيرانّا؟!! يا بخته محظوظ بِـ حد قمر زيك كده!!
شُكرًا ليكِ واللّه ، أنا مرات صَـالِـح دروِيش.
ايييه!! صَـالِـح دروِيش!!
وِ ده اتجوّز امتىٰ وِ ازّاي!!
فجأة نظراتها ليّا اتغيّرِت ، وِ اتحوّلت من الست اللطيفة اللي بتحاول تفتح معايا كلام وِ تتعرّف عليّا لِـ الست اللي مش طايقة وِشّي قُصادها وِ بدأت تكلّمني بِـلُغة اتّهام.
وِ يا ترىٰ بقىٰ يا حِلوة إنتِ مراته بجد ولا دي كِذبة وِ صَـالِـح بيعمل عمايله القَذِرة هِنا في الحارة وِ مغفّلنا؟!!
اتفَزعت مِن مُجرّد التعبير ، وِ بدأت أرجع لِورىٰ وِ أنا بتكلّم بِـربكة.
لا لا واللّهِ.. أنا مراته.. مراته علىٰ سنة الله وِ رسوله.. والله مراته.
أخدت نفْسِي وِ طلعت بِـسُرعة من المكان ، وِ برضه بعيّط.
فضلت أمشي زي العيلة الصُّغيّرة بدوّر على بِقالة ولا اي محل أقف فيه.
دخلت كذه محل ، حلويات ، وِ بِقالة وِ حتّى عِطارة ، بس للسخريّة زي ما قال صَـالِـح بِـالظّبط ، أنا مِش هلاقي شُغل وِ لو حتّى لاقيت محدّش هيرضىٰ يشغلني.
دلوقتي عِرفت هوّ سابني أشتغل ليه ؛ علشان عارِف إن أي حد هيسألني عن اسمي وِ أنا تبع مين في الحارة هَذكُر اسمه اللي مُجرّد ما بنطقه لأي حد كإنه سمع اسم شيطان ، بيتعصّب وِ يُكرشني أو يزقّني زي ما حصل وِ أنا خارجة من محل العِطارة. صاحبها زقّني وَقّعني على الأرض وِ عفّر عيني بِـتُراب من الشّارِع.
بدأت أفكّر بيني وبين نفسي بِـصُوت وِ أنا بَـبُص على جرح ايدي مكان ما وقعت في الأرض.
جوازك من صَـالِـح دروِيش بقىٰ زي وشم العَار يا فيروز.
هيّ الدُّنيا ضاقِت عليّا أوي كده ليه!!!!
بقيت بَجُر في رجلي علشان أرجع لِـ البيت. الظّاهِر أنا هتحايل علىٰ صَـالِـح علشان يِصرف عليا فعلا وهوّ اللي هيرفُض.
لاقيت سِت قاعدة قُصاد القهوة اللي على أوّل الشّارِع بِـخُضار وِ فاكهة. رُحتلها بس من غير ما أمسح دُموعي ، مِش قادرة أمثّل إني قادرة أواجه البشر أساسًا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، عايزة توزني إيه يا بنتي؟
الحقيقة مش عايزة أوزن حاجة ، أنا عايزة أسأل حضرتك سُؤال بس.
اسألي يا ضنايا.
أنا عايزة أعرف حضرتك بتشتري الخُضار وِ الفاكهة اللي بتبيعيها دي منين ، والمكان ده ينفع يديني شوية أقعد بيهم في الشّارِع وِلمّا أبيعهم أسدد تمنهم وِ آخد اللي فيه النّصيب من المكسب ولا لأ ، أرجوكِ ساعديني.
كانت لسّه هترد ، قُلت أرد أنا علىٰ السؤال المُتوقّع.
وِ آه قبل ما تسأليني أنا مرات صَـالِـح دروِيش اللي كُل الحارة مِش طايقة تسمع اسمه.
أنا معرفش هوّ عمل إيه لِـكُل النّاس دي واللّهِ ، بس هو أذاني أنا كمان والله أذاني. أنا مليش ذنب صدقيني.
كُنت بتكلّم وِ أنا بعيّط وِ بقطّع في الكلام ، توقعت ترمي عليّا أي حاجة من الخُضار اللي قصادها تعوّرني بيها.
بس لِـ أول مرّة في حياتي كُلّها حد يعمل معايا كده.
قامت من مكانها ، وِ أخدتني من ايدي قعّدتني جنبها ، وِ حضنتني وِ هيّ بتهدّي فيّا ، وِ بعد ما بطّلت عِياط قالتلي.
ما تعيّطيش ، أنا شُفت هناء صاحبة محل اللبس وِ هيّ بتزعّق معاكِ وانتِ بتجري من المحل وِ تعيّطي ، وِ عرفت منها انتِ خرجتي معيّطة ليه.
لولا إنّك صعبتي عليّا كان زماني عملت معاكِ زيّها ، متزعليش يا بنتي منّنا ، صَـالِـح متربّي معانا من صُغره وِ اللي عمله في أبوه وِ أمّه مخلّينا مِش طايقين نسمع سيرته حتّىٰ.
استغربت وِ سألتها.
هوّ عمل إيه في أبوه وِ أمّه؟
ياااه دي حكاية طِويلة ، الظّاهِر ما تعرفيش عنها أي حاجة.
بُصّي يا بنتي صَـالِـح ده كان وحيد أبوه وِ أمه.
بدأت تحكيلي كُل حاجة عنّه ، وِ أنا مش مصدّقة وِ مصدومة مِن اللي بتحكيه ، واللي ختم بِـمعرفتي إن أمّه ماتت وهيّ غضبانة عليه!! هوّ إزاي مش فارِق معاه كده!! إزاي قلبه ما وجعهوش عليها ، وِ فكّر يشوف قبرها فين يقرالها الفاتحة حتّىٰ!!
آه صح افتكرت لما قالّي إنه أوّل بني آدم من غير قلب.
وِ افتكرت لما قالّي إنه معروف هنا بِـجُحود قلبه. ما كذبش فعلاً. رغم إني كُنت بتمنّىٰ يِطلع كذّاب.
لمّا لاقيتني سَرحت كده سألتني.
انتِ شكلك غلبانة وِ مش زيّه ولا زيّ سِكّته إيه وقّعك فيها؟
النّصيب يا حاجّة.
كُنت بتكلّم بِـأسىٰ ، وِ هيّ لاحظت ده فَـ قالت.
تعرفي الحاجة الوحيدة اللي تخلّينا نِحس إن صَـالِـح عمل حاجة عِدلة في حياته قبل ما يموت هوّ انتِ.
طيّبة وِ جميلة وِ عندك سماحة وِ قبول كده ، أنا متأكدة إن لمّا النّاس اللي هنا تتعامل معاكِ هتحبّك ، المُهم قوليلي هوّ صَـالِـح اللي منزّلك تدوّري على شغل هنا؟!!
ربنا يكرمك يا حاجّة واللّهِ أنتم اللي ناس جميلة ، وِ بعد ما عرفت اللي صَـالِـح عمله فَـ مش من حقّي ألومهم ، همّا زعلانين على جيرانهم والنّاس اللي منهم برضه.
بِـالنسبة لِـ الشّغل فَـ لأ ، أنا اللي أصرّيت أصرف على نفسي ، بس هوّ كان معرّفني إن محدّش هيرضىٰ يشغلني ، أنا بس متوقعتش إن كلامه حقيقي.
محدّش هيرضىٰ يشغلّك إزاي يعني؟!! مِن هنا وِ رايح انتِ هَـتقعدي معايا على الفرشة هِنا وِ المكسب بِـالنُّص ، وِ بعد كده لمّا تفهمي النظام وِ تعرفي تتعاملي والنّاس تعرفك هساعدِك بِـقرشين تجيبي بيهم خُضار تقعدي بيهم علىٰ فرشة لِـوحدِك. ها قُلتي ايه؟
بجد والله؟! يعني هتشغليني ويّاكي هِنا؟!!!
آه يا بنتي ، بس أنا عايزاكِ تثبتي لِـ النّاس بِـ تصرُّفاتك إن نظرتي فيكِ صح ، وِ إنك مُختلفة عن صَـالِـح ، علشان يقبلوا بيكِ وسطنا.
حاضر يا حاجّة واللّهِ ما تقلقيش.
قوليલી بقىٰ اسمِك إيه؟
فيروز.
الله!! اسمك جميل أوي يا فيروز!!
أنا اسمي شُكريّة وِ عندي ابن اسمه علاء ، وِ النّاس بِتناديني هِنا بِـ أم علاء.
اتشرّفت بيكِ يا أم علاء.
وِ أنا كمان يا فيروزة ، تعالي بقىٰ أمّا أقولك بتوزني ازّاي وِ سعر كُل حاجة إيه.
الحاجّة شُكريّة كانت أوّل حد استقبلني كويّس في الحارة ، وِ كانت أوّل حد عرّفني صَـالِـح علىٰ حقيقته تمامًا ، بقىٰ مكشوف قُصادِي بطريقة خلّيته مش بس نزل من نظري لأ.. ما بقتش قادرة أشوفه أساسًا.
فِضلت معاها طُول الصُّبحيّة بحاول أبيع وِ أشتري معاها ، وِ كُل ما حد يجي يشتري منّها ، تعرّفه عليّا وِ تقولّه.
دي فيروز ، ساكنة في الحارة وِ جارتنا في الشّارِع هِنا ، مرات صَـالِـح بن مُصطفىٰ دروِيش اللّه يرحمه ، بس بت كويّسة وِ طيّبة وِ هتساعدني الأيّام الجايّة في الفرشة هِنا.
كُنّا بِـنرغِي سوىٰ وِ حسّيت بِـأُلفة ناحيتها ، كانت عمّالة تعرّفني عن الناس اللي في الحارة وِ كل واحد شغّال إيه وِ بيته فين وِ أنا كمان اندمجت معاها في الكلام ، وِ علىٰ السّاعة اتنين كُنت متوتّرة وِ كل شويّة أسألها هيّ هتروّح امتىٰ لحد ما قالتلي.
مالك يا بت يا فيروز مِش علىٰ بعضك ليه من بدري ، انتِ زهقتي منّي وِ عايزة تروّحي ولا إيه؟
لا لا واللّهِ يا أم عَلاء ، بس أصل يعني أنا صَـالِـح قالّي لو رجع البيت لاقاني مش فيه وِ مش مجهزة الغدا وِ منضّفة البيت هَـيزعّق معايا ، فَـ لازم أروّح علشان ألحق أخلص قبل ما يرجع العصر.
