بدروب الحياة تفتح الأبواب. يختار القدر أشخاص يطلق عليهم عنان الأشواك. أصبحت المختارة لأتنقل بقدمي هاوية تجهل السير بتلك السراديب الإلهية. فيا عازف الأقدار اعزف قدري بالحان السلام فبالله لا تقسوا على صغيرة. جردها القدر من أحلامها. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.
نسافر بخيالنا إلى الصعيد، وبالأخص قنا، في أحد البيوت حديثة البناء، داخل آخر شقة بالطابق الأخير، نجد بحجرة النوم فتاة في بداية الثلاثينات تدعى نهى، قد خرجت للتو من الحمام بعباءة سوداء خفيفة تظهر مفاتنها، ممسكة بمنشفة صغيرة تجفف شعرها الأسود، وتناظره ببسمة يملؤها الإغراء إلى التخت، تبوح بنعومة: "صباح القمر على أجمد ظابط عرفته في حياتي."
كان يجلس فوق فراشها عاري الصدر، يحتوى خصره بغطاء خفيف، يشعل سيجارته، بعين تناظر جسدها الذي كان يملكه منذ قليل. "صباح الروقان، بقولك إيه ما تيجي جانبي شوية." أطلقت ضحكة مثيرة متحدثة: "آجي فين تاني حرام عليك." نهض من فوق الفراش، يستر جزعه السفلي بالغطاء، واقترب بخطوات منها، يجذبها بذراعه من خصرها لتلتصق بتفاصيل صدره. رفعت عينيها له، فاستقبلها بدخان سيجارته الذي أطلقه على وجهها مثل غيمة الضباب.
"حرام عليا، ولا حرام عليك إنت؟ إنت مش شايفه نفسك عاملة إزاي؟ رفعت يدها تحاصر عنقه، وهي تهتف بتساؤل: "قولي بقي إمتى هتتجوزني رسمي؟ أنا بصراحة كدا مش مقتنعة بالجواز العرفي اللي ما بنا." "نعم جواز رسمي؟ "أيوا جواز رسمي." نفخ دخانه من جديد بوجهه، مجيبًا بتصحيح جاف:
"فوقي يا نهى، إحنا كاتبين الورقتين العرفي عشان نحلل الوقت اللي بنقضيه سوا، وإنتي عارفه كدا كويس. وبعدين متحسسنيش إني ضحكت عليكي، أنا من الأول مفهمك إن العلاقة اللي هتبقي بينا علاقة انبساط وبس." لم تكن تهتم لكل ما قيل، وقالت: "إنت زعلت، مكنش قصدي أزعلك بس العشم حلو." "أنا معشمتش حد بالجواز، بلاش تسرحي بخيالك عشان ماتقعيش على جذور رقبتك." رأت الضيق بعينيه، فاحتوت وجنته بكفها الناعم، تقترب من فمه قائلة:
"إنت زعلت حقك عليا، أنا هصالحك." عارضها مبتعدًا عنها، يسير للحمام، وهو يلوح لها بسبابته برسمية: "لو سمعتك جبتي سيرة الموضوع دا تاني، الورقة اللي بينا هقطعها وتروحي لحال سبيلك. أنا باجي هنا عشان أروق ساعتين مش تعكنني عليا بلت النسوان بتاعك دا." دخل إلى المرحاض، وأغلق الباب خلفه بقوة. فرتجفت ببسمة هاوية تسكن فمها: "تقطع إيه بقي بعد ما لقيت راجل زيك أفرط فيه بسهولة! قاعدة على قلبك يا جوادي."
التفتت للمرآة تضع مساحيق الزينة والعطر لتظهر بأفضل طلة. ـــــــــــــــ وبعد ساعتين على طريق رملي لأحد القرى، توقف "جواد" بسيارته البيضاء ب هلل بسبب تلك العجوز التي ظهرت فجأة أمامه، وكاد يدعسها. نزل من السيارة بحنق، يتعارك معها بصوته الأجش: "مش تفتحي يا ولية إنت؟ إنتي عاميه ولا إيه حكايتك؟ كنت ههرسك بالعربية!
نظرت له العجوز السوداء بعينين يغطيهما الكحل الداكن، وعلى ذقنها نقوشات خضراء دائرية، وتستر جسدها بالملس الأسود الصعيدي، وعلى رأسها غطاء يحتويها. ظلت تناظره لبضع دقائق في صمت، جعلته يزداد حنقًا. "إنتي هتفضلي متنحالى كدا كتير؟ إبعدي خلينى أعدي بالعربية." "إسمك إيه يا ولدي؟ "وإنتي مالك بإسمى إيه هتعمليلي محضر؟ " تحدث بزمجرة. فقالت بغموض: "جولي إسمك إيه خلينى أجولك عاللي مخبيه نصيبك." لوي فمه بجفاء: "ااه نصيبي؟
هي الست الكبيرة بقى دجالة؟ "إخرس جطع لسانك، الدجالين بينهم وبين الله أسوار من النار، إنما أنا بيني وبين الله عماااار. الغيب ميعرفهوش غير رب الناس، اللي يرزقني من فضله وخيرني عن بعض الناس بهبة المعرفة. يالا جولى إسمك إيه؟ وإنت عامل زي الخيل اللي ملوش لجام." صك على أسنانه بحنق، وهتف: "إصطبحتك زفت يا نهى، إسمى جواد، وسعى بقى خلينى أمشي." "جواد، مش بجولك خيل بيرمح من غير لجام. هتمشي لما تعرف جدرك مخبيلك إيه."
أخرجت كيس صغيرًا من سيالة الملس به قطعة قماش بيضاء، وضعتها على مقدمة سيارته، وعليها فرشت الرمال التي بالكيس. وأخرجت بعض الأحجار غريبة الهيئة، وضعتها فوق الرمال. ثم نظرت له تتمتم بصوت غير مسموع بكلمات لم يسمع منها شيئًا. ثم التفتت، ونظرت إلى الرمال تتعمق النظر بها، وكأنها تقرأ شيئًا، جعلها تناظره بعين تجحظت بشكل مريب.
