تحميل رواية «همسات الحوافر» PDF
بقلم ڤونا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
"أنتِ مش خايفة من الحصان ده يا روما؟" بصيت لأخويا، اللي طوله واصل لركبتي، وبعدين وطيت وشلته وبوسته في خدّه. "لأ يا چو، عارف ليه؟" بصلي بعيونه البريئة. "ليه؟" مسكت إيده وحطيتها على شعر الحصان. كان خايف في الأول، بعدين ضحك بفرحة. "عشان هو صديقي الوحيد." بصلي وطلع شفايفه بطريقة عسولة وكأنه مقموص. "يعني إحنا مش صحاب؟" ابتسمت، وبعدين حضنته ولفيت بيه حوالين نفسي. "أنتَ حبيب قلبي، أنتَ." الجو كان هادي، بس مليان صوت ضحك چو وصوت كوكو، الحصان بتاعي. ومحدش يقول في حصان اسمه كوكو! هقولكم: آه، هو بيحبه. هتقو...
رواية همسات الحوافر الفصل الأول 1 - بقلم ڤونا
"أنتِ مش خايفة من الحصان ده يا روما؟"
بصيت لأخويا، اللي طوله واصل لركبتي، وبعدين وطيت وشلته وبوسته في خدّه.
"لأ يا چو، عارف ليه؟"
بصلي بعيونه البريئة.
"ليه؟"
مسكت إيده وحطيتها على شعر الحصان. كان خايف في الأول، بعدين ضحك بفرحة.
"عشان هو صديقي الوحيد."
بصلي وطلع شفايفه بطريقة عسولة وكأنه مقموص.
"يعني إحنا مش صحاب؟"
ابتسمت، وبعدين حضنته ولفيت بيه حوالين نفسي.
"أنتَ حبيب قلبي، أنتَ."
الجو كان هادي، بس مليان صوت ضحك چو وصوت كوكو، الحصان بتاعي.
ومحدش يقول في حصان اسمه كوكو! هقولكم: آه، هو بيحبه. هتقولولي: إزاي عرفتي؟ هقولكم: قولت ده صاحبي الوحيد!
فضلنا نجري ورا بعض أنا وچو ناحية البيت. أو ما وصلنا، لقينا شخص واقف على الباب.
مسكت إيد چو وقربنا منه.
"حضرتك مين؟"
الشخص ده لفّ لي، وطلع شاب. من طريقة لبسه فهمت إنه من ولاد المدن، لأن كل شباب القرية لبسهم جلاليب.
بصلي الشخص ده من فوق لتحت، كان بيفحصني، وبعدين قال بهدوء:
"أنا جون، كنت جاي القرية هنا عشان أقابل الحج عبده لو تعرفيه."
"آه، يبقى والدي."
فضل باصصلي شوية بصمت، وبعدين قال بابتسامة هادية:
"كبرتي يا مريومة."
استغربت إنه عارفني… وعارف اسمي ودلعي كمان! اتكسفت وعدّيت من جنبه أنا وچو وقولت بحدة:
"عن إذنك، هناديه عشان يشوفك."
طلعت لوالدي المكتب بتاعه، وبلغته بوجود جون تحت.
نزل والدي من المكتب بعد ما ناديت عليه، وكان باين على وشه الفرحة وهو شايف الشاب اللي واقف على باب البيت.
"يا مرحب يا مرحب… ابن الغالي!"
اتقدم جون بابتسامة مؤدبة، وسلّم على الحج عبده بحرارة.
"أيوه يا عم عبده، بابا كان بيحكيلنا عنك وعن جدعنتك، وقال لازم أزورك أول ما أجي البلد."
الحج عبده ضحك وهو يربّت على كتفه:
"ده بيتك يا ابني… مريم يا بنتي، شوفي ضيفنا يقعد فين وورّيه الساحة حوالين البيت."
أنا وقفت مكاني، يعني إيه أنا أوريه الساحة؟!
جون بصلي بابتسامة خفيفة:
"لو مش هتعبك طبعًا."
قلت له وأنا مكشرة نص تكشيرة:
"لأ خالص، بالعكس… إحنا بنحب نتمشى في عز الشمس هنا."
چو الصغير قعد يضحك عليّا، وبيقول:
"شكلك هتموّتيه في أول يوم يا روما!"
طلعت لساحة البيت، كوكو الحصان كان واقف. جون وقّف قدامه، وعلى وشي ابتسامة.
"ده كوكو، صديقي المخلص."
جون ضحك وقال:
"شكله طيب… بس مش كبير شوية على كتكوتة زيك؟"
بصيت له بحدّة.
"لمّ نفسك يا حضرة، إحنا مش صحاب عشان نتساير بالطريقة دي."
وأنا بقول كده، كوكو فجأة اتحرك بسرعة ناحيتنا، وأنا ببساطة شدّيته بإيدي عادي. جون وقف ثابت مكانه، متهزش!
چو ضحك:
"شكلك جامد يا عمو!"
چون ضحك، ومدّ إيده وطبطب على كوكو، وكوكو مضايقش. وده شيء استغربته، لأن كوكو بيكره الأغراب!
بصيت له باستغراب:
"شكلك مش ابن مدينة زي ما أنا فاكرة."
هو ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"يمكن عشان جوايا حتة من القرية…"
مستغربة من كلامه، بس قبل ما أسأل، سمعنا صوت والدي بينادي:
"مريم، خلي بالك من ضيفنا… ده هيقعد هنا فترة."
بصيت لچون، حسيت إن في سر ورا الزيارة دي، خصوصًا إنه كان واقف ساكت، وعينيه فيها نظرة غريبة وأنا مش فاهمة معناها.
دخلت المطبخ أحضر مع الستات الأكل.
طول عمري ست بيت شاطرة، وكل الناس تحكي وتتحاكي بنَفَسي في الأكل.
كنت بساعد الستات، وهي بتطلع الأكل على السفرة. وبعدين روحت مكتب والدي عشان أبلغه إن الأكل جاهز، بس وقفت مكاني لما سمعت والدي بيقول:
"مريم مش هتستفاد حاجة لما تعرف… سيبها عايشة مبسوطة!!"
اتكلم چون بهدوء:
"صدقني يا عم عبده، لو عرفت من برّا، ساعتها وجعها هيتضاعف!!"
كنت واقفة، مش فاهمة أي حاجة. فضلت واقفة دقيقة، لغاية ما حسيت بخطوات ناحية الباب، فخبطت بسرعة وكأني لسه واصلة.
الباب اتفتح، وظهر منه چون. بصلي شوية، وبعدين ابتسم. أنا ما بادلتوش الابتسامة، وبصيت لوالدي من وراه.
"بابا، الأكل جاهز."
"ماشي يا حبيبتي، خدي جون معاكي ووريه أوضة الأكل، على ما أجي وراكي."
نفخت بضيق، وأنا شايفاه باصصلي وبيضحك. اتكلمت بحدّة:
"بتضحك على إيه؟"
رفع حاجبه بطريقة شدتني:
"مالك يا مريومة، شادة نفسك علينا ليه؟"
اتكلمت بضيق:
"أبدًا، في حد كاتم على نفسي كده، وبعدين ما تقولش مريومة دي إحنا مش قريبين."
ضحك بغلب، وبعدين روحنا اتغدينا ووريته الأوضة اللي هيقعد فيها. بعدين دخلت أوضتي، خدت دش سريع، ولبست دريس أسود مليان ورد أحمر، شكله شيك وهادي. فردت شعري الويفي، وحطيت كحل وروج أحمر.
نزلت وروحت لوالدي، كان قاعد في الساحة بيشرب شاي. قربت منه وحضنته.
"إيه الشياكة دي، يا بت يا مريم؟"
ضحكت:
"النهاردة حنة البت عليا جارتنا، وحلفت إني لازم أكون هناك."
باس راسي، وطبطب على كتفي:
"ماشي يا حبيبتي، تروحي وترجعي بالسلامة، متتأخريش."
ودعته، واتجهت لبيت عليا، اللي على بعد من بيتي بربع ساعة بس.
كنت ماشية وببص حواليا بهدوء وراحة من منظر الزرع وريحته.
قاطع شرودي صوت مقزز:
"القمر رايح فين؟"
تجاهلته وكملت مشي، بس وقفني بكل بجاحة لما مسكني من دراعي.
"مش بكلمك يا بت!"
كنت لسه هلف وامسح بوشه الأرض، بس فجأة ظهر چون من ورا الولد، وصوته جه ببرود مخيف:
"إيدك تتقـ.ـطع قبل ما تلمسها تاني."
الواد لفّ يشوف مين اللي بيتكلم، وقبل ما يلحق حتى يتنفس، چون مسكه من ياقة قميصه ورفع إيده وضر.ـبه بالقلم ضربة طيّرت دماغه. الولد وقع على الأرض مش فاهم إيه اللي حصل، وچون ماسك دراعه وعيونه مليانة غضب:
"أنتَ شكلك مش متربي… تحب أربيك أنا؟"
الواد حاول يفلت بس چون شدّه وادّاله بوكس تاني خلاه يتلوى من الوجع، وأنا واقفة مصدومة من سرعته وقوته، ووشه اللي اتغير تمامًا. بقى قاسي… قاسي بطريقة مرعبة!
الواد بعد ما وقع على الأرض بص لمريم بخوف، وبعدين قام جري من غير ما يبص وراه.
چون وقتها وقف، تنفسه سريع، عيونه لسه مو.لعة، وبصلي بهدوء عكس اللي حصل من دقايق:
"إنتِ كويسة؟"
أنا اكتفيت بهزة راسي، لسه مش قادرة أستوعب اللي حصل.
چون مسح إيده في منديل كان في جيبه، وبعدين بص ناحية الطريق اللي الولد جري فيه وقال بصوت واطي بس مليان تهديد:
"أنا مش بسيب حقي… خصوصًا لو ليه علاقة بيكي."