وِ ساكتة ليه يا بت من ساعتها فِزّي قوام روّحي لِـ بيتك وِ جهّزي لِـ جُوزك غداه ، هوّ أي نعم ما يستاهلش مُعاملة حسنة نظير سوءه مع أهله الله يرحمهم ، بس ده جوزك وده واجب عليكِ ، روّحي انتِ وِ أنا هخلّص اللي باقي علىٰ الفرشة وِ أروّح.
ماشي يا أم علاء أشوفك بكرة إن شاء الله ، مع السّلامة.
روّحت البيت وِ أنا طايرة من الفرحة وِ في نفس الوقت قلقانة ، ألاّ يُدخل في أي لحظة وِ أنا مخلّصتش الغدا ولا عملت حاجة.
في ثواني كُنت لابسة عباية البيت وِ حطّيت الغدا علىٰ النّار وِ بدأت أنضّف.
كُنت شويّة ابتسم إني أخيرًا لاقيت حد لطيف في المنطقة هِنا أتعامل معاه ، وِ شويّة أعيّط على المُعاملة اللي شُفتها من الناس الصّبح بسبب صَـالِـح دروِيش اللي طلع شيطان متجسّد في صورة بني آدم بحرفيّة تامّة واللي للأسف جُوزي.
بعد شويّة ، كنت خلّصت الغدا وقرّبت أخلّص البيت.
سمعت صُوت أم علاء وِ هيّ بِتنادي عليّا من تحت الشبّاك اللي علىٰ الشّارِع. فتحته على طُول.
أيوة يا أم علاء بتنادي.
أيوة جبتلك نُص مكسب النّهاردة هاتي اللي عايزاه منّه وِ حُوشِي الباقي على جنب علشان على آخر الأسبوع أجيبلك فرشة ليكِ لوحدك.
مِش عارفة أقولّك إيه يا أم علاء واللّهِ ، بس دول كتير عليّا أنا مستحقّش كُل ده.
وانتِ مالك أنا صاحبة الفرشة وِ أنا مِسامحة في رزقك ، يلاّ ادخلي بِـسُرعة ألا جوزك جاي ورايا.
دخلت في ثواني من الشبّاك وِ قفلته بعد ما شكرت أم علي. شيلت الفلوس في العباية وِ أنا بحمد ربّنا إنّه عوّضني بالسّت دي بعد كسرة خاطري الصّبح ، كده أقدر آكل لُقمة وِ أجيب عِلاجي من فلوس حلال.
دقيقتين وكان الباب بيتفتح وِ صَـالِـح بيدخُل من برّه. كُنت موطّية بلم الكنسة. بقىٰ شعور الخوف ملازمني أكتر من الأول ، كُل لمّا بشوفه وِ أنا عارفة عنّه حقيقة جديدة بلاقي الخُوف بيتمكّن منّي عن المرّة اللي قبلها.
فيروووز.
اتنفضت من الخضّة وِ قمت بِـسُرعة وقفت.
نعم.
في ثواني كان واقف قُصادِي ، وِ ماسكني من شعرِي بِقوّته. صرّخت من المُفاجآة. كان بيزعّقلي وِ بيقول.
انتِ بهيمة ليه!! هفضل لامتىٰ أفهّمك وِ أقولّك يا بهيمة ما تفتحيش الشبّاك أو تطلعي برّه البيت بِـشعرِك.
كُل الحريم هنا لابس زفت طرحة على راسه محدّش بيكشف شعره. إيه عايزاهم يقولوا عليّا مش عارف أمشّي كلمتي على حتّة عيّلة.
وِ بعدين واقفالي في الشبّاك مع بيّاعة الخُضار ليه لحقتي. لحقتي تلكلكي مع المنطقة كُلّها. زمانك طبعًا فضحتينا مع الناس.
كنت بعيّط من سُكات ومش برد ، بحاول أفك شعري من ايده ، بس ده كان بيخلّيه يتعصّب أكتر.
ما تنطقي يا بت هوّ أنا بكلم نفسي ، واقفة مع بيّاعة الخضار ليه في الشباك؟
حسّيت وقتها إني لازم أتعوّد أتحكّم في لساني وِ أنطق غصب عنّي وِ أنا بعيّط ، بِـكُل صعوبة حاولت أرد عليه.
مفيش.. مفيش غير أم علاء اللي رضت تشغلني معاها علىٰ فرشتها ، وِ كانت بتديني قرشين تمن وقفتي معاها واللّهِ. أنا.. أنا متكلّمتش معاها عن أي حاجة تُخصّك ولا حكيتلها أي حاجة صدّقني ، وِ لمّا نادت عليّا من الشباك نسيت وِ طلعت بشعري غصب عنّي.
ضحك بصوت عالي ، وِ قوّىٰ قبضة ايده على شعري وِ هوّ بيقول بِـ شماتة.
اشتغلتي بياعة خضار علىٰ فرشة في الشارع!! طب والله عال توقّعت إن محدّش هيقبل يِتف في وشك حتّىٰ.
زقّني فجأة بعيد عنّه بعد ما خلّص كلام. فَـ راسي اتخبطت في سيف الحيطة من ورايا. اتوجعت بس كُنت موجوعة أكتر من كلامه اللي فكّرني بِـكم الإهانة اللي اتعرّضتلها الصُّبح. لاقيت نفسي بعلّي صوتي علشان يسمعني وِ هوّ داخل الأوضة وِ بقول بعصبية.
تخيّل بقىٰ إنك بقيت وَصمة عار يا صَـالِـح علىٰ كل اللي يعرفك تِكسفهم وِ تعرّهم وِ تخلّي الناس متقبلش تِتف في وِشّهم زي ما بتقول من عمايلك السّودا. تخيّل انتِ وصلت لأنهي مرحلة من القرف؟!!
بعد ما كان هيدخل الأوضة رجعلي تاني ، وِ ساعتها أنا ندمت إني اتكلّمت. لاقيته بيقرّب منّي وِ أنا برجع لِـ ورىٰ لحد ما كنت لزقت في الحيطة. كان عامل زي المجنون بـيبرّقلي وِ هو بيقول.
سمّعيني تاني كده قولتي إيه؟!! اتكلّمي وِ علّي صوتك عرّفيني بتقولي إيه.
مسكني من شعري وهوّ بيكمّل بعصبيّة أكتر.
أنا وصمة عااار..!!
أنا بعرّ وِ بكسف النّاس اللي في حياتي..!!
إيه يا بت نسيتي إني أنا اللي سترتك واتجوّزتك بعد ما كنتِ عالة علىٰ عمّك.
كان كُل جملة يقولها يخبط راسي بعدها بِـ قوّة في الحيطة ورايا. كُنت حاسّة إني دُوخت وِ معتش قادرة أستحمل حتّىٰ صوتي بقىٰ مبحوح من الصّريخ.
دلوقتي بقيت بعرّك وِ بكسفك وِ عار عليكِ. قسمًا باللي خلقني يا فيروز لأعلّمك الأدب من أوّل وِ جديد وِ أخلّيكي تعرفي إزاي صوتك يعلىٰ عليّا وتكلّميني بالأسلوب ده.
بعد آخر جُملة ليه سحبني وراه للأوضة من شعري اللي لسه ماسكه واللي حاسة إنه هيتقطع في إيده وِ هوّ بيقول بزعيق.
دلوقتي بقىٰ هثبتلك بجد إنّي مُقرف لأقصىٰ درجة يا فيروز.
رماني جوّه الأوضة ، وِ سحب المُفتاح من الباب من جوّه وِ خرج وِ قفل عليّا ، وِ بعدها زعّق وِ قال.
هفضل راميكي جوّه كده من غير لا أكل ولا شُرب ؛ علشان تتعلّمي الأدب شويّة وِ لسانك يبطّل يخترف بِـكلام هوّ مش قدّه ، وِ مش هفتحلك.
مش هفتحلك يا فيرووز لو صرّختي من هنا لِـ السّنة الجايّة وِ لو روحك بقت بتطلع قدّامي كده وِ بتترجّيني أفتحلك برضه مِش فاتحلك.
كنت بصرّخ وِ بخبّط على الباب بِـ قوّتي كُلّها ، لكن بعد الجملة الأخيرة عِرفت إنه ملوش فايدة أساسًا.
سندت ضهري على الباب ، وميّلت راسي على جنب وغمّضت عيني ، بتمنّي مفتحهاش تاني.
بعد كام ساعة ، قمت من على الأرض وِ أنا حاسّة بِـألم رهيب في معدتي. خبّطت وناديت عليه بس المرّادي بِـضعف.
صَـالِـح افتحلي أنا تعبانة والله.
طب هروح الحمّام وِ أغسل وشّي ويبقىٰ دخّلني تاني.
يا صَـاااالِـح بقىٰ.
عدّت ثانية اتنين تلاتة وِ انهارت تمامًا.
لاقيت نفسي بقع في الأرض مش قادرة أقف على رجلي أكتر من كده. لاحظت خيط دم متجمّد على رقبتي من ورىٰ ، تقريبًا ده من ساعة ما كان بيخبط راسي في الحيطة.
فضلت قاعدة في مكاني بعيّط من وجع معدتي ، وِ الصّداع الفظيع اللي في راسي ، وِ من الذّل اللي شفته منّه وِ بسببه.
يخربيتك هتودّينا في داهية. انتِ بِـتمُوتي ولا إيه؟
فيروز انتِ سمعاني؟ قولي أي حاجة يا زفتة خلّيني أفهم مَـالِـك.
فتّحت عيني بِـ صعوبة على صوته العالي جنبي وهو بيفوّقني. اتكلّمت بتعب وِ دموع.
أنا تعبانة جامد حاسة إنّي هموت.
طب قُومي بس معايا زمانك دايخة علشان مطفحتيش أي لُقمة من إمبارح هجيبلك حاجة تاكليها ، وِ هتبقي كويسة.
ساعدني أقوم من على الأرض أروح السّرير وهو مضّايق. كنّا تقريبا الفجر صوت القرآن اللي قبل الآذان كان شغّال. ناديت عليه قبل ما يطلع وِ اتكلّمت بضعف.
استنّى يا صَـالِـح ما تجيبش حاجة ، أنا مش هآكل من الأكل اللي إنتَ جايبه بفلوسك.
اتصدم من كلامي وِ رجع وقف قصادي تاني كان متعصّب منّي وِهو بيقول.
