الفصل 2 | من 16 فصل

رواية هل من سبيل للغفران الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
119
كلمة
8,129
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

أنت فين؟ رد عليا. أنا خايفة أوي. هكذا كانت آسيا تصرخ وهي تدور حول نفسها في هذا المكان المظلم المخيف، الذي كان خاليًا إلا منها هي ومخاوفها، لتظل تطرق كل الأبواب والطرق بحثًا عنه إلى أن وجدته يقف في مكان بعيد نسبيًا يطالعها بأعين جامدة لا يتوهج بها العشق كما عهدتها وملامح شاحبة لا تشبه أبدًا ولكنها توحي بثقل ما يحمله داخله لتصرخ بلهفة: أخيرًا لقيتك. خليكِ مكانك. أوعي تقربي مني.

هكذا صرخ كمال بعنف أفزعها ليتساقط الدمع من مقلتيها كالمطر وهي تهتف بتوسل: أرجوك اسمعني. التفت إلى الجهة الأخرى وهو يقول بجفاء: مهما قولتي مفيش حاجة هتتغير. الخيانة ملهاش مبررات. أنا عمري ما خنتك ولا حبيت حد غيرك في حياتي. وأنا عمري ما ندمت على حاجة في حياتي غيرك. بكرهك يا آسيا. بكرهك. أنتِ طالق. طالق. هكذا أخذ صوته يعلو ويتردد في الأجواء حتى اخترق سمعها فحاوتت رأسها بيدها وهي تصرخ بألم:

لا يا كمال. لا استنى متقولش كدا. كفاية. كفاية.. قالت جملتها الأخيرة بصراخ أنتشلها من هذا الكابوس المرعب، لتلتفت حولها بأعين جاحظة وجبين متعرق وجسد يرتجف بقوة لتندفع أشجان تجاهها تحاوطها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت: آسيا يا حبيبتي. فوقي دا كابوس. كان جسدها يرتجف كليًا وكذلك نبرتها حين قالت: يعني كمال لسه هنا! كمال مطلقنيش صح! اخفضت أشجان رأسها بحزن قبل أن تقول بأسف: لا يا آسيا كمال فعلًا طلقك وسافر.

كانت الجملة وكأنها سهم سُدِد إلى قلبها بمنتهى الدقة فبكت بقوة حتى اهتز جسدها والسرير أسفلها لتحاوطها أشجان بذراعيها وهي تقول بمواساة: اهدي يا آسيا. الدكتور قال أن الانفعال غلط عشانك. طافت عينيها في المكان حولها ليتضح أنها بغرفة مشفى فلاحظت أشجان الاستفهام الصامت في عينيها لتقول بحنو: لما قولتلك الخبر أغم عليكي وعمر قال لازم ننقلك المستشفى. ليه؟ كنتوا سبتوني. انتقلت أشجان لتجلس في مقابلها وهي لازالت

تحتوي أكتافها لتقول بجدية: أنتِ لازم تهدي عشان تقدري تحكيلنا إيه اللي حصل خلى كمال يطلقك ويسافر بالشكل دا. يمكن نقدر نحل الموضوع. لا تعرف كيف تبدأ ومن أين يمكنها الشرح؟ هل تبدأ من تلك الليلة التي قلبت حياتها ولطخت برائتها، وزرعت بذرة الانتقام داخلها! أم تبدأ من عند تلك اللحظة التي اصطدمت بحقيقة عشقها له؟ أم تبدأ من نقطة غبائها وزيارتها لها الرجل! كل البدايات تدينها والنهايات لم تنصفها، فلماذا الحديث!

مش عايزة اتكلم. عايزة أنام. اندهشت أشجان من حديثها، ولم تستطع الصمت لتهتف بحدة: لا هتكلمي. أنتِ عارفة أنتِ متهمة بإيه؟ متهمة أنك خاينة، وعشان كده جوزك طلقك وسافر. فوقي كده واعرفي أن غصب عنك لازم هتتكلمي. صُدمت من حدة أشجان التي كانت جديدة كليًا عليها فناظرتها آسيا بألم ليتناثر الحزن من بين عيني أشجان ونبرتها حين قالت:

حقك عليا. بس أنا مقدرش أسمع الاتهامات دي بتتوجه لكِ وأسكت. قوليلي أي حاجة أرد بيها غيبتك. أخرس أي حد يتكلم عنك. جرفتها نوبة انهيار قوية وهي تصرخ بكل ما يعتمل بداخلها من قهر: أنا غلطانة بس والله مش خاينة. والله ما خنته. ده هو النفس اللي بتنفسه. يبقى تحكيلي إيه الغلط اللي ارتكبتيه وصلكوا للنهاية دي. كان هذا صوت خالد الذي سمع صوت صراخها من الخارج ليندفع إلى داخل الغرفة ليصطدم بحديثها الذي هدأ من غضبه قليلاً.

التفتت أشجان تناظره بتوسل ليقترب منها ويربت بحنو على كتفها وهو يقول بنبرة جامدة: استنيني بره يا حبيبتي. عايز أتكلم مع آسيا شوية. كانت عينيه تطمئنها لتوميء برأسها قبل أن تضع قبلة حانية فوق خصلات آسيا التي كان الخوف يلون نظراتها مما جعل أشجان تهمس أمامها بحنو: متخافيش من حاجة أبدًا. أنا جنبك دايمًا.