فضلت واقفة، قلبي بيدق بسرعة، وجوايا أسئلة كتير عن الشخص ده… هو ليه مهتم بيا أوي؟
وفي اللحظة دي، ظهر الحج ، ووشه متغير وكأنه شايف اللي حصل من بعيد…
چون بصلي وقال جملة واحدة بس:
"قريب لازم نِتكلم… عن حاجات كتير."
في اليوم اللي بعده، صحيت بدري على صوت كوكو بيخبط برجليه في الأرض. لبست بسرعة ونزلت أشوف إيه اللي مضايقه، لقيت چون واقف جنبه ماسك له أكل وبيضحك:
"صباح الخير يا مريومة… صاحبك ده شكله جعان أوي."
رفعت حاجبي وأنا ماشية ناحية كوكو:
"غريبة… هو عمره ما بياخد الأكل من حد غيري."
جون ابتسم وهو بيحط الأكل قدامه، وكوكو بياكله عادي خالص، وكأنه متعود عليه من زمان!
"شايفة؟ شكله حبّني أكتر منك."
اتكلمت بنبرة مستفزة:
"أيوه طبعًا، عشان عارف إنك من المدينة ومش هتدوّقه الدرة زيي."
كان الجو بينّا بيتحول ببطء، مش خناقات زي الأول، بقى فيه هزار خفيف وكلام بيروح وييجي.
بعد الظهر، الجو قلب هوا، والسماء لمّت سحاب. كنت واقفة عند البير أملأ ميه، فجأة لقيت الحبل بيتزحلق من إيدي، قبل ما أشوف إيه اللي حصل، جون كان واقف جنبي ماسك الحبل بإيده التانية.
بصيت له متفاجئة:
"أنتَ بتطلعلي منين كل مرة؟"
ابتسم بنص شفايفه وقال:
"يمكن عشان ما توقعّيش نفسك في البير."
قلبت عيني وضحكت غصب عني، بس في نفس اللحظة ريح قوية جات، طيرت شعري على وشي. فضل باصصلي لدرجة إني اتكسفت.
"شكرًا… بس أنا بعمل كده كل يوم من غير منقذ."
هو ضحك بخفة:
"يمكن عشان كنتِ لوحدك."
سكتّ، وحسيت بكلامه دخل جوايا، بس قبل ما أقول حاجة، سمعنا صوت دوشة وصويت جنب الترعة.
"في طفل وقع في الترعة."
رواية همسات الحوافر الفصل الثاني 2 - بقلم ڤونا
في طفل وقع في الترعة!
اتجمدت لحظة من الصدمة، وبعدين لقيت نفسي بجري بأقصى سرعة أنا وچون ناحية الترعة.
الناس كانت ملمومة حوالين الميّه، أصوات صريخ وعيال بتعيط، والرجالة واقفة مش عارفة تلحق الطفل ولا لأ.
في لحظة، من غير ما يفكر، چون جري ونطّ في الترعة زي السهم، الميّه اتناثرت حواليه وهو بيغوص بقوة، قلبي كان هيقف من الخوف.
ثواني معدودة ولقيته طالع شايل الولد بإيده، الميّه بتنقط من وشه وهدومه، والولد متعلق فيه زي الغريق اللي مسك في طوق النجاة.
الناس كلها شهقت بانبهار، والست اللي كانت بتصرخ جريت عليه بتعيط:
ــ ابني… يا رب يجازيك خير يا ابني!
چون سلّم الولد وهو لسه بيتنفس بصعوبة، وبعدين بصلي بابتسامة هادية، ابتسامة غريبة… ابتسامة رجّعت قلبي مكانه بس خلّتني مش عارفة أقول إيه.
قربت منه بسرعة وأنا ببص عليه:
ــ إنتَ كويس؟
هو مسح الميّه من وشه وقال بهدوء:
ــ اه الحمدلله.
الناس كلها بدأت تتكلم عن شهامة چون، وأنا واقفة، مش فاهمة هو مين بالظبط… إزاي بيطلع في كل موقف ببطولة كده وكأنه اتخلق عشان ينقذ!
وبين الزحمة والدوشة، عيني وعينه اتقابلوا، لحظة قصيرة بس حسيت إن جواها كلام كتير مش مفهوم… كلام هييجي يوم ويتقال.
بعد ما الناس اتفرّقت، وأنا لسه قلبي بيدق من اللي حصل، لقيت چون واقف على جنب، هدومه مبلولة والمية بتنقط من شعره.
قربت منه بسرعة وقلت وأنا مش قادرة أخفي قلقي:
ــ لازم تغيّر هدومك فورًا… الجو بدأ يبرد.
هو ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ــ شكلك متعودة تأمري.
بصيت له بحدة:
ــ مش أمر… بس أنتَ تضيفنا.
ضحك بخفة، وبعدين فجأة عطس عطسة قوية، بصيت له بعيون متسعة وقلت:
ــ أهو… شايف؟! تعالى على البيت قبل ما يحصل لك حاجة.
وهو ماشي جنبي كان بيبصلي بنظرات غريبة، مزيج بين الامتنان والاهتمام، وأنا عاملة نفسي مش واخدة بالي.
وصلنا البيت، قلت للستات في المطبخ يجهزوا له شاي سخن، وطلعت أنا بسرعة أجيب له هدوم من والدي عشان يغيّر.
وهو خارج من الأوضة بالهدوم الجافة، لقيته واقف قدام المراية، شعره لسه مبلول شوية، لكن شكله مختلف… هادي وجذّاب بشكل غريب.
قال بابتسامة وهو شايفني ماسكة الفوطة:
ــ كنتي هتجيبيها تمسحي شعري ولا إيه؟
اتكسفت جدًا وقلت بسرعة:
ــ لأ طبعًا… بس شكلك محتاجها.
ضحك بخفة، وبعدين أخذها مني وإيده لمست إيدي من غير قصد… بس اللمسة دي كانت كفيلة تخلي قلبي يدق بسرعة.
جلس يشرب الشاي، وأنا واقفة جنبه، وفجأة قال بهدوء وهو بيبص قدام:
ــ عارفه… أوقات الإنسان ممكن يدخل حياة حدّ تاني عشان يغيّرها من غير ما يقصد.
بصيت له باستغراب، وكأن كلامه ليه معنى أبعد من اللي ظاهر، بس قبل ما أسأله، قام وقال إنه محتاج شوية هوا وخرج برا، سايبني واقفة ومليون سؤال في دماغي.
في اليوم اللي بعده، كنت واقفة في الساحة بكنس التراب حوالين كوكو، ولقيت چون جاي من بعيد، ماسك تفاحة كبيرة في إيده.
بصيت له بحدة وأنا شايفة كوكو بيهز ديله مبسوط:
ــ إيه ده؟ ناوي ترشي حصاني ولا إيه؟
جون ضحك وهو بيدي التفاحة لكوكو:
ــ عشان يتعلم إن المدينة برضه بتعرف تكرم.
حطيت إيدي على خصري وبصيتله بضيق.
وقف قدامي وقال بنبرة متحدية شوية:
ــ إنتي ليه فاكرة إن القرية بس هي اللي عندها القلوب الطيبة؟
اتنرفزت من طريقته وقلت بسرعة:
ــ لأني عايشة هنا وبشوف بعيني، لكن اللي زيك بييجي يومين ويمشي كأنه ماكانش.
كان واقف ثابت، وعينيه بتلمع بحاجة أنا مش عارفة أوصفها، وبعدين بصلي وقال بهدوء استفزني أكتر:
ــ يمكن المرة دي مش همشي.
اتلخبطت للحظة، بس عملت نفسي مش متأثرة، وقلت ببرود:
ــ مش فارقة، إحنا مش فاضيين نعمل حفلة لو فضلت.
هو ضحك بخفة:
ــ مريومة… إنتي عنيدة زيادة عن اللزوم.
رديت بسرعة:
ــ قولت متقوليش مريومه دي!! وأنا مش بحب الناس اللي بتتكلم كتير من غير ما نعرف عنهم حاجة.
لحظتها كان في ست كبيرة معدّية، وقفت وقالت وهي بتضحك:
ــ ما شاء الله… العريس والعروسة بيتخانقوا من بدري!
اتكسفت جدًا، وحسيت وشي احمّر، وچون واقف جنبي وابتسامته مش راضية تروح من على وشه، والموضوع ده ضايقني أكتر.
قرب مني وقال بصوت واطي:
ــ شكلك هتفضلِ تعاندي لحد ما تعرفي إني مش زي ما إنتي فاكرة.
بصيت له وأنا متلخبطة، بس قبل ما أرد، لقيت بابا بيناديني من بعيد، فروحت، وسبت چون واقف مبتسم كأنه كسب الجولة.
كنت واقفة في الساحة بعد العصر، الجو هادي، والدنيا رايقة، وأنا بكنس التراب حوالين البيت.
فجأة سمعت صوت مألوف قادم من بعيد:
ــ إزيك يا قمر… وحشتيني.
تجمدت مكاني، قلبي وقع من الخضة، هو نفس الواد قليل الأدب اللي حاول يمسكني يوم حنة عليا.
قلت له بحزم وأنا ماسكة العصاية اللي بكنس بيها:
ــ ابعد من هنا… قبل ما أزعلك!
هو ضحك بسخرية وقرب أكتر:
ــ إيه يا قمر… لسه زعلانة من اللي حصل؟ أنا كنت بهزر.
الهزار اللي في صوته كان سمّ، قرب مني ومد إيده بطريقة وقحة.
قبل ما ألحق أصرخ، فجأة ظهر چون من ورا، كأنه نازل من السما.
كان وشه متغير، ملامحه كلها غضب، مسك الواد من دراعه بشدة ولفّه بقوة، صرخة الواد ملأت المكان:
ــ آآآه! سيبني!
چون ما اتكلمش، عينيه كانت بتولع، وضربة واحدة خلت الواد يقع على الأرض، دم سايل من شفايفه، والناس بدأت تتلمّ حوالينا.
الواد وقف حاول يتكلم، بس چون مسكه تاني، وصوته طلع لأول مرة غاضب وقوي:
ــ لو شوفتك قريب منها تاني، أقسم بالله ما هتقوم على رجليك.
الواد جري والدموع في عينه من القهر، والناس كلها بصت لجون بإعجاب، والهمسات بدأت تنتشر:
ــ شوفوا ابن المدن عمل إيه… ده أسد مش بني آدم!
أنا واقفة قلبي بيدق، مش بس من الموقف، لكن من شكله وهو واقف بياخد أنفاسه بعصبية، عينيه بتدور تدور، ولما وقعت عليا، حسيت بحرارة في قلبي.
قرب مني فجأة وقال بصوت واطي بس كله قلق:
ــ إنتِ كويسة؟
هزيت راسي وأنا مش عارفة أرد، وكل اللي في دماغي: "هو أنا ليه حسيت بالأمان وهو واقف كده قدامي؟"
چون بص حوالين الساحة وقال بصرامة للناس:
ــ أي حد يعرف الواد ده، يقوله المرة الجاية مش هيلاقي نفسه.
اليوم اللي بعده، كنت واقفة مع عمّ حسن، الفلاح الكبير اللي عنده أرض جنبنا، بننقّي الزرع ونختار اللي هيطلع على السوق.
الجو كان حر والشمس مولّعة، بس إحنا متعودين.
فجأة لقيت چون جاي من بعيد، إيده في جيبه ووشه فيه جدّية مش عاجباني.
قرب مني وقال بصوت فيه نبرة أمر:
ــ مريم، الجو نار… إيه اللي مخليكِ واقفة هنا في عزّ الشمس؟
بصيت له ببرود:
ــ بشوف شغلي… فيه مشكلة؟
هو عقد حواجبه:
ــ المشكلة إنكِ ممكن تتعبِي أو تتأذي.
اتنرفزت جدًا:
ــ ومين قال إنك مسؤول عني أصلاً؟
الناس اللي حوالينا سكتت فجأة، مستنية تشوف إيه اللي هيحصل.
چون قعد يبصلي بنظرة ثابتة وكأنه مش فاهم إزاي برفض اهتمامه.
ــ أنا مش قصدي أضايقك… بس مش طبيعي تفضلي واقفة تحت الشمس بالساعات.
رفعت حاجبي باستهزاء:
ــ يعني إيه؟ أروح أستأذنك قبل ما أعمل حاجة في حياتي؟
كان باين إنه بيحاول يمسك أعصابه، وده ضايقني أكتر:
ــ مريم، أنا بس…
قاطعت كلامه بسرعة:
ــ لأ، اسمعني كويس… حياتي أنا مسؤولة عنها، مش محتاجة حد ييجي من المدينة يقول لي أعمل إيه وماعملش إيه.
الناس بدأت تبص علينا بنص عين، وجون واقف ساكت، ملامحه فيها غضب وكأنه بيحارب نفسه عشان ما يردّش.
مسحت عرق وشي وأنا بمشي بعيد:
ــ لو سمحت، ابعد عن طريقي… مش ناقصة محاضرات النهارده.
سيبته واقف في نص الساحة، والعيون كلها علينا، وأنا قلبي بيدق من الغيظ… بس جوايا كان في شعور غريب، خليط بين الغضب والحيرة، وكأن وجوده بيقلّب كل حاجة في حياتي.
بعد ما مشيت سايبة چون واقف في الساحة، روحت البيت وقلبي مليان غضب، بس الحقيقة إني ماكنتش غاضبة منه هو تحديدًا… أنا كنت مرهقة جدًا من كل حاجة.
عندي شغل في الأرض، بيت لازم يتنضف، وجارتنا عليا اللي حنتها كانت امبارح محتاجة مساعدة، وفوق كل ده أبويا بقى اليومين دول مشغول ومش لاقية حد أشتكيله.
الليل نزل وأنا حاسة إني هقع من التعب، ووشي سخن شوية.
چون كان قاعد في الساحة مع أبويا، ولما شافني معدية بصلي بنظرة طويلة، بس أنا دخلت من غير ما أقول كلمة.
بعد شوية، وأنا واقفة في المطبخ بحاول أحضر الأكل، لقيته داخل بهدوء:
ــ مريم… إنتِ كويسة؟ شكلك تعبانة.
رديت بسرعة وبحدة من غير ما أبص له:
ــ أنا بخير، ماتشغلش بالك.
وقف ساكت لحظة، وبعدين قال بهدوء:
ــ لو في حاجة مضايقاكي… ممكن تحكي.
اتنهدت وأنا بحط الأكل في الطبق، صوتي خرج واطي شوية:
ــ مفيش حاجة يا جون… بس ساعات الواحد بيتخنق، ومش ناقص نصايح من حدّ تاني.
هو ماقربش، بس صوته كان مختلف، أهدأ من أي مرة قبل كده:
ــ أنا مش قصدي أكون عبء عليكِ… أنا بس شايفكِ بتتعبي أكتر من اللازم.
بصيت له أخيرًا، نظراته كانت هادية، مش متحدية زي الصبح، وكأن كلامي وصله.
قلت بهدوء وأنا برجع أكمل شغلي:
ــ يمكن اتعصبت لأن دماغي مشغولة… بس برضه حياتي أنا اللي عارفاها.
هو ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
ــ خلاص… أنا هسيبكِ براحتك، بس لو احتجتي أي حاجة أنا موجود.
وخرج بهدوء، سايبني واقفة في المطبخ مش عارفة أنا ليه فجأة حاسة بالذنب.
كانت الدنيا هادية في الساحة بالليل، الحصان مربوط في مكانه، والنجوم منورة فوق كأنها بتضحك على الأرض.
مريم كانت قاعدة في بيتها، لحد ما شمّت ريحة دخان خفيفة.
في الأول افتكرت حد بيحرق قشّ برة، لكن فجأة سمعت صهيل الحصان كأنه بيصرخ.
قلبها وقع من مكانه.
جريت بأقصى سرعة للساحة، وهناك شافت النار مولّعة في الركن القريب من الحظيرة، والدخان مغطي المكان.
الحصان بيتخبط ويحاول يهرب، والنار حوالينه بتكبر كل ثانية.
مريم من غير تفكير جريت على الحصان، عينيها مليانة دموع من الدخان، صوتها بيصرخ:
ــ كوكو! استنى يا حبيبي أنا جاية!
الناس لسه ماخدتش بالها، الليل كان مغطي على كل حاجة، لكن مريم كانت أول واحدة هناك، ماسكة الحبل اللي مربوط فيه الحصان وهي بتحاول تفكّه بإيديها اللي بدأت تتحرق من سخونة المكان.
الحصان بيجري ويزفر بقوة، والنار بتقرب أكتر، ريحة الحريق ماليه المكان.
وفجأة وهي بتحاول تفكّه، جزء من الحبل اتقطّع والنار لمست طرف إيدها.
صرخت من الوجع بس ماوقفتش، فضلت تحارب عشان تخرّجه.
في اللحظة دي، چون ظهر جري، شاف النار وهي مولّعة وهي واقفة جوه الدخان، صرخ فيها:
ــ مريم! سيبيه أنا هخلصه!
لكنها رفضت تتحرك، فضلت تحاول لحد ما الحصان خرج أخيرًا، يجري برا الساحة والنار وراهم.
وفي اللحظة دي مريم أغمي عليها وهي وسط النار.
رواية همسات الحوافر الفصل الثالث 3 - بقلم ڤونا
أغمي عليها وسط النار. إيدها محروقة والدخان مالي المكان. چون جري شالها بعيد عن النار، والناس بدأت تتجمع وتطفي.
مريم بدأت تفوق شوية وچون صوته كان مليان غضب وخوف في نفس الوقت:
ــ إنتِ مجنونة؟! كنتي هتتحرقي عشان الحصان!
بس مريم ما ردتش، عينيها بس بتدور تدور على كوكو وهي مطمنة إنه بخير… حتى لو إيدها وجعتها، المهم إنه هو اتنقذ.
چون كان ماسكها وهو قلبه مولّع أكتر من النار اللي اتطفت، مش فاهم ليه حسّ بخوف عمره ما حسه قبل كده.
چون كان لسه ماسك مريم بإيده، ملامحه مشدودة والقلق مالي وشه. كانت إيدها متحمرّة من الحريق، عينيها نصها دموع من الدخان ونصها خوف على كوكو اللي كان بعيد شوية بيتنفس بصعوبة لكنه سليم.
جون بص حواليه على الناس اللي اتلمّت بعد ما النار بدأت تهدى وقال بصوت مليان غضب:
ــ مين اللي عمل كده؟! مين الـ*** اللي ولّع النار؟!
محدش رد، الكل كان باصص لمريم وهي بتسعل، صوتها مخنوق:
ــ أنا كويسة… بس شوفوا كوكو، طمّنوني عليه.
في اللحظة دي، الحج عبده وصل، وشه كان أحمر من الغضب والخوف لما شاف مريم قاعدة على الأرض وإيدها محروقة. جري عليها بسرعة:
ــ يا ساتر يا رب! مريم، إيه اللي حصل هنا؟!
جون رد قبلها، صوته حاد:
ــ حد جبان ولّع في الحظيرة بالليل، ومريم كانت أول واحدة تجري عشان تنقذ الحصان، إيدها اتحرقت وهي بتحاول تفكّه!
الحج عبده وشه تغيّر، بقى مزيج بين الخوف على بنته والغضب من اللي عمل كده. قعد جنبها على الأرض، شال إيدها يبص عليها:
ــ يا بنتي، دماغك ناشفة زي أبوك… بدل ما تجيبي حد يساعدك، تنطي جوه النار بنفسك؟!
مريم ابتسمت ابتسامة باهتة وهي بتوجع:
ــ ماقدرتش أسيبه يا بابا… كان هيموت.
الحج عبده بص لجون، ولأول مرة عينه كان فيها شكر صامت، خصوصًا إنه شافه ماسكها كأنه خايف عليها من أي نسمة هوا.
جون قال بهدوء بس صوته فيه وعد:
ــ اللي عمل كده مش هيعدي منها… أنا هعرفه وأجيب حقكم.
الحج عبده وقف وهو شايل بنته، وقال للناس حوالينه:
ــ حد يجيب عربية بسرعة، لازم تروح تتعالج فورًا.
جون مشي معاهم، وعينه ما سابتش مريم لحظة، وكأن النار ولّعت جوا قلبه هو كمان، بس مش من الغضب… من الخوف عليها.
ــ كوكو… كوكو بخير، صح؟!
كانت بتسأل والدموع في عينيها، مغمية من الدخان بس مش شايفة غير الحصان.
جون مسك إيدها المحروقة بسرعة:
ــ مريم، لازم نروح المستشفى فورًا.
هزّت راسها بعناد وهي بتحاول تقوم:
ــ لأ… مش هتحرك غير لما أطمن عليه بنفسي.
جون اتعصب، صوته علي لأول مرة عليها:
ــ إنتي مجنونة؟! إيدك محروقة وأنتي لسه واقفة هنا!
ــ سيبني، مش همشي وهو واقف مرعوب كده… مش هسيبه لوحده.
اتنفس جون بغضب، بس في عينيه كان فيه خوف مش غضب وبس. مشي ناحية كوكو بسرعة، طمّنه بإيده وشافه كويس:
ــ بخير… الحصان بخير، خلاص، شوفيه بعينك.
مريم بصت لكوكو وهي بتشهق من العياط والراحة في نفس الوقت، كأنها اتخلّصت من جبل كان فوق قلبها.
جون رجع لها بسرعة:
ــ خلاص، شوفيه، طمنتي؟! يلا دلوقتي عشان تتعالجي بدل ما يحصل مصيبة في إيدك!
لما شافها لسه مترددة، مسكها من كتفها بنفاد صبر:
ــ مريم، كفاية عناد.
اتحركت العربية بسرعة، وجون ماسك الدركسيون، إيده بتشد عليه كأنه بينفس غضبه في السواقة، وعينه في المراية كل شوية تبص ورا على مريم.
الحج عبده كان قاعد جنب مريم، ماسك إيدها المحروقة بإيده الكبيرة، صوته فيه قلق واضح:
ــ يا بنتي، وجعاكي جامد؟!
مريم ابتسمت ابتسامة ضعيفة وهي بتحاول تخبي دموعها:
ــ بسيطة يا بابا… أنا بخير.
جون شدّ نفسه بالعافية عشان مايتكلمش، بس ملامحه فضحت إن دمّه بيغلي. بصّ في المراية بعصبية:
ــ بخير إيه بس؟! إيدك كلها محروقة، وانتي واقفة بتبصي على الحصان كأنك مش شايفة النار حواليك!
مريم ردّت ببرود وهي باصة من الشباك:
ــ ماكانش ذنبه يتحرق عشان حد حقود.
جون ضغط على الفرامل فجأة لما شاف واحد ماشي غلط في الطريق، وبص لها من المراية بنظرة مش فاهمة:
ــ وانتي ذنبك إيه تتحرقي معاه؟!
الحج عبده بصله بحدة وقال:
ــ خلّيك سايق بس يا جون، إحنا عايزين نوصل بسرعة.
جون سكت، بس في عينيه كان فيه بركان غضب وخوف متلم، كأنه مش قادر يستوعب إزاي البنت دي ممكن تبقى عنيدة كده وقلوب الناس حواليها بتقع من الرعب.
مريم، رغم وجعها، فضلت باصة من الشباك ساكتة، ودماغها كله عند كوكو، مش حاسة إن فيه اتنين رجالة في العربية نص عمرهم راح من الخوف عليها.
بعد ما الدكتور طمّن الحج عبده إن الحرق سطحي وإنهم لحقوها في الوقت الصح، خرجت مريم إيدها ملفوفه بشاش، تعبانة شوية بس بتحاول تخبي ده بابتسامة صغيرة.
الحج عبده كان واقف مستنيها، أول ما شافها قام بسرعة وسندها من كتفها:
ــ ألف سلامة عليكِ يا بنتي… قلبي وقع في رجلي النهارده.
مريم ابتسمت وهي تبص للأرض:
ــ أنا آسفة يا بابا… خوّفتك.
جون كان واقف بعيد، ساكت، إيده في جيبه وعينه مش سايبة إيدها الملفوفة بالشاش. أول ما قربوا ناحية العربية، اتكلم بنبرة فيها عصبية مستخبية:
ــ تقدري تمشي كويس ولا أجيب كرسي؟
مريم رفعت عينيها عليه بنظرة مستغربة:
ــ لأ، أنا تمام. مش للدرجة دي يعني.
هو شد على سنانه وقال بصوت منخفض بس فيه غيظ:
ــ للدرجة دي إنك كنتي هتتحرقي عشان حصان، أيوه.
مريم بصتله بحدّة:
ــ كوكو مش مجرد حصان… كوكو ده ابني!
جون اتنفس بعمق، كأنه بيحاول يمسك أعصابه، وبص بعيد وهو بيقول:
ــ مش فاهم إزاي ممكن تبقي عنيدة كده، بتوجعي اللي حواليكي وإنتي مش واخدة بالك.
سكتوا لحظة، مفيش غير صوت عربيات رايحة جاية، قبل ما الحج عبده يقول بحزم:
ــ يلا نروح، البنت محتاجة ترتاح.
مريم ركبت العربية، وجون طلع يسوق تاني، بس طول الطريق ماقالش ولا كلمة، وإيده شادة على الدركسيون، كأنه بيحارب نفسه عشان ماينفجرش من القلق اللي جواه.
بعد ما اطمّنت على كوكو وقعدت معاه شوية، رجعت البيت، إيدها بتوجعها بس مش قادرة تخفي فضولها. جون بقاله يومين موجود، سايب الدنيا كلها وقاعد عندهم، وسايب شغله ومدينته، كأنه جاي لهدف محدد.
في المساء، كانت قاعدة جنب الحج عبده وهو بيشرب الشاي في الساحة، القمر منور، والجو هادي بعد اليوم الطويل.
مريم قالت وهي بتحرك المعلقة في الكوباية:
ــ بابا… جون هيقعد هنا لحد إمتى؟
الحج عبده بص لها بسرعة قبل ما يرد، كأنه بيختار كلماته:
ــ على راحته… ده ابن الغالي، بيتنا بيته.
مريم رفعت حاجبها باستغراب:
ــ بس هو ليه سايب شغله ومدينته وقاعد هنا كده؟ يعني، هو ملوش بيت غير عندنا؟
الحج عبده ضحك ضحكة صغيرة يحاول يخفي بيها توتره:
ــ يمكن تعب من دوشة المدينة، وجاي يغيّر جو.
مريم ما اقتنعتش قوي، خصوصًا لما افتكرت مواقفه معاها… خوفه عليها من النار، صوته لما اتعصب عشان الحصان، ونظرته اللي مش فاهمة سببها.
سكتت شوية وبصت لوالدها بتركيز:
ــ بابا… هو وإنتوا تعرفوا بعض من زمان قوي، صح؟
الحج عبده ابتسم ابتسامة فيها حنية بس عينه قالت حاجة غير اللي نطقها لسانه:
ــ آه يا بنتي… زمان أوي.
مريم عضّت شفايفها، مستغربة أكتر من الأول، بس قررت ماتسألش زيادة دلوقتي، خصوصًا وهي شايفة باباها مش عايز يفتح الكلام.
بعد ما خلصت مريم كلامها مع والدها، دخلت المطبخ تجهز شاي تاني. ما كانتش واخدة بالها إن جون كان واقف قريب وسمعها وهي بتسأل عن سبب وجوده عندهم.
هو ما قالش حاجة وقتها، بس لما لقاها واقفة لوحدها في المطبخ بعدها بدقايق، دخل بهدوء وقال بصوته العميق:
ــ شكلك مش مرتاحة لوجودي هنا.
مريم اتفاجئت، التفتت له بسرعة وهي ماسكة الكوباية:
ــ لا… أنا بس كنت بسأل بابا، يعني… وجودك طول قوي.
جون ابتسم ابتسامة صغيرة، بس فيها لمسة غموض:
ــ يمكن وجودي ليه سبب… يمكن أكتر من سبب كمان.
مريم رفعت حاجبها، باصة له باستغراب:
ــ سبب إيه يعني؟
هو ضحك ضحكة خفيفة، مش باين فيها لا جد ولا هزار، وقال وهو ماشي ناحية الباب:
ــ هتعرفي في وقتها.
مريم فضلت واقفة مكانها، قلبها بيدق بسرعة من نبرته الهادية الغريبة، وكأن كل حاجة حواليها بقت لغز كبير مش فاهمة منه حاجة.
اليوم اللي بعده، مريم كانت واقفة في الساحة بتحاول تأكل كوكو، إيدها لسه بتوجعها، بس مصممة تعمل كل حاجة بنفسها كعادتها. جون كان راجع من برة، باين على وشه إنه مرهق.
أول ما شافها بتمد إيدها الملفوفة عشان تشيل الجردل، صوته طلع عالي من غير ما يحس:
ــ مريم! إنتي بتعملي إيه؟!
مريم اتخضت من نبرة صوته، بس ردت بعناد:
ــ بأكل كوكو… مش شايف يعني؟
جون تقدم بخطوات سريعة، خد منها الجردل بعصبية:
ــ مش شايف؟! لأ أنا شايف إنك مستهترة! إيدك لسه محروقة ومش عارفة ترتاحي دقيقة!
مريم عضّت شفايفها من الضيق:
ــ خلاص بقى، مش كل شوية تتعصب عليا كده… أنا عارفة بعمل إيه.
جون رمى الجردل على الأرض فجأة، صوته اتقل وبقى فيه حاجة جديدة:
ــ لأ… إنتي مش عارفة. مش عارفة إزاي ممكن أي حاجة فيكي تتأذي توجع…
سكت فجأة، كأنه قال حاجة زيادة، وبص بعيد بسرعة يخفي اللي طلع منه.
مريم وقفت مكانها، قلبها بيدق بسرعة، مش عارفة هو كان يقصد إيه بكلامه، ولا ليه صوته بقى مخنوق كده فجأة.
جون شد نفسه وقال بسرعة قبل ما تبصله:
ــ سيبي الشغل ده عليا… روحي ارتاحي.
مشي وهو سايبها واقفة في الساحة، مخنوقة من عصبيته… بس جواها حيرة جديدة: هو ليه بيقول كده؟ وليه كأنه بيخاف عليها أكتر من اللازم؟
في يوم الجو كان فيه ريح خفيفة، ومريم قاعدة في مكان جنب مكتب والدها، إيدها لسه ملفوفة، وكوب الشاي جنبها. كانت بتسمع صوت والدها وجون بيتكلموا جوة المكتب، الباب مش مقفول كويس، والكلام واصل ليها من غير ما يقصدوا.
جون صوته كان منخفض بس واضح:
ــ عم عبده، لحد إمتى هتفضل ساكت؟ البنت ليها حق تعرف.
مريم عقدت حواجبها، قلبها دقّ بسرعة.
والدها ردّ بعد صمت طويل:
ــ مش وقته، يا جون… مش عايز أضيّع سنين عيشتها في البيت ده. هي بنتي زي ما تكون من لحمي ودمي.
مريم جمدت مكانها… زي ما تكون؟!
جون بصوت هادي بس فيه إصرار:
ــ بس هي مش عارفة الحقيقة… وده هيجرحها أكتر بعدين.
مريم قامت واقفة من مكانها، رجليها تقيلة وكأن الأرض بتتهز تحتها. مش فاهمة نص الكلام، بس كلمة "الحقيقة" دي ضربت قلبها زي الرصاص.
والدها قال بسرعة، كأنه خايف حد يسمع:
ــ أنا لقيتها وهي بيبي… يومها كنت شايلها بإيديا، ومن ساعتها ماعرفتش أفرّقها عن بنتي الحقيقية.
وشها كان مصدوم… يعني إيه مش بنته الحقيقية؟ طب مين أهلها؟ وليه محدش قالها قبل كده؟
من كتر صدمتها كوب الشاي وقع من ايدها اتكسر علي الأرض!!
چون جري بسرعة عند الباب لقاها واقفه في وشه ودموعها نازله!
مهتمتش بوجوده وبصت لوالدها وقالت:
_يعني أنا مش بنتك؟!
رواية همسات الحوافر الفصل الرابع 4 - بقلم ڤونا
مش بنتك؟
الحج عبده اتجمد مكانه، مش عارف يرد، وجون واقف في النص مش لاقي كلمة يقولها.
مريم ما استنتش إجابة… قلبها كان موجوع كأنه اتكسَر فجأة، ورجليها ساقت نفسها على أوضتها من غير ما تبص لورا.
قفلت الباب وراها وهي بتنهج، وانهارت عياط على الأرض.
الحج عبده فضّل واقف في مكانه، صوته طالع واطي كأنه بيتكلم مع نفسه:
ــ يا ريتني ما كنت فتحت بوقي…
جون بصّ له بحدة:
ــ الحقيقة كانت لازم تطلع عاجل ولا آجل.
عبده قعد على الكرسي، داس بإيده على وشه كأنه شايل الدنيا فوق دماغه، صوته مبحوح:
ــ بس مش كده… مش كده.
مريم في أوضتها كانت بتحاول تفهم… مين أهلها؟ ليه عمره ما قال لها؟ طيب هو كان بيحبها بجد ولا كان مجرّد واجب؟ الأسئلة دي فضلت تلعب في دماغها طول الليل، ومفيش كلمة طلعت منها لأي حد.
اليومين اللي بعد الصدمة كانوا زي الضباب لمريم. ماكنتش بترد على أسئلة عبده، ولا حتى بتقعد مع جون زي الأول. كانت بتطلع أوضتها وتقفل الباب، ودموعها تنزل في هدوء، مش مصدقة إن الراجل اللي شايفاه أبوها عمرها كله طلع مش أبوها الحقيقي.
في اليوم التاني بالليل، عبده كان قاعد في الساحة، وشه تعبان من التفكير. مريم خرجت بهدوء، وقربت منه، صوتها كان مهزوز:
ــ أنا… مش زعلانة منك إنك ربيتني… أنا ممتنة ليك. يمكن لو ماكنتش إنت، ماكنتش لقيت حضن أعيّش فيه طفولتي.
عبده عينه دمعت وهو بيسمعها، حاول يمد إيده يحضنها بس هي تراجعت بخطوة، كأنها لسه مش قادرة تتأقلم مع الحقيقة، وقالت بصوت مكسور:
ــ بس أنا محتاجة أعرف… أنا مين؟
عبده اتنفس بعمق، وبص بعيد كأنه بيهرب من نظرتها:
ــ مش أنا اللي أجاوب على السؤال ده…
مريم استغربت:
ــ مين اللي يجاوب؟
قبل ما يقول أي حاجة، چون ظهر فجأة من وراهم، عينه شافت مريم ثواني وبعدين بص لعبده، ونظرات بينهم قالت كلام كتير من غير صوت.
مريم بصت بينهم بتوتر:
ــ هو يعرف؟
جون سكت لحظة، وبعدين قال بهدوء:
ــ يمكن أعرف أكتر مما تتخيلي… بس لسه مش وقت الكلام.
مريم قلبها دق بسرعة، مش فاهمة ليه صوته فيه حاجة مش غريبة بس… حاجة بتخض، حاجة بتقول إن حياتها كلها ممكن تتغير لما تعرف اللي مستخبي.
جون مشي ساعتها، وعبده فضل ساكت، لكن في وشه نظرة واضحة… إن السر اللي مخبينه أكبر من إنها تتخيله.
بعد الليلة دي، مريم فضلت يومين على نفس الحال… صمت، تفكير، ودموع بتنزل بالليل من غير ما حد يشوفها.
جون كان موجود طول الوقت، بس ما اتكلمش معاها كتير.
اللي لاحظته إنه بقى يدخل ويخرج مع والدها كتير، وكأنهم بيرتبوا لحاجة من وراها.
في اليوم التالت، وهي واقفة عند كوكو، لقيت والدها جاي يقرب منها، صوته كان متردد:
ــ مريم… أنا عارف إنك لسه مصدومة… بس في حاجة لازم تعرفيها قريب.
مريم لفّت بسرعة، قلبها وقع:
ــ إيه تاني؟ أنا مش قادرة أستوعب حاجة أصلاً.
عبده بص لها بحنان:
ــ صدقيني، اللي مخبينه عنك مش علشان نوجعك… إحنا كنا عايزين نحميك.
مريم رفعت صوتها وهي بتحاول تخبي رعشة خوفها:
ــ تحموني من إيه؟! أنا عايزة أعرف أنا مين، وأهلي فين!
قبل ما عبده يتكلم، ظهر جون فجأة، وكأنه كان مستني اللحظة دي.
قال بصوت هادي، بس فيه قوة:
ــ قريب… قريب جدًا هتعرفي الحقيقة كلها.
مريم بصت له بغيظ:
ــ وأنا إنت مالك؟! من يوم ما جيت وإنت ملزّق حوالينا وكأن الموضوع يخصك!
جون عينه جت في عينيها لحظة طويلة قبل ما يقول بهدوء، صوته فيه معنى مخفي:
ــ يمكن الموضوع يخصّني أكتر من أي حد هنا.
مريم اتلخبطت، قلبها بيدق بسرعة من طريقته، بس قبل ما تسأل، عبده قال بحزم:
ــ كفاية كلام دلوقتي… لما ييجي وقتها، كل حاجة هتتقال.
جون مشي من الساحة، ومريم واقفة تايهة أكتر من الأول… بس جوّاها في إحساس جديد بدأ يكبر: إن چون مش مجرد ضيف… وإن وجوده ليه علاقة مباشرة بيها هي شخصيًا، مش بوالدها.
بعد يومين، مريم كانت قاعدة في مكتب والدها بتنضفه، وفجأة، لقيت والدها نسي درج مفتوح في مكتبه وهو رايح يصلي. الفضول شدّها، وقلبها بيدق وهي بتقرب.
فتحت الدرج بهدوء، إيدها بترتعش… لقت ورق قديم، ومعاه عقد رسمي باين عليه أثر السنين. شدّته بسرعة وقعدت تقرأ.
عينها اتسعت وهي بتقرأ الاسم…
"مريم عبده عبدالسلام … زوجة جون يوسف…"
اتجمدت مكانها. قلبها وقع حرفيًا، حست إن عقلها وقف عن التفكير.
ــ إيه ده؟! إزاي يعني جوزي؟! وأنا حتى ما اعرفش؟!
رجّعت الورق بسرعة مكانه قبل ما حد يشوف، بس عقلها كان مليان بأسئلة.
في الوقت ده، جون دخل البيت، وشاف ملامحها المتغيرة. قرب منها بخطوات هادية، عينه مركزة في وشها:
ــ مالك؟ شكلك متغير.
مريم بسرعة خبّت ارتباكها:
ــ لا… مفيش.
بس جواها بركان… وخصوصًا لما بصّت له لقت فيه هدوء غريب، وكأنه عارف ايه جواها ومستني اللحظة اللي كل حاجة تتكشف فيها.
طلعت تجري على أوضتها وقلبها بيدق، مش عارفة تصدّق إزاي حياتها ممكن تتقلب بالشكل ده، ولا إيه علاقة جون بكل الأسرار اللي حوالين حياتها.
بعد الليلة اللي لقت فيها الورق، مريم بقت مختلفة تمامًا مع چون.
هو لاحظ… وازاي مش هيلاحظ؟
بقت بتتجنبه، بترد عليه بكلمة والسلام، ولو لقاها واقفة في الساحة تمشي فجأة وتسيبه واقف لوحده.
في الأول حاول يتجاهل الموضوع، لكن مع الوقت، حاجة جواه كانت بتغلي.
إزاي وهي الوحيدة اللي قلبه اختارها، تتهرّب منه بالشكل ده؟!
في يوم، وهي واقفة عند كوكو بتحاول تأكله، لقى نفسه بيقرب منها من غير ما يفكّر، صوته هادي لكن فيه غضب مكتوم:
ــ مريم… هو أنا عملت إيه علشان تبطّلي تكلميني كده؟
مريم ما بصّتش له، فضّلت مركّزة مع الحصان:
ــ مفيش.
خطوة… اتنين… لغاية ما بقى واقف قريب جدًا، لدرجة إنها حسّت قلبها هيقفز من صدرها.
ــ لأ، في. إنتِ بقالك يومين تلاتة هربانة مني، كل ما أقرب، تبعدي. ليه؟!
مريم شدّت نفس عميق، قلبها بيدق بسرعة، بس فضّلت صامتة.
هو بقى قدامها تمامًا، صوته علي شوية، غضب باين في عينيه:
ــ أنا هستحمل لحد إمتى؟! لو في حاجة مضايقاكي مني، قولي، لكن التجاهل ده مش هيعدي كده.
مريم، بنبرة متوترة:
ــ إنت بتقرب مني زيادة عن اللزوم… وأنا مش فاهمة ليه!
في اللحظة دي، وشه اتغير… الغضب في عينيه اختلط بحاجة تانية، حاجة هي ما فهمتهاش، لكن قلبها حسّ بيها… وكأن في سرّ كبير جواه هي لسه ما تعرفوش.
هو سابها ومشي بخطوات تقيلة، كأنه بيحارب نفسه علشان ما يقولش حاجة قبل أوانها.
مريم فضلت واقفة مكانها، أنفاسها متلخبطة… لأول مرة تحس إن وجود چون مش بس سر، لكن كمان حاجة أكبر من كل اللي حواليها.
اليوم اللي بعده، مريم كانت راجعة من السوق، ووشها تعبان من الحر واللف، لقت چون واقف قدام البيت مستنيها.
من أول ما شافته قلبها خبط، خصوصًا بعد الموقف اللي حصل امبارح.
هو ما استناش ولا دقيقة، أول ما قربت وقف قدامها بعصبية واضحة:
ــ مريم، أنا زهقت! لحد إمتى هتفضلي تبعدي عني كده؟!
مريم شدّت إيدها اللي كانت شايلة السلة وقالت بهدوء مصطنع:
ــ چون، أنا مش ناقصة وجع دماغ، سيبني فحالي.
الكلمة جرحت غروره، صوته علي أكتر:
ــ فحالك؟! هو أنا بقيت وجع دماغ فجأة؟! أنا اللي…
وقف لحظة، خد نفس عميق كأنه بيحارب نفسه، بس فجأة انفجر:
ــ أنا اللي جيت هنا مخصوص علشانك، يا مريم! أنا اللي شايل سرّ أكبر من إنك تتخيليه، وساكت علشان وقت ما تعرفي الحقيقة حياتك كلها هتتشقلب!
مريم وقفت مصدومة، قلبها وقع في رجلها:
ــ إنت بتقول إيه؟!
جون لف ووشه بعيد، كأنه ندم إنه اتكلم، صوته واطي وهو بيتمتم:
ــ مش وقته… مش دلوقتي.
اليومين اللي بعد الخناقة، مريم كانت بتتجنب چون بوضوح، كل ما يقرب، تلاقيها مشغولة أو تطلع أوضتها أو حتى تبعت چو الصغير يكلمه بدلها.
لكن في يوم، الدنيا كانت مغيمة، والجو باين عليه هيقلب مطر، ومريم كانت بتلم الغسيل بسرعة قبل ما الدنيا تبلّه. فجأة سمعت صوت خبط ورعد، وصرخة من بعيد… جريت ناحية الصوت لقت چون وقع من فوق السور وهو بيحاول يساعد الجيران في حاجة، إيده اتعورت جامد.
مريم اتلخبطت وجريت ناحيته:
ــ استنى! إنت بتنز.ف!
هو ضحك بهدوء رغم الد.م:
ــ مش أول مرة، ما تقلقيش…
ــ سيبني أنضف الجرح!
كانت مرتبكة، بتحاول تنظف جرحه وهي إيدها بتترعش، وهو سايبها تشتغل وبيتصنّع إنه عادي، لكن عينيه ما فارقتش وشها لحظة لحد ما صدمته بكلمة…
طلقني.
رواية همسات الحوافر الفصل الخامس 5 - بقلم ڤونا
طلقني.
جون اتجمد لحظة، عينيه اتسعت بصدمة:
ـ إنتِ… عرفتي ازاي؟
مريم اتنهدت وهي بتحاول تسيطر على رعشة صوتها:
ـ مش مهم عرفت إزاي… المهم إني عرفت.
جون صوته عليّ فجأة، الغضب بان في ملامحه:
ـ عرفتِ منين يا مريم؟!
مريم اتعصبت أكتر، قربت منه وخبطته بكلامها كأنها بتنتقم:
ـ هو ده اللي فارق معاك؟ أنا عرفت منين؟! أنا كنت لعبة في إيدكم، يا أستاذ، لعبة! وأنا حتى ماكنتش عارفة أنت مين ولا إيه علاقتك ببابا، وكل مرة أجيب سيرتك وشوشكم تتوتر وكأني بسأل عن سر حربي!
هو حاول يتكلم، لكن مريم كانت خلاص وصلت لقمة غضبها:
ـ طلقني! امشي من حياتي! من ساعة ما جيت وأنا عايشة في دوامة، وأول ما لقيت الحقيقة لقيتها بتخبط في وشي زي الصاعقة. طلقني وخلاص.
جون خد نفس عميق، ووشه اتغير فجأة، الغضب اختفى وحل مكانه برود قاتل، برود خلاها تتوتر أكتر، وبص لها بثبات وقال بهدوء استفزّها أكتر من الصريخ:
ـ لأ.
مريم اتجمدت، عينيها اتسعت بصدمة وغضب:
ـ لأ؟! يعني إيه لأ؟!
هو ابتسم ابتسامة صغيرة شبه ساخرة، لكن عينيه ماكانوش بيلعبوا:
ـ يعني لأ… مش هطلقك.
مريم وقفت قدامه، عينيها بتلمع من الغضب:
ـ إنتَ بتتريق عليا؟ أنا بقولك طلقني!
جون اتقدم خطوتين لحد ما بقى قريب منها، صوته هادي لكن فيه قوة تخض:
ـ وأنا بقولك لأ.
مريم اتراجعت خطوة، قلبها بيدق من طريقته، بس ما سكتتش:
ـ إنتَ فاكر نفسك مين عشان ترفض؟ أنا حياتي مش لعبة في إيدك.
جون ابتسم بس ابتسامة فيها برود وسيطرة:
ـ حياتِك مش لعبة، عشان كده أنا مش هسيبك.
قرب أكتر، صوته بقى واطي لكنه مسموع كويس:
ـ من يوم ما دخلت حياتك، أنا عارف إني مش هخرج منها… بإرادتك أو غصب عنك.
مريم اتوترت، قلبها بيتخبط من كلامه، صرخت فيه:
ـ إنت مجنون!
جون رفع حاجبه بابتسامة شبه مستفزة:
ـ يمكن… بس أنا مجنون بيكي، ومش هطلقك.
مريم حسّت الدم بيغلي في عروقها، رفعت صوتها أكتر:
ـ يعني هتجبرني أعيش معاك غصب عني؟!
جون بص لها بنظرة ثابتة، عينه ما رمشتش:
ـ أنا مش بجبرك… أنا بس مش بسيب اللي ليا يضيع.
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة، چو الصغير دخل وهو تفاح في إيده وواقف مش فاهم الجو المشحون اللي قدامه.
مريم بسرعة مسحت دموعها، وجون رجع خطوة ووشه رجع للهدوء اللي بيخبي تحته بركان.
لكن جوا مريم، الغضب لسه مولّع… لأنها لأول مرة تحس إنها مش فاهمة الراجل ده، ولا إزاي ماسك الخيوط كلها بالبرود ده.
جون بصّ لمريم بثبات، وهي بتبعد عينيها عنه وكأنها مش عايزة حتى تشوفه.
الجو كان مشحون، بس صوت چو الصغير كسر الصمت:
ـ مريم… تعالي شوفي أنا جبت إيه لكوكو!
مريم مسحت دموعها بسرعة وابتسمت ابتسامة باهتة، حاولت تبين لچو إن كل حاجة عادي، وقالت:
ـ جايالك حالًا.
جون وقف في مكانه، عينه بتراقبها وهي بتمشي ناحيته والابتسامة اللي بتعملها عشان چو بس، مش عشانه هو.
حاجة جواه و.لّعت، خصوصًا لما لقاها بتتعامل مع الكل عادي إلا هو.
جون بصوت هادي لكنه حاد:
ـ لحد إمتى هتفضلي تتجاهليني كده؟
مريم ببرود مصطنع:
ـ لحد ما تفهم إن وجودك في حياتي كان غلط.
جون ضحك ضحكة قصيرة، بس مفيهاش أي سعادة:
ـ غلط؟ ده أنا جوزك بالقانون يا مريم… حتى لو إنتِ آخر واحدة تعرف.
مريم اتنرفزت:
ـ يبقى عيب عليكوا إنكم خبّيتوا عني الحقيقة بالشكل ده.
جون قرب منها خطوة، صوته واطي بس فيه تملك واضح:
ـ عيب علينا؟ ولا عيب إنك فاكرة إني هسيبك لمجرد إنك متضايقة شوية؟ لأ يا مريم… أنا مش راجل بيتخلّى عن مراته.
مريم قلبها اتلخبط من كلمة "مراته"، وبصت له بغيظ:
ـ إنتَ بتفرض نفسك عليا بالعافية؟
جون بهدوء مستفز:
ـ لأ… أنا بس باخد حقي.
قبل ما مريم ترد، چو الصغير نادى بصوت بريء:
ـ مريم! كوكو مستني التفاحة منك إنتي!
مريم اضطرت تمشي ناحيته، وجون مشي وراها من غير ما تقول له حاجة.
ولأول مرة من بعد الخناقة الكبيرة، لقوا نفسهم واقفين جنب بعض وكوكو في النص، وكأن وجود چو الصغير والحصان بيرجعهم يقربوا غصب عنهم.
جون بصّ لها وهو بيدي كوكو الأكل معاها، صوته هادي:
ـ عاجبك أو مش عاجبك… إحنا اتنين متربطين ببعض، والحكاية دي لسه ما ابتدتش بجد.
مريم بصت له بسرعة، قلبها دق من كلامه اللي فيه وعد وتهديد في نفس الوقت.
اليوم اللي بعده، مريم كانت مصممة تتجاهل جون تمامًا.
كل ما يقرب، تلاقيها مشغولة بحاجة، ولو اضطرت ترد، يبقى بكلمة والسلام.
جون في الأول حاول يتماسك، لكن في الآخر وصل لمرحلة فقد فيها صبره.
راح ناحيتها وهي قاعدة في الساحة بتكتب في كشكول صغير، وقف قدامها بثبات وقال:
ـ مريم، كفاية بقى.
مريم من غير ما تبص له:
ـ كفاية إيه؟
ـ كفاية هروب. إنتِ بتعملي نفسك مش شايفاني، بس الحقيقة إنك شايلاني في دماغك طول الوقت.
مريم رفعت عينيها بحدة:
ـ شايلاك في دماغي؟ أنا مش عايزة أتعامل معاك أصلًا.
جون ضحك ضحكة صغيرة مستفزة وقرب منها خطوة:
ـ لأ، هتتعاملي. غصب عنك.
مريم قامت بسرعة من مكانها، قلبها بيدق من عصبيتها ومن قربه المفاجئ:
ـ إنتَ فاكر نفسك مين عشان تجبرني؟
جون بص لها بنظرة طويلة، صوته واطي بس فيه قوة:
ـ فاكر نفسي جوزك… واللي مش هيسمحلك تهربي منه بالشكل ده.
قبل ما مريم ترد، چو الصغير دخل يجري:
ـ مريم، بابا بيناديكي!
مريم أخدت نفسها ومشيت بسرعة، كأنها لقت مخرج من الموقف، بس جون فضل واقف مكانه، عينيه بتلمع بنظرة معناها إن الموضوع بالنسباله لسه ما ابتداش.
مريم كانت واقفة في المطبخ بتجهز الأكل، وشها متضايق من ضغط اليوم كله.
فجأة سمعت صوت جون من الساحة بصوت عالي شوية:
ـ آآه… إيدي!
جريت بسرعة على الساحة وهي قلبها بيدق:
ـ في إيه؟ إيه اللي حصل؟
جون كان قاعد على الكرسي، ماسك دراعه كأنه اتعور جامد.
بص لها بنظرة مصطنعة متألمة أوي:
ـ مش عارف… وأنا بنظّف الحظيرة شكلي اتجر.حت جامد.
مريم قربت بسرعة وهي متوترة:
ـ وريني…
قامت تمسك إيده، لقت الجرح بسيط جدًا.
رفعت عينيها له بغضب:
ـ إنتَ بتهزر؟! أنا جريت مفزوعة عشان خدش!
جون ابتسم ابتسامة جانبية وهو شايفها منفعلة:
ـ عجبني إنك جريتي عشان خاطري.
مريم شدت إيدها بسرعة من غير ما تبص له:
ـ أنا ما جريتش عشانك، أنا جريت عشان ما يحصلش مصايب هنا.
هو ضحك ضحكة مستفزة وهو ماسك دراعه:
ـ أيوه أيوه، عارف… بس شكلك وانتي متوترة عشاني لا يُقدَّر بثمن.
مريم اتنرفزت أكتر:
ـ انتَ مستفز بجد!
جون قعد يضحك براحته، وعيونه مليانة انتصار كأنه عارف إنها مهما اتعصبت، برضه قلبها اتحرك ناحية خوفه عليه.
جون لسه قاعد بيضحك وهي متعصبة، فجأة موبايله رنّ.
رد بسرعة، وكلامه كان واضح إنه شغل مهم جدًا:
ـ حاضر… هكون هناك بعد بكرة. أيوه، بس محتاج أخلص شوية حاجات قبل ما أتحرك.
قفل السكة وبص لمريم وهي لسه بتلم الحاجات من قدامه بعصبية:
ـ مريم… حضري شنطتك، هنسافر مع بعض.
مريم وقفت مكانها، بصت له بدهشة واستفزاز:
ـ إيه؟! نسافر إيه؟! ليه يعني؟!
جون قال بهدوء، وكأنه قرار مش هيقبل نقاش:
ـ عندي شغل في القاهرة، ومحتاجك معايا.
مريم اتعصبت أكتر، ضربت إيدها في الترابيزة:
ـ محتاجني؟! إنتَ مش واخد بالك إن وجودي أصلاً معاك غلط من الأول؟!
جون قام وقف، قرب منها خطوة بخطوة:
ـ غلط ولا صح… انتي هتيجي.
ـ لأ، مش هاجي! أنا مش عايزة أتحرك من هنا خطوة معاك!
في اللحظة دي، عبده دخل وهو سامع آخر جملة، بص لمريم:
ـ مالك يا بنتي بتزعقي كده ليه؟!
مريم لفت بسرعة:
ـ بابا، هو عايزني أسافر معاه، وأنا مش رايحة مكان.
عبده بص لجون، وبعدين رجع يبص لمريم بنبرة حازمة:
ـ لأ، هتروحي.
مريم اتصدمت:
ـ إيه؟! إنتَ كمان؟!
عبده قال بهدوء بس كلامه ما يقبلش نقاش:
ـ الراجل ده جوزك، ومادام هو شايف إنك لازم تبقي معاه، يبقى هتروحي.
جون وقف ساكت، ابتسامة خفيفة ظهرت على وشه وهو شايف عبده بيتكلم بالنيابة عنه، وكأنه لقى حد يساعده على اللي هو عايزه.
مريم واقفة مصدومة، قلبها بيخبط، مش فاهمة إزاي بقى الكل ضدها فجأة، واللي محيرها أكتر هو جون اللي واقف متأكد إنها هتيجي، كأنه ماسك ورقة رابحة هي لسه مش شايفاها.
مريم كانت قاعدة على طرف السرير، دموعها سايبة على خدها من غير ما تحاول تمسحها، قلبها مليان وجع وحيرة.
فجأة، الباب اتفتح بقوة، وجون دخل بخطوات تقيلة وصوته غاضب:
ـ مريم، جهّزي نفسك… هنمشي دلوقتي.
رفعت عينيها له بسرعة، صوتها مخنوق:
ـ مش هاجي… مش هسيب بابا ولا چو… ولا كوكو كمان.
قرب منها بخطوات ورا بعضها، صوته كان ثابت وبارد:
ـ أنا ما بسألكيش يا مريم… أنا بقولك تعالي.
وقفت بعصبية ومسحت دموعها بسرعة:
ـ لأ، مش همشي معاك! سيبني في حالي.
شد إيدها بقوة، هي حاولت تفلت وهي بتصرخ بصوت عالي مليان دموع:
ـ قلتلك مش هاجي! عندي أبويا… أخويا… وكوكو، وعايزني أسيبهم عشانك أنت؟!
وقف لحظة، وصوته علي فجأة:
ـ عشان أنا جوزك يا مريم! فاهمة يعني إيه؟ جوزك!
الصدمة خلتها تسكت ثواني، قلبها بيخبط بسرعة من كلامه، دموعها نزلت أكتر، بس برغم كل حاجة، لسه واقفة بتقاوم، رافضة تمشي معاه وهي مش عارفة إزاي مشاعرها بقت متلخبطة بالشكل ده.
جون كان ماسك إيدها بقوة، عناده واضح، ونبرته مليانة تملك:
ـ عاجبك ولا مش عاجبك… أنا مش هسيبك هنا.
جون لسه ماسك إيدها بعناد ونازل بيها لتحت، ومريم بتقاومه وهي بتعيط، فجأة وعبده دخل من باب البيت بخطوات سريعة وصوته عالي:
ـ إيه اللي بيحصل هنا؟!
جون لفله، بس لسه ماسك مريم، عبده بص لمريم اللي كانت واقفة مرهقة، عينيها كلها دموع، وقال بنبرة حنونة:
ـ سيبها يا جون، البنت حالتها صعبة كفاية.
الكلمة دي كأنها فجّر.ت مريم، صوتها طلع عالي، مليان وجع وغضب:
ـ كفاية؟! أنتوا عارفين إيه عني أصلاً؟!
بصّت لجون بعصبية والدموع نازلة بغزارة:
ـ من يوم ما ظهرت في حياتنا وأنا عايشة في كابوس، كل حاجة اتقلبت! حتى بابا اللي عشت عمري كله فاكراه أبويا طلع مش أبويا، والسر ده إنتَ جزء منه… جزء من كذبة كبيرة!
جون اتصدم، عينه لمعت بحاجة أول مرة تبان… كأنه الكلام كسر حاجة جواه.
مريم كملت بنبرة وجع:
ـ أنتَ جاي فجأة، واخد حقي في إني أختار، واخد حياتي كلها كأني لعبة في إيدك، وأنا أصلاً… أنا أصلاً معرفش أنتَ مين!
وقفت وهي بتشهق من البكا، وصوتها واطي بس مليان عصبية:
ـ بكره اليوم اللي شوفتك فيه، بكره اللحظة اللي دخلت حياتنا فيها!
الكلام وقع على جون زي السيف، أول مرة وشه يتغير بالشكل ده، صمته كان تقيل، عينه كلها غضب وكبرياء مجروح.
عبده قرب من مريم يحاول يهديها:
ـ خلاص يا بنتي، اهدّي شوية، أنتِ تعبانة.
لكن مريم لفت بسرعة وطلعت تجري على أوضتها، سايبة جون واقف مكانه بملامح أول مرة تبين إن جوه قلبه في حاجة اتكسرت.
تاني يوم، البيت كان ساكت بشكل غريب.
مريم لسه قافلة على نفسها في أوضتها من ساعة ما انفجرت مبارح، مش عايزة تشوف حد.
جون كان واقف تحت، لابس جاكت، شنطته جاهزة، ملامحه جامدة وعيونه ما بتبينش هو بيفكر في إيه.
عبده كان واقف جنبه، صوته واطي لكنه حازم:
ـ مسافر؟
جون شد الشنطة وقال ببرود ظاهري:
ـ أيوه… عندي شغل لازم أخلصه.
عبده بص له بنظرة فاهمة، لكنه ما علّقش.
قبل ما يمشي، رفع عينه على السلم، وكأنه مستني مريم تظهر، حتى لو من بعيد… لكن مفيش.
لف بسرعة ومشي من غير كلمة، كأن البُعد قرار عقاب ليها ولروحه المجروحة في نفس الوقت.
في أوضتها، مريم وقفت ورا الشباك، شافت عربيته وهي بتبعد، قلبها اتقبض، دمعة نزلت بسرعة، بس عنادها كان أقوى من إنها تجري وراه.
الليل نزل على البيت، ومريم لسه قاعدة في أوضتها، عينها لسه حمرا من العياط، بتحاول تقنع نفسها إنها مش فارق معاها إنه مشي.
الموبايل على الترابيزة نَوّر فجأة… رسالة منه.
إيدها اتجمدت لحظة قبل ما تفتحه.
"افتكري كويس يا مريم… أنا مش هسيبك لغيري. مهما حصل."
قلبها وقع، حرفيًا حسّت بدقات قلبها تعلى، إيدها بتترعش وهي بتعيد قراءة الرسالة كذا مرة.
الدنيا سكتت حواليها، بس جوّه دماغها في دوشة أسئلة… هو يقصد إيه؟ هيقدر يعمل إيه بعد ما مشي؟ وليه الكلام فيه وعد وتهديد في نفس الوقت؟
بس الأكيد إن حياتها مش هترجع زي الأول… أبدًا.
مرّ شهر كامل… شهر تقيل كأنه سنة.
جون سافر وساب وراءه صمت طويل، لكن وجوده ما اختفاش من البيت.
صورته كانت في عيون عبده، في الحصان كوكو اللي بقى واقف كأنه مستني صاحبه، وفي قلب مريم… اللي مهما حاولت تتجاهل، مش قادرة تنسى.
مريم رجعت تعيش روتين حياتها، بس مش زي الأول.
هو كمان ما اتصلش ولا بعت غير الرسالة اللي من شهر مش عارفة تنام منها.
بس كانت عارفة، حاسة، إنه مش ناسي… وإن في لحظة معينة، هيرجع.
وفي الليالي الطويلة، كانت بتفتكر نظراته، طريقته لما كان يتعصب عليها، ضحكته اللي ساعات كانت ترفع ضغطها وساعات كانت تخلي قلبها يدق بسرعة غريبة.
هي مش عايزة تعترف، لكن الحقيقة كانت واضحة:
جون ساب فراغ كبير، والفراغ ده مش بيتملي بأي حد تاني.
المطر كان خفيف، بيترش على الأرض ترشيحة خفيفة، والهواء بارد بشكل غريب كأنه بيجهّز لموقف مش عادي.
مريم كانت قاعدة في الساحة بتشرب شاي، عينها سرحانة بعيد، لحد ما سمعت صوت العربية.
القلب سبق العقل… رفّ قلبها بسرعة وهي شايفة العربية السودا بتقف قدام البيت.
الباب اتفتح، ونزل جون بخطوات تقيلة، كأنه راجع من حرب مش من سفر.
مريم قامت واقفة، مش عارفة تروح له ولا تدخل تهرب زي العادة.
هو كان شايف كل ده في عينيها، شاف الغضب والاشتياق والخذلان… وشاف نفسه في نص كل ده.
قرب منها بهدوء، صوته خافت:
ـ إزيك يا مريم؟
ردت ببرود متعمد، وهي بتحاول تخبي الارتباك اللي قلبها عامله:
ـ تمام.
ابتسم ابتسامة صغيرة، بس عينيه كانت غير… فيها حنين واضح، فيها كلام كتير مخنوق.
ـ وحشتيني.
مريم اتشنجت، قلبها دق أسرع، لكن صوتها طلع ناشف:
ـ غبت شهر كامل، تفتكر أنا هستناك أصفّق لما ترجع؟
ضحك ضحكة واطية، ضحكة استفزازية زي اللي بتجنّنها:
ـ يعني لسه فاكراني… حلو.
مريم:
ـ أنا مش فارق معايا ترجع ولا لا.
هو قرب خطوة، صوته بدأ يبقى أعمق:
ـ بطلّي تكذبي، إنتي مفتقداني أكتر مني.
مريم رفعت صوتها:
ـ لا! أنا مش مفتقداك ولا حاجة! إنت جيت وخرّبت حياتي وخلّيتني مش فاهمة أي حاجة، وبعدين تمشي كده ببساطة!
جون، بابتسامة جانبية بس عينه جدّ:
ـ ورجعت عشان آخذ حقي… وعشان آخدك.
مريم اتسمرت مكانها، قلبها بيدق بسرعة مش طبيعية.
ـ أنا مش بتاعت حد، ولا بتاعتك.
جون قرب أكتر، المسافة بينهم بقت نفس المسافة اللي قبل ما يسافر، اللي بتخلي قلبها يتهزّ:
ـ لأ… إنتي ليا، حتى لو لسه مش عايزة تعترفي.
مريم انفجرت:
ـ إنتَ مغرور ومتكبّر! فاكر إن كل حاجة بسهولة كده؟!
جون ردّ بنبرة هادية لكن فيها تملك واضح:
ـ لأ… بس متأكّد إني مش هسيبك لحد غيري.
في اللحظة دي، عبده خرج من البيت، لمّحهم، وحس إن في عاصفة عاطفية على وشك تنفجر.
مريم استغلت الفرصة وقالت بسرعة:
ـ أنا داخلة جوه.
دخلت بخطوات سريعة، وقلبها مش مرتاح… عارفة إن رجوع جون هيغيّر حاجات كتير جدًا.
جون وقف في الساحة، عينه لسه على الباب اللي قفل وراها، وكأنه بيعلن حرب جديدة، حرب على قلبها المتمرّد.
بعد ما دخلت مريم البيت، وقفت عند الشباك تبصّله من بعيد.
قلبها كان بيتخبط من رجوعه، بس عقلها بيحاول يقنعها تتجاهله.
اليومين اللي بعد رجوعه كانوا غريبين… جون ماحاولش يقرّب زي الأول، ماحصلش خناقات ولا شدّ وجذب، كأنه اتغيّر فجأة.
بقى يقعد مع عبده ويتكلموا في مواضيع عادية، يسأل على كوكو، يضحك مع چو الصغير أوقات… ولما يشوف مريم، يكتفي بابتسامة هادية وكلمة سلام وخلاص.
مريم استغربت التغيّر ده، جزء منها ارتاح إنه ما بقاش يضغط عليها، وجزء تاني حسّ إن الهدوء ده هدوء ما قبل العاصفة.
في يوم، وهي قاعدة في الساحة، لقت جون جاي بالحصان كوكو ماشي جنبه، وقال لها بهدوء:
ـ الحصان كويس دلوقتي، الحمد لله.
مريم ردت وهي بتطبطب على كوكو:
ـ كويس إنه بخير.
جون وقف بعيد شوية، صوته كان هادي بس فيه دفء:
ـ وإنتِ… عاملة إيه؟
مريم بصت له بسرعة وبعدين رجّعت عينيها للحصان:
ـ تمام.
مافيش كلام كتير بعد كده… هو فضل واقف ساكت، وهي بتلعب مع كوكو، وكأنهم الاتنين مش عارفين مين هيكسر الصمت الأول.
اليومين اللي بعد كده، بقى فيه جو هادي بينهم.
لا شدّ، لا خناق، بس نظرات متبادلة وأحاديث صغيرة عابرة عن الخيل أو الجو أو الشغل.
في يوم كانو قاعدين في الساحة وفجأة حد غريب دخل عليهم وبص لمريم:
ـ فين ورثي يا حرامية