تصدّقي بِـالله انتِ خسارة فيكِ المعاملة الكويسة ، أنا غلطان إني فتحت أبص عليكِ ، وعايز ضرب الجزمة القديمة إني فكّرت أساعدك ، خلّيكِ بقىٰ تعبانة لحد ما تموتي ولا تغوري في داهية.
سابني وِ خرج ، وأنا قمت رحت للحمّام وغسلت وشّي واتوضيت كُنت مستنيّة آذان الفجر جِه على بالي فكرة قلت أنفّذها رغم إن ألم معدتي كان بيزيد ، والصّداع كان مقرّب يعميني بس مع ذلك نفّذتها.
كان قاعد في البلكونة ، وقفت ورى الباب وناديت عليه.
صَـالِـح.
عايزة إيه يا زفتة.
عايزة أجيب دوا الأنيميا من الصيدلية.
واللّهِ؟ هوّ الأكل من فلوس حرام لأ ، بس الدوا عادي!
لا أنا هجيبه من الفلوس اللي عطيتهالي أم علاء الصّبح.
دخل وِ وقف قصادي ، ربّع ايده وهو بيقولّي.
مفيش حاجة بتفتح غير بعد الفجر ، حتّىٰ الصيدلية.
طب ما تروح تصلّي تحت وتقول للدكتور يجيبهولك ، زمانه بيصلّي في المسجد بتاع الحارة.
اتعصّب عليّا وقال.
بقولّك إيه يا فيروز أنا عامل دماغ ومش عايز أتعصّب عليكِ ، مش فتحتلك باب الأوضة خلاص!
الصّبح يبقى روحي هاتي الدوا اللي عايزاه ، أنا مليش كلام ولا حوار مع حد من الحارة وِ يلاّ غوري من وشّي.
كان نفسي أخلّيه يعمل أي حاجة صح ، بدل ما يشم مخدّرات قبل الفجر يقوم يتوضي ويصلي بس كانت محاولة فاشلة.
اتجّهت لِـ القبلة اللي عرفتها من أم علاء وصلّيت ركعتين معمال ما الفجر يأذّن.
والصّبح بدري ، دخلت علشان أضّرله الفِطار كان الغدا اللي عملته إمبارح زي ما هوّ ، الظّاهر بعد ما اتخانق معايا خرج مجاش غير لما فتحلي الأوضة الفجر.
بعد ما فطر ، أخد مفاتيحه وِ خرج ونبّه عليّا إنه هيرجع متأخّر النهاردة وِ إنّي متأخّرش برّه عن آذان العصر.
أوّل ما نزل كنت لابسة فستاني و الايشارب على راسي. أخدت المفاتيح بتاعة البيت ونزلت. حسّيت إني بلغت أقصىٰ مراحل تعبي.
وصلت عند فرشة أم علاء.
صباح الخير يا أم علاء.
صباح النور يا فيروزة ، عاملة إيه؟
وِ أول ما ركّزت في ملامحي اتفزعت وقالت.
يلاهوي! مال وشّك يا بت أصفر كده ليه؟
قعدت جنبها وقلتلها بِـ تعب.
بقالي يومين علىٰ ساندوتش جبنة وِ أنا عندي نسبة أنيميا ، الله يخلّيك يا أم علاء هاتيلي أي حاجة آكلها ألّا محدش هيرضى يبيعلي لما عرفوا إمبارح إني مرات صَـالِـح.
ومين ده اللي مش هيرضى يبيعلك ، استنّي هنا أنا جيّالك تاني.
مدّيت ايدي بالفلوس اللي عطيتهالي إمبارح بس مرضتش تاخدها غير لمّا تيجي.
بعد شويّة رجعت وِ بدأت تفتح الكياس اللي جابتها وهيّ بتقول بابتسمامة.
جبتلك شويّة فول وطعمية وبتنجان يا بت يا فيروز ، يستاهلوا بُقك ، مدّي إيدك معمال ما أدخل البيت أغسل ربطة الجرجير والخيارتين دول وآجي.
استنّيتها لما تيجي ، قعدت قصادي وقالتلي.
يوه لسّه ماكلتيش ليه؟
مستنيّاكِ بس.
أنا جيت آهو ، كُلي ألا شكلك هفتان خالص ، هوّ صالح مش بيجيبلك حاجة تعمليها أكل في البيت؟
لا لأ بيجيب بس زي ما قلتلك أنا اللي حابة أشتغل وِ أصرف على أكلي و شربي بنفسي.
ليه يا بنتي كده ، ما طالما هو قادر يصرف عليكِ وعلى بيته يبقىٰ بتشقِي ليه؟
كُنت لسّه هرد بس لاقيت معدتي قلبت عليّا فجأة وِ كل لقمة كلتها حاسّة إني هرجّعها تاني. اتنفضت من مكاني وِ جريت بعيد لأي رُكن مدّاري أرجّع فيه.
فِضلت واقفة في مكاني بتأوّه معتش قادرة أرجّع وِ معتش قادرة أتحرّك حتّىٰ. لاقيت أم علاء بطبطب على ضهري وتناولني ازازة مايّة صُغيّرة وهيّ بتقولي بتعاطف.
معلش تلاقيكي واخدة برد في معدتك ، خُدي اتمضمضي وتعالي أوصلك البيت.
أخدت ازازة الماية وأنا بهز راسي بضعف ، غسلت وشي واتمضمت و لاقيتها هيّ جابت كيس ومليته رمل وكبّته مكان ما رجّعت. كنت مكسوفة جدًّا منها فَـ اتكلّمت.
ليه بس يا أم علاء تعبتي نفسك وجيتي ورايا ، أنا كنت هجيب أنا الرمل واللّهِ.
ولا تعب ولا حاجة انتِ زي أختي يا بت ما تقوليش كده ، تعالي أوصّلك البيت بقىٰ.
لا مش هروّح أنا هكمّل اليوم معاكِ ، أنا بقيت كويسة.
لأ انتِ لسه وشك مصفّر ، طب أقولك تعالي نروح الصيدلية.
كنت بمشي معاها وِ أنا مترددة خايفة من رد فعل الدكتور. لحد ما دخلنا وأم علاء قالت.
السلامُ عليكم.
وعليكم السلام إزيك يا أم علاء.
بصلّي وقال باستغراب.
مش البنت دي مرات.
قطعته وقالت.
أيوة أيوة هيّ ، بس غلبانة مش شبهه وِ بقت شغالة معايا على الفرشة بتاعة الخُضار ، وهيّ تعبانة وِ وشها مصفّر زي ما إنتَ شايف كده ، بقالها يومين مكلتش حاجة وِ أول ما حطت اللقمة في بقها دلوقتي رجّعتها تاني.
اتكلّمت أنا وكمّلت.
أنا عندي نسبة أنيميا يا دكتور كمان ، وِ باخد حبوب مقويّات فيها حديد ، بس بقالي كام يوم ما خدّتهاش.
هز راسه وِ قال.
أنا هدّيكي حبوب لِـ الترجيع وألم معدتك ، مع حبوب الأنيميا بتاعتك ؛ علشان أكيد الأنيميا هيّ اللي مدوّخاكِ دلوقتي وِ لو استمر الألم وِ الترجيع يبقىٰ لازم تكشفي.
أخدت الدوا ، وأصرت أم علاء هيّ اللي تدفع حسابه ، وِ روّحتني البيت. مرضتش تسيبني غير وأنا علىٰ السّرير وقالتلي.
هبعتلك الواد علاء بشويّة ينسون ونعناع يبقىٰ اعملي وِ اشربي منهم وآخر اليوم هعدّي أطمن عليكِ قبل ما أروح.
هزيت راسي وابتسمتلها وِ أنا بشكرها. الحقيقة مواقف أم علاء معايا من أول ما جيت للحارة عمرها ما هتتمسح من دماغي ولا هنسىٰ أثرها جوايا كان إيه.
عدّىٰ كام يوم والحال زي ما هوّ ، كنت بتجنّب صَـالِـح أغلب الوقت لإنّي لسّه تعبانة وِ لسّه حاسة بالضّعف في جسمي كله ومش قادرة أدخل معاه في أي حوار.
لحد ما مرّة الصّبح قبل ما أروح لأم علاء عدّيت على الصيدلية.
يا دكتور لو سمحت.
اتفضّلي.
الدوا اللي حضرتك عطيتهولي أول الأسبوع قرّب يخلص بس أنا لسّه حاسة بِـ الألم نفسه بل الضِّعف.
ترجيع أغلب الأوقات ، وِ ضَعف في جسمي كله ، ومعدتي طول الوقت فيها وجع مش بيهدىٰ ومش عارفة بيحصلي ده كله ليه.
طب ما كشفتيش زي ما قلتلك ليه؟
ما أنا مش عارفة دكتورة هنا في الحارة أكشف عندها ومش عارفة أروح لدكتورة إيه أساسا؟
غالبًا هتروحي لِـ دكتورة نسا لإن الأعراض اللي بتقولي عليها دي كلها أعراض حمل.
حمل!!!!!!!!
رواية حجر ينبض الفصل التاسع 9 - بقلم فريحة خالد
مِش معقول ، حَـامِـل!!
يارب ما يطلع حقيقة ، إن شاء اللّه لأ مِش حامل ولا حاجة ، هَـيكون مُجرّد شويّة برد في معدتي بس وِ خلاص ، يارب سلّمها يارب.
فيرووووز.
فُقت من شرودي علىٰ حركة ايد أم علاء يمين وِ شمال قُصاد وشّي:
- أيوه يا أم علاء في إيه بتنادي؟
- من ساعة ما جيتي هنا وِ أنا بنادي عليكِ وانتِ ولا هنا خالص ، سرحانة كده في إيه؟
انتهدت وِ قلتلها بِـ خُوف:
- مُـصيبة يا أم علاء ، مُـصيبة لو اللي في بالي صح.
- خير كفَالله الشّر ، مُـصيبة إيه خضّتيني!!؟
حكيتلها اللي حصل الصبح قبل ما آجيلها هنا فَـ ابتسمت وحضنتني وهيّ بتقول:
- حامل!!! يا ألف نهار أبيض ، مبرووك يا بت يا فيروز ألف مبروك يا حبيبتي.
- مبروك إيه بس انتِ مش فاهمة حاجة ، أنا لازم أكشِف وِ أتأكّد بِـ نفسي جايز ده برد في معدتي بس مش أكتر.
- برد إيه يا هبلة؟! أنا كُنت شاكّة من الأول بس كنت بكذّب نفسي وِ طالما لسّه تعبانة كده فَـ ده معناه إنك حامل بجد.