خرجت أشجان ليجلب خالد كوب من المياه ويناوله إلى آسيا التي أخذته بيد مرتعشة لترتشف منه قليلًا وهي تراه يتربع فوق المقعد المقابل لمخدعها لتعتدل في جلستها مستندة فوق الوسادة خلفها ليبدأ خالد حديثه قائلًا بجمود: كمال مشي ليه يا آسيا؟ عايزني أبتدي منين؟ من أول امبارح ولا من ست شهور لما دخلت الشركة أول مرة ولا من سنتين! استفز حديثها فضوله كثيرًا ليقول بنبرة خشنة: من البداية. مش عايز يكون في حاجة معرفهاش.

شردت بنظراتها للبعيد قبل أن تبدأ في سرد وجعها بنبرة محتقنة بالألم: من سنتين بالظبط أنا كنت بكره كمال كره العمى، ومش هو بس. لا كنت بكرهكم كلكم. متستغربش! بس بسببكم أنا اتأذيت أكبر أذى في الدنيا. صمتت لثوان تحاول تجاهل غصة البكاء التي تؤلم حلقها لتتابع بنبرة ملتاعة:

ليلة احتفال كمال أنه اتعين المدير التنفيذي للمجموعة كان فرح بنت خالتي ولما ماما طلبت من نبيلة هانم تاخد إجازة عشان الفرح بهدلتها وقالت لها هو أنتِ هتبدي أفراحكوا العرة دي على الحفلة بتاعتنا! أنتِ خدامة هنا، ولما نعوزك تكوني موجودة حتى لو بتموتي، وفعلا ماما راحت والوقت اتأخر روحت اجيبها أنا ورؤوف ابن عمي وهناك قابلت ميرهان وهايدي. كان الغضب يرتسم فوق ملامح خالد بوضوح، ولكنه لم يعلق لتتابع قائلة:

كعادتهم فضلوا يتريقوا عليا. يعني إيه كعادتهم؟ عشان على طول بيعملوا كده. بيتريقوا عليا اني بنت الخدامة، وبيعيروني أن والدك الله يرحمه هو اللي مدخلني الجامعة دي بفلوسه. اكفهرت معالمه من حديثها، ولكنه تحدث باختصار: كملي.

اليوم ده زودوها أوي، ضربوني وقطعولي هدومي، وشتموني بأبشع الألفاظ. داسوا على كرامتي وعروني، ومش بس كده. دول حاولوا يشوهوني بضوافرهم، واللي أنقذني من إيديهم خروج كمال اللي فضل ينادي عليهم، وطبعًا كالعادة لبسوا وش الملائكة قدامه، حتى أنه شاف دمي على إيديهم بس هما قالوا له دي قطة مجروحة صعبت علينا وكنا بنساعدها. تخيل أنه كان خايف عليهم لا يتأذوا من حيوانات الشوارع ونبه عليهم ميقربوش منهم تاني. وحب بقى وأحضان ودلع، وأنا مرمية على الأرض غرقانة في دمي ودموعي.

تبدد الغضب فوق ملامحه إلى صدمة لتهتف آسيا بنبرة تحترق قهرًا:

كرهته معاهم، وحلفت لا هندمهم كلهم على اللي عملوه فيا، وعدى سنتين وأنا لسه منستش ولا حتى قدرت أتجاوز. لحد ما اتخرجت وحضرتك عينتني في الشركة. يومها قررت أبدأ في انتقامي منهم، وأولهم كمال. عدت الأيام ولقيت نفسي بغرق في مشاعر مش فهماها وعقلي رافضها. أنا حبيته، ولما حبيته حاولت أبعد بس هو مدانيش فرصة، وكنت كل ما أتقابل مع ميرهان كانت بتوجعني بكلامها وإهاناتها. أنا حاولت أمشي. حاولت أوقف بس هما مدونيش فرصة.

قالت جملتها الأخيرة وهي تبكي بحرقة لتمتد يد خالد بأحد المحارم الورقية تناولتها منه بأيدٍ ترتجف ألمًا لتحاول محو عبراتها الغزيرة قبل أن تتابع بنبرة يتخللها الندم:

ولأكون صريحة معاك أكتر. كمال كان فرصة العمر. منها أحقق انتقامي، وأبقى أعلى منهم، وأخلي الإيد اللي كانت بتطبطب عليهم هي اللي تقسى وتوجع زي ما وجعوني، وكمان أبقى آسيا هانم. أعيش حياة كريمة في مستوى اجتماعي مرموق. مش هعفي نفسي من الغلط ولا هلبس توب الملائكة. أنا كنت وصولية وطماعة. بكت بحرقة قبل أن تتابع بنبرة يفوح منها رائحة القهر:

بس كمال مكنش يستحق مني كده. ده مفيش حاجة حلوة ممكن تتعمل معملهاش عشان يفرحني. خلاني أحس اني نسيت الماضي. رجعنا من شهر العسل وأنا طايرة من الفرح. لحد ما جت نبيلة وحضنتني وهي بتقولي مبروك يا بنت الخدامة، نار الغضب والانتقام شعللت في قلبي وحلفت أني أكمل في انتقامي. و كملتِ؟ لا. والله ما أذيت حد فيهم. لكن هما أذوني. مبطلوش يوم يأذوني. عملوا إيه؟

