أدرك الأبوان أنه يجب تفريقهما عن بعض، فنُقلت "أروى" لغرفة "إيناس" التي عطفت عليها وتوطدت علاقتهما رغم فارق السن على غير المتوقع. لم يدرك أيٌّ منهم أن ما تحتاجه "جنة" حقًا هو بعض الاحتواء، أن يُشعرها شخصٌ أنه يحبها كما هي، وأن يضرّها النظر لها على أنها مجرمة. وجلسات التوبيخ من أبيها وأمها وأختها حين تضايق "أروى" يتأكد لها أكثر أنهم يفضّلون "أروى" عليها.
ارتدت "إيناس" ملابسها ثم وقفت أمام المرآة، لقد تعبت حقًا من ذلك، تقف أمام المرآة ولا تستطيع الثقة بشكلها، حاولت كثيرًا تنسيق لباسها بشكلٍ أنيق وتفشل كل مرة. دخلت عليها "جنة" فقالت: -واقفة بقالك ساعة قدام المراية كالعادة، يابنتي شكلك حلو و الله. ثم جلست على كرسيٍ وُجِد قريبًا منها في حين قالت "إيناس": -ماتحلفيش كدب بس. ثم جلست بجانبها. سألت "جنة": -هي "أروى" نازلة معاكِ صح؟
أجابتها "إيناس" مؤكدة، فقالت "جنة" وهي تفرك يديها مرتبكةً وراجية: -ما تاخدوني معاكم. ابتسمت "إيناس" ابتسامةً حاولت جعلها دافئة بنبرةٍ معتذرة: -أنتِ عارفة إنه مش هينفع. كانت "جنة" تعلم أن رجاءها مقطوع، "أروى" أهمّ بالطبع، و"أروى" لا تتحمل المكوث معها في مكانٍ واحد لأكثر من ثلاث دقائق. قالت وقد رسمت ابتسامةً مريرةً على محيّاها: -طبعًا، ما هي الست "أروى" هانم أهمّ، وهي مش عايزاني، فمش مهم بقى أولع أنا.
ردّت "إيناس" بنبرة صوتٍ شابها اللوم وهي تثني يدها اليُمنى لتضعها في يدها اليُسرى المفرودة: -اهو المشوار ده بالذات تبع "أروى" أصلًا، وإحنا مانعرفش الناس، وهتبقى قلة ذوق لو جبنا حد زيادة، يعني الموضوع مش عشان "أروى" هتتضايق بس. تنهدت "إيناس" بعدما قامت من جانب شقيقتها، أحيانًا تشعر أنها في دوّامة بين شقيقتها وابنة عمّتها، عليها فصلهما كي لا تحزن "أروى" ثم تذهب لإرضاء "جنة". -هو أنت جايبنا هنا ليه؟
قالتها "إسراء" بانزعاج لأخيها حيث كانا يجلسان في مطعم أنيق، كانت الإضاءة هادئة وألوان الكراسي الجلدية المريحة بين الأصفر والأسود، رائحة الطعام نفّاذة يسيل لها اللعاب. أجاب "عمر" بذات الانزعاج: -بخرجك يا بت في ايه؟ إيه التكشيرة ديه؟ -بتعمل حاجات غريبة والله. قال في استنكار: -بعمل حاجات غريبة عشان مخرجك في مطعم نظيف. قالت باستهزاء وهي تلوّح بيدها: -يا عم. زفر "عمر" حانقًا، لا يعجبها شيءٌ مهما حاول!
قالت بعد دقائق بعدما زفرت: -مش هتأكّلني حاجة طيب؟ ولا أنت جايبني تجوّعني ولا إيه؟ قال باشمئزازٍ من أسلوبها الفجّ: -هو أنتِ يا بنتي ماينفعش تتكلمي بذوق خالص؟! لسانك ده ماينظفش أبدًا؟! ثم قال بعدما تنهد: -عمومًا هأكّلك يا ستي. ثم بدأ يقرأ لها قائمة الطعام أمامه. قطع حديثهما دخول "إيناس" و"أروى"، فجلستا -بعد السلام -بجانب "إسراء"، "أروى" على يمينها و"إيناس" على يسارها بينما جلس "عمر" على المقعد المقابل لهنّ.
استنكرت "إسراء" وجود الفتاتين كثيرًا، ماذا تفعلان وما علاقتهما بـ"عمر" الذي قام فور أن رآهما؟! ثوانٍ ثم قام "عمر" متعذرًا برغبته في دخول دورة المياه كي لا يسبب إحراجًا لهما. كانت "أروى" تحاول بدء الحديث بأسئلةٍ عامّة لكن إجابات "إسراء" المقتضبة لم تساعدها. قالت "أروى": -طب بقولك هاتي ايدك كده خلينا نتعرّف على بعض. استغربت "إسراء" من جملتها قبل أن تأخذ "أروى" يدها وتتحسّها، لتجد "إسراء" نفسها تفعل المثل.