دمّعت وقتها بِـ خُوف من المجهول ، جايز لو كنت عِرفت حاجة زي دي قبل ما أعرف صَـالِـح علىٰ حقيقته ، كُنت طيرت من الفرحة ، بس حاليًا..
حاليًا حاسّة إني هموت من الرعب ، هخلّف طِفل أبوه مُدمن وِ تاجر مخدّرات ، أخلاقه مفيش اتنين اختلفوا علىٰ سوئها وِ فسادها!!
آخر ما كان في حساباتي فعلاً إنّي أحمل دلوقتي.
- ها بتقولي إيه يا أم علاء؟
- انتِ مش متظبّطة ليه كده من ساعة ما الدكتور قالّك إنك ممكن تكوني حامل وِ سرحانة وباين عليكي القلق كإنّك خايفة من حاجة؟!
سكتت شويّة وِ كمّلت بِـ نبرة شك:
- انتم مش متجوّزين رسمي ولا إيه؟!
اتكلّمت بِـ سُرعة وِ قلتلها:
- لا لا متجوّزين على سنة الله وِ رسوله رسمي عند مأذون وِ لو عايزة أورّيكي القسيمة أجيبهالك واللّهِ.
- مِش قصدي يا فيروز والله أشك فيكِ بس سكوتك وِ قلقك ده مقلّقني ، إنتِ خايفة من إيه؟
كلنا كنا كده في أول طفل علىٰ فكرة ، وخايفين ما نقدرش نشيل المسؤولية ، بس يا ستي أنا أهو أول ما خلفت علاء الدُّنيا مساعتنيش من الفرحة ، ولاقيت نفسي بدل ما كنت خايفة من مسؤولية طفل بقىٰ عندي استعداد أعمل أي حاجة في الدُّنيا وِ أضّحي بِـكل حاجة في سبيل إنه يبقى كويّس وِ سعيد.
سرحت شويّة في كلامها ، قِدرت تخلّيني أركِن مشاعر خوفي على جنب وِ يحتل كياني مشاعر الفرحة وِ الحنيّة ، بِـ تلقائية مسّدت بِـ ايدي على بطني بِـهدوء وِ ابتسمت وِ بعد شوية أخدت نفس عميق وِ قلتلها بِـ اضطراب:
- أنا مش خايفة علىٰ نفسي من المسؤولية يا شُكرية ، أنا خايفة عليه هوّ ، خايفة الطفل ده يجي وِسط أب وِ أم ما يستحقّوش يكونوا أهل..
أنا ضعيفة وِ مليش ضهر وِ كل يوم وِ التّاني مضروبة من صَـالِـح وِ متهان كرامتي وِ في نفس الوقت غصب عنّي مقدرش أطّلق وِ أسيبه ؛ لأن جوازي منّه زي المُوت بالظّبط ما مِنّوش مفر خلاص..
وِ هوّ!! هوّ ربّنا يهديه ، السُّوء وِ الفساد اللي في الدُّنيا كله اتجمّع فيه ، لا أخلاق ولا إحساس وِ عمره ما يقدر يربّي طفل صح ، ومعندوش أي استعداد يكون أب!!
عرفتي بقى أنا خايفة ليه؟! بذمّتك هيكون ذنبه إيه الطّفل في إن أهله يكونوا زيّنا..!!
كانت مصدومة وهيّ بتسمعلي ، الظاهر طريقة تفكيري وِ خوفي وِ اضطرابي الواضح قصادها خلّاها تشوف الأمر بعيني شويّة ، شدّت على ايدي كإنها بتشجعني وقالت:
- أنا أول مرة أعرف إن اللي ما يتسمّى بيـضربك ، وِ من الكام كلمة اللي قلتيهم فهمت إنه مش هتقدري تسيبيه وِ تتطلقي ، بس عايزة أقولك على حاجة..
هوّ لو مش هيقدر يكون أب ، فـ انتِ تقدري تكوني أم كويس أوي ، أنا مش شيفاكِ ضعيفة يا فيروز! انتِ قويّة بأخلاقك وِ مبادئك وِ هتقدري تربّي الطفل اللي جاي ده صح ، وِ صدّقيني لما تكوني أم هتلاقي نفسك متغيّرة مية وتمانين درجة للأفضل وِ هتقولي شكرية قالت..
كُلّنا عارفين صَـالِـح هنا ومتوقعناش إنه هيلاقي حد يقبل بقلبه الحجر ، بس باين كده إنه عرف يلعب عليكي لحد ما يوقّعك ، بس لو مكتوب عند ربّنا يجي طفل من صُلب وِ دم صَـالِـح فَـ ابذلي كُل جهدك.. كُل جهدك يا فيروز لِـ أجل إنه يكون ذُريّة صالحة وِ ميطلعش زيّه وِ ياخد من فساده وِ طلاحه أي حاجة.
بعد كلام شكرية الأخير حسيت كإن فيه حمل تقيل على قلبي ، كُل حاجة مخوّفاني ، وزاد على خوفي فكرة إني ممكن أخلّف نسخة تانية من صَـالِـح ساعتها ذُرية الفساد مش هتنتهي أبدًا...
كنت طول اليوم ده قلقانة ومش مبسوطة وبتمنّىٰ أخلص مع شكرية على طول علشان أروح أي مستشفىٰ أطّمن إذا فعلا كنت حامل ولا لأ..
وقبل العصر معاد ما اتعوّدت أروّح ، طلبت من شكرية توصفلي مكان عيادة ولا مستشفى أقدر أكشف فيها فَـ حذّرتني:
- بلاش النّهاردة يادوب تروّحي تجّهزي الغدا قبل ما صَـالِـح يروّح.
- مش هغيّب متخافيش ربع ساعة بس ، عايزة أطمّن يا شكرية ؛ علشان أبقىٰ واخدة بالي لو طلع فيه حمل بجد.
- طيب استنّي ألم الفرشة وِ آجي ويّاكي.
- لا هروح لوحدي خلّيكِ انتِ علشان تخلّصي بدري وِ هعرّفك حصل إيه وأنا مروّحة.
- طيّب فيه مُستوصف بس بعد كام شارع من هنا..
بدأت توصفلي الطريق وِ أنا مشيت وِ في كل خطوة بخطيها ، بتمنّىٰ مرّة ما أطلعش حامل ، وِ أرجع مرات تانية أبتسم وِ أنا بتخيّل إني هبقىٰ أم و أتمنّى إني أقدر أربيه كويس وِ أملىٰ حياته حُب وِ أعلّمه الحنيّة واللّين.
بعد نُص ساعة كُنت قاعدة قصاد الدّكتورة ، مستنيّة بِـ فارغ الصّبر أسمع ردّها:
- مبروك يا مدام انتِ حامل في الشّهر التاني ، بس ياريت تاخدي بالك من نفسك الأيام الجاية كويس ، وِ تهتمي بِـ صحتك وِ بأكلِك شويّة.
كتبتلي مقويّات وِ كذه شريط حبوب وِ أكّدت عليّا أقلل الجُهد اللي ببذله علشان الحمل في الأول لسّه ، روّحت وِ أنا طول الطريق حاضنة بطني بِـ ايدي كإني خايفة على اللي جواها من مُجرّد الهوا بس يخبط فيها من برّه..
وصلت لِـ أوّل الشّارِع وِ اتفاجئت بِـأم علاء واقفة بِـ تتلفّت يمين وِ شمال ، أوّل ما شافتني جرت عليّا وهي بتقول بفزع:
- يلاهوي يا فيروز يلاهوي ، جوزك جه من ساعة ، وِ لمّا دخل البيت وِ ملقاكيش موجودة طِلع هنا قلب الدُّنيا.
اترعبت وِ شدّيت ايدي على بطني وِ أنا بقولها بترقّب:
- قلب الدُّنيا إزاي ، هوّ سألك عليا؟!!
عوجت بقها يمين وِ شمال وِ ضربت بِـ ايديها علىٰ خدّها بخفّة وهي بتقول:
- طلع وِ هو متعصّب وبيقولي مراتي فين؟! ولمّا قلتله راحت لحد المستوصف وجايّة ، اتعصّب أكتر وِ شاط قفص الطماطم برجله في الشّارِع كله ، وِ الشّيخ نوح إمام المسجد بتاع الحارة كان معدّي فكّره بيتخانق معايا فَـ كان لسّه هيمسك فيه لحقته بِـسُرعة وِ فهمته اللي حصل وِ جوزك دخل البيت وهوّ مش طايق نفسه.
- ينهر أسود يا أم علاء ، ينهر أسود ، ده أنا مش هيطلع عليّا شمس بُكرة.
طبطبت علىٰ كِتفي وِ هي بتقولي بتعاطف:
- أنا هروح معاكِ لحد البيت وِ نعرّفه إنك حامل ومينفعش يتعصّب عليكِ علشان اللي في بطنك ، مش طلعتي حامل صح؟
- أيوه حامل في الشهر التاني.
- طب يلا تعالي أوصّلك البيت ، وِ نحاول نفهمّه اللي حصل قبل ما يتعصّب عليكي.
مشيت لحد باب البيت وِ أنا مرعوبة ، حطّيت المُفتاح في البوّابة الحديد ، وِ دخلت وِ ورايا أم علاء ، وبعدين لسّه بفتح باب الشقّة لاقيت صَـالِـح سبقني وِ فتح هوّ الباب كإنه مستنيني أوصل وِ عينه بينط منها الشّر............
رواية حجر ينبض الفصل العاشر 10 - بقلم فريحة خالد
أوّل ما فتح باب الشقّة ، شهقت من الخضّة ورجعت خطوة لِـ ورىٰ مفزوعة ، وقبل ما يدّيني فُرصة أتكلّم ، أو حتّىٰ أم علاء تلحق تتكلّم كان شادِد ايدي مدّخلني لِـ جوّه البيت وقافل الباب بِـ كُل قوّته في وِشّها.
كان نفسي عالي وبحاول أرجع بعيد عنه ؛ علشان أحمي نفسي لكنّه كان لسّه قابض على ايدي كإنه مقبض حديد وهوّ بيقول بهدوء خوّفني أكتر:
- حذّرتك ولاّ محذّرتكيش يا فيروز؟
- هـ... هشرحلك اسمعني بس.. ااااه..
ملحقتش أتكلّم ولاقيت كف ايده بينزل على وشّي بقوة فَـ صرّخت ، ومع أول صرخة ليّا لاقيت أم علاء بتخبّط علىٰ الباب جامد وبتزعّق علشان يفتح.
