استنكرت "أروى" كلام "إيناس" فقالت باستهزاء: -ليه وأنا كنت دكتورة نفسية؟ ثم قالت: -الواد ده أكيد بيشتغلك أساسًا. ثم أردفت بمكر ممازحة: -تلاقيه بيظبطك. ردت الأخرى مستنكرة: -بيظبطني أنا؟! على إيه؟ علمت "أروى" أن "إيناس" تُظهر المزاح وتُبطن الجد، لم تكن تثق بنفسها أبدًا، ودومًا ترى أنها أقل ممن حولها رغم ما بروحها من نقاء، فقالت مظهرةً المزاح ومبطنةً الجد كذلك: -وما يظبطكيش ليه يعني؟
ده إنتِ قمر، ده تلاقي الشباب كلها بتجري وراكِ وأنتِ مش واخدة بالك. -بلا خيبة يا "أروى". سألت "أروى" جادّةً هذه المرة: -لأ بجد بس إنتِ إيش ضمنك إن نيته سليمة؟ -ماعرفش، مفيش حاجة تضمن. أنا بس قلت أقول لك بما إن القرار قرارك يعني. -سيبك من الحوار ده، حتى لو وافقنا هعمل لها إيه يعني؟ قالت "إيناس" معارضة:
-لا تقدري تعملي لها على فكرة، مش إنتِ بتقولي إنك نفسك يبقى ليكِ أثر على ذوي الاحتياجات الخاصة وتحسسيهم إنهم مرغوب فيهم ومش مجرد حالات للشفقة؟ -أيوة بس... قاطعتها "إيناس" بقولها: -مش يمكن هي محتاجة منك المساعدة ديه؟ إنتِ فاكرة كنتي عاملة إزاي بعد الحادثة؟ -كنت منهارة، بس الحمد لله والفضل ليكِ إنتِ وخالو ومديحة بعد ربنا إني اتحسنت. -طب ما يمكن هي محتاجة حد يساعدها تتحسن، ويمكن الحد ده يبقى إنتِ. تنهدت "أروى" وهي تفكر.
فتحت "إسراء" الباب لتسمع صوت "آية" تلقي السلام، تعانقتا عناقًا حارًّا عبّر عن اشتياق كلٍّ منهما، وكلٌّ منهما تتساءل: كيف لتلك الصداقة القصيرة أن يكون لها هذا التأثير عليهما؟ كان ذلك يحدث بعدما أجابت "آية" اتصال "إسراء" الذي جاء بعد تردد كبير، ثم أرسلت "إسراء" موقع المنزل بصعوبة، فلم تكن قد اعتادت على استعمال الهاتف بعد. دعتها "إسراء" للدخول فجلست على الأريكة فتعانقتا في صمت وكلٌّ منهما تذرف الدموع.
أي كلام يمكن أن يُقال الآن؟ فضّلتا ألّا تخربا تلك اللحظة بكلام الأفواه، فقد تركتا القلوب تتحدث. كانت حالتهما حالة اثنتين اجتمعتا فرُبطت روحاهما سويًّا. كانت "آية" أول من بادرت بالحديث فقالت: -وحشتيني أوي يا "إسراء"، هو إنتِ ماكنتيش بتردي عليّ ليه؟ حصل لك حاجة؟ لم تحب "إسراء" الكلمات المفعمة بالعواطف فقالت ساخرة: -هو إنتِ فقدتي الذاكرة ولا إيه يا "آية"، ما إنتِ كنتي معايا.
رغم ألمها وهي تعيد تذكر الحادث، ورغم ادعائها أمام "عمر" أنها لا تشتاق ولا تحتاج لأحد، حمل نطق اسم "آية" حلاوة وراحة اجتاحت قلبها. قالت "آية": -لسة لسانك طويل زي ما إنتِ، أنا قصدي ماحصلش حاجة ثانية تخليكِ ماترديش عليّ كل ده؟ أنا كنت بكلمك كثير أوي يا "إسراء" ومابلاقيش رد، ليه؟ تنهدت "إسراء" ثم قالت:
-ماكنتش عايزة حد يشوفني كده، مش عايزة حد يشوفني مطفية وعاجزة بعد ما شافني مليانة طاقة وحيوية. كنت كل يوم بسمع رناتك وأعمل نفسي مش سامعة، كنتي بتوحشيني، ماتخيلتش إني هحبك أوي كده، بس كنت بكابر وأقول عادي فترة وهننسى بعض، بدل ما أبقى معوق ليكِ في حياتك. -وإيه الي خلاكِ تغيري رأيك؟ ابتسمت "إسراء" وقالت: -وحشتيني، وبصراحة كمان "عمر" قعد فوق دماغي وأقنعني. ثم توالت الحكايات بعد ذلك.