"طريجك عوچ. كله سراديب. جلبك ميت مبتخشاش الموت. عامل زي الخيل بترمح من غير لجام في أراضي عامل فيها سيدها. بس يا ويلك من اللي چاي هيضعف رمحك. حياتك هتنجلب، طريچك هيتغير. هتشوف حچات مكنتش بتشوفها. هتجابل إصغيرة هتلچمك بعشجها. عشجك ليها هيبجى زي السكينة متغرج بدم حد من دمك. كل ما تحاول تبعد عنها هتلاقيها بتجربك منها إكتير. بتخليك تتشعلج بهواها وتبجى ملكها. وجلبك مش هيعرف يشوف غيرها. ومع كل خطوة رچلك هتمشيها هتوجع في حفره مليانه أفاعي. وياويل الخيال لما يتلچم بالأفاعى يا ولدي."
كلماتها المفخخة بالألغاز السامة لعقله، جعلته يغمض عينيه رفضًا لتلك التخاريف، ونظر لها يجيبها بقولًا جاد: "كذب المنجمون ولو صدفوا. تخاريفك خليها لنفسك يمكن تنفعك." التفتت تلملم أغراضها، بقولها الهادئ:
"ربنا چعلنى سبب عشان أحذرك، بس شكلك إكده رافض إنك تسمع. إنت حر يا ولدي. ربنا يحميك من الأفاعى اللي هتلچمك وتسم بدنك. أما الصغيره هتجابلها دلوك أو بعدين. ولما تعشجها هتتوكد من كلامى. بس خلى في بالك نهاية طريچك معاها مكتوبه بالدم. يا تختار تنچى نفسك يا تختار تنچى حياتها. سلام ولدي." "إمشي يا وليه! وليه خرفانه صحيح. يالا ياحجه على الله التساهيل."
أشاح بيده رفضًا تامًا لأقوالها، وركب السيارة يبتعد عن طريقها. أما هي، فلم تهتم بعدم اهتمامه، وبدأت بالنزول لمنحدر أرض خضراء يملؤها شجر الليمون. ظلت تسير بينها حتى وجدت نفسها أصبحت بأرض خضراء دون أية أشجار، لا يوجد بها غير بعض الحشائش التي تتناولها الأغنام. ونظرت حولها، ووجدت منزلاً قديمًا يبدو عليه مرور الزمن.
فبدأت بالسير إليه حتى توقفت أمام شرفة صغيرة تقف بها صغيرة يرفض العمر الاعتراف بها، فملامحها الصافية ببرائة الصغار تخدع عين من يراها، بشعرها الذهبي الخاضع للأعين، وبراعة خلق الله في تفاصيل ملامحها. تقف بعباءتها الزهرية التي زادتها جمالًا. فقتربت منها العجوز تقف أمام الشرفة بطلتها المفزعة، التي جعلت "ريحانه" تتراجع بهلع للوراء، بقلب كاد يخرج من جوف صدرها.
"ماتخفيش يابتى أنا مش چايه أئذيكي، ناولينى حبة مياه عطشانه ريجي كيف الصبار، إسجينى يابتى ينوبك ثواب." نظرت إلى كوب الماء ثم نظرت إلى الشرفة تحسم قرارها بخوف، فهي لم تخرج من المنزل منذ كانت صغيرة، ولم تقابل امرأة بهذا الشكل المفزع للعين. لكن قلبها رق بالعطف، وحملت الماء، وبدأت بالاقتراب من الشرفة، وهي ترتجف، وتهتف بربكة: "هحطلك الكوبايه علي السور خديها، وإمشي! "حاضر يا بتي."
وضعت الكوب، وتراجعت للوراء مسرعة بخوف. فأخذت العرافة الماء وتناولته، ثم وضعته مكانه على السور، ونظرت لها ببسمة يحتويها التعجب. "سبحان الخلاج فيما خلج. جوليلي يابتى إسمك إيه؟ بلعت لعابها بربكة أكثر: "بتسألي ليه؟ "معرفت الصبايا الچومال خير. جوليلي على إسمك، وهشوفلك نصيبك بتمن الميه اللي شربتها." ضيقت عينيها متسائلة بتوتر: "إنتي عرافة؟ "الغيب ميعرفهوش غير اللي خلجنا. أنا مچرد مرسال للموعودين. جوليلي على إسمك، ومتخافيش."
تنهدت بإعطائها ما تريد بهدوء: "ريحانه، إسمى ريحانه." "إسمك چميل كيفك يا صبيه. يالا خلينى أشوف الجدر مخبيلك إيه." بدأت بإخراج الكيس، ووضع القماشة على سور الشرفة، ثم وضعت عليها الرمال والأحجار. ونظرت لها تتمتم بذات العبارات المخفية. ونظرت إلى الرمال. ثم نظرت لها من جديد تحرك رأسها بحزن:
"عيني عليكى يابتى. طريجك بدايته هيبجى دم هيكسي يدك، ويلوث جدرك. هتتكتبى على إسم راچل جلبه ميعرفش طريج العشج. هتشوفى المرار. وكل ما حياتك تزهر زي إسمك هتلاقي حاچه بتعتمها وتخليها سواد. جلبك هيتعلج بيه. هتبجى دايبه في عشجه، وهو مش هيسأل فيكى. في طريجك أكتر من حيه هيحاولوا يأذوكي. حرصي منهم. وخلى بالك راچلك في حيه متشعلجه بخلجاته مش هتبجى عاوزه تسيبه ليكي، هي شيفاه ملكها."
النصيب غلاب، وإنتِ اللي هتيجي مراته. بس يا ويلك من نهاية جدرك اللي بدأ بالدم هينتهي بردك بالدم، يا إما دمك يا إما دم اللي عشقتيه. تملكتها الرهبة من هول ما سمعته. تلك الكلمات المسكونة بالخوف والألغاز جعلتها تجلس على فراشها بعين تمردت بدموع، صرحت عن نبضات قلبها المرتجفة. أما العجوز، فلملمت أغراضها وذهبت. أما ريحانة، فنظرت بشهقة لزوجة أبيها التي تدعى غوايش، التي دخلت إليها دون استئذان مثل المعتاد، وقالت بحده: جرا إيه؟
شوفتي عفريت يا جميلة الجميلات؟ وبعدين مالك قاعدة كدا ليه؟ ما تفزي يابت أقفي وأنا بكلمك. نهضت أمامها بهدوء كالمعتاد رغم حزنها من تلك المعاملة الجافة. نعم يا مرات أبويا. لوت فمها بجفاء. نعم الله عليكي يا أختي. هو أنا مش قولتلك تِجري ع المطبخ تغسلي المواعين وتحضرلينا الغدا؟ ولا ست الحسن تحب أدخل أنا بدالها؟ قالت متنهدة بيأس وهي تسير من جوارها. حاضر، هدخل أعمل اللي طلبتيه. استنى عندك. وقفت تنظر لها، فقالت الأخرى ببرود.
مش قولتلك ألف مرة الزفت الشباك دا ما يتفتحش. إنتِ إيه؟ ما بتسمعيش الكلام ليه؟ ضيقت عينيها بحزن. إنتِ منعاني من الخروج بره البيت. الشباك الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أشوف العالم اللي بره، بلاش تحرميني منه. حرمت عليكي عيشتك. والله وطلعلك لسان وبتردي عليا. ماشي، أنا هشوف شغلي مع أبوكي. ردفت بحنق وهي تغلق الشرفة، فأوقفها صوت هشام، صاحب الأرض. صباح الخير يا ست غوايش. تركت الشرفة وهتفت بنعومة تتدلى منها الدلع.
صباح الفل والياسمين على عيونك يا هشام بيه. خير، بتعمل إيه هنا؟ قطب جبهته ببسمة تساؤل. بعمل إيه؟ دي أرضي، إنتِ نسيتي ولا إيه؟ غوايش بدلع صوتي. لأ، منستش. بس مبشوفكش بتقرب منها، عشان كدا استغربت. لاحظت عينيه التي تنظر ببسمة إعجاب لشيء خلفها، فاستدارت ووجدت ريحانة مازالت تقف، مما جعلها تزداد حنقا. تأمرها. غوري على جوه، شوفي أبوكي، بلاش مياعة. انسحبت على الفور دون أي اعتراض. فسألها هشام مستفهما. مين البنت دي؟
أول مرة أشوفها. تنهدت بجفاء. دي المزغودة بنت جوزي. مبتخرجش من البيت، عشان كدا محدش يعرفها. والمزغودة بقى اسمها إيه؟ ريحانه، اسمها خسارة فيها. تبسم الآخر بفظاظة. واضح إنك بتحبيها أوي. أشاحت بإنكار جاف. أحبها ولا محبهاش، ملوش لازمة. فرك لحيته بتفكير. عندك حق، ملوش لازمة. دعته ببسمة أثناء مداعبتها لشعرها. بقولك إيه؟ ما تتفضل أعملك كوباية ليمون تبل بيها ريقك في الحر دا؟ ولا هشام بيه بيحب الحر اللي بيلهلب البدن؟
أدرك مقصدها المنحدر بقذارة تفكيرها. لأ، ماليش في الحر اللي من النوع دا. أما كوباية الليمون، هشربها بس بالليل هجيلكم. تأتنس وتشرف يا سيد الناس. ودعته بكلماتها الناعمة مثل غطاء حريري، فذهب. أما هي، فأغلقت الشرفة ودخلت إلى المطبخ حيث تقف ريحانة وتقطع البصل بعين تزداد بكاء من ألم رائحته على عينيها. أما غوايش، فوضعت يدها بخصرها تحدثها بجحود.
خلصي يا أختي المياعة بتاعتك، واطلعي امسحي أوضة الضيوف، خليها بتبرق، وحطي كسوة الكنب الجديدة. حاضر. حضرلك الخير يا روح أبوكي. أجابتها بسخرية، ثم ذهبت. أما هي، فلم تكن تملك شيئًا لتفعله سوى الصمت وتقبل كل شيء يحدث لها. *** بعد ساعة، بدار الهلالي، حيث تجلس الحجة معالي بالمندرة، وبجوارها تجلس ابنتها سمرا، التي تبكي بحسرة على أحوالها. ربنا يسامحك، إنتِ السبب فيما أنا فيه دلوقتي. عارضتها بحده. ليه؟ عملت فيكي إيه؟
كل دا عشان سترتك، زي ما بتقول عوايدنا؟ عاتبتها بلوم كاره. سترتيني؟ ولا دفنتيني بالحيا؟ خرجتيني من المدرسة وأنا عندي ستة عشر سنة، وجوزتيني لصلاح اللي كان عنده واحد وثلاثين سنة، وخلفت عيلين بربيهم دلوقتي بحرقة الدم والأعصاب، وياريتني عارفة أربيهم. دا غير صلاح وعمايله معايا. حرام عليكي يا أمي، شيلتيني الحمل بدري. أنا لسه مكملتش الأربعة وعشرين سنة. قطبت جبهتها بإنكار.
متشيلنيش حاجة يا حبيبت أمك. إنتِ مش أول واحدة تتجوز صغيرة، معظم البنات كدا. وبعدين دي عوايدنا، البنات تتستر بدل ما تجيب لأهلها العار يا ست سمرا. عار إيه؟ وكلام فاضي إيه؟ البنت لو متربية كويس مستحيل تغلط يا أمي. ربتت على قدمها اليمين بأمر. قومي، ارجعي على بيتك، متخربيش حياتك. يالا يا أختي، خلي بالك من جوزك ومن عيالك. كانت تدرك أن الحديث مع والدتها لم يجدي نفعًا، فأوقفت تجفف دموعها وتستر رأسها بالحجاب.
ماشي يا أمي، هرجع بيتي، بس خليكي فاكرة إن كل ما أجيلك عشان تحافظي على كرامتي من بهدلة صلاح فيا، بترجعيني تاني للعذاب بإيديكي. سكتك خضرة يا بنت معالي، روحي لدارك، وبدل الكلام الفاضي حافظي على راجلك وعيالك. حركت رأسها بعدم اهتمام لما تسمعه، وذهبت. أما معالي، فوجدت جواد يدخل إليها برفقة هشام، فتبسمت بفخر. عيني عليكم باردة. جلسا بجوارها، فبدأت بالحديث مع جواد. كنت فين من الصبح؟
البت شادية قالت لي إنك مرجعتش البيت من لما خرجت ستة الصبح؟ فرك لحيته ينكر تواجده مع نهى. كنت في القسم، كان في شغل مهم كنت لازم أخلصه. وخلصته على خير يا حبيبي؟ لمعت عينيه ببسمة ماكرة وهو يتذكر تلك اللحظات التي قضاها على فراشها. خلصته على خير أوي، لدرجة إن المتهم مكنش عايزني أسيبه. ربتت على قدمه بفخر. طول عمرك شاطر يا جواد. تدخل هشام قائلاً.
سيبكم من جو المدح دا دلوقتي. وقوليلي يا أمي، مش كان نفسك دايما تفرحي بيا وتشوفينا متجوز؟ إيه رأيك بقى إني لقيت العروسة؟ تجحظت عينيها بسعادة غمرت قلبها. ألف مليون مبروك يا حبيبي. قولي، تبقي مين، وبنت مين، وساكنة فين؟ لأ، دي مفاجأة. هعرفك كل حاجة لما أتكلم مع أهلها وأقعد معاها الأول. مع إنك كدا بتسبني وأنا هتجن، بس ماشي يا سيدي، هسكت وهستنى عشانك، بس مطولش بقى، خلص الموضوع بدري بدري، خليني أفرح بشوفة عيالك.
تبسم برسمية. على العموم، أنا بالليل رايح أزورهم، وهاخد جواد معايا، دا لو فاضي. ولو مش فاضي، أفضيلك نفسي يا حبيبي. نظرت لهما برضا، وربتت على قدمهما تدعي لهما بقولها. ربنا يحميكم من العين، ويحفظكم لبعض، وتفضلوا دايما كدا عيال عم وإخوات. ختمت دعواتها، ونهضت من جوارهما تتركهم يتناقشون بأمر موعد المساء. ***
مر النهار، وآتى الليل. داخل دار غوايش، التي تقف بحجرة نومها تضع مساحيق المكياج عليها، بعدما ارتدت عباءة حمراء ضيقة للغاية، وتركت شعرها الأسود منسدلاً على ظهرها. وأمامها على الفراش يجلس زوجها المريض، ينظر لها بعتاب. لحد إمتى هتفضلي ماشية في السكة النجسة دي؟ التفتت له تبوح بوضوح. لحد لما تبقي راجل، ومتخلنيش أحتاج لراجل غيرك. قطب جبهته بحنق. صحيح، زي الكلاب ما بتشبعيش. لوت فمها بتهديد.
أنا فعلا وفية زي الكلاب، عشان كدا لحد دلوقتي مقولتش لست الحسن والجمال بنتك إنك إنت اللي قتلت أمها ويتيمتها. تجحظت عينيه بحزن الماضي متحدثًا. عملت كدا عشانك إنتِ، اللي غويتيني زي الشياطين. منك لله يا غوايش، منك لله. ضحكت بسخرية واقتربت منه بعدما حملت كأس ليمون ووضعته على فمه تسقيه. منا كلنا لله يا حبيبي. يالا اشرب كدا وروق لي دمي.
وضعت الكأس على الكومود بعدما انتهت من تناوله له، ولم تمر دقائق، وذهب في نوم عميق بسبب أقراص المنوم التي وضعتها له بالعصير. *** أما بحجرة نوم ريحانة، فكانت تغفو فوق فراشها بمنامة حريرية زهرية اللون، كانت تظهر تضاريس جسدها الكيرفي الصغير باحترافية، فكانت رائعة دون أي مساحيق تجميل. كانت تغفو كما أمرتها غوايش، لكي لا تخرج.
*** أما بالخارج، بعد الساعة العاشرة، دق باب المنزل، فاتجهت غوايش وفتحته، فوجدت هشام وجواد أمامها، فلمعت عينيها بمراوغة ناعمة تدعوهم بيداها للدخول. فدخلا، فقالت بترحيب. أهلا أهلا يا دي النور. جواد باشا بشحمه ولحمه عندنا. دا الواحدة لما بتشوفه جسمها بيتلبش من الخوف بسبب صوته اللي بيرج القسم ليل ونهار. ضيق عينيه بسخافة. لأ والله. آه والله. إنت مش مصدقني؟ لأ إزاي؟
ما هو واضح إنك اتلبشتي. تحبي البشك بالكلبشات عشان الرعشة تزيد. غمزة هشام بذراعه، فـتنهد بجفاء. أما "غوايش" فبدأت بالسير أمامهم بطريقة بذيئة تظهر تضاريسها. "اتفضلوا معايا على أوضة الضيوف مع إنكم أصحاب بيت." بما إننا صحاب بيت، فندخل على أوضة النوم على طول. التفتت له بتساؤل ذي بسمة. "الباشا بيقول إيه؟ تدخل "هشام" بجدية. "متاخديش في بالك، "جواد باشا" بيحب يهزر."
"طب على ما يخلص هزار، هروح أجيب لكم حاجة تبلوا بيها ريقكم عشان شكلكم عطشان أوي." بدأت بالسير بذات الطريقة. فنظر "هشام" إلى ابن عمه يعاتبه. "إيه اللي قولته دا؟ ميصحش كدا، الست تقول علينا إيه؟ لوي فمه ببسمة ساخرة. "ست مين ياعم "هشام" يابني؟ الولية دي نيتها مش سالكة، مش شايفة إزاي ماشية تترقص قدامنا؟ اسمع مني، الصنف دا بيمر عليا كتير في القسم."
"بس يا "جواد"، قفل على السيرة دي، خلينا ندخل نستناها جوه على ما تجيب المشروب." "إنت مجنون يا "هشام"؟ عاوز تتجوز واحدة اتربت على إيد رقاصة، ومش أي رقاصة، دي "غوايش"." تنهد الآخر بجدية. "البنت عجباني، والست "غوايش" ربنا يصلح حالها." "مش بقولك نيتها مش سالكة؟ قابل بقى جيبالك مكر ياعم الشيخ." نظر "هشام" إلى "غوايش" التي عادت تحمل صينية فوقها زجاجة خمر، وبجوارها ثلاث كؤوس. "مالكم واقفين كدا ليه؟ اتفضلوا جوه." هتف بجدية.
"قبل ما أتفضل جوه، فين الحمام؟ هتفت ببسمة خليعة. "عندك في الطرقة ديه."
تحرك باتجاه الطرقة، فوجد ثلاث حجرات، فدخل إلى أول حجرة وأغلق الباب خلفه. وفتح النور، فتفاجأ بنفسه يقف بحجرة صغيرة بمنتصفها تخت، تغفو عليه أنثى مثل الحوريات بمنامتها الحريرية، وشعرها الذهبي الذي يغفو بجوارها على الوسادة. فراقت لعينيه كثيراً. فضوله جعله يقترب منها، حتى جلس بجوارها على الفراش، يمرر عينيه عليها، يدرس تفاصيلها الصغيرة بإغراء. رفع يده ولمس شعرها الذي جعل يده ترتجف بشعور لم يسبق له. فابتعد عنها محاولاً التماسك أمام جمالها الآخاذ لرجل يهوى النساء مثله. وكاد يتحرك ليذهب، لكنه وجدها تمسك بيده. فحاول سحبها منها برفق، لكنه أيقظها بحركته. ففتحت عينيها التي اتسعت بخوف، وزادت ضربات قلبها بأنفاس متلهفة، وبدأ جسدها بالارتجاف.
خوفها المخيف الذي بدا عليها جعله يبتعد عنها فوراً، مسرعاً بالخروج من حجرتها، تاركاً إياها في شدة خوفها تزداد رجفتها، وانتابتها نوبة الرهاب، وفقدت وعيها في حالة إغماء. ــــــــ أما لديه، فقد أغلق الباب عليها قبل أن يرى ما حدث لها، وسند بظهره عليه يلهث أنفاسه بلهفة لم تسبقه. وزاد الأمر غرابة عليه عندما ارتفعت نبضات قلبه، تأبى المكوث معه، تود الرجوع لمن بالحجرة. فأنكر ذلك الشعور المريب بحركة رأسه يتمتم بربكة.
"مالك يا "جواد"؟ هي دي أول مرة تشوف فيها بنت؟ ما تجمد كدا، حصلك إيه؟ بتلك اللحظة العصيبة، خطر عليه حديث العرافة حينما قالت: "هتجابل إصغيره هتشعلجك بعشجها." أنكر حديثها الصاخب داخل عقله، قائلاً برفض تام. "استغفر الله العظيم، كذب المنجمون ولو صدفوا. استغفر الله العظيم." نفى جميع ما راوده، وذهب إلى الحجرة الأخرى حيث يجلس "هشام" برفقة "غوايش". وتقدم ثم جلس بجواره. فرمقه الآخر مستفهماً بسبب هيئته المشتتة. "مالك يا "جواد"؟
في حاجة ولا إيه؟ تحمحم ببعض الثبات الانفعالي، ينكر بصوت أصبح أشد رزانه. "كله تمام، متشغلش بالك بيا. المهم قول لي، فتحت الست "غوايش" في الموضوع اللي جايين عشانه، ولا لسه؟ نظرت لهم ببسمة أنوثي، أثناء تناولها من كأس الخمر. "خير، موضوع إيه؟ "من الآخر كدا يا ست "غوايش"، أنا جاي أطلب منك إيد "ريحانة"، بنت جوزك." بصقت الشراب من فمها بزعر. "تتطلب إيد مين؟ "ريحانة"؟ قطب "هشام" جبهته بتأكيد. "أيوه، مالها "ريحانة"؟
إيه أنا مش قد المقام، ولا إيه يا ست "غوايش"؟ تلخبطت بغيره تأكل قلبها. "لأ طبعاً، هو احنا نطول. بس يعني "ريحانة" عيلة صغيرة، دا غير إنها تعبانة." "تعبانة إزاي يعني؟ مالها؟ قوت بصرها بشماتة، تبوح بصوتها الحياتي. "بتتشنج. لما بتقعد معا حد أو تقابل حد متعرفهوش، بتفضل تترعش وتعرق. ولو الحالة شدت عليها بتتشنج وتتمرمغ في الأرض، يا إما يغم عليها."
تلقى "جواد" الصدمة بعين اتسعت بقلق. هز قلبه عليها. أدرك سبب أفعالها حينما استيقظت على رؤيته. تبدلت ملامحه للتشتت جديد. كان يود أن ينهض ليطمئن عليها. لكنه حاول الاسترخاء وتجاهل تلك المشاعر الألاهية التي نبتت بقلبه الجشع. أما الآخر، فقاله بتمسك غير مهتم لما قيل. "معنديش مشكلة، أنا موافق أتجوزها." أكلتها الغيرة من جديد، وشعرت بقلبها يعتصر من الضيق. فتمسكه بالآخر زاده من حدة كراهيتها لها، وهتفت بعد دقيقة برسمية.
"بس ممكن هي متوافقش." تبسم بتساؤل يصحبه التعجب. "ليه متوافقش؟ ياترى عندك تفسير؟ "لأ معنديش، أنا بقولك ممكن." "بصي يا ست "غوايش"، أنا معجب ببنت جوزك، وهتجوزها على سنة الله ورسوله، وانتوا هتوافقوا، يا إما مفيش قعاد ليكم في البلد دي تاني. متنسيش إنكم قاعدين على أرضي، وبكل سهولة أقدر أمشيكم من البيت." تجحظت عينيها بزمجرة. "هو الجواز بالعافية يا "هشام" بيه؟
"لأ مش بالعافية، بالرضا. بس واضح إنك مش موافقة. بس أنا متعودتش إني مخدش حاجة عيني منها، و"ريحانة" عجبتني، وعاوزها في الحلال. ومظنش إن الحلال يزعل حد." تهديده الصريح من نشلها من بيتها ودمار حياتها، جعل الخيار بالنسبة لها معدوم، مما جعلها تكتم غيرتها داخلها، وتبدلت ملامحها القاسية إلى بسمة تزين وجهها. "لأ طبعاً ميزعلش حد. ماشي يا "هشام" بيه، احنا موافقين، وهنستنا حضراتكم تشرفونا عشان تطلبها رسمي." تنهد بجدية.
"أنا جات وفعلاً طلبتها رسمي، والفرح هيبقى يوم الخميس الجاي." "فرح إيه اللي الخميس الجاي؟ النهارده الحد." "وإيه يعني؟ أنا مش عاوز منكم حاجة. "ريحانة" هتنور بيتي من غير حتى شنطة هدومها، أنا هجيب لها كل اللي هي عايزاه." لوت فمها بحنق. "ما تئانسنا يا "جواد" بيه في الكلام اللي بيقوله ابن عمك." اختنق صدره بتلك الأقاويل التي تحاك من حوله، حول من سكنت عقله. وقال بجمود. "حاجة ماتخصنيش، مش أنا اللي هتجوز." نهض "هشام" قائلاً.
"بكرة المغرب هبعتلكم العربية بتاعتي عشان تجيبكم البيت الكبير. عندنا بكرة مناسبة هتضم أهل البلد وكل العائلة، وبما إنكم بقيتوا نسيبنه، فاللازم تحضروه." هتفت ببرود. "إن شاء الله." نهض "جواد" يبوح برسمية. "يالا خلينا نمشي." "هشام" ببسمة. "سلام يا ست "غوايش"." لم تجب عليهم، أما هما فذهبوا وركبوا السيارة الخاصة "بجواد"، تاركين "غوايش" تشتعل من الغيرة. ــــــــ
أما بمنزل السوالمي، داخل حجرة نوم "خليل"، كان يقف كالعادة ويتشاجر مع زوجته "ثريا". "أنا مش قادر أفهم أنتِ عايزة إيه. نفسي أفهم أنتِ مبتزهقيش من كتر الخناق والطلبات؟ زمجرت بعدم رضا. "والله يا حضرة المحامي المحترم، أنا مبطلبش حاجة خارج حقوقي. أنتِ جوزي وواجب عليك تجبلي كل حاجة عايزاها." فرك لحيته بحنق. "أنا بجيب لك اللي بقدر عليه، مدام في مقدرتي. إنما ساعتك بتطلبي حاجات تفوق مقدرتي."
"مش مشكلتي يا "خليل"، مقدرتك والكلام دا ميخصنيش." حرك رأسه يميناً بيأس. "أنتِ عمرك ما هتتغيري، هتفضلي طماعة كدا. "ثريا" هانم معندهاش مشكلة إني أسرق، مدام هنفذ لها كل طلباتها. إنما بقى الموضوع حلال أو حرام ملهاش علاقة." جلست على مقعد مرآتها، تهندم خصلاتها السوداء باللامبالاة. "مقولتلكش اسرق. إنت محامي شاطر. بس عيبك بترفض القضايا اللي كلها فلوس." تجحظت عينيه بحنق.
"قصدك القضايا اللي كلها رشوة وأساليب زبالة خارجة عن القانون. زي مثلاً، إنجى مجرم من حبل المشنقة، وأوصل بداله بريء يتشنق ظلم، مقابل الفلوس؟ يا شيخة، يلعن أبو الفلوس اللي تموت ضميرنا وتخلينا حيوانات." حذفت الممشطة من يدها بزمجرة. "إهو دا اللي بأخده منك، الضمير. تقدر تقولي الضمير دا عملنا إيه لما جه علينا وقت مكنش معانا فيه جنيه؟ تنهدا ببعض الهدوء.
"والحمدلله ربنا صلح الحال، والرزق الحلال معيشنه في أحسن عيشة. وبقى عندنا شقة ملك وعربية. دا غير الدادة اللي ساعتك جبتيها عشان تراعي آدم في غيابنا. المفروض بقى إننا نحمد ربنا على النعم اللي بقينا فيها، مش نسعى لطريق الشيطان؟ فزعت من فوق مقعدها معترضة. ""خليل"! كل الكلام اللي قولته ماليش علاق بـه. أنتَ كزوج مطلوب منك تجبلي كل طلباتي، دي مسئوليتك."
تسرق، بقي متسرقش، تمشي في طريق الشيطان أو ما تمشيش، دي كلها حاجات متخصنيش نهائي. تبسم بجفأ. "طبعًا، أنت كل اللي يهمك الفلوس والبس والفشخرة الكدابة. أقولك على حاجة يا ثريا؟ أنا هسيبلك الأوضة كلها وهروح أنام في أوضة آدم، يمكن لما تنامي لوحدك تفكري بضمير شوية." غادر الحجرة ليغفوا بجوار صغيره، يتركها تتشاجر مع محتويات الحجرة، بعدم حمد لتلك العيشة التي يحلم غيرها بها. ـــــــــ
أما بمنزل الهلالي، بعدما عاد الشباب من الخارج، وجلس هشام مع والدته يخبرها بأمر زواجه من ريحانة. نفرت الأم برفض. "إنت بتقول إيه بقي يا هشام؟ ابن الحسب والنسب يتجوز بت اتربت على إيد غوايش الغازية اللي سيرتها على كل لسان؟ "أنا مالي ومال الزفتة غوايش، أنا هتجوز البت مش غوايش، وبقولك إيه يا أمي؟
أنا هتجوزها يعني هتجوزها، إنتِ عارفاني كويس مبرجعش في كلمتي. وخلي في معلومك إنهم هيحضروا الليلة اللي هنعملها بكرة بمناسبة نجاح فارس." فض الحديث معها وذهب دون أن ينتظر حتى إجابتها، مما جعلها تتمتم بكراهية قد زرعت بقلبها. "ماشي يا تربيت الغازية، أنا هوريكي شغلك." توعدت لها بداخلها، تنوي أن تلقنها درساً لن تنساه. ـــــــ
أما باليوم التالي بالصباح، الساعة الحادية عشر صباحًا. داخل قسم الشرطة بمكتب جواد، كان يجلس على مقعده يتحدث مع العسكري مرعى، الذي يقول له: "زي ما بقول لساعتك، خناقة شديدة بين عائلة غفران وبسيوني." أشاح بيده بلامبالاة. "خليهم يموتوا بعض، العائلتين أعفن من بعض." "قول غيره." "في متهم بره بسرقة جاموسة الحاج سعيد." نفر بزمجرة. "يلعن الجاموسة على الحاج سعيد، هو الراجل دا عايش ليه عشان يتسرق؟
مش لسه من كام يوم جايبله الواد اللي سرق العجلة بتاعته. خلص يا مرعى، قول غيره." "في حادثة عربية، واد من العيال ولاد الكبارات خبط عيل غلبان من نواحي البلد، ومسكناه بره، تحب أدخلهولك؟ خبط الطاولة بقبضته بضيق. "بالله لو مخرجتش من وشي دلوقتي، هقوم أعدي عليك بعربيتي عشان أخلص من غبائك." تلبك بقلق. "حقك عليا يا باشا، دقيقة والواد يبقى قدامك."
ذهب مرعى، فخرج جواد سيجارة من علبته وأشعلها بين شفتيه، يستنشق دخانها بصدره. فأتى إليه مرعى ومعه شاب بمنتصف العشرينات، يعافر بخشونة صوتية. "إبعد إيدك عني، إنت متعرفش أنا مين." "شيل إيدك من على الناموس يا مرعى، خلينا نشوف أبوه مين، رئيس الوزراء ولا حد من السفراء." هتف بخشونة، فقال له الشاب معترضًا. "أنا إسلام ابن الريس همام، أكبر مقاول في بر الصعيد، ولو أبويا عرف إنكم قابضين عليا مش هيسكت." زم فمه بخشونة صوتية.
"ويسكت ليه؟ خليه ييجي يسمعنا صوته. بقولك إيه يالا، إنت خبط عيل على الطريق وهتتحاسب غصبن عن عين أبوك." زمجر إسلام برفض. "أتحبس إيه؟ مش هيحصل." ضرب الطاولة بقبضته بحنق. "هو أنا باخد رأيك يا روح أمك؟ دا أمر. خدوه يا مرعى على الحبس، متخلنيش أقوم أصبح على وشك يالا، وتبقي توريني أبوك هيخرجك إزاي. بالله ما هتخرج من هنا غير بمزاجي عشان تبقي تتحامى في أبوك تاني يا ننوس، غوروه من هنا يا مرعى."
أخذ مرعى الفتى للحبس، أما هو فنهض يطفئ السيجارة بحذائه، وأخذ سترته الجلد السوداء وارتداها. ثم أخذ السلاح ووضعه خلف ظهره ببنطاله الأسود، وبدأ بالسير حتى خرج من مكتبه، يذهب للخارج، فقابله صديق طفولته خليل، الذي صافحه ببسمته كالمعتاد. "أهلاً يا جواد باشا، سامع صوت زعيقك من وأنا بركن العربية." هتف بجدية. "أعمل إيه؟ شغال مع بهايم، دا غير العيال اللي شايفه نفسها عشان معاهم قرشين." عاتبه بفظاظة.
"قولتلك ابقى محامي زيي، بس أقول إيه، إنت اللي صممت تدخل الشرطة، عامل فيها كونان." "ماشي يا عم الفاهم، أنا همشي دلوقتي عشان عندي مأمورية هخلصها وراجع." "سلام يا صاحبي." تدلى جواد من فوق الدرج وركب سيارته وغادر المكان. أما خليل فدلف ينتظر قدوم متهمه من المحكمة. ــــــــــــ
أما بمنزل ريحانة، فقد استيقظت من الصباح الباكر تشعر بألم في رأسها، تتذكر ذلك المشهد الذي جمعها مساءً مع جواد، لكنها ظنت إنه كابوس راودها بوقت نومها. نهضت وتوضأت ثم صلت الصبح، وبعد ذلك بدأت بمهامها اليومية: التنظيف والغسيل والطهي. وبعد الانتهاء، دعتها غوايش للمجيء إلى حجرة نوم أبيها. فلبت ريحانة الطلب واتجهت إلى الحجرة، فوجدت غوايش تجلس على الفراش بجوار أبيها. نظرت لهما بهدوء كالمعتاد وهتفت. "نعم يا مرات أبويا."
لوت فمها بفظاظة. "نعم الله عليكِ يا ست الحسن، ياللي مدوبة الرجالة في هواكِ." ضيقت عينيها بقلق. "إيه الكلام اللي بتقوليه دا يا مرات أبويا؟ اهتزت ببسمة غليظة. "اللي سمعتيه يا حبيبة مرات أبوكِ، مبروك إنتِ اتخطبتِ وفرحك يوم الخميس الجاي." اتسعت مقلتيها بصدمة هزت كيانها. "جواز إيه؟ ومين قالك إني عايزة أتجوز؟
"إحنا مبناخدش رأيك يا ست ريحانة، إحنا بنعرفك اللي هيحصل، وخلي في علمك لو فكرتي إنك تقولي لأ، هنطرد من البلد كلها ومش هنلاقي حتى تتاوينا. ولا إيه يا أبو العروسة؟ التفتت إلى والدها تستعطفه بعينيها التي تتأرجح بخوف. لكنه أخفض وجهه بإنكسار، مرددًا. "مبروك يا ريحانة، فرحك يوم الخميس الجاي." فرت الدموع تكسو وجنتيها بظلماً أظلم للياليها القادمة، فاتسعت عين الأخرى بالكراهية اللامعة بالمكر.
"جهزي نفسك، العريس عازمنا النهارده على مناسبة في بيته، عايزكِ تخلصي كل طلبات البيت قبل المغرب، فاهمة ولا لأ؟ "حاضر يا مرات أبويا، فاهمة." هتفت بذات الهدوء المنكسر بقهراً يغزو القلب، ثم خرجت وتركت غوايش تجلس بجوار والدها، فهو لا يستطيع أن يعارض قرارها خوفاً من أن يكشف سره أمام صغيرته. ــــــــ
أما بشقة نهى، بعد ساعة، بحجرة نومها، وبالأخص على الفراش، كانت تجلس بجوار جواد الذي أتى إليها. فكانت تداعب لحيته بأنثوية، تسأله. "مالك يا جواد؟ من ساعة ما جيت وأنت قاعد ساكت وبتشرب في سجاير. هو أنا مش عاجباك ولا إيه؟
التفت يتفحصها ببصره، فكانت مغرية كثيراً له، فاستدار للجهة الأخرى وأطفأ السيجارة بزجاجة الإطفاء، ثم عاود النظر إلى نهى ورفع يده يحتوي وجنتها بدفء، وبدأ يقترب من فمها وأغلق عينيه بتناغم ليتناولها، لكن هيئة ريحانة اخترقت عقله بطلتها التي سرقت قلبه مساءً، مما جعله يفتح جفونه بغرابة، بسبب جسده الذي يرفض الاقتراب من غيرها، مما جعل نهى تشعر بالضيق وفزعت من جواره تتشاجر بغيره. "لأ أفهم بقى مالك؟
من ساعة ما جيت كل ما تقرب مني تبعد." نهض من فوق الفراش وأمسك بالتيشيرت الأبيض خصته يرتديه أثناء حديثه الجاف. "عقلي مشغول بشوية حاجات." "ما إنت دايماً بتبقى مشغول، بس عادي يعني ما بيأثرش على اللي بيحصل بينا. إشمعنى بقي النهارده؟ جذب سترته من فوق المقعد متحدثاً بخشونة. "جرى إيه يابت إنتِ؟ هتحققي معايا؟ قولتلك مشغول خلاص، خلصنا." قطمت على شفاها بإنزعاج. "ياترى هتيجي إمتى تاني؟ ولا ناوي ماتجيش؟
رمقها بحنق وغادر الشقة على الفور، فجلست على فراشها بغيره تحوم حولها. أما هو، فبعد صعوده للسيارة، بدأ يتذكر ريحانة من جديد، وكأنها سكنت عقله وترفض الابتعاد عنه، ففرك لحيته المنبتة بشعيرات صغيرة، يفركها بضيق، طبق صدره وجعله لا يفهم كيانه، وقال بزمجرة. "إيه اللي بيحصلك يا جواد؟ إنت اتجننت؟ بتفكر بخطيبة هشام؟ فوق دي هتبقى مراته، يعني متحرّمة عليك. افهم كدا، ريحانة لأ، مينفعش."
ظل يعاتب ذاته بتلك الكلمات التي تجعل العقل يستيقظ قليلاً. ـــــــــ مر النهار وآتى المساء بمنزل غوايش، التي أعدت حالها للذهاب للمناسبة، وارتدت ثوباً حريرياً أسود يظهرها بكامل أنوثتها. وقفت بساحة الشقة، تهتف بصوت متحشرج بالحدة. "مات يللا يا ريحانة، كل دا بتهببي. إيه؟ طبعاً تلاقيها بتلخبطي خلقتك بالمكياج." "لأ أنا مبحطش الحاجات دي، أنا خلاص جهزت يا مرات أبويا."
اتسعت عينيها بغيره احتوت كيانها، كادت تقتلها بنظراتها الموجه بأسهم كارهة، وهي تراها أشد جمالاً بذلك الثوب الحريري الأحمر، وببساطة جمالها الآخاذ دون أي تدخل تجميلي. "إيه القرف اللي عملتيه في نفسك دا؟ غوري يا مقصوفة الرقبة، غيري الزفت دا، والبسي حاجة محترمة، وامسحي القرف اللي مغطية بيه وشك." ارتجفت بقلق، تنكر ما توجهه لها. "بس أنا مش حاطة أي مكياج، والفستان واسع." جذبتها بقوة من كتفها، فشقّت الفستان بغيرتها.
تبوح بإبتغاض. "إنت هتردي عليا يا قليلة الأدب؟ يالا غوري على جوه، غيري القرف اللي لبساه واغسلي وشك. عقابًا ليكي همشي وأسيبك وتيجي لوحدك." رفضت برجفة برأسها. "لأ، أنا مش هعرف أمشي لوحدي." "ده أمر يا ريحانة هانم، تلبسي وتروحي لوحدك وألف مين يدلك. اسألي على بيت هشام الهلالي خطيبك والناس هتوصفلك. وبقولك إيه، عالله أبوكي سيبيه نايم مرتاح، فاهمة ولا مش فاهمة؟
أمرتها بحدة، جعلت الأخرى تذرف دموع الخوف من مقلتيها البريئتين، خوفاً من مواجهة العالم الخارجي بمفردها. "حاضر يا مرات أبويا." لوت فمها بفظاظة وخرجت من البيت، تتمتم بسرها. "وريني بقى هتوصل البيت إزاي يا خسارتك في الموت يا بنت أفنان."
ركبت السيارة التي أرسلها هشام. أما ريحانة، فاتجهت وبدلت ثوبها وارتدت ثوب سماوي اللون كان لوالدتها، فبدت به أشد جمالاً ورُقياً، ومشطت شعرها الذهبي على ظهرها ليُزيدها أنوثة. وبعد دقائق معدودة خرجت من حجرتها وفتحت باب المنزل وخطت أول خطوة للخارج، فشعرت بخلاياها ترتجف من شدة الهواء العليل والشعور بالخوف، فهي لم تغادر المنزل منذ أن كانت صغيرة لا تفقه شيئاً. لم تكن تملك سبيلاً غير تنفيذ أوامر غوايش. وبالفعل التفتت وأغلقت الباب، ونزلت من على الدرج حتى وقفت على الرمال بحذائها الأبيض وبدأت بالسير من وسط الزرع بقلب يرتجف مثل جسدها المرتعب. وعيناها لم تكف عن التأرجح يميناً ويساراً تتفحص المكان من حولها بقلق من أن يظهر لها أحد.
وكادت تخرج من بين أشجار الليمون، لكنها رأت بعض الرجال الملثمين ينزلون من سيارة، يتحدث إليهم كبيرهم بأمر. "البيت ورا شجر الليمون، هنلاقي البت جوه نخلص عليها ونمشي من غير ما حد يحس بينا." "أوامرك يا ريس."
هتف رجاله، فرتجف جسدها برعب، فلا يوجد منزل غير منزلها خلف شجر الليمون، مما جعلها تتأكد أنها المقصودة، فبدأت بالتعرق والإرتباك وزادت ضربات قلبها ورجفت جسدها، فكانت النوبة بأولها. فأسرعت بالرجوع إلى الوراء بدموع تسقي الأشجار، ظلت تبتعد بحذر حتى خانتها قدمها، ووقعت على ظهرها وسط الأشجار، فسندت على يديها وبدأت بالسحف للوراء حتى استقرت بالاختباء خلف شجرة كبيرة فروعها تكسو محيطها. رفعت يدها تكمم فمها من خوف أن يصلهم صوت بكائها، ولم تمر سوى الثواني ورأت من يقف أمامها، فاتسعت عينيها برهبة أرهقت قلبها من قسوة ما تراه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!