اكتشفت إنها كانت لسّه واقفة قدام الباب ، اتمنّيت تفضل واقفة يمكن مع اصرارها علىٰ الخبط على الباب يفتح وتنْقذني منه ، لكن هوّ مفرقش معاه وفي ثانية لاقيت طرحتي على الأرض وشعري بين ايده وهوّ بيقول:
- رُدي عليا سبق وحذّرتك ولا محذّرتكيش يا فيروز؟
- اهدىٰ بس واللّهِ كُنت في المستوصف...
ولِـ تاني مرّة يقطع كلامي وينزّل قلم على وشّي ، المرّادي كان أقوىٰ وصرختي كانت أعلىٰ. سمعت أم علاء وهيّ بتضاعِف الخبط على الباب وتزعّق:
- افتح يا صَـالِـح الباب أحسن قسمًا باللّي خلقني أفضحك في نص الحارة وأخلّي الناس تيجي تكسر الباب عَلىٰ نافوخك.
اتوسّلته واترجيّته كتير يدّيني فُرصة بس أتكلّم علشان أفهمه لكن هوّ كان أصم وأعمىٰ ، مش شايف ومش سامع حاجة من حواليه غير صُوته وهوّ بيزعّقلي إني بدأت أتمرّد عليه وأنسىٰ أوامره ليّا وإنّي بخطط أهرب منه.
ضربني قلم ورىٰ قلم وكل مرة كانت بتبقىٰ أقوىٰ من اللي قبلها ، الدّم نزل من مناخيري وبدأت أحس إني هَـ يُغمىٰ عليّا بين ايديه خلاص ، فقدت طاقتي من الضّرب والصّريخ. زقّني بعيد عنه وهوّ بيقول:
- حذّرتك يا فيروز.. حذّرتك بدل المرة متين وقلتلك لو رجعت البيت ملاقتكيش موجودة هخليكِي تصرفي فلوسك علىٰ علاجك ، حذّرتك من إنك تفكّري تتمرّدي عليا وما تسمعيش كلامي ، حذّرتك إنك تفكّري تهربي منّي ، لكن الهانم كل اللي بتفكّر فيه إزاي تكسر كلامي!
حاولت أبعد عنه قدر الإمكان وأنا بقول بتقطّع:
- والله مكنش قصدي.. مكنش قصدي إني مسمعش كلامك ، ولا أهرب ولا أي حاجة واللّهِ ، أنا.. أنا رحت المستشفىٰ حتّى أسأل أم علاء.
ضحك بِـ استهزاء وهوّ بيبص ناحية الباب اللي هيّ واقفة وراه بتخبّط وتنادي بِصوتها كُله ، وبعدين رجع بصّلي وقال:
- انتِ فاكرة إن الفيلم العبيط ده هيدخل عليّا؟! تبقي غبية يا فيروز واللّهِ ، وتبقي غبيّة أكتر لو ما نطقتيش وِ قلتيلي كُنتي فين وِ بتخططي لِـ إيه بالظّبط؟
عيّطت أكتر وِ قلتله بنبرة رُعب من شكّه فيّا:
- واللّه كنت في المستشفىٰ وِ حياة ربّنا كنت في المُستشفىٰ ، دكتور الصيدلية الصبح قالّي لازم أكشف بسبب الترجيع المستمر والألم اللي بحس بيه علشان ممكن أكون حامل ، وِ رحت المستشفىٰ وِ طلعت حامل فعلا ، والله لو مش مصدقني ممكن تيجي معايا تاني تتأكّد من الدكتورة... والله ما بكذب عليك ، ده اللي حصل بالظبط وأنا فعلا حامل.
سكت شويّة معرفتش أفسّر سبب سكوته ، حسّيت إنه هَدىٰ لمّا عرف إني حامل ، بس كان رد فعله أسوأ رد فعل شفته منه في حياتي.
اتحرّك ناحية التليفزيون ، وسحب فجأة السلك منه ، لفّه على ايده وبمنتهىٰ القسوة ضربني بيه ، حاولت أدافع عن اللي في بطني ، كنت بحاول أبعد عنه قدر الإمكان علشان أنقذ اللي جوايّا.
فَديت أي ضربة تيجي على بطني بِـ دراعاتي وِ ضهري وحتى وشّي لكن هوّ كان اتمكّن منه القسوة وعدم الرّحمة والشك كمان وصوته كان عالي وهوّ بيقول:
- حامل إيه انتِ هتستعبطيني يا بنت الـكلب ، انتِ فاكراني عبيط هصدّق الهبل ده ، أنا متجوزّك من كام شهر إيه لحقتي تشيلي في بطنك!!! فاكراني مختوم علىٰ قفايا ، عايزة تغفّليني وِ تهربي منّي يا فيروز!!! بعينك ، واللّهِ بعينك وما هتطلعي من الحارة هنا إلا علىٰ قبرك ، سااامعة واللّهِ ما هتطلعي إلا علىٰ قبرِك.
سلك التليفزيون وَصل لِـ كل حتّة في جسمي حرفيًّا ، مكنش بيضرب بالسلك وِ بس ، كان بيساعد بِـ ايده ورجله. وقعت في الأرض ومعتش قادرة أقاوِم ، ومعتش قادرة أصرّخ ، كنت بعيّط بِـ صوت مكتوم.
آخر حاجة حسّيت بيها إنّه ضربني كذه مرّة في جسمي بِـ رجله وبعدها شُفت الدّم بينزل منّي بِـ غزارة ، عيني كانت بتغمّض بِـاستسلام لِـ الدوّامة اللي بدأت تسحبني جوّاها.
ومقدرتش أقاومه وهو بيسحبني من شعري يِسحِلني وراه لحد ما وصل لِـ باب البيت اللي أم علاء كانت قرّبت تكسره من كتر الخبط والزّعيق قُصاده.
فتحه فجأة وِ رماني برّه وِ هوّ بيقول بصوت عالي:
- هسيبك تباتي في الشّارع النهاردة يا فيروز علشان تتربي ، وعزّة جلالة اللّه لو فكّرتي تُدخلي بيت حد تبيّتي فيه هطلّعك مِنُّه علىٰ قبرك.
قفل الباب بكل قوّة وأنا غمّضت عُيوني مُستسلمة لِـ المُوت اللي بصارعُه دلوقتي ، آخر حاجة سمعتها صُوت صويت أم علاء وعياطها وهيّ حضناني وأنا علىٰ الأرض غرقانة في دمّي.
بعد مُدّة طويلة ، فتحت عيني بِـصعوبة ، لاقيت نفسي علىٰ السّرير في المُستشفىٰ ، متوصّل بيّا محلول ، اتأوّهت بِـ صُوت عالي أوّل ما حاولت أتحرّك من مكاني ، ولاقيت مُمرّضة واقفة قصادي وهيّ بتقول:
- حمد الله على سلامتك يا مدام فيروز ، قلقتينا عليكي.
- اللّه يسلمك ، مُمكن تقوليلي إيه اللي حصلّي؟
- انتِ جيتي المُستشفىٰ مُغمىٰ عليكي وِ بتنزِفي وِ فيه آثار ضرب وِ جروح في جسمك.
سألتها بِـ سُرعة وِ لهفة والرُّعب اتمكّن منّي في ثواني:
- نزِيف؟؟ أنا.. أنا كُنت حامل ، حامل في الشهر التاني كمان ، هوّ الطفل نزل؟
قطعت كلامي بِـابتسامة وِ قالتلي:
- لأ انتِ ربّنا بيحبّك وِ الجنين كويّس ، الضّرب اللي اتعرضّتيله مآذاش طِفلك في شيء ، لكن سببلك نزيف وِ الحمد لله إننا لحقناه بِـسُرعة وِ ياريت يعني لو تاخدي بالك من نفسك لإن مش كل مرّة هتسلم الجَرّة.
كمِّلت بأسف:
- المرّادي قدرنا نلحقك من النزيف ، يا عالم المرّة الجايّة هنقدر نلحقك ولا لأ ، وِ يا عالم طفلك هيكون سليم ولا لأ.
هزّيت راسي بِـ حُزن وِ سألتها:
- طب أنا هنا من امتىٰ ومين جابني هنا أساسًا؟
- ياستّي انتِ هنا من حوالي ست ساعات ، واللي جابك هنا راجل واتنين ستّات بس كانوا هيموتوا من القلق عليكي ، وِ رفضوا يروّحوا لحد ما تفوقي ، أنا هطلع أبلّغهم حالا إنك فوقتي.
خرجت ، وِ دخل وراها أم علاء وهيّ فرحانة وِ بتمسح دُموعها. حضنتني وِ قالتلي بحُب:
- حمد الله على سلامتك ، حمد الله على سلامتك يا غالية ، حقّك علينا إحنا.. حقّك علينا يا حبيبتي.. حقّك علينااا متزعليش.
كانت بتعيّط وِ أنا كمان عيّطت في حضنها ، بكيت وِ أنا بقولها:
- كنت هموت يا شكرية ، شُفت الموت بعيني على ايده ، قلتله إني حامل ، و قلبه ماحنّش ولا رحمني وِ رأف بحالي.
- ما تزعليش يا حبّة عيني ما تزعليش ، ربنا ينتقملك منّه شر انتقام بحق اللي عمله فيكي بِـ قسوِته وِ جحوده وِ قلبه الحجر.
خرجت من حضنها وِ أنا بمسح دُموعي وِ بسألها:
- انتِ جيبتيني هنا إزاي؟
- ده أنا فضحته وِ لمّيت الحارة كُلها عليه ، أول ما لاقيتك مرميّة بين ايديا وِ بتنزفي وِ مغمّضة فكّرت بعد الشر حصلك حاجة ، سيبتك وِ جاريت على بره وِ في نص الحارة وِ وقفت أصوّت بكل صوتي:
- يلاااااااهووي الحقوووني يا ناااس..
- الحقوني يا أهل الحارة..
- الحقوووني صَـالِـح دروِيش قتل مراته..
النّاس كُلها اتلمّت عليّا ، وِ دخلوا معايا لِـ قدّام البيت من جوّه وِ همّا مصدومين من منظرك وانتِ سايحة في دمّك ، لحد ما الشّيخ نوح قال لِـ حد من اللي كانوا واقفين يروح يجيب توكتوك وِ طلب منّي أنا وِ هناء نساعده نركبّك فيه وِ جبناكي علىٰ هنا.
دُموعي نزلت شفقة علىٰ حالِـي ، أخدت نفس عميق وِ بصيت لِـ أم علاء:
- مش عارفة أشكركم إزاي بجد واللّهِ ، من غيركم وخصوصًا من غيرك يا أم علاء كان زماني ميّتة دلوقتي.