كان هذا أسبوعه الثاني في المستوصف الذي عمل به، انتهى يوم عمله فدخل محل بقالة كان بالقرب من المستوصف ليشتري بعض الحاجيات التي طلبتها منه أخته. دخل واشترى ما يريد لكنه لاحظ شيئًا قبل خروجه جعله يقف متسمّرًا، لقد دخل زوجان إلى المحل، لكنهما ليسا أي زوجين. لقد رآهما من قبل، ليس متأكدًا، لكن بنسبة كبيرة لقد رآهما.
لقد رآهما في صورة ورقية قديمة، تمزق طرفها من كثرة ما خُبئت في جيب صاحبها، توضح كم كانا وسيمين في الماضي، وفي صورة أخرى مثلت لغزًا، كانا أكبر وأقرب لما هما عليه الآن. إنهما أبوا "عمر"!
رغم ما رواه "عمر"، لم يتخيل أن يراهما على الحقيقة، شك في وعيه في البداية، وقف محدقًا بهما فاتحًا فاه لثوانٍ، أراد أن يذهب إليهما ليسألهما عن "عمر"، ولماذا تركاه، لكنه خشي، إن كانا هما فسيبدو شخصًا مريبًا عرف اسم ابنهما بطريقة مريبة، ولم يرد أن يفضح كل شيء قبل إخبار "عمر"، فآثر الصمت.
فكّر في طريقة يحاول التأكد منها إن كانا هما أبوا "عمر" فعلًا، قبل أن يحتل اسم "إسراء" المحفور على ميدالية خشبية تُباع مع ميداليات مشابهة بأسماء مختلفة بجانب البائع المشهد. التقطها وأمسكها بطريقة تجعلهما يريان الاسم بوضوح، علّه يثير فيهما الحنين أو القلق أو أي شعور فيتوقع الحقيقة منه. قال بصوت قصد أن يكون عاليًا للبائع: -هو الميدالية اللي مكتوب عليها "إسراء" ديه بكام؟
التفت ليرى أثر الجملة عليهما فلمح ابتسامة متألمة على وجه الزوجة، تلك الابتسامة التي تنتج عن الحنين حين تلاحقنا الذكريات، ذكريات من حياة قديمة لم يتبقَ منها سوى رفات الضحكات والأحلام. تنامى اليقين داخله أنهما المنشودان، وقف بجانب السيدة وانتقى قطعة حلوى قائلًا بود: -لسة متخانق مع "إسراء" خطيبتي من كام يوم، قلت أجيب لها الميدالية ديه وشوية حلويات يمكن ننول الرضا. قالت السيدة بنبرة حملت استغرابًا ولطفًا بذات الوقت:
-ربنا يصلح بينكم ويخليكم لبعض ويجمع بينكم في خير يابني. استطاع تمييز الاشتياق في تقسيمات وجهها فقال محاولًا استخراج منها أي معلومة: -بحب اسمها أوي. تعجبت السيدة من ذاك الشاب الذي يقف في محل البقالة ليتحدث مع سيدة في عمر والدته عن حبه لاسم خطيبته، لكنها قالت بصوت أوصل لـ"علي" لوعة شوقها: -هو الاسم يتحب، أنا بنتي الله يرحمها كان اسمها "إسراء"، لو كانت عاشت كانت بقت شابة زي الورد.
صعِق "علي" من كلمتها، لقد قالت «الله يرحمها»! هي تظن أن ابنتها ميتة! كان أمرًا عجيبًا بالنسبة لها لكنها ارتاحت لهذا الشاب فقالت: -ابني الكبير بقى اسمه "عمر" الله يرحمه راح معاها في نفس الحادثة، لو كان عايش كان زمانه بقى شبهك. ابتسم "علي" للسيدة ثم خرج من البقالة مذهولًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!