رؤوف ابن عمي. ده كان أقرب صاحب ليا، وكان في مشاعر بيني وبينه بس أنا مصرحتش بيها. فضلت كتماها في قلبي عشان رؤوف مكنش طموحي، وقدرت فعلا أتغلب عليها. بس هو لا، ولما قالي أنه عايز يتجوزني هربت، وحاولت أوصله اني رافضه من غير ما أجرحه. مكنش لسه حصل حاجة بيني وبين كمال، ويوم فرحي اتفاجئت برؤوف جايلي واتهمني اني مابحبش كمال بحب فلوسه، وسألني لو كان كمال في مكانه وهو في مكان كمال كنت هقبل اتجوز كمال بردو! التفتت

تناظر خالد وهي تقول بصدق: رديت عليه وقولتله إني هتجوز كمال في كل الظروف عشان بحبه، وكنت صادقة في كلامي، مكنش أعرف أن في مؤامرة قذرة بتتعمل عليا بينه هو وميرهان! وهو إيه علاقته بميرهان؟

كانت بترسم عليه لأنها فكرتني بحبه، وكانت عايزة تكسرني بيه، والحقيقة اني اتقهرت لما عرفت أنه مشاركها في مكتب هندسي، واتقهرت اكتر واكتر لما عرفت أن في علاقة بينهم. بس مش عشان بحبه أقسم بالله. بس متخيلتش أنه يحط إيده في إيد الإنسانة اللي أذتني الأذى ده كله. هو كان أكتر واحد شايف هي عذبتني إزاي! اسودت ملامحه من فرط الغضب، وأصبحت عينيه كالحمم البركانية التي تهدد بالانفجار في أي لحظة وكذلك كانت نبرته قاسية حين قال:

ما أنتِ اتجوزتي أخوها. بس أنا اكتشفت أن كمال مش زيهم، ولا عمره كان هيقبل باللي حصل معايا ده. أومأ خالد برأسه قبل أن يقول بجفاء: كملي.

روحت لرؤوف المكتب واتخانقنا سوا، ولومت عليه إزاي يعمل كده ويحط إيده في إيدها بعد ما أذتني الأذى ده كله، وهناك اتخانقنا ورجعت وأنا كلي ندم إني روحت، ومن غبائي لما شفت ميرهان بتكلمه في التليفون حبيت أعرفها أنها مكسرتنيش وقعدت أخبط في الكلام، وقولتلها اني اتجوزت كمال عشان أذلها، وهو سمعني، وميرهان قالتله اني روحت لرؤوف المكتب، وإني خاينة، واتضح كمان أن رؤوف كان بيسجل لي يوم الفرح وقص الجملة اللي بقوله فيها اني بحب كمال وهتجوزه تحت أي ظرف، وبعته لمريهان وهي سمعته لكمال، ومن وقتها مشفتوش تاني.

بلغ الأمر قمة الوقاحة من وجهة نظره من كلا الجهتين، وخاصةً شقيقاته الأغبياء، ولكنه لم يعفيها هي الأخرى من اللوم ليقول بنبرة قاسية: أنتِ شايفة نفسك غلطانة يا آسيا؟! غلطانة واستحق الموت. عارفة غلطك فين؟ غلطت اني مشيت ورا انتقامي، وسمحتلهم يوصلوني للنقطة دي، غلطانة عشان روحت لرؤوف يومها. بس والله أنا ما خونته أبدًا وعمري ما حبيت غيره. بلغ الغضب منه مبلغه، فانهض من على المقعد وهو يقول بقسوة:

غلطك الأساسي من بدأ يوم ما ضربوكي يوم الحفلة، ومصرختيش وفضحتيهم، وأنتِ شوفي كمال وقتها هيعمل فيهم إيه وهياخد حقك إزاي! لم يعطها الفرصة للرد عليه بل تابع بحدة أفزعتها: غلطتي لما مستكفتيش بكمال وحبه وطمعتي أنك تكملي انتقامك، بالرغم من أن ربنا كرمك في شغلك ودراستك وحب كمال ليكِ، وسمحتيلهم يجروكي للقرف ده. حاولت الحديث فصرخ بحدة جمدتها بمكانها:

غلطتي عشان محترمتيش الراجل اللي أنتِ شايلة اسمه، وروحتِ تقابلي واحد تاني أيًا كانت أسبابك. تعاتبيه ليه وعشان إيه! يخصك في إيه يشارك ميرهان ولا يولعوا الاتنين! كان مُحقًا في حديثه للحد الذي أشعرها برغبة قوية في التلاشي من فرط الحرج والألم ليهتف خالد بشراسة أفزعتها: أنتِ وهما شبه بعض. لا أنتِ تستحقي زوج زي كمال، ولا هما يستحقوا أخ زيه، والنهاية أخويا مشي ومش عارف هو فين ولا حالته إيه بسبب ناس تافهة وأنانية زيكوا.

تعالت شهقاتها مما جعل أشجان تهرول إلى الداخل لتُصدم من مشهد آسيا التي انفجرت في بكاء مرير لم يردع خالد عن الحديث بجفاء: كمال قبل ما يمشي حب يحققلك أمنيتك، وكتبتلك شيك باتنين مليون جنيه مهرك ومؤخرك، وقال للمحامي يديلك كل حقوقك. شوفتي بقى كمال اللي كرهتيه عشان فكرتيه زيهم فكر فيكِ إزاي! حتى وأنتِ دبحاه كان بيفكر فيكِ بردو. ارتجت الجدران إثر بكائها مما جعل أشجان تهتف بتوسل: خالد.

قمع باقي كلماته وهو يضغط على أسنانه بعنف حتى كاد أن يطحنها، فأخذ يطلق أنفاسًا قوية تحرق جوفه من الداخل، قبل أن يلتفت مرة أخرى إلى آسيا قائلًا بجفاء: مبروك يا آسيا. خدتي حقك تالت ومتلت وانتقمتي مننا كلنا. حقك تفرحي مش تعيطي. رفعت رأسها تناظره بألم، ولكن كلماته كانت تحمل معنى مستتر لتقول بلوعة: أنا منتقمتش غير من نفسي.

أنتِ و هما شبة بعض. لا أنتِ تستحقي زوج زي كمال، ولا هما يستحقوا أخ زيه، والنهاية أخويا مشي ومش عارف هو فين ولا حالته إيه بسبب ناس تافهة وأنانية زيكوا. تعالت شهقاتها مما جعل أشجان تهرول إلى الداخل لتُصدم من مشهد آسيا التي انفجرت في بكاء مرير لم يردع خالد عن الحديث بجفاء:

كمال قبل ما يمشي حب يحققلك أمنيتك، وكتبتلك شيك باتنين مليون جنيه مهرك ومؤخرك، وقال للمحامي يديلك كل حقوقك. شوفتي بقى كمال اللي كرهتيه عشان فكرتيه زيهم فكر فيكِ إزاي! حتى وأنتِ دبحاه كان بيفكر فيكِ بردو. ارتجت الجدران إثر بكائها مما جعل أشجان تهتف بتوسل: خالد. قمع باقي كلماته وهو يضغط على أسنانه بعنف حتى كاد أن يطحنها، فأخذ يطلق أنفاسًا قوية تحرق جوفه من الداخل، قبل أن يلتفت مرة أخرى إلى آسيا قائلًا بجفاء:

مبروك يا آسيا. خدتي حقك تالت ومتلت وانتقمتي مننا كلنا. حقك تفرحي مش تعيطي. رفعت رأسها تناظره بألم، ولكن كلماته كانت تحمل معنى مستتر لتقول بلوعة: أنا منتقمتش غير من نفسي. متقلقيش الكلاب الباقيين تربايتهم عندي أنا. فزعت أشجان من جملته وخاصةً عندما انطلق إلى الخارج لتهرول خلفه وهي تصرخ بفزع: خالد. استنى يا خالد هتعمل إيه؟ رحمة أمي لا اللي هعمله فيهم ميتخيله عقل. بس الصبر. طب أهدى. أهدى بس و خلينا نطمن على كمال الأول.

عند ذكرها لاسم شقيقه اكتظت جفونه بالألم لتنفلت منهم دمعة غادرة غافلت كبرياءه وثباته كما جاءت نبرته جريحة حين قال: كمال ميستحقش حد فيهم. أخويا مش هيمشي كده غير لو الأذى فاق قدرته على التحمل. اقتربت أشجان تعانقه بشفقة وهي تهمس بطمأنة: إن شاء الله هيرجع يا خالد. يوم ولا يومين وهيرجع هيروح فين. ألقى بنفسه وبكل هذا الثقل الذي يرسو فوق صدره في أحضانها وهو يقول بنبرة تئن من فرط الألم:

مش بالسهولة دي. آخر مرة كمال مشي فيها كانت بعد موت بابا. فضل سنة غايب، ومحدش يعرف هو فين. سنة كاملة واحنا بنتعذب من القلق والخوف عليه. حاوطته بقوة وهي تبكي بألم وإحساس قوي بالذنب يجتاحها ليتضاعف إحساسها حين سمعته يقول بنبرة جريحة: كمال مش بس أخ. كمال سند عارف أني لو في يوم وقعت هيكون هو عكازي. تعالت شهقاتها لترتد إلى الخلف وتقوم باحتضان وجهه بين يديها وهي تهتف بطمأنة:

هيرجع يا حبيبي. زي ما رجع قبل كده. لو في حد في الدنيا كمال ممكن يرجع عشانه هو أنت. أومأ برأسه قبل أن يتراجع عنها وهو يحاول محو آثار ضعفه ليقول بجمود: روحي شوفيها و خليكِ جنبها لحد ما أرجع. كعادته بتر اعتراضها والتفت مغادرًا ليقوم بجذب هاتفه يجري مكالمة، وما أن أتاه الرد حتى صرخ بلهجة آمرة:

اسمعني كويس يا عابد. ميرهان، نبيلة، هايدي، عز الدين مفيش مخلوق منهم يخرج بره القصر النهاردة، ولو عز الدين فتح بقه قوله خالد الوتيدي بيقولك لو خرجت من البيت مش هتدخله تاني. اللهم اجعل السعادة دائمة في حياتنا، اللهم ابعد عنا الحزن والضيق، وفرج همومنا، واشرح صدورنا، وتقبل أدعية قلوبنا، و"اللهم ارزقني سعادة لا تزول، وفرحًا يأتي من عندك، ويسر أمري، وبارك لي في وقتي"، وأيضًا طلب العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

كانت تجلس فوق المقعد تحتضن جسدها بخوف، فقد استيقظت لتجده غير موجود، فاجتاحتها موجة هلع كبيرة أن يكون حصل له شيء، فهي لم تعد تمتلك في هذا العالم سواه، لتنخرط في نوبة بكاء حارة لم يقطعها إلا صوت قفل الباب يدور لتهب من مقعدها حالما رأته وتندفع إلى أحضانه وهي تصرخ بانفعال: ياسر. حاوطها ياسر بقوة وهو يهتف بلهفة: مالك يا غنى في إيه؟ كنت فين يا ياسر؟ أنا مت من الرعب عليك.

أطلق أنفاسه المحبوسة وهو يشدد من احتوائها بين يديه وكأنه يمتص خوفها قبل أن يقول بنبرة خشنة: كل ده عشان اتأخرت عليكِ شوية! وقعتي قلبي يا غنى. شوية إيه؟ ده أنت من الفجر وأنت نازل، أنا اترعبت قولت جرالك حاجة بعد الشر. امتدت أنامله الحانية تمحي عبراتها بلطف تجلى في نبرته حين قال: متخافيش يا حبيبتي. أنا كويس. عبأ صدره بالهواء النقي قبل أن يقول بنبرة متحشرجة: عشان أنتِ موجودة بس يا غنى أنا كويس.

ابتسامة بسيطة مزقت قناع الألم الذي يخيم على ملامحها، فيفقدها رونقها لتمتد يدها تعانق ذراعه وهي تجذبه ليجلس على الأريكة لتعانق كفوفه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت: أنا دايمًا موجودة عشانك. اطمن. مد يده ليلامس خصلة هاربة تتمايل فوق جبهتها قبل أن يقول بنبرة خافتة: بقالي كتير بلف في الشوارع. عمال أسأل نفسي ليه وإزاي؟ وإيه كمية الظلم اللي حصلنا من أقرب الناس لينا ده؟ ولما ملقتش إجابة لقيتني بقول الحمد لله إنك هنا.

أكثر حاجة توجع في اللي حصلنا ده أنه كان من أقرب الناس لينا. إحنا ليه حصل معانا كده؟ لم يحاول منع عبراته من التدفق لتتحشرج نبرته وهو يتابع: متقوليش الكلام ده. إحنا ربنا رحيم بينا أوي على فكرة. ضيقت عينيها باستنكار ليتابع بأسى: اللي عملته هيام ده كسر ضهري. مش هقدر أنكر. بس لو مكنتيش جنبي مكنش زماني قدرت أقف على رجلي تاني. أنا جنبك على طول. أصلًا ماليش مكان غير جنبك. أنا بس كل اللي واجعني. هل هنقدر نتخطى اللي حصل!

هنقدر نبص في وشهم يا ياسر؟! هقدر أتعامل مع ماما عادي! وانت هتقدر تبص في وش هيام تاني! وضعه وجهًا لوجه مع هذا الاستفهام الذي نهش روحه بلا رحمة، فأخذ يهيم في الطرقات بحثًا عن إجابة بإستطاعتها تهدئة أنين قلبه، ولكن لا الإجابة جاءت ولا الأنين هدأ! فكيف يتخطى الإنسان الضربة التي جاءت من أكثر موضع للأمان بالنسبة إليه! وأي دواء هذا الذي يجدي نفعًا مع طعنة غدر جاءت من أولئك الذين ظنناهم خلاصًا فصاروا هلاكًا!

جاءت نبرته قاطعة حين قال: لا، ومش مضطرين نعمل ده. الاتنين شافوا وجعنا بعنيهم، ومحدش فيهم اتهز في شعره. يبقى إحنا كمان مش هنحطهم في حساباتنا تاني. لا إراديًا احتمت بصدره من ذلك الألم الذي نهش روحها ليحتويها في اعتذار صامت عن كل هذا الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت: طيب هنروح فين؟ هتفضل قاعدين في فندق كده على طول! نثر عشقه فوق خصلاتها قبل أن يقول بنبرة صارمة: لا يا غنى مش هنهرب.

تراجعت عنه تنظر إليه بعدم فهم ليتابع موضحًا: أيوا مي هنهرب. هنرجع تاني الحارة، وهنعيش هناك. بس لوحدنا. في بيت أبويا. توسعت عينيها من الصدمة ليتابع بجمود:

عشان نبقى على نور أنا مش هاخد حاجة من فلوسي اللي مع جابر. عشان أساساً هي فلوس هيام. ده كان مهرها من جابر، وده اللي بدأنا بيه الشراكة سوا، ولا هاخد مليم من ورث أبويا الله يرحمه. مش بعد ما اتجنوا عليه وظلموه وقهروه أخد فلوسهم كده عادي. أنا هبدأ من الصفر يا غنى. عارفة يعني إيه من الصفر! صمت يتابع وقع الحديث على ملامحها ليُكمل بنبرة متحشرجة:

قبل ما تقرري إذا كنتِ معايا ولا لا لازم تعرفي أني مش هقدر أوفر لك كل الرفاهية اللي كانت في البيت هناك، ومقدرش أوعدك كمان إني هملى إيدك دهب ولا هملى دولابك حرير وهدوم عال موضة. شدد من احتضان يديها قبل أن يتابع بنبرة صادقة يجيش بها العشق الخالص الذي يحمله في قلبه تجاهها:

كل اللي أقدر أوعدك بيه. أني أشيلك فوق راسي، وبين رموش عنيا، وهتقي ربنا فيكِ، وابديكِ على نفسي في كل حاجة، وعمري في يوم لا ههينك ولا هندمك أنك اخترتي تكملي معايا. قولتي إيه يا غنى معايا؟! كانت عينيه تتوسلانها بالقبول، تعدها بعشقٍ خالص لا يشوبه وجع ولا يخالطه خذلان. يرتجي من قلبها تجاوز منحنى الفراق والسير معه في درب الحياة حتى يستطيع إكمالها، ولأنه كانت أمنيتها الوحيدة والدائمة مدت يدها تلامس وجهه بحنو

وهي تقول بابتسامة عذبة: قولت إني غنى ملهاش حياة من غيرك يا ريس. لم يصدق حديثها الرائع ليقوم باعتقاله بجانب صدره، وهو يهتف بنبرة عاشقة: ياروح قلب الريس. تنهيدة قوية خرجت من جوفه، فقد كانت السبيل الوحيد لنجاته وسط كل هذه الطرق الموحشة، ليشدد من احتوائها أكثر وهو يهمس بجانب أذنيها: بحبك يا غُريبة. ابتسامة عذبة اعتلت ثغرها وهي تجيبه بخفوت: قلب الغُريبة.