- بعد الشر يا فيروز ما تقوليش كده ، ربنا يِمد في عُمرك وتعيشي وِ تربّي ابنك أو بنتك اللي جايين وانتِ في أحسن حال ، وبعدين ده واجبنا معاكِي.
طب تعرفي أم سُميّة اللي هيّ هناء صاحبة محل اللبس اللي في أول الشّارِع ، أوّل ما الدكتور طمّنا إنك كويّسة بس نايمة بِـسبب المُهدّئ ، راحت جابتلك فستان وطرحة عشان تغيّري قبل ما نمشي وِ واقفة برّه أهو مستنيّة تُدخل تطّمن عليكِ.
وحتّىٰ الشّيخ نُوح راح الحارة طمّن الناس هناك ؛ علشان كانوا عايزين يبلّغوا لمّا شافوكي واقعة كده ، وِ رجع تاني وِ قال مش ماشي غير وانتِ معانا ، الحارة كلها مستنيّة تِطّمِن عليكي يا ست فيروز.
شكرت أم علاء بِـامتنان ، وِ وسط حُزني بدأت أشوف بصيص أمل ينوّر الضّلمة جوّه قلبي ، ناس هتكون ليّا عيلة قلقانة عليّا وِ بتحبني بجد.
دخلت هناء ، وِ عرفت إنها متجوّزة وِ عندها بنوتة عندها سنتين اسمها سُميّة ، دار بينّا كذه حوار إحنا التّلاتة وِ من هنا بدأ يكون بينّا علاقة صداقة حِلوة ، خِلص المحلول ، وِ غيّرت هدومي اللي كانت متبهدلة وِ آثار الدم عليها ، وِ لبست الطرحة وِ الفستان اللي جابتهم هناء وبعدين دخلت انتَ يا شيخ نوح وكان أول مرة أشوفك فيها ، ساعتها قلتلي:
- ازّيك يا بنتي ، حمد الله على سلامتك.
- اللّه يسلمك يا شيخ نُوح ، مش عارفة أشكركم إزاي والله على وقفتكم جنبي دي.
- إحنا اللي مش عارفين نعتذر منّك ازّاي عن اللي حصّلك بسبب حد مننا.
- وانتم ذنبكم إيه يا شيخ ، ده نصيبي والحمد لله على كل حال.
سندت علىٰ هناء وشكرية وطلعت من المستشفىٰ ، بعد ما الدكتور كتبلي على علاج للجروح المُلتهبة في جسمي وِ وشّي ، وِ علاج للكدمات بجانب علاج جديد للحمل والأنيميا.
وصلت الحارة وِ طول الطّريق كنت بفكّر عملت إيه في حياتي عشان أتعاقب بالطريقة عديمة الرحمة دي!! في عِز شبابي وبقيت مُشوّهة وِ جسمي متكسّر ويا عالم هيحصلّي إيه تاني.
أوّل ما نزلنا من التوكتوك النّاس بدأت تيجي وِ تطّمن عليا وِ تواسيني وِ أنا واقفة في مكاني.
كُنت سعيدة وِ أنا شايفة أي حد شُفته أول يوم نزلت فيه هِنا وِ بصلّي بنظرات احتقار وِ ذلّني لمجرّد إني مرات صَـالِـح دروِيش ، واقِف قصادي بيبصلي بِـحُب حقيقي وبيعتذر منّي وِ بيعرض أي مُساعدة.
كإنُّهم أدركوا فجأة إنّي مُجرّد ضحيّة ليه ، وإنّي مغلوبة علىٰ أمري معاه وِ بعيدة كُل البُعد عن صِفاته.
وَصلت لحد باب البيت ، السّاعة وقتها كانت تقريبًا عشرة وِ شويّة ، طلبت من هناء وِ شكرية يمشوا وِ أنا هدخل لوحدي ، وتحت اصراري سمعوا كلامي وِ فضلت لوحدي قدام باب البيت.
خبّطت مرّة واتنين و تلاتة بس مفيش رد.
بعد حوالي عشر دقايق ، البوابة اتفتحت وِ ظهر صَـالِـح من وراها وِ هو بيترنّح وِ باين إنه كان بيشم مُخدّرات كَـ عادته ، حاولت أدخل بس منعني وهو بيقول بِـ سُخريّة:
- انتِ لسه عايشة ، أحسبك غورتي في داهية!
- للأسف مكتوبلي أكفّر عن ذُنوبي وِ أفضل عايشة عُمري معاك.
- عارفة يا فيروز مشكلتك إيه؟! مشكلتك إن لسانك أطول منك ، ورغم إنك لسه طالعة من المُستشفىٰ وِ كنتي هتموتي علىٰ ايدي وِ برضه ما حرمتيش ولسّه بِـ تقلّي أدبك.
كمّل سُخريته وهوّ بيوسّعلي أدخل وبيقفل البوابة:
- بس وماله ملحوقة ، أنا لسه عند وعدِي ليكِ ، وِ مش هتباتي في البيت النهاردة.
طلع درجتين السّلم وِ وقف قدام باب الشّقة وِ قال:
- أنا دخّلتك من البوابة لِـ أجل بس تفضلي تحت عيني ، لكن مش هتدخلي من باب الشّقة خلّيكي مرميّة زي الكلبة قُدام الباب كده.
اتنفضت في مكاني علىٰ صُوت الباب وهوّ بيقفله ، فضلت واقفة في مكاني شويّة مصدُومة ، وبعدين لاقيت نفسي بستسلم للأمر الواقِع وبطلع درجات السّلم بهدوء وِ قعدت علىٰ جنب الشقّة من برّه ، فكّيت طرحتي ولفّيتها حوالين جسمي علشان ما أبردش وِ ميّلت راسي علىٰ الحيطة وِ نِمت بكل الحُزن وِ الكسرة اللي جوايّا.
- انتِ يا زفتة اتنيّلي خُشّي جُوه حضّريلي الفِطار.
بصّيتله بِـاحتقار غصب عنّي ، بقيت بشمئز من مجرد رؤيته ، ساعدت نفسي وِ قمت بِـ صعوبة من مكاني وِ دخلت البيت.
لمحت آثار الدم في مدخل البيت من جُوه مكان ما سحلني من شعري وأنا بموت في ايده إمبارح ، اتخطّيت المكان وِ رحت أحضّر الفِطار.
- الفِطار جاهز علىٰ السّفرة.
خرج من الأوضة وِ قعد ياكل. نادىٰ عليّا قبل ما أرجع المطبخ تاني وهوّ بيقولّي:
- مفيش نزول الشّارِع تاني ، سيبتك أسبوع أهو تعيشي حياتك وتستذكي نفسك بس من النهاردة هقفل الباب عليكي بالمُفتاح وِ أنا خارِج زي ما كنت بعمل.
اتصدمت وِ رجعتله وأنا متعصّبة وردّيت عليه بِـ اندفاع:
- إنتَ إيه يا آخي.. إيييه.. جنس ملّتك إييه!!!
- إنتَ استحالة تكون إنسان ، إنتَ شيطان.. إبليس متجسّد في صورة بني آدم ، ظلمك.. واللّهِ ظلمك اللي سمّاك صَـالِـح الأولىٰ كان اسمك يبقىٰ طَـالِـح ، صَـالِـح ازاااي وانتَ حياتك كلها طلاح وِ فساد وِ قرف.
- إيه عايز تحبسني وتصرف عليا وعلىٰ اللي في بطني من فلوس حرام!! بعينك بقىٰ يا صَـالِـح وبقولهالك وأنا مش خايفة منك إن شالله أموت في ايدك.. سامعني يا صَـالِـح بعيينك مش هقبل قِرش حرام عليا أو علىٰ اللي في بطني.
- وهنزل الشّارع غصب عنك وهشتغل علشان اللي في بطني يعيش عيشة حلال ، كِفاية أبوه مُدمن وتاجر مُخدّرات وفيه كُل الصّفات القذرة اللي في الدنيا ، وِ أعلىٰ ما في خيلك اركبه يا صَـالِـح ، أنا مش هيجرالي حاجة أكتر من اللي جرالي خلاص.
انفجرت فيه بِـكُل اللي جوّايا ، أول مرة من يوم ما اتجوّزته صُوتي يطلع عليه ، أوّل مرة أكلمه بالاسلوب ده ، لكن أنا إنسان عبارة عن طاقة وِ هوّ استنذفها كُلّها ، كُنت متوقّعة إنه هيزعق وِ يقوم يضربني ، عادي متفآجئتش.
سابني وِ نزل بعد ما قضىٰ علىٰ أي حاجة حِلوة جوايّا ، قعدت في رُكن في الصّالة وحضنت نفسي وانفجرت في العياط ، بس فجأة سمعت صُوت خبط علىٰ الشبّاك وِ ناس متجمّعة تحت. مسحت دموعي وجريت غسلت وشّي وحطّيت طرحة علىٰ راسي وفتحته واتفآجأت بالمنظر قُصادي.
شكرية وهناء والشيخ نوح ودكتور الصيدلية وستات كتير من الشّارع متجمعين تحت الشباك ، لسّه هتكلّم لاقيت الشيخ نوح بيسألني بخضّة:
- انتِ بِـخير يا بنتي؟
- أيوة الحمد لله في إيه يا شيخ؟
- انتِ مُتأكّدة إن اللي اسمه صَـالِـح ده معملكيش حاجة؟
- لأ يا أم علاء واللّه أنا بخير الحمد لله أهو.
- أصله طلع من البوابة وقفلها بالقفل من برّه ، فَـ قلقنا عليكي يا بنتي ، اللي شافته أم شاكر وجت قالتلي وأنا قلقت فَـ بلغتهم نيجي نشوفك جوه ولا لأ ونطمن عليكي.
- تسلمي يا أم سُميّة ، أنا الحمد لله بخير متقلقوش ، هوّ قافلها علشان مخرجش أروح في حتّة بس وهوّ مش موجود.
بدأ الكُل يتحرّك بعد ما اطّمن عليّا وفضل معايا شكرية وهناء فَـ سألتني شكرية:
- انتِ معتش هتنزلي تقعدي معايا على الفرشة؟
- الظاهر لأ ، غصب عني ، قافل عليا الشقة و البوابة وواخد مني مفاتيحي.