استطاعت "إسراء" -من لمس يد "أروى" -تحديد أن يدها صغيرة قليلًا، وممتلئة بحدٍ متوسط، كما استطاعت "أروى" معرفة أن يد "إسراء" جافة قليلًا، كبيرة ونحيفة بدرجةٍ كبيرة. كانت يد "أروى" دافئة بينما كانت يد "إسراء" باردة جدًا بالنسبة لـ"أروى". قالت "أروى" بعد ذلك: -حطي ايدك على وشي بقى. ميّزت "إسراء" وجه "أروى" الدائري الممتلئ كما ميّزت "أروى" وجه "إسراء" النّحيف الطويل.
ثم كرّرت "إسراء" فعلتها مع "إيناس" وهي تتخيل شكل كلٍّ منهما في حين قالت "أروى" مترفقة: -لو عايزة تتعرفي على أي بنت اعملي معاها كده، عشان تتخيلي ملامحها وما تحسيش إنك بتكلمي مجرد صوت بس. بعد فترة كان "عمر" قد عاد للجلوس أمامها بعدما قامت "أروى" و"إيناس" لدقائق. سألت "إسراء" في بعض العدائية: -مين دول يا "عمر"؟ -ناس أعرفهم. قالت بخبث: -والناس الي تعرفهم دول كلهم بنات ما شاء الله.
-ياريت تلمي نفسك بقى يا "إسراء" عشان هم داخلين علينا. -هو إيه بقى؟ قالتها "إسراء" متذمرةً لـ"أروى" و"إيناس" اللتَين اقتحمتا الجلسة فجأة بشكلٍ غريبٍ بالنسبة لها. قالت "إيناس" مستفسرة: -إيه؟ -إيه بقى؟ أنتم مين؟ واقتحمتوا حياتنا فجأة كده ليه؟ قاعدين بتعملوا إيه أصلًا؟ قالت "أروى" ساخرة: -أنتِ ماسمعتيش عن الذوق قبل كده؟ قالت "إسراء" وهي ترسم ابتسامةً مشمئزةً على وجهها: -لا ماسمعتش، ياريت تقوموا بقى.
استنكرت "إيناس" بشدة في حين قالت "أروى": -وإيه الي يخلينا نقوم؟ أجابت "إسراء" على سؤالها الذي بدا غبيًّا في عدائية: -عشان أنا معرفكوش. -طب ما تعرفينا، مش يمكن نطلع كويسين. تنهدت "إسراء" ثم قالت: -أنا مش عايز اكم تطلعوا كويسين ولا وحشين، أنا مش عايزة حد أصلًا. -ليه مش عايزة حد؟ استشاطت "إسراء" غضبًا من برود الأخرى وأسئلتها، فصرخت قائلة: -كده، أنا مش عايزة حد، أنا حرة! ده إيه البرود الي أنتِ فيه ده؟!
أطلقت "إيناس" ضحكةً مكتومة، كيف لا وهي تعرف "أروى"؟ لديها برودٌ يجعل من أمامها يشتعل سخطًا دون أن يتحرك داخلها شيء. قالت "أروى": -مش عايزة حد عشان خايفة تباني ضعيفة؟ سكتت "إسراء" وكأنّما صُمّت، بينما لم ترد "إيناس" التدخل فتابعت الحوار في صمت. استطردت "أروى": -بتبني حصونك وأسوار قلعتك عشان ما تنهاريش في لحظة قدام أي حد، ولا عشان ما تبقيش عالة على حد؟
كانت "أروى" تعري "إسراء" أمام نفسها، وكان ذلك قاسيًا عليها، "أروى" محقة في كل كلمةٍ قالتها، لقد اعتادت على ذاتها الصراحة ولم تعتدها كاذبة متخفية، فقالت وقد نزلت دمعةٌ من عينيها اللتين لا تفعلان شيئًا سوى ذرف الدموع: -الاثنين. -طب ما تقعي وتقومي إيه المشكلة؟ وليه هتبقي عالة؟ طبيعي تبقي محتاجة الي يساعدك زي ما إن شاء الله هيكون عندك الي تقدميه. قالت "إيناس" لتغيّر موضوع الحوار الشائك: -هو أنتِ بتدرسي إيه؟
أو اتخرجتي من كلية إيه يا "إسراء"؟ وجدتها "إسراء" فرصةً لتغيير الموضوع فأجابت: -كنت في سنة أولى في كلية إعلام. قالت "إيناس" مستفسرة: -كنتي؟! قالت "إسراء" في مرارة: -أكيد مش هعرف أكمل بعد الي حصل لي. -ليه؟ طب ما "أروى" اتخرجت من إعلام السنة اللي فاتت برضو عادي، بس للأسف مفيش جريدة رضيت تشغل واحدة لسة متخرجة وكفيفة. صدمتها جملة "إيناس"، "أروى" كفيفة؟! لم تكن تعلم. ربما تعرف الآن لمَ جمعها "عمر" بهاتين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!