مرت لحظات من السكون والهدوء بينهم كانت هي آمنة بين جنبات صدره وهو آمن بوجودها إلى أن تراجع ينظر إليها وهو يقول: يالا عشان نرجع. مبقاش له لزوم لقُعدتنا هنا.

تشابكت الأيدي وتعانقت القلوب بعد أن هدأ ضجيج الألم قليلًا ليمر وقت ليس بطويل قبل أن يوقف ياسر السيارة أمام بيتهم القديم، ويترجل منها وهي كذلك لتمتد يده لتحتضن يدها وهو يتوجه إلى بداية طريقهم، وإذا به يتفاجأ حين وجد يزيد يجلس على عتبة الباب الخارجي واضعًا رأسه بين يديه لتبادل الثنائي النظرات المدهوشة في أن يقول ياسر بصدمة: يزيد! بتعمل إيه هنا؟!

هل يزيد من مكانه ينظر إلى شقيقه نظرة شمولية وكأنه يطمئن عليه ويروي قلبه من رؤيته قبل أن يذم شفتيه وهو يقول بتوبيخ: لسه فاكر تيجي يا بيه انت وهي؟! اتأخرتوا كده ليه؟ توسعت أعينهم من حديثه لتهمس غنى بخفوت: هو ماله ده! اتهبل ولا إيه؟ هتف يزيد بتقريع: سمعتك على فكرة. لا ياختي متهبلتش. فسحي كده.

قال جملته وهو يقترب منهما لتبتعد عن ياسر مدهوشة ليرتمي بين أحضان شقيقه يعانقه بقوة، وكأنه لا يصدق أنه يراه سالمًا، وبالمقابل بادله ياسر العناق الشوق بالشوق، واللهفة باللهفة، فقد كان يعتبره ابنًا وليس أخـ كده برضو يا ريس! تاخد الصفرا دي وتمشي وتسيبني! تسيب يزيد حبيبك، محستش أن في حاجة واقعة منك طيب ترجع تاخدها. رغمًا عنه ضحك ياسر على حديثه قبل أن يقول بتقريع: مين دي اللي صفرا ياواد أنت؟! خضرا طيب! أي لون المهم تضحك.

ليه بطيخة يا ظريف؟! مش هرد عليكي عشان الريس واقف. اصبري بس لما يبقى مش هنا. هتعمل إيه وانا مش موجود إن شاء الله؟! سيبك منها بس خلينا نعيش اللحظة من تاني. دانا محضنتكش من وأنا في رابعة ابتدائي. ابتسم ياسر على حديثه، وقام بالربت على كتفه وهو يقول: طب تعالى ندخل جوا بدل ما تفرج الناس علينا. أنا بقول كده برضو. وتقولي ليه؟ أخ وأخوه بيقولوا تدخلي ليه أنتِ. عشان ده جوزي يا خفيف.

سيدي يا سيدي. جوزي بقى وحركات. أي نعم بتقول جوزي قدامي من غير كسوف ولا احراج. بس بتحبك. والله العظيم البت دي بتحبك وأنا بحبك. وربنا بحبك أكتر منها. نجحت كلماته في جعل الضحكة تعرف طريقها إلى ثغر ياسر، فابتسمت غنى في المقابل وهي تجلس على الأريكة القديمة التي تتوسط الصالة الصغيرة ليبدأ يزيد في الحديث هذه المرة ولكن كانت الجدية تلون ملامحه حين قال: حقك عليا يا ياسر. حقك على راسي في اللي حصل.

شعرت غنى بأنها يجب عليها أن تُفسح لهم المجال للحديث على انفراد، فتمتمت بخفوت: اقعدوا اتكلموا انتوا براحتكم على ما أستكشف البيت. أوقفها حديث يزيد حين قال: بقولك إيه استنى. التفتت تناظره باهتمام ليتابع مازحًا: في خمسين قرش من أيام القدماء المصريين أنا عاينها تحت المخدة أوعي تطمعي فيها. نجح في تبديد الاحراج الباد على ملامحها وجعلها تضحك بقوة ليتابع بأسف حقيقي:

حقك عليا انتِ كمان يا غنى. عارف أن اعتذاري دلوقتي مش هيغير حاجة. بس ده أبسط حق ليكِ. ناظرته بامتنان تجلى في نبرتها حين قالت: بالعكس. اعتذارك ده له قيمة كبيرة أوي عندي. رغمًا عن كل شيء ولكن هناك شيئًا اهتز داخله وبقوة من موقف شقيقه الأصغر واعتذاره لها ليربت بحنو على فخذه قبل أن يقول: طول عمرك راجل يا يزيد. طبعًا مش تربية الريس ياسر الوتيدي. خلتني فخور بيك فعلًا. لا ولسه الفشخرة جاية متقلقش. ابتسم ياسر

على حديثه وهو يقول بجدية: عرفت منين أن أنا جاي هنا؟ عشان هنا أصلنا، ومرجعنا. بيت أبونا يا ياسر، وأنا عارف البيت ده غالي عندك قد إيه؟ حسيت أني عايز أبدأ منه. عين العقل. رجوعك لبيتك ولحتتك بعد اللي حصل ده دليل أنك قوي وعايز تقف على رجلك من تاني، وهتعمل ده أنا واثق فيك. ياريت كل الناس تكون زيك. حتى لو مش كل الناس زيي. أنا في ضهرك، ومش هسيب حد ييجي عليك تاني.

المشكلة أنها حرب غير متكافئة يا يزيد. تخيل لو حد تاني اللي عمل كده أنا كنت عملت في إيه؟! قست نظراته ونبرته حين قال: الله في سماه كنت ساويته بالأرض. ربت يزيد فوق ركبته محاولًا تهدئته حين قال: ربنا أراد يبتليك عشان بيحبك، وصبرك على الأذى ده هتؤجر عليه يا ريس مش أنا اللي هقولك. أما بالنسبة لهيام. سيبهالي. أنا هعرفها غلطها. ليه هي مش عارفة أنها غلطت ولا إيه؟ صمت يزيد يسترجع جملتها التي ألجمته من فرط الصدمة:

لا مغلطتش، دي واحدة اتمننت ببنتها عليه، وعايرتنا وهانتنا، وتستحق اللي شافته في جوازة بنتها ده عقاب من ربنا على اللي عملته فينا وفيه، ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني. ادعى يزيد اللامبالاة حين قال: مش فكرة متعرفش أنها غلطت. فكرة أنها شايفانا نخصها. ولادها اللي مفروض نسامحها لو عملت فينا إيه.. هل ياسر من مكانه، وهو يصيح باستنكار: ولادها! وفي أم تعمل في ولادها كده؟! بإيديها تأذيهم، وتغدر بيهم؟!

أهدى يا ياسر، وشيل هيام من حساباتك خالص. فكر في نفسك، وشوف هتعمل إيه وهتبتدي منين، ده الأهم دلوقتي. انتهى من الاطمئنان على ياسر ليتوجه إلى البيت الكبير، فوجد هيام تقابله بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت: لقيته يا يزيد؟! لقيته. طب هو فين؟ مش هقولك يا هيام. كده يا يزيد؟ مش عايزني أشوفه وأنت عارف أنا قلبي محروق عليه إزاي؟! أيوا مش عايزك تشوفيه بس عشان عارف هو قلبه محروق بسببك إزاي؟! طب قولي بس هروح أشوفه وأطمن عليه.

لا، وخلي بالك أن أنا اللي هقفلك لو فكرتي تروحيله. برقت عينيها من شدة الصدمة لتهتف دون وعي: هتقف قدامي يا يزيد؟ أيوا هقف قدامك. كفاية أوي اللي عملتيه فيه، واللي حتى مش ندمانة عليه ارحميه بقى…. قاطعته هيام بصفعة قوية جعلت رأسه يدور إلى الجهة الأخرى.. اللهم سخر لي من حظوظ الدنيا أجملها، ومن السعادة أكملها، ومن الناس أخيرهم، واجعل قلبي متعلق بك لا يرى سعادته إلا منك.

عادت من المشفى بعدما اطمأنت على آسيا، وقد قررت أنها لن تبقى في هذا المنزل الملعون دقيقة واحدة، ستأخذ شقيقتها وتغادر قبل أن تخسر المزيد من ثباتها وكرامتها، لتتوجه إلى الأعلى مرورًا بنبيلة التي كانت تحتسي كوب من القهوة في الصالون الواسع، وابتسامة عريضة تلون ثغرها، فقد عرفت من ميرهان ماذا حدث بين كمال وآسيا، وأيضًا سمعت هذا الخبر السعيد حين سمعت سعاد وهي تصرخ في عمر صباحًا:

هتندم يا عمر. طلاقك لشروق ده مش هيعدي بالساهل. هترجع تقول ياريتني، وتترجاها بس تبص في وشك، ولا هتسأل عنك. شاهدتها نبيلة تتجاوزها وتصعد إلى الأعلى لتهتف بسخرية: شروق. قلبي عندك يا حبيبتي. سمعت أن عمر ابني طلقك! توقفت شروق بمنتصف الدرج وهي تحاول كظم غيظها قبل أن ترسم ابتسامة هادئة على شفتيها وهي تلتفت قائلة: قلبك عنده هو يا طنط مش عندي. أصله بصراحة كان رافض وطلع عيني عشان أخلص منه. هو أولى بالمشاعر النبيلة دي مش أنا.

توسعت عيني نبيلة من حديثها وخاصةً أنها غادرت إلى الأعلى لتتركها تغلي من شدة الغضب الذي تبدد حين رأت عز الدين الذي كان يصرخ بهياج: هو مفكر نفسه مين عشان يمنعني من الخروج؟! هرولت نبيلة لتقابله وهي تقول بلهفة: حصل إيه يا عز الدين؟! خالد بيه أخوكي. مانع حد أنه يخرج من البيت لحد ما ييجي! شكله اتجنن على الآخر.. طب أهدى يا حبيبي. يمكن خايف علينا ما أنت شوفت حصل إيه مع رنا. بلا إهدى بلا زفت.

لم يكد ينهي جملته حتى سمعوا احتكاك قوي لإطارات سيارة وصوت خالد الجهوري كالرعد على أسماعهم: ميرهان.. عند سماع اسمها بتلك الطريقة هرولت ميرهان للأسفل وهي تعدو كالشاة التي تفر من الذبح لتحتمي بنبيلة التي ارتجف جسدها حين رأت مظهر خالد المرعب والذي هتف بسخرية: الله الحرا'بي كلهم متجمعين؟ اومال فين التالتة بتاعتكوا؟ راحت في أنهي داهية؟ قال جملته الأخيرة بصراخ أفزعهم ليهتف عز الدين باستنكار:

أنت إزاي تتكلم عن بنتي بالشكل ده؟! أنا مسمحلكش. انت مين عشان تسمح ولا متسمحش. وبعدين مالك فخور أوي كده بنتك. بنتك دي مشافتش تربية. عايزة الضرب بالنار. أهدى يا خالد بس وقولنا حصل إيه؟ توجه خالد ليجذب ميرهان من خصلاتها بعنف وهو يهتف بغضب يتخلله صرخاتها: هتقولي أنتِ عملتوا إيه في آسيا في الجنينة يوم حفلة كمال، ولا أقول أنا؟! هتقوليلها خربتي حياة أخوكي إزاي ولا أقول أنا؟! كانت ميرهان تنتفض أسفل يديه من فرط الألم

والخوف وهي تنتحب قائلة: والله يا أبيه كذابة. أنا.. مالت صفعة قوية من خده تلاها صراخه المرعب: وكمان بتحلفي بربنا كذب. أنتِ إيه شيطانة! تسمرت شروق ومن خلفها جميلة وهم يروا ما يحدث ليلاحظ خالد وجودهم وتلك الحقيبة التي بجانبهم ليهتف ساخرًا: طبعًا انتوا ناويين تطفشوا من وكر التعابين اللي عايشين فيه؟! جاء صوته شروق جامدًا على عكس أنين قلبها: أنا طلقت أنا وعمر. عض على شفتيه بغيظ تحول إلى سخرية حين قال:

صح هي دي المعادلة المظبوطة. مينفعش البيت ده يكون فيه بذرة خير واحدة. عشان كده محدش فينا لام على أمك لما مشيت زمان. صرخ عز الدين بانفعال: لا أنت زودتها أوي، وناسي أن البيت ده له راجل؟! هو فين الراجل ده؟! هو اللي مراته تمشيه يبقى راجل؟! وعلى فكرة بقى اللي متعرفهوش. أنا إني كنت وكيل نسمة في كتب كتابها، نسمة مهربتش ولا حاجة. نسمة نفدت بجلدها منكم، والست مراتك كانت عارفة بس اختارت تستغفلك، وانت من غبائك مفكرتش تدور وراها.

أنهى جملته التي كان وقعها مريعًا على عز الدين الذي ارتمى جالسًا على المقعد خلفه، انا أعيُن نبيلة المصدومة ليتجاهلهم خالد ويلتفت موجهًا حديثهإلى شروق: سيبي الشنط وأسبقوني على العربية. أطاعته شروق ليأمر أحد الحرس بأخذ حقائبهم إلى السيارة ويلتفت إلى نبيلة وعز الدين قائلًا باحتقار: طلقتي شروق، وآسيا وطفشتوا كمال؟! مش متفكروا أن اللي حصل ده هيعدي بالساهل؟! ألاقي كمال بس وكله هيتعاقب.

أنهى جملته وجر ميرهان من خصلاتها التي لازالت أسيرة قبضته الغير رحيمة وهو يهتف بوعيد: أما أنتِ بقى، فربايتك هتبدأ من النهاردة. أخذت تصرخ وهو يجذبها خلفه ليتوقف أمام باب القصر وهو يقول بتحذير: خلي بالك لو عقلك وزك وفكرتي تقربي من أشجان. هيكون موتك حلال بالنسبالي. لم ينتظر أي إجابة كعادته، وتوجه بميرهان جرًا ليُلقي بها على أرض الصالة الواسعة، وهو يزأر بوحشية:

اللي زيك بقى لازم يعيش عيشة الخدامين اللي ياما هانهم، وداس على وجعهم. من هنا ورايح مفيش خروج غير بأذني، ومفيش عربية، وكريديت كارد، وهتقعدي تاكلي في المطبخ معاهم. سامعة؟! سامعة. سامعة والله. ولو سمعت ولا عرفت أنك ضايقتي واحدة فيهم بحرف، ومنفذتيش أمر من أوامري يا ويلك يا ميرهان مني. أخذت تتراجع إلى الخلف وهي تصرخ كالمذعورة: حاضر. كان الخدم يقفون على أعتاب المطبخ ليصرخ بهم: كلامي واضح ليكوا أنتوا كمان؟

أومأ الجميع برأسه دلالة على الموافقة ليتوجه إلى الأعلى لغرفة ميرهان ويقوم بإخراج ملابسها من الخزانة ليتوجه إلى الخارج ويقوم بإلقائها من أعلى الدرج وهو يزأر بوحشية: هدوم الرقاصات دي يتولع فيها وتترمي في الزبالة سامعين؟! أوامرك يا خالد باشا. اللهم اقسم لي من خشيتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغني به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علي مصائب الدنيا.

كان يُنهي بعض الأوراق حتى يعود للمشفى ليطمئن على أشجان، ليُصدم حين فُتِح باب الغرفة ورأى رؤوف يطل عليه ليهتف خالد بشراسة: أنت…

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...