- طب افرضي عُزتي حاجة كده ولا كده من تحت مين هجيبهالك وهوّ بره؟
- أي حاجة البيت بيحتاجها هوّ بيجيبها يا هناء ، أنا بس عايزة أجيب الروشتة بتاعة الدكتور لو ينفع حد يجيبها ويناولهالي علشان أبدا آخد الدوا.
- آه طبعا هاتيها وإحنا نجيبهالك.
ناولتلهم الروشتة وِ أصريّت إن أدفع أنا الحساب بعد ما كانوا رافضين ، وفضلت واقفة مستنيّاهم يرجعوا ، وِبعد خمس دقايق.
- الروشتّة أهي ، وكمان الفلوس أهي يا فيروز.
- وبرضه يا شكرية ، وبرضه!! أنا مش قلتلك مش هاخد الدوا إلا من فلوسي.
- ما هو مش إحنا اللي دفعنا الفلوس.
- أومال مين مش فاهمة؟
- الدكتور عبد العزيز صاحب الصيدلية ، رفض ياخد مننا فلوس لما عرف إن الدوا بتاعك ، وبيعتذرلك عن ظنه السيّء فيكي قبل كده.
- اشكرهولي بجد يا هناء ، والله ما عارفة أودّي جمايلكم دي فين!
- مفيش جمايل ولا حاجة يا بت ، هتعوزي حاجة تانية بقىٰ ألا المحل لوحده.
- لا سلامتك يا أم سُميّة تسلميلي.
مشت هناء وفضلت واقفة معايا شكرية ، بصتلي وقالتلي بتساؤل:
- أوعي يا فيروز تكوني مش هتنزلي تاني خالص تقعدي معايا ، أنا اتعودت علىٰ وقفتك جنبي في الفرشة.
- للأسف يا شكرية زي ما انتِ شايفة كده ، شكلي مش هشوف الشارع تاني.
- طب وكان ليه يسيبك تنزلي من الأول لما هيرجع يمنعك تاني؟
- صَـالِـح خايفني أهرب من الحارة ، ميعرفش إني مليش مكان أروحله لو هربت ، ميعرفش إني مليش ضهر أتحامىٰ فيه لو هربت.
كان سايبني الأول علشان كان عارف إن محدش هيشغلني ، ولما عرف إني اشتغلت معاكي علىٰ فرشة الخُضار كان مستنّي الفُرصة اللي يتلكك بيها ويرجع يحبسني من تاني وأهي جتله على طبق من دهب إمبارح.
- طب يعني هوّ بعد ما قعّدك كده ، هيصرف عليكِي وعلى اللي في بطنك ولاّ لأ؟
- مش عارفة هوّ ناوي على إيه يا شكرية ، هوّ مكنش مصدّق إني حامل بجد وكان مفكرني بكدب عليه وإن دي حجة قلتها والسّلام علشان رحت مشوار من غير إذنه ، بس النهاردة لما رجعت أكدت على كلامي وأكدت عليه إني هشتغل علشاني وعلشان اللي في بطني ، مد ايده عليّا وقالّي كده بالنّص:
- إنتِ وِهوّ متفرقوش معايا بِـشلن ، ونزول من البيت مفيش ولو هتموتي و إذا مكنش عاجبك حيطان البيت كتير.
أنا مش عايزاه يصرف علينا يا شكرية وفي نفس الوقت مش عارفة أتصرّف شوري عليّا.
- طب انتِ ومش هتشتغلي تاني مش عايزاه يصرف عليكي ليه بقى ، مش كفاية عليكي حملك وشغل البيت مُصرّة تشتغلي ليه!
- معلش يا شكرية أنا كده هبقىٰ مستريحة ، بفكّر لو أجيب بالفلوس اللي كنت حايشاها على جنب لفرشة الخضار اللي كنا هنجيبها ليا ، أجيب مكنة خياطة أنا كنت شغالة في مصنع ملابس في الجيزة وأنا في الثانوي وعندي فكرة إزاي أخيّط وأفصّل.
- تصدّقي فكرة يا بت ، هسألك على تمنها وأشوف لو ينفع تتقّسط وأعرّفك.
هزّيت راسي وِ شكرتها وقفلت الشبّاك ، وقفت وراه دقيقة مُبتسمة وأنا بحسس على بطني بحنيّة وبقول:
- تعرف هتبقىٰ الحاجة الوحيدة الحلوة اللي عملها صَـالِـح في حياتي ، صدّقني هعمل كل اللي أقدر عليه علشان أحميك من كل سوء أبوك.
مرّ اليوم زي ما مَر أي يوم قبله ، رتبت البيت وجهّزت الغدا ليه ، وأكلت لوحدي قبل ما يرجع كالعادة من الأكل اللي كنت جيباه لنفسي أول الأسبوع وأخدت الدوا ، وأول ما دخل حضرتله غداه ودخلت الأوضة ، بقيت مش بحتك بيه بأي طريقة تكن ، وأول ما يدخل أشغل نفسي بعيد عنه علشان ميتخانقش معايا.
كنت بقرأ في كتب التفسير والسنة والفقه اللي لاقيتهم في البيت أول ما جيت ، لاقيت فيها مبادئ حلوة أوي يا بخت اللي يتحلّى بيها ، و يابخته أكتر اللي يتعامل مع ناس عندها المبادئ دي!
عدت الأيّام والحال على ما هو عليه ، لحد ما مرة كنت بكلم أم علاء من الشبّاك وقالتلي:
- أنا لاقيتلك مكنة خياطة هيّ مستعملة بس حِلوة و هتنفعك وعلىٰ قد القرشين اللي معاكي مش هتعوزي تقسّطي ولا حاجة.
- حلو أووي يا أم علاء هتجيبهالي امتىٰ؟
- النهاردة لو حبيتي.
- ومالو ، بس لو صَـالِـح كان هنا خليها عندك النهاردة لحد بكرة ، مش عايزاه يعرف خالص أي حاجة عن الكلام ده.
- طيّب وهدخليها البيت إزاي بقىٰ؟
- من الشبّاك عادي وهخبيها في الأوضة التانية علشان مش ضامنة هوّ هيعمل إيه لو عرف.
- ماشي يا فيروز ربنا يصلحلك الحال ، أنا همشي بقى.
يومها بعد الضهر جابتلي المكنة وأخدتها حطيتها على ترابيزة صغيرة في الأوضة التّانية وحاولت أشغّلها لحد ما عرفت ابتسمت وأنا حاسّة بانتصار.
بدأت شكرية وهناء يقولوا في المنطقة إني بخيّط هدوم بس أي حد عايز يجيلي ، يبعتلي معاهم وهما عليهم يجيبوهالي وبعد ما أخلصها يوصلوهالهم ، علشان صَـالِـح ميعرفش إني بشتغل على مكنة خياطة.
فضلت شغّالة عليها من ورىٰ صَـالِـح وكل حاجة كانت ماشية تمام ، كنت بشتغل عليها وهوّ مش في البيت ، ولإنه مكنش بيدخل الأوضة دي خالص مكتشفش حاجة ، بس برضه كنت بعمل حسابي وقبل ما يجي أخبي أي حاجة معايا تحت السرير وأغطّي المكنة بملاية.
الناس في الحارة كانت متعاونة معايا لأقصىٰ حد ، حتّى الأطفال كانت لما تشوفني واقفة في الشبّاك باخد شغل أو بسلّمه لشكرية أو هناء عشان يدوه للناس ، كانوا بيجروا عليا أول ما صَـالِـح يجي على أوّل الشّارع يعرفوني آخد بالي.
عيشت أول سبع شهور حمل في سلام تام ، محبوسة بين أربع حيطان أيوة ، بس كنت بعمل كل حاجة عايزاها من خلال الشبّاك ، ومكنش فيه أي حد بيتأخر عليّا بل أوقات كان فيه ستات من الحارة لو نازلين السوق يعدوا عليا علشان لو عايزة حاجة يجيبوهالي ، عِرفت وقتها معني حُب النّاس بجد.
وعلى الجانب التّاني صَـالِـح كان مفكّرني سمعت كلامه ، وباكل وبشرب من فلوسه الحرام ، في حين إني بدفع فلوس لقمتي من تعبي ، كنت بستغل أي وقت يكون فيه في البيت في إني أقرأ في الكتب الموجودة ، الأول كنت بقرأ علشان أشغل نفسي بعيد عنه ، بس بعدين بقيت بقرأ فيها علشان أربي ابني أو بنتي على الأخلاق والمبادئ اللي اتعلّمتها من الكُتب دي.
مر شهر كمان ، وكنت خلاص بدأت أتعب أكتر من أي شهر قبل كده ، ومكنتش ببقىٰ قادرة على مجهود الخياطة ومع ذلك كنت مِكمّلة ، كُنت بضغط على نفسي أكمل غصب عني ، أنا هكون محتاجة مصاريف للولادة ، ومصاريف زيادة للطفل اللي جايّ وِ فوق كل ده مش هقدر أشتغل فترة لحد ما أبقى كويّسة ، وفي يوم دخل عليّا صَـالِـح وِ أنا قاعدة على الكُرسي في الصّالة عرقانة وبنهج كإن روحي هتطلع ، فَـ قال:
- قاعدة كده ليه مالك؟
- حاسّة إنّي هولِد قبل معادي مش مستحملة كميّة الألم اللي في ضهري وبطني ، كإن روحي بتطلع بالبطيء ، أنا لازم أكشف ضروري علشان أنا بدأت التّاسِع خلاص عايزة أعرف هولد امتىٰ.
- امممم وهتكشفي فين؟
- معرفش ، ممكن أروح المستشفىٰ اللي كشفت فيها لما عرفت إني حامل أو أشوف أي عيادة نسا وِ ولادة هنا.
- طيّب لو هتروحي المُستشفىٰ أو العيادة فَـ في الحالتين مش هتخرجي غير معايا ، هودّيكي وِ أجيبك ومش هتخرجي تاني لحد يوم ما تولدي علشان يكون في علمك بس.
سابني وِ دخل جوّه المطبخ ، قُمت بتعب وِ دخلت وراه كان بيشرب من التّلاجة ، سألته بعيون دبلانة من كُتر التعب:
- هوّ إنتَ بتذلّ فيّا كده ليه يا صَـالِـح؟ أذيتك في إيه علشان تتعامل معايا علىٰ إني عبده عندك؟! حابسني جوّه أربع حيطان ومبشوفش الشمس ، بتشُك فيّا ولو اتنفّست هتقولي انتِ بتفكّري تهربي.
- هوّ أنا لو عندي حد أهرب ليه إيه هيخلّيني أستحمل المرار اللي بشوفه منّك ده؟؟؟
- إيه هيخلّيني أفضل على ذمّة مُدمن وتاجر مُخدّرات ويا عالِم بيعمل إيه تاني؟!
- لو عايزة أهرب منك يا صَـالِـح وحياة اللي خلقني ولا مية قِفل علىٰ باب يمنعوني إني أهرب ، بس إنتَ مش فاهم مش فاهم ولا عارف إني مليش حد غيرك ، من يوم ما دبّستني في مُصيبتك السّوده في الجيزة وأنا مليش حد غيرك.
- فَـ متحرمنيش من أبسط حُقوقي يا آخي وخلّيك إنسان ولو لمرّة في حياتك وسيبني على الأقل أنزل الشّارع ، وأشوف الدُّنيا.
قفل باب التّلاجة وقرّب مني ، وقف قُصادي ، كُنت خايفة منه وفي نفس الوقت تعبانة ، مش حِمل المِناهدة معاه خالص ، بدأ يتكلّم بهدوء من غير عصبيّة لأول مرّة معايا:
- عارفة يا فيروز أنا لو سيبت نفسي لِـدماغي وعملت فيكي اللي بفكّر فيه ، مش هتشوفي لا شمس ولا دُنيا تاني ، وِ بكلّمك بِـمُنتهىٰ الهُدوء اللي في الدنيا ارضي يا فيروز ، ارضي بِـنصيبك وِ حياتك معايا زي ما هيّ كده ، لا تسألي بتعمل كده ليه ولا عشان إيه ، وعيشي وسيبي اللي في بطنك يعيش ، بدل ما أفقد سيطرتي علىٰ نفسي وأخلص منكم بسبب لسانك اللي ما بيسكتش.
سابني وِ خرج ، وأنا أخدت نفس عميق وِ خرّجته في مُحاولة منّي أسيطر علىٰ دُموعي اللي مابقتش تنشف من على خدودي ، حطيتله الغدا على السّفرة ومع كل خطوة أخطيها أحس بوخز في ضهري وبطني.
كنت كُل شويّة أمسح العرق من على وشّي بطرف هدومي ، وِ مع آخر طبق حطّيته على السفرة لاقيت نفسي بصرّخ ، في الأوّل أخد ثواني يقتنع إني بتوجّع فعلاً وِ مش بكذب ، وبعدها لاقيته بيناولني طرحتي وهوّ بيقول باستعجال:
- تعالي هنروح المستشفىٰ بسرعة.
- مش قادرة يا صَـالِـح ، بموووت ، مش قااادرة خلاص ، مش قاااادرررة.
طلع بيّا وقتها من البيت والناس اتجمّعت على صراخي جنبي ، معظمهم أدرك إني هولِد خلاص ، وشكرية وهناء جم بسرعة عليّا وركبوني توكتوك مع صَـالِـح ، وقالولي هيجوا ورايا.
كنت بعيّط بعلو الصّوت وِ أصرّخ ، كنت بستغيث بربّنا ، الألم بيزيد بطريقة مش طبيعية ، الوخز بيزيد كإن سكاكين بتخترق بطني تُخرج من ضهري!! خرجت مني آاااه قويّة ، وِ مع كل اللي بيحصل ده مفتكرش إنه اتكلّم وِ فكر يخفّف عني حتّىٰ!!!
وصلت المُستشفىٰ وِ أنا لسّه في نفس الحال ، دخلت أوضة العمليّات ، المُوت أهون عليّا من الألم ده كله.
- يااااا رحيييييم يااارب... الرّحمممة من عندك يارب...
- الرّحمممة..
- يا رحيييم.. يا رحيم..
- يااااارب...
كنت بنهج كإني في سباق ، صوت صريخي شايل المُستشفىٰ ، فضلت أصرّخ وِ أعيّط وأنا بقول يارحيم ، فضلت الكلمة علىٰ لساني لحد ما سمعت صُوت صرخة مرافقة لصرختي.
ابتسمت وأنا صدري بيعلىٰ وينزل من المجهود و مسحت عرقي ، وبدأت آخد نفسي ، بصّيت للطفل اللي الدكتور بيخبط علىٰ ضهره أول ما نزل ، وهوّ بدأ يصرّخ ويعيّط حسّيت بانتصار أخيرًا قدرت أحافظ عليك لحد ما أجيبك للدّنيا.
الدكتور وقتها طمّني وقال إني جبت ولد ، وهياخدوه يطمّنوا عليه ويجيبهولي ، دخلت شكرية وهناء وهمّا بيباركولي بفرحة:
- مبرووك يا فيروز ، ألف حمد الله على سلامتك.
- الله يسلمك يا شكرية.
- يتربّي في عزّك يا فيروزة ، الدكتور قال لباباه برّه إنه ولد ، أكيد هيطلع قمر زي مامته.
- حبيبتي يا هناء ربنا يكرمك.
كنت برد بِـ وهن وتعب ، بس فضولي خلّاني سألت:
- هوّ صَـالِـح راح فين؟
- برّه تقريبًا بيدفع فلوس العملية.
- لأ.
ردّيت بنفي وِ فزع مُفاجئ فَـ سألوا باستغراب:
- لأ إيه؟
- شكرية أبوس ايدك روحي قوليله ميدفعش ، هدفع أنا مش عايزاه يدفعلي حاجة.
- لا بقىٰ يا فيروز انتِ عبيطة ولا بتستعبطي؟! هوّ ده وقته تعاندي؟ شايفة حالتك يعني تسمح إنّك تتخانقي معاه ومتخلّيهوش يدفع مصاريف ولادة ابنه ده واجب عليه يا بنتي.
- انتِ مش فاهمة حاجة يا شكرية ، طب خلاص أنا هتصرّف لمّا أفوق ، بس محتاجاكم في خدمة.
- قولي؟
- عايزاكي تروحي البيت تجيبلي هدوم ليّا ، وانتِ يا هناء عايزاكي تجيبلي الشّنطة اللي فيها البطّانية والهدوم بتاعة البيبي اللي كنت موصياكي تجيبيهم وتخليهم عندك لحد ما أولد ، بس أوعي صَـالِـح يعرف إني أنا اللي شرياهم ، لو سألك لو يعني.. قوليله انتِ جيباهم هديّة ليا عشان عندك محل لبس وكده ماشي؟
- ماشي يا فيروز يا حبيبتي ، بس انتِ استريّحي ومتشغليش بالك بِـ حاجة انتِ لسه تعبانة يا حبيبتي وبطنك مفتوحة.
دخل فجأة صَـالِـح وقالّي أول ما عيني جت في عينه:
- حمد الله على سلامتك.
- الله يسلّمك ، مبروك يا صَـالِـح ، إنتَ بقيت أب!!
كنت ببتسم بتعب ، وِ بحاول أوصلّه مشاعر الفرحة بس هوّ ابتسم وهز راسه وسكت فَـ أخدت نفس وقلتله:
- ممكن تدّي أم علاء المفتاح تجيبلي هدوم ليّا من هناك؟!
مقدرش يمنع نفسه إنه يبصلّي بشك حتّىٰ وأنا بطني مفتوحة ونايمة قصاده على السرير بتكلّم بالعافية فَـ كمّلت كلام بصدق واللّهِ:
- علشان عايزاك تفضل إنتَ معايا هنا ، عايزة تكون إنتَ أوّل حد يشيل ابننا.
رغم إني كان عندي احساس إنه ميفرقش معاه ، بس أنا كنت عايزة أخليه يجرب المشاعر دي جايز قلبه يتحرّك ويفتكر إنه بني آدم بيحِس ، هز راسه بعدم اقتناع أوي ، وِ خرّج المُفتاح عطاهولها ، أخدته وِ استأذنت وخرجت هيّ وِ هناء ، يدوب خرجوا وِ المُمرضة دخلت وهيّ شايلاه بين ايديها.
اتعدلت بِـلهفة مصحوبة بِـتعب وِ فضلت مركّزة علىٰ ايديها لحد ما وصلت قُصادي وأنا ابتسامتي مالية وشّي ، ناولته لِـ صَـالِـح اللي أخده بِـصدمة وهيّ بتقول قبل ما تطلع:
- يتربّىٰ في عزّكم ، مبروك عليكم.
ابتسمت لِـ صَـالِـح وهوّ واقف جنبي شايله بِـصدمة وقلتله بابتسامة ولهفة:
- كبّر في وِدنه اليمين يا صَـالِـح.
- ها أعمل إيه؟
- كبّر في ودنه اليمين ، قول الآذان في ودنه ، قرأت في كتاب إن الرسّول صلى الله عليه وسلم أذّن في أُذن أولاد السيّدة فاطمة بنته يوم ولادتهم.
بلع ريقه وكان متوتّر حطّه علىٰ ايدي وِ هو بيقول:
- خُدي اعملي انتِ اللي عايزاه أحسن.
سمّيت الله وِ أخدته في حُضني أول ما بصّيت ليه وهوّ ملفوف وعيونه مغمّضة وِ شفت ملامحه عيوني دمّعت ، خرجت منّي تنهيدة طويلة نزل بعدها دُموعي وأنا مُبتسمة ، مش قادرة أصدّق إني شايلة ابني علىٰ ايدي ، دفعت كتير أوي لأجل أوصل لِـ اللحظة دي!
بدأت أقول الآذان في وِدانه اليمين بصوت مهزوز بدموعي ، وِ أخدته في حضني بحمد ربنا عليه ، بعد شويّة بصّيت لِـ صَـالِـح اللي كان قاعد على كُرسي جنبي وقلتله:
- هنسمّيه إيه يا صَـالِـح؟
- مِش عارف اللي انتِ عايزاه براحتك.
كان بيرد بعدم اهتمام ، رجعت بصّيت لِيه في حُضني وابتسمت وِ أنا بقول:
- هَـسمّيه رَحِـيـم ، لعل ربنا يجعل ليه حظ من اسمه ويبقىٰ قلبه مليان رحمة وِ حنيّة وِ حُب للناس ، وِ ينزع مِنّه الجحود والقسوة وِ الكُره.
رفعت راسي وِ عيني جت في عيون صَـالِـح وكمّلت:
- رَحِـيـم صَـالِـح دروِيش.
هز راسه وِسَكَت وأنا اتمنّيت بيني وبين نفسي إن ربّنا يِـخلق الرّحمة من رَحِم القسوة.
ويخلق الحب والحنيّة من رَحِم الجُحود.
ويخلق إنسان من صُلب حجر.
ويجعل رحيم اسم وِ صفة لِـ ابني في نفس الوقت.