الفصل 29 | من 30 فصل

رواية حواء بين سلاسل القدر الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم لادو غنيم

المشاهدات
27
كلمة
9,668
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

تركها تنفر بغيره وذهب. فدلت للداخل، فقابلت "بهيه" التي أمسكتها من ساعدها تتساءل: "مالك يا ريحانه؟ شكلك مضايق ليه؟ رتبت معالمها بهدوء ثم قالت: "مفيش حاجة يا عمتوا." نظرت داخل عينيها بابتسامة اطمئنان: "متخبيش عليا، أنا زي مامتك. احكيلي إيه اللي مضايقك؟ ولو حد مضايقك هجبلك حقك منه." ربتت على قلبها المتعطش لعطف الأمومة و زارت البسمة شفاها بحنين:

"ربنا يخليكي ليا. كل الحكاية أن جواد عايز يجيب رقصات في الفرح وأنا مش عايزاه يجيبهم." "بس كده؟ "والا تحطي في بالك أنا هتكلم معاه واعتبري مفيش رقصات." "بجد هتكلميه؟ طب هو هيسمع كلامك؟ "جواد محترم ومش ظنه إنه هيرفضلي طلبي. المهم أنتِ روّقي كده ويلا هنروح أنا وأنتِ ونسمه نشتري فستان الفرح والحنة." أومأت بسعادة خاطفة لكيان تلك العمة التي ربتت على وجنتها بقول دافئ:

"ربنا يجعل أيامك سعيدة وشك دي ويحفظك من نفسك ومن نفوس الناس يا بنتي." *** تقف "غنوه" أمام "معالي" بغرفة النوم. "إيه اللي جابك يا غنوه؟ جولت هالك جبل سابج، ملكيش مكان بينا." "ده بيتي يا طنط، وإلا هشام مقالكش إني أم ابنه أمان؟

"أمان يا بلدي أمان. بجولك إيه يابت الغنيمي، أنا مش دجه عصافير وخابره زين إنك جايه هنا عشان توجعي بينه وبين ولد عمُه. بس يمين بالله لو فكرتي تبخي سمك زي الحيه في جلب ولدي ناحية جواد، هلدعك كف العجربة وأنا لدعتي والجبر." "ملوش لازمة تهديدك عشان أنا مبتهددش. وبعدين هو ابنك صغير عشان أوقع بينه هو وابن عمه؟

"صغير كبير ملكيش صالح بيه. وهي كلمة ورد غطاها، عايزة تعيشي بينا مسمعش لسانك بينطق بحرف واحد عن جواد. تعيشي بأدبك، إنما تعملي غير كده ورحمة جوزي في جبره هوريكِ جلبة الصعيدية بتبجي كاف. اللهم بلغت اللهم فشهد." "انتِ ليه شاكة إني جاية أعمل مشاكل بينهم؟ "عشان اللي زيك مبيجيش من وراها غير الشر. يكون في معلومك الشر اللي جايه وناوية بيه على خراب هجلبو عليكِ يوم متواكد من كلال."

ألقت بالتحذيرات في وجهها الذي تلون بصفار القلق من تلك المرأة التي تحولت إلى درع ناري سيحرق كل من ينوي دمار عائلته. *** يجلس "جواد" مقابل "هشام" يستمع إلى حديث العمده. "زي ما بجولك يا ولدي، هشام ولد عمك جه وقصدني عشان أحكم بينكم." "تحكم بينا بخصوص إيه؟ "بخصوص الأراضي والأطيان اللي بيناتكم. أنتَ خابر أملكُم وأراضيكُم اللي بيراعيها هشام، هو اللي كبر الملك والفلوس."

"من غير لف ودوران، ادخل في الموضوع على طول، مع إني بجيت خابر ولد عمي بيلمح لإيه." "بحب فيك نباهتك يا جواد. طبعاً أنتَ هتقولي اللي ربه خير ماللي اشتري؟ "من الآخر أكده، هشام بيقول إنك ملكش حق في أملكُه ولا فلوسهُ. مليكش عندي غير نص الأرض بتاعة أبوك ونص الدوار الكبير وزريبة البهايم الجبلية." "نص أرض ونص الدوار والزريبة؟ وجاي على نفسك كده ليه؟ مبلها ورث من أساس! "ياريت، بس مبعرفش آكل حق حد."

"يسلام. تصدق بالله مشوفتش في ضميرك. عايز ياخدله وشين نظافة يمكن ينضف من الوساخة اللي عششت عليه. من الآخر كده الكلام ده ميكولش معايا. أنا ليا حق في كل مليم معاك، وبصراحة كده متعودتش إني أسيب حقي ولو على رقبتي. وبعدين ده مش حقي لوحدي، ده كمان حق أخويا فارس." "مليم إيه؟ هو أنتَ كنت شقيت ولا اشتغلت عشان يبقالك حاجة؟

الأراضي والمكتب أنا اللي بديرهم من وأنا عندي عشرين سنة. أنا اللي كبرت الورث وزودت الأراضي، حتى المكتب عملته بشقايا وسهر الليالي، وأنتَ وأخوك كنتوا بتاخدوا فلوس على الجاهز." "جاهز مين يا أبو جاهز؟ شغل المسكنة والتضحية ده تعملوه على واحد غيري. أومال لو مكنتش شاهد على كل حاجة؟

أنا إيدي كانت في إيدك في كل حاجة لحد لما دخلت كلية الشرطة وسبتك تتصرف وتشرف على كل حاجة لأن ده كان طلبك وشغلتك كمان. بس مش معنى كده إنك تقول لي ملكش حق. لأ، أنا ليا حق وأخويا ليه حق وحقنا مبنسبوش. والا نسيت أصولنا يا ابن العم؟ "لأ، منستش. بس كمان مليكوش حاجة عندي غير ملك أبوكم اللي سابوه، زريبة ونص الدار والأرض. أما الباقي ده شقايا أنا اللي تعبت وعملتوه، ومعنديش كلام تاني أقوله."

"أنا بقي عندي أفعال مش كلام. اللي يحضر العفريت وميعرفش يصرفه ميرجعش يزعل عشان العفريت هيقرفه. سلام." "استنى بس يا ولدي خلينا نتفاهم. ميصحش كده." "اللي ميصحش إن ولد عمي ياكل حقي أنا وأخويا. بس هشام نسي إن عمه خلف رجالة مبتسبش حقها. ترك المكان لهما ذاهباً ليفرغ غضبه بقيادته المسرعة." "جولتلك بلاش كده يا ولدي. ده أنتو مهما كان ولاد العم، الدم عمره ما يبجي ميه." "الدم بجى ميه، ومافيش غيره بيجري في عروقنا. سلام يا عمده."

*** عاد "جواد" للبيت وصعد الدرج قاصد غرفة نوم "نهى" وطرق الباب عليها فسمع صوتها يسمح لمن بالخارج بالدخول. فدخل إليها، فوقفت بترحيب: "جواد، تعالى واقف عندك كده ليه؟ نورت الأوضة." دلف للداخل بينما ترك الباب مفتوحًا. فضيقت عيناها باستفهام: "ما تقفل الباب، سايبه مفتوح ليه؟ جلس على الأريكة بتنهيدة رسمية: "سبيه مفتوح، متنسيش إنك مبقتيش على ذمتي." جلست على حافة الفراش أمامه تناظره باستغراب:

"اتغيرت أوي يا جواد، حاسة إني قاعدة قدام واحد معرفهوش." "مفيش حد بيفضل على حاله يا نهى. المهم أنا جالك عشان عايزك في موضوع مهم." "موضوع إيه؟ "كنت بفكر إنك تروحي اليومين دول تقعدي في شقتك." "عارفة عشان فرحك على ريحانه. بس عادي يعني، هنا ولا هناك مفتكرش إن الوجع هيقل يا جواد." لمس حزنها فحاول التخفيف بقول:

"بلاش تشيليني ذنبك. أنتِ عارفة كويس من يوم ما تقابلنا إننا مش هنكمل سوا. وياما قولتلك نسيب بعض بس أنتِ اللي كنتِ بترفضي وتقوليلي خلينا سوا لحد لما تحب وبعدين هخرج من حياتك، مش ده كان كلامك؟ "أنتَ حبيتها جواد؟ جاوبني؟ هرب بعينيه بعيداً عنها يفر من تلك الإجابة التي يسجنها بين قضبان قلبه:

"حبتها أو محبتهاش، الموضوع ميخصكيش يا نهى. أنا كنت بفكرك بكلامك. وبعدين مش معنى إني بقولك تمشي أبقى بتخلي عنك. كل الحكاية إني بحاول أراعي إحساسك. والأهم من كل ده إني عايزك تبدئي حياة جديدة تعيشي بجد. تتجوزي ويبقالك أسرة وزوج يتقي ربنا فيكِ، وعيال تربيهم على الصح والأخلاق. تبدئي صفحة جديدة؟ "صفحة جديدة وأسرة وزوج وعيال؟

مش بقولك بكلم واحد معرفوش. ده أنتَ مش بس حبيتها، أنتَ دايب فيها دوب يا حضرة الظابط. بدليل إنها غيرتك لواحدة معرفش عنها حاجة. بس على العموم أنتَ معاك حق، أنا لازم أبدأ من جديد. وكمان لازم أسيب البيت من بكرة. كتر خيرك إنك خايف على أحاسيسي." وقف باسترخاء بعدما شعر بثقل تلاشى من عليه ثم قال: "تمام. هخلي مرعي الصبح يوصلك للشقة ويجبلك كل اللي محتاجاه. تصبحي على خير." غادر الغرفة، فرتجفت بابتسامة أسقطت دموعها بحزن:

"على خير! وهيجي منين الخير؟ قال صفحة جديدة ماشي، هفتحها بس معاك أنتَ. حقي أنا وابنك ولازم ترجعلي مهما كان الثمن. أما ريحانه، فو حياتك عندي ما هخليها تتهنى بيك، هتشوف أنا ولا هي في حياتك." *** تمكث على فراشها تمسك بين يديها رواية ألف ليلة وليلة، منغمسة بقراءتها. "مين؟ سمعت صوته الجش بدفء: "جواد." كادت تقفز من فوق فراشها، لكنها تذكرت أقوله لها في الصباح، فتصنعت الجفاء. ثم وضعت الحجاب على شعرها وأذنت له: "اتفضل."

فتح الباب ودخل، ثم وارب الباب قليلاً عليهما. وتدلى حتى وقفا أمامها بتساؤل: "صاحية ليه لحد دلوقتي؟ "مش جايلى نوم." تحمحم وجلس أمامها آخر التخت تاركًا مسافة كافية بينهما. ثم أعطاها علبة قطيفة زيتية قائلاً: "افتحيها." تناولتها منه وفتحتها، ففوجئت بشبكة شديدة الفخامة والثمن. فتسعت مقلتاها بتساؤل له، فرد عليها قبل السؤال: "شبكتك يا ريحانه. المفروض كنتِ تنقيها بنفسك بس مفيش وقت. بس لو مش عاجباكِ عادي أغيرها."

لمعت شفتيها ببريق الاستحسان، فتدللت العبارات من شفتاها بمذاق العشق: "حلوة أوي بجد، تسلم أيدك. بس دي باين عليها غالية أوي." "الغالى للغالى." ضيقت محيط عينيها بتساؤل احتوى الخجل: "قصدك إني غالية؟ "يسلام. ده على أساس إنك مش عارفة." "عارفة إيه؟ أدرك مكرها، فوقف قائلاً بذات المكر: "مش عارف. لما أعرف هبقى أقولك." "ماشي. إيه اللي بتقريه ده؟ "حكاية ألف ليلة وليلة. شهريار وشهرزاد." "سيبك من الحكايات دي عشان هتبوظلك مخك."

"شهريار ده غريب أوي. بعد ما قتل نص بنات القرية، جاله واحدة نستُه الدنيا باللي فيها بشوية حواديت. مش شايف الموضوع غريب؟ تفتكر شهريار مقتلهاش عشان بس بتقوله حواديت ولا عشان حاجة تانية؟ "أهو ده اللي بناخده من الروايات. اقفلي الكتاب ونامي. الساعة داخلة على اتناشر. عندنا بكرة يوم طويل." تجاهل سؤالها وذهب بعدما أغلق عليها الباب، وتركها تتمعن النظر بحب لتلك الشبكة الذي جلبها بعشق. ***

صباح اليوم التالي، في تمام العاشرة صباحًا، قد وصلا "سليم" و"زهرة" الصعيد ويقفان داخل بيت "رضوان" يتبادلون السلامات مع أهل الدار. وعند الانتهاء من المصافحة، جلسوا جميعًا على طاولة الفطور يتناولون الفطير المشلتت والعسل الأبيض والقشطة والجبن. "نورت بيت عمك يا سليم. أنا مشوفتكش من وأنت عندك خمسة عشر سنة، ماشاء الله كبرت وبقيت زي القمر ووسيم بجد، طالع شبه أبوك. وزهرة ماشاء الله عليها قمراية."

"ده من ذوق حضرتك يا طنط بهيه." "لأ، طنط إيه، قوليلي يا عمتوا. أنتِ في مقام مرات ابن أخويا." "حاضر يا عمتوا." "لأول مرة من سنين أحس بالدفء ده. فعلاً مفيش أحلى من لمة العائلة. بس هو فين هشام وطنط معالي؟ "بس مقولتليش أنتَ معيد في كلية إيه؟ "هندسة." "وأنتِ يا زهرة، بتدرسي ولا خلصتي؟ "لأ، لسه بدرس في كلية حقوق في سنة تالتة. ادعيلي أخلص وأشتغل بقى." "إن شاء الله يا حبيبتي تخلصي على خير."

"بقولك صح يا جواد، أومال فين عمك فوزي؟ "صحيت ملقتهوش. سافر بالليل، قالي عنده شغل مهم مضطر يسافر عشانُه. وهييجي بالليل، ولو ملحقش هييجي بكرة." "على خير إن شاء الله. إحنا ناكل ونقوم نعجن الحنة ونحضر لبسنا والفاكهة اللي هنقدمها للضيوف والمشاريب."

"متتعبيش نفسك يا عمتي. في دبايح وطباخ عشان ناكل أهل البلد كلهُم. الناس شغالين من سبعة الصبح. والفاكهة هتدخلكم متغلفة وجاهزة للتفريق وهيبقي في بنات من البلد بتقدم الحاجة للحريم." بتلك اللحظة امتلأ البيت بالزغاريد. فنظروا جميعًا فتفاجئوا بـ"معالي" وبرفقتها الكثير من الفتيات والطبلة. فنهضوا جميعًا، فاقتربت منهم بفرحة تملأ عيناها. "إيه يا معالي؟ خضتينا."

"طول عمرك بتتفزغي ع الفاضي. دول حبايبنا جاين يباركولنا ويساعدونا في تخديم على الحريم. ويهيصولنا. ده النهارده حنة الغالي، ابن الغالية." "تعيشي يا مرات عمي." "يعيش عمرك وشبابك يا حبيبي. يلا بقى اخرج شوف وراك إيه وسيبنا الدار عشان نحضر للحنة." "يلا معايا. ورانا حاجات كتير نعملها. بس لو سليم تعبان من السفر ممكن ترتاحلك ساعتين وتنزل." "أنام إيه؟ في يوم زي ده. يلا بينا طبعاً." "سليم ابن منصور؟ "أيوه أنا."

"يسلم حياتك يا ولدي. إيه اللي جابك؟ "هو وجودي مش مرغوب فيه ولا إيه؟ "مقصدش، أنا قصدي إيه اللي جابك النهارده؟ قصدي يعني مين دعاك؟ "أنا دعيتُه. يلا بقى هنسيبكم ونشوف اللي ورانا. يلا بينا يا شباب." ذهبوا جميعًا، فلحقتهُم عيونها الخائفة التي امتزجت بدموع تتمتم بداخلها: "ربنا يسترها على شبابك يا ولدي." ***

بعد مرور يوم شاق طويل، دقت الساعة السادسة مساءً. كانت حديقة الدوار التي تم إعدادها لتصبح مثل القاعات، مليئة بالأنوار الملونة والطبل البلدي ورقص الخيول على المزمار، وأهالي البلد من الأعيان والفقراء. البعض يصفق والبعض يتناول الفاكهة والبعض داخل صوان جانبي يتناولون الطعام، والبعض الآخر يرقص بالعصا. بينما يقف "جواد" برفقة أخيه و"سليم" يستقبلون المعازيم. فكان "جواد" مرتديًا جلبابًا أسود صعيدي وحذاء بني، وعلى منكبه تلفيعة بنفس اللون البني، فكان شديد الفخامة التي زادت من وسامته.

أما بالداخل لدى الحريم، بساحة الدوار من الداخل، ترقص الفتيات بين الزغاريد والتصقيف. وبالمنتصف ترقص "ريحانه" بثوب أسود وبرقع صعيدي حدد جمال عينيها التي يحاوطها الكحل الأسود الداكن، وعلى ذقنها دق صعيدي قديم وتضع على رأسها غطاء أسود ناعم بدوائر فضية. فكانت إطلالتها صعيدية بحتة. وبجوارها تتراقص "نسمه" وزهرة برفقتها يقسمانها الفرح بقلب محب، بينما تهتم "معالي" وبهيه بالضيوف. كانت الأجواء شديدة البهجة على قلوب الجميع.

حتى دخلت إحدى الفتيات وقالت بحماس: "الحقوا يا ست معالي، سي جواد بيرقص الخيال."

أسرعت "معالي" بالذهاب للخارج، فلحقت بها "ريحانه" ونسمه وزهرة وبعض الفتيات، ووقفوا بالمندرة يشاهدون من بعيد ما يحدث. فلمعت عين عاشقة للحبيب على ظهر الخيل الأبيض، يمسك بعصاه يلوحها برقص في الهواء باحترافية، غير آبه من حركة ذلك الفرس الراقص أسفله. على أغنية "الصعيدي دايما ريس" وحوله الألعاب النارية تتراقص في الهواء، كانت نبضات قلبها تتراقص مع رقصة الذي أثر كيانها. فلم تتوقع أن تراه بتلك الفرحة. فبدأت تصفق له مع الفتيات بحب متضاعف.

حتى انتهى من الرقص وقفز من فوق الفرس بشموخ يلقي التحية بيديه على جميع الحاضرين. فدخلت "معالي" برفقتهم للداخل ليكملوا ليلتهم. وبعد ساعة تقريبًا، وصلت الحجة "نعمات". فاستقبلها "جواد" ودخلا بها لدى الحريم. فتقابل مع "ريحانه" التي انتهت فورًا من الرقص، فغرق بسحر جمالها الصعيدي الذي برزته تلك الثياب. فغطت شعرها منه بخجل. فتحمحم ببعض الثبات قائلاً: "أعرفك يا خالة، ريحانه. عروستي." "عروستك كالقمر يا جواد. عرفت تنجي صح."

مالت عين "ريحانه" بخجل أثار بصره بها، تزامناً مع فرك كم جلبابه الصعيدي، قائلاً باستحسان صوتي: "مانتِ خبراني طول عمري مبجش غير واجف يا خالة." ربتت على ذراعه ضاحكة: "مخبرش. تعلمتي ماتي الكبر يا ولد رضوان. بس بيني وبينك، لايق عليك كالجلبيه الصعيدي أحلى بكتير عليك من البنطلون والجواكت. خليك كده على طول." تقدمت منهم بهيه بابتسامتها كالمعتاد: "براحة عليه يا خالة نعمات، عروستنا تغير سبيلها حاجة تقولها."

"متخفيش عليها مش هتغلب. بكرا دخلتهم وهتجول كل اللي نفسها فيه، والا إيه يا بنتي؟ تصبغت بقرمزية عتيقة جففت حلقها، فزم فمه بابتسامة شوقًا للغد. "ياربي على كلامك يا خالة. طول عمرك مبتخديش بالك من كلامك. شايفة أهو بسببك العروسة وشها بقى لون الفراولة. لوحت بعينيها لجواد تراوغه بابتسامة مقولة: الفراولة هيدوقها عريسنا بكرا بالليل، ونبي خايفة عليك بعد ما داق الفراولة، تبلط جارها وتهمل شغلك." زادت الأمر خجلًا عليهما،

فحك عنقه بتحمحم: "طب هخرج أنا بجى عند الرجالة. منورانا يا خالة نعمات." كاد يذهب، فتدلت العبارة من ريحانه: "جواد، كنت عايزة أقولك حاجة." "في إيه؟ قولي." لوحت عينيها عليهما بحرج: "مش هينفع هنا، خلينا نتكلم جوه في الأوضة." "تمام، تعالي." أوقفتهما نعمات بابتسامة: "وااه رايحين فين؟ ميصحش كده. يابنتي بكرا هييجي معاكِ. مستعجلة على إيه؟ وأنتَ إيه؟ مصدقت رايح معاها. اتجل مبجاش غير كام ساعة على بكرا."

"سبيهُم على راحتهم يا خالة، بلاش تقفليها عليهم كده. وبعدين جواد محترم مش هيعمل حاجة. كده والا كده صدقيني. يلا بينا أحنا بقى عند الحريم." "وهو في بردك عريس محترم. يلا بينا يا أختي. بس عالله هو يجدر على حاله." ذهبت، فصارت "ريحانه" معه إلى المكتب، فدخلا وأغلق الباب عليهما، ثم تساءل: "مالك؟ في إيه؟ تنهدت بتفكير ثم تساءلت بقلق: "هو أنتَ فرحان عشان هتتجوزني ولا مجرد جواز والسلام؟ فرك عنقه بحنق خفي: "هو دا السؤال المهم؟

أيوه." فرك مدمع عينيه بغيظ: "تصدقي بالله مش هرد عليكِ عشان أنتِ بتخرجي الواحد بره شعورهُ. يلا اخرجِ للحريم، خليتي الست تفكر فينا شمال ع الفاضي." نفخت بغيظ وجاءت لتذهب، فلاحظ ما أثار حنقه من جديد: "خدي هنا، إيه دا؟ رأت "ريحانه" الضيق بعينيه، فزمت فمها باستفسار: "في إيه؟ أشار بسبابته إلى شعرها الذي وقع الغطاء من عليه: "أنتِ قصيتي شعرك؟ شقت البسمة فمها باستحسان: "إيه؟ عجبك شكله؟ أحلى." قطم على شفتيه بحنق،

فلم يروق له قصره: "بعد ما كان شعرك طويل وعدى. استغفر الله العظيم. متخليش بقى الواحد يغلط. تقومى تقصيه بالشكل ده لنص ضهرك ليه يا بنتي؟ كان حد اشتكالك؟ "ده شعري. وبعدين أنتَ متعصب عليا كده ليه؟ مش فاهمة." "وأنتِ من امتى بتفهميني؟ وبعدين قوليلي، هو أنتِ خدتي إذني قبل ما تقصيه؟ "لأ، وهاخد إذنك ليه؟ ده شعري أنا."

"اللي حضرتك نسيّاه إن كلك على بعضك كده بتاعتي. والخصل اللي اتقصت دي تخصني. مينفعش تغيري حاجة في شكلك من غير ما تقوليلي ونتفاهم عليها. وبعدين شعرك كان حلو، كان زي شعر الفرسة العربي. مش فاهم بوظتيه ليه! لمست سبب ذلك الانزعاج، فضيقت عينيها بسؤال: "هو أنتَ كنت بتحب شعري وهو طويل؟ "يسلام." انحنت بوجهها للأسفل بخجل: "مكنتش أعرف والله." ابتلع حنقه ثم قال بجدية:

"ملوش لازمة الكلام، خلاص حصل اللي حصل. بس ياريت متعمليش حاجة زي كده تاني من غير إذني." رفعت شفتيها تبحر بخضرتيها بخجل: "على فكرة دي باروكة لبستها لي نسمة كـ تغيير، إنما شعري لسه طويل زي ما بتحبه، زي شعر الفرس العربي." نزعت الباروكة وألقتها على المقعد، وتركت الحرية لشعرها البني الحريري الذي سقط على ظهرها كما تسقط الستائر على الجدران. فلمعت كالؤلؤ بعينيه الذي أشاحها بعيدًا عنها مستعينًا بذكر الله للحفاظ

عليها من وساوس الشيطان: "أعوذ بالله. يا قوي على كل قوي يا رب." إنها الجملة أثناء خروجه من المكتب، تاركًا إياها تبتسم بخجل أشد. *** أما بالخارج، وصل "هشام" بجلباب رمادي صعيدي ممسكًا بيده عصاه. ثم دخلا لمنتصف الساحة رافعًا عصاه يلوح بها اتجاه "جواد" الآتي إليه.

"اسمع أجدع سلام لحضرة الظابط جواد ووالد عمي الحاج رضوان رحمه الله عليه. جرب خلينا نرقصوا بالعصا جدام بعض، ده أنا جاي أحيك. ارميلوه عصا يا ولد، ودج ع الطبل يا ريس."

ألقاه "مرعى" العصا لجواد، الذي أمسكها ووقف أمام ابن عمه يتبادلان نظرات التحدي المشتعلة بالثأر. وبدأ الطبل البلدي وبدأ معه الرقص أمامهما بالعصا، التي ضربها ببعضهما عدة مرات بشراسة، حتى لصقهما ببعضهما، وكل منهما يستعين بكامل قوة ذراعيه ليسقط الآخر. وتقابلت العيون، فقال "هشام" بحنق صوتي ضعيف: "اجمد يا عريس، ده بكرة دخلتك. شكلك كده مش هتقدر على العروسة وهتجيب راسنا الأرض. مالك مفكش حيل أكده ليه؟ شدد من قوته جاعلًا

قدم الآخر تتراجع للخلف: "متقلقش عليا، طول عمري بطلع كسبان ورافع راسي، وبكرة بعون الله هرفع راسي قدام الكل. متشغلش بالك بيا." زم فمه بابتسامة الحنق، وألقاه للخلف وبدأ بالرقص وضرب العصا ببعضهما، حتى تمكن "جواد" من إسقاط العصا من يد "هشام"، ثم قال بوقار: "واجبك وصل يا ولد عمي. نورتني." ألقاه نظرات الحقد ثم ذهب. أما هم، فظلوا يرقصون مقابل بعضهم. "فارس" و"سليم" و"جواد"، ثلاثة فوق الخيل يتبادلون الفرح. ***

بغرفة ريحانه بعد ست ساعات. بعد انتهاء ليلة الحنة، كانت تجلس على فراشها وبجوارها "نسمه" و"زهرة"، وبآخر الفراش تجلس العمة "بهيه" التي تضع لها الحنة على باطن قدميها. "ماما، عايزاكي تحطيلي حنة في إيدي." "و أنا يا عمتوا، حطيلي." "حاضر من عنيا، أخلص بس ريحانه وبعدين هحطلكم. المهم دلوقتي خلينا في المهم، فهمتِ يا عروسة؟ هتعملي إيه بكرة؟ تلونت بقرمزية الخجل الداكن: "فهمت يا عمتو، ربنا يستر."

"يستر إيه يابنتي، أنتِ داخلة حرب. ده ليلة فرحك حاجة عادية، بلاش القلق ده." "الحرب أهون من ابن أخوكِ ده. فضل متجوزها شهرين وممسكش حتى إيديها. بت يا ريحانه، سيبك من النصايح والكلام المحترم اللي قالتلك ماما. اسمعي مني، جواد عايز حد يقتحمه من غير ذرة كسوف. هو أصلاً قليل الأدب بجدارة، فلازم تفوقي جدارته. بصي، اعتبري نفسك في الشارع وبتتخانقي، اهجمي عليه. بصي، مرمطيه." "أهدى إيه اللي بتقولي هول ده؟

لاء طبعاً. الليلة لازم تبقي رومانسية، فيها شموع وموسيقى هادية، كلام رومانسي، عشا خفيف، كاسين عصير، احتواء وأمان وخجل، تحسيسية إنك حاسة بالأمان معاه ومش خايفة منه، تحسيسية بحبك بكلمة بنظرة كده يعني." "سيبك منها عشان دي بتحكيلنا ليلة فرحها مع سليم. فوقي، سليم حاجة كده كيوت محترم، جاد باين على شكله. إنما جواد باد بوي وقح، معندوش تربية، مينفعش معاه الحنة دي خالص، صدقيني. ده عايز دلع. هييجي معاه، صدقيني."

"والله كلهم كيوت وبييجوا بالحنية والرومانسية. اسمعي مني يا ريحانه، خليكِ رومانسية وسيبك من كلام نسمه. يابنتي أنتِ متعرفوش زينا، ده بينه وبين الرومانسية مصانع الحداد. ده عايز اقتحام شعبي. اسمعي مني يا ريحانة."

"ريحانه، اهدى يا حبيبتي واسترخي ومتفكريش في كلامهم. أنتِ أدرى بجواد، وأكيد هتلقي طريقة للتعامل معاه. وأعملي بالنصايح اللي قولتلك عليها، وباذن الله ليلتك هتبقي جميلة زيك. وأنتِ يا نسمه، قومي نوليني كيسين من الدروج عشان ألبسهم لرجليها عشان الحنة ماتتمسحش منها وهي نايمة." "حاضر، ثواني." بعد دقائق، انتهت العمة من وضع الحنة للفتيات وتركتهن ينعمن بالنوم سويًا، يتبادلون الحديث عن ليلة الزفاف التي ستجمعها بخيالها. ***

"بغرفة هشام" بتام الثامنة صباحًا بغرفة المعيشة، يقف برفقة "معالي" التي يبدو عليها عدم الرضا، والتي أفصحت عنها بقولها: "أنا جولت هالك كلمة يا هشام. جَلبي مش مرتاح للست غنوه، صدقني يا ولدي، صدج جلب أمك." تغربت عيناه للجهة المعاكسة لها، غير مبالٍ لما تقول:

"بقولك إيه ياما، قلبك مرتاح ولا مش مرتاح دي حاجة ترجعلك. إنما أنا بقى قلبي مرتاح ومطمئن مية قراط. وبعدين أنتِ بتقولي الكلام ده بسبب زعلك على اللي حصل بيني وبين جواد. إنما لما تهدى كده هتروقي والقلق هيسيبك." نفرت بحنق من كلماته الضارة لتهدئتها: "أروح ليه؟

حد جالك عني مجنونة ولا ماشية أشد في شعري بين الخلق. والله عال. من أولها علمتك تطاول عليا، ماشي يا هشام. ورحمة أبوك في تربته ما هخرجها من راسي. الحية بتاعتك هقطعلك رأسها جريب جوي." غادرت مجلسه بعاصفة محملة بالحنق، بينما أتت الأخرى تتساءل باستفسار: "مال طنط بتزعق كده ليه؟ طرد حنقه قبل النظر لها، ثم التفت لها يناظرها بابتسامة العشق العامي للعين: "متشغليش بالك. المهم طمنيني عليكِ. ارتاحتي في النوم؟

أومأت برضا، فخطر بباله شيئًا جعله يعقد حاجبيه باستفسار بغيض على قلبه: "جواد قالي إنك متجوزة. الكلام ده صح؟ ارتجفت رموشها بتضليل لربكتها التي لحقت ببحتها: "متجوزة إيه؟ لاء، وأنتَ صدقت؟ "لو صدقت مكنتش جيت وسألتك يا غنوه. أنا عايز أعرف الحقيقة منك من غير كدب." حاول كسب ثقتها، فلوحت بإنكار احتوى على لوعة الكلام:

"كنت متجوزة من سنة تقريبًا من البارون، بس كان جواز على ورق عشان أداري حمْلي. وبعد كتب الكتاب طلقني. جوازنا مكملش يومين يا هشام، والبارون عندك تقدر تروح وتسأله لو مكدبني." رفض برسمية: "مش هسأل حد. أنا مصدقك. بس عشان نكسر كلام جواد، قررت إننا نتجوز النهارده. المأذون اللي هيكتب كتابه على ريحانه هيبقى نفس المأذون اللي هيكتب كتابي عليكِ." ضربة الصدمة كيانها، فتبدلت ملامحها للخضة التي تزامنت من قولها: "نتجوز النهارده؟

طب إزاي؟ مينفعش." قطب جبهته باستفسار: "مينفعش ليه؟ المفروض إننا بنحب بعض وجيتي هنا عشان نتجوز، فمظنش إن هيبقي فيه مشكلة لو اتجوزنا النهارده." تلبلكت بقول: "لاء، مقصدش. أنا قصدي يعني إني مش جاهزة. لازم أحضر نفسي لليلة زي دي، أنتَ فاهم بقى." أدرك مخزاها، فتبسم بحرج:

"أنا مش مستعجل على حاجة يا حبيبتي. خلينا نتجوز وخذي وقتك. يوم، اتنين، أسبوع. براحتك. اللي خلاني أستحمل بُعدك عني سنتين مش هيخليني أستحمل بعدك عني وأنتِ مراتي. وبعدين أنا مش حيوان ههجم وأفترسك بالليل. أنا مستعد أستناكِ العمر كله يا غنوتي." "هروح أنا بقى عشان ورايا كام حاجة هخلصها." ودعها بقبلة على جبينها وغادر الحجرة. فاخرجت هاتفها فورًا واتصلت على "البارون" الذي استجاب لاتصالها: "أهلاً يا غنوه، أخبارك إيه؟ نفرت بحنق:

"زفت يا بارون، زفت. هشام عايز يتجوزني النهارده." تبسم بوضاعة: "مبروك يا حبيبتي، ده الواد واقع أوي." "أنتَ اتجننت بقا؟ ده كل اللي همك؟ بقولك عايز يتجوزني النهارده. أنتَ ناسي إني في العدة وجوازي منه ميجوزش؟ عارضها بجفاء: "ما قولتلك قبل كده تسيبك من الأمور التافهة دي. وبعدين ده مجرد جواز على ورق، متحبكيهاش كده." "كله حرام في حرام." ارتجفت بسخرية أحاطت عينيها بالدمع:

"محبكيهاش. والله ما مصدقة اللي بسمعه. أنتَ كل يوم بتثبتلي إني كنت عايشة مع واحد معرفهوش. بس على رأيك، ما كله حرام في حرام، جأت على جوازي يعني. سلام يا بارون، عشان ألحق أجهز نفسي للعريس." أغلقت الهاتف وألقت به أرضًا، ثم جلست على الأريكة تلهث أنفاسها المختنقة بحزن هش هش كيانها. *** "بمندرة دار رضوان الهلالي" "مالك يا سليم؟ نظر "سليم" بعين متشتتة برهبة لا يدرك مخزاها، يقول بجهل لزوجته:

"مش عارف مالي. أول ما جيت أنام بدأت أشوف حاجات غريبة وبسمع أصوات صريخ وزعيق وست بتعيط." ناولها الخوف من تلك الرؤية البغيضة، فاحتوتها بصدرها ثم ربتت على ظهره بأمان قائلة: "ده أكيد كابوس عشان غيرنا مكانه و نمنا على سرير غير السرير بتاعنا."

"لأ، ده مش كابوس. أنا كنت بين النوم والوعي، حاسس إن الحاجات دي عشت فيها. الوشوش مشوشة وصوت ضرب نار وصريخ ست بكسرة شرخت قلبي. والغريب إني صحيت ورجعت نمت تاني، شوفت نفس الحاجة يا زهرة. بس مش قادر أحدد شكلهم. اللي شوفته عامل زي فيلم مشوش، الوشوش مش باينها."

"اهدأ يا سليم، متشغلش بالك. أنتَ أكيد شوفت كابوس وسمعت فيه صوت ضرب النار عشان الحنة كان فيها ضرب نار كتير والزغاريد، يمكن قلبت لصريخ. أنتَ أكيد تعبان من السفر والوقفة امبارح في الحنة." نظر لها بعين تزداد قلقًا أخفاه خلف صوته الجاد: "ياريت يا زهرة، ياريت يكون مجرد كابوس." أتت إليهم "بهيه" تتساءل باستفسار: "جر إيه يا ولاد؟ مش هتيجوا عشان تلحقوا تفطروا قبل ما الناس ما تبدأ تيجي؟ ابتسمت "زهرة" بقول:

"حاضر يا عمتوا، بس كنت بشوف سليم." رأت القلق ينتابه، فتسألت: "مالك يا سليم؟ شكلك بيقول إنك مضايق أو قلقان. في حاجة ضايقتك؟ نفى بحركة رأسه تزامناً مع قوله: "مش عارف مالي. أول ما جيت أنام بدأت أشوف حاجات غريبة وبسمع أصوات صريخ وزعيق وست بتعيط. حاجات غريبة حصلتلي كأني بشوف فيلم مشوش. طول الليل فضلت الأصوات والعياط والصريخ وضرب النار بياكله في دماغي. أول مرة يحصلي كده."

قشعر بدنها بخوف تسبب برجف تضليل لحركة عينيها التي باتت غير مستقرة، ثم تحدثت بربكة: "ده أكيد كابوس. متشغلش بالك. أنتَ تلقيك حلمت بكده عشان غيرت مكان نومتك؟ رآه الخوف ينتابها، فتسأل بعين ضيقها بشك: "طب أنا اللي شوفت الكابوس، أنتِ بقى مالك خوفتِ كده ليه؟ هو أنتِ مخبية عني حاجة؟ لو فيه حاجة معرفهاش، قوليلي." بلعت لعابها بقلق حاولت إخفاءه بابتسامة مصطنعة:

"حاجة إيه بس يابني، أنا قلقت عشان حسيت الكابوس مخيف شوية. المهم يلا، أنا هدخل عشان أكمل التجهيزات وأنتُ لحقوني عشان تاكلوا." التفت للجهة المعاكسة لتغادرهما بعين ارتجفت بدموع جعلتها تتمتم بداخلها: "لأ يارب، متعدش الزمان تاني. أبعد الدم عن عرفهم، بلاش يشيلوا نتيجة حاجة مكنش ليهم علاقة. بلاش الدم يبقى نهاية حد منهم. متوجعش قلبنا على حد فيهم."

أسرار نهر الدم تبحر بكيانها عبر السنين، تخبئها بين شرايينها خوفًا من المستقبل الذي رسمه الماضي المجهول. *** "بـحجرة فارس" يعاتب "مرعى" باستياء: "يعني إيه يا مرعى؟ مش هتعمل اللي اتفقنا عليه؟ هو كلام عيال؟ "لأ، مش كلام عيال. بس أنا من الأول قولتلك إني مش هقدر ألعب اللعبة بتاعتك. أنا منفعتش أقرب من الست نسمه. وبعدين إحنا رجعنا الصعيد ورجعت شغلي في القسم ومش هتشفوني كتير. ده غير إني همشي من هنا أول ما شغلي ما يخلص."

فرك عنقه باستياء: "يعني بعد ما اتفقنا ورتبت كل حاجة، جاي تقولي الكلام ده؟ أعمل أنا إيه دلوقتي؟ "متعملش. ممكن تتقرب أنتَ منها، وبعدين أنتَ مهما كان ابن خالها، ومتعلم عنها وهتقدر تتكلم معاها وتوعيها. إنما أنا مش هعرف خالص. سامحني يا فارس بيه. عن إذنك." هاجر "مرعى" الحجرة، فجلس الآخر على المقعد يرجف قدماه باستياء، فقد تغير كل ما خطط له. ثم قال لحاله: "شكلك كده هتبقى بطل روايتك يا فارس."

قرر خوض التجربة كتابة وتمثيل، لكنه لم يكن يدرك أنه يقدم على خطوة ستكون الهلاك لقلبه وقلب أحدهم. *** "بمطبخ الدوار الساعة العاشرة" تقف الخالة "نعمات" برفقة "ريحانه" وأمامها الكثير من الطيور المدبوحة والخضروات. "خير يا خالة؟ عمتوا بهيه قالتلي إنك عايزاني." "خير يا جلب الخالة. بجولك إيه بجى، أحنا لينا تقاليد في العائلة وكل عروسة جديدة لازمن تعملها." نابها القلق، فقد تساءلت: "خير، تحت أمرك."

"ميا مرش عليك عدو. أحنا عوايدنا إن العروسة هي اللي بتطبخ عشا فراحها. دي عوايد عائلة الهلالي. شايفة بجى الطيور المدبوحة دي، عايزاكِ تنضفيها من الريش وتمرشيها تخليها زي القشطة وتطبخيها. والخضار تساويه والرز يبجى معمر." نظرت بذهول إلى هذا الكم من الطعام وقالت: "أعمل كل ده لوحدي يا خاله؟ "كل ده إيه؟

دول يدوبك دكرين بط وعشر تجواز حمام وربع فرخات بلدي ودكر وز. وهتعملي طاجن باميه باللحمة الضاني وطاجن كعك وطاجن رز معمر وحلة بطاطس بالتخديعه وكشك لزوم البط وصنية كوسه باللحمة المفرومة. بس يا ضنايه فين بجى الكتر؟ "هو كل الأكل ده ليا أنا وجواد؟ ده كتير أوي، ده إحنا على كده هنقعد ناكل فيه شهر يا خاله." غمزتها بساعدها بابتسامة: "شهر إيه ده، يدوب يرم عضم جوزك النهارده." "يرم عضم جوزها النهارده؟

ده يرمم عضم البلد كلها يا خاله! هكذا هتف حينما دخلا إليهما بجلابيبه البلدي. فقالت الخالة: "عيني عليك باردة يا ولدي." وقف بجوارها يعاتبها جواد باستفسار: "بتعملي فيها إيه يا خالة نعمات؟ همليها تروح ترتاح. أنتِ ناسيه إن النهارده دخلتنا." زَمَت الأخرى بفمها بعتاب رسمي: "بجولك إيه يا جواد، دي عوايد عائلتنا وملكش صالح واصل. يلا وريني عرض كتافك وروح جهز لليلتك ومتخافش يا حنين عليها مش هتنجص حتة. يلا يا عروسة، ورينا شطارتك."

"عوايد إيه يا خالة؟ ريحانة مش هتقدر، هتتعب. أنتِ مش شايفة إنها تعبانة كاف، باين عليها منامتش من الأساس. كمان هنجففها تطبخ." "وااه مالكم؟ هي دي أول عروسة في العائلة تعمل أكده؟ مالكم جلقين أكده؟ جولُه بجى إنها موكوسة ومبتعرفش تطبخ." فزعت "ريحانه" قائلة بتصحيح: "أنا شاطرة أوي في المطبخ ومعرفيش حاجة الحمد لله إلا وبعرف أعملها يا خاله." رفعت حاجبيها بجدية:

"يبجى تورينا شطارتك يا عروسة الغالي، والوكل يبجى جاهز قبل العصر عشان تلحق البنات تجهزك للفرح." "ماشي. ممكن بقي تخرجوا عشان أبدأ." سألتها "بهيه" بقلق: "أنتِ متأكدة إنك هتقدري؟ قولي متخفيش." "إن شاء الله هقدر يا عمتوا، متقلقيش عليا." "إن شاء الله يا حبيبتي، ربنا يقويكي. يلا بينا يا خالة، خليها تلحق تخلص." أومأت "نعمات" وذهبت برفقة "بهيه"، بينما تقرب منها "جواد" يتساءل بتأكيد:

"لو مش هتقدري قوليلي، متخفيش ومش هخليكِ تعملي أي حاجة." "هقدر، متشغلش بالك." نظر إلى هذا الكم من الطيور والخضروات، فهز رأسه برفض جاد: "لأ، مش هسيبك تعملي الحاجات دي. ده أنتِ على ما تعمليهم مش هيبقي فيكِ نفس تتحركي. يلا اطلعي الأوضة ارتاحي، وأنا هتصرف معا الخالة." شعرت بالراحة تنتابها أثار خوفه عليها، فاقتربت خطوة إليه، فـتراجع خطوتين للوراء ليعطي مسافة فارقة بينه وبينها تحجبهما عن التلامس. فـتوقفت تقول بهدوء:

"متقلقش عليا، أنا ياما عملت وتعبت واشتغلت في بيت أبويا على إيد مرات أبويا. تفتكر إني مش هقدر أتعب عشان ليلة زي دي؟ على الأقل تعبها هيروح مني لما أكتب على اسمك وتاخدني في حضنك، كل التعب هيروح بحضن منك يا جواد." بنيران الهوى طافت نبضاته تحلق بأفق سماوية، تعزز عزتها بقلبه المطل على استحسانها. فحاول طرد الشيطان الذي يغويه لضمها الآن:

"استغفر الله. خلاص خليكِ على راحتك. هخرج أنا بقى عشان أكمل ترتيب للدخلة. بس قبل ما أمشي عندي كام حاجة عايز أقولهالك." "قول." "عايزك متخفيش ومتشغليش بالك بالتفكير في ليلة الدخلة. أنا مش حيوان وإلا هجبرك على حاجة. لازم تبقي عارفة كويس إن مفيش حد هيبقي حنين عليكِ زيي ولا هيخاف عليكِ قدي. فبلاش تشغلي بالك بالتفكير في حاجة. سبيها على الله وثقي فيا." أومأت بابتسامة اطمئنان، فغادر برسمية وتركها تخوض معركتها مع تلك الأغراض.

*** "بالمندرة بعد ساعة" تسألت "نسمه" باستفسار: "خير يا جواد؟ ماما قالتلي إنك عايز تشوفني أنا وزهرة." "في حاجة يا أبيه؟ عقد حاجبيه باستفسار: "أبيه؟ تحمحت بحرج: "أسفه لو الكلمة ضيقتك، بس أنا قولت أقولك يا أبيه لأنك حاليًا في مقام أخويا الكبير وفرق السن اللي بينا حوالي عشر سنين، فمن الاحترام إني أقولك يا أبيه خصوصًا إنك في مقام الأخ الكبير لفارس، جوزي." استحسن كلماتها، فأبدى إعجابه بوقار:

"عاش سليم، عرف يختار بنت ناس متربية. ماشي يا زهرة، قوليلي أبيه. أنتِ بردك بقيتي في مقام أختي الصغيرة." قاطعتهما "نسمه" باستفسار: "ممكن نعرف طلبتنا ليه؟ أوعى تكون زعلت البت الغلبانة، حرام عليك بجد، هي مبتلحقش تفرح." "مزعلتش حد. كل الحكاية إنها بتعمل عشا الدخلة لوحدها لأن دي عوايدنا وأنا مش حابب إنها تعمل كل الأكل لوحدها عشان هتتعب. فقولت أبعتلكم تدخلوا تسعدوها بس من غير ما الخالة نعمات تشوفكم." "مين الخالة نعمات؟

وليه يعني متشوفناش؟ "عمت أبويا وأكبر ست في العائلة، واحترامها واجب علينا. ومينفعش نقولها عشان من عوايد العائلة إن العروسة تطبخ عشا الفرح بنفسها. والخالة جأت مخصوص من بدري عشان تخلي ريحانة تعمل الأكل." أومأت "نسمه" بفهم، فقالت: "كده فهمت. تمام، متشغلش بالك. هنحل الموضوع من غير ما تاخد بالها. يلا بينا يا زهرة."

ذهبت بحذر خوفًا من أن تراهما الخالة، حتى دخلتا إلى المطبخ ليجدا "ريحانه" تقف أمام حوض المياه بعدما انتهت من تنظيف ريش الطيور وتغسل أنسجتهم تحت المياه الفاترة. فوقفتا بجوارها تساندها، فقالت "ريحانه" باعتراض: "بتعملوا إيه؟ ابعده، أنا هعمل لوحدي." عارضتها "زهرة" بابتسامة وهي تتناول الحمام لتهتم بغسله: "متبقيش عبيطة، أحنا أخوات. وبعدين تعملي إيه لوحدك؟ أنتِ مش شايفة الحاجات ماشاء الله كتير أزاي."

ساندتها "نسمه" بذات البسمة بعدما أخذت البط لتكمل غسيله: "زي ما سمعتي كده، الحاجة كتيرة عليكي لوحدك، لازم نساعدك يا عروسة." شعرت بدافع الأخوة الذي عاشت طول سنين تتمنى أن تشعر به، فابتسمت لهما قائلة: "متحرمش منكم ربنا يخليكم ليا." "ويخليكِ يا لولو. قوللي بقى هنعمل أكل إيه؟ "طاجن عكاوي وطاجن باميه باللحمة الضاني وطاجن رز معمر وبطاطس وصنية كوسه باللحمة، والبط والوز وحمام بالفريك والبط، وكشك."

"هو جواد قاطع مياه ونور خالص كده، فبتعملوله عامرة؟ "عندها حق، بصراحة كمية الأكل رهيبة وكلها مقويات." خفضت عينيها بخجل: "أعمل إيه طيب؟ مش الخالة هي اللي طلبت الأكل." "قوليلي يا زهرة، هو سليم اتعشى إيه يوم فرحكم؟ "كل رقاق باللحمة وشوية سلطة وافتكر حتت بانيه، بس كده." "شايفه العريس الرايق، كل جلاش وحتت بانيه وشوية سلطة يا عين أمه. وتلقيه عمل زلزال عشرة رختر في العمارة." انفجرت الفتاتان من الضحك، فاكملت الأخرى قولها:

"أدي دقني أهي، إن مكان جواد بعد كل الأكل ده قدر حتى إنه يبص في وشك، ده هياكل من هنا والأكل هيطبق على نفسه وينام. خلي بقى الخالة نعمات ترتاح." لوت "زهرة" فمها بابتسامة: "أنتِ مشكلة والله يا نسمه. بقولك إيه، خلينا نركز في الأكل ومليش دعوة عليه، خلي ليلة فرحهم تتم على خير." ظلت الفتيات تتبادل الحديث حتى انتهوا من طهي الطعام بالكامل دون أن تراهن الخالة. *** "بديوان الأعراس الخاص بعائلة الهلالي"

يجلس "جواد" بدلته السوداء المنمقة بجوار شيخ البلد ويحاوطه المعازيم من كبار أهل البلد والمشايخ، يسمعون أصوات الدق والطبل القادمة من الركن الخاص العروس. "مبروك يا جواد يا ولدي، أبوك الحاج رضوان لو كان لساته عايش كان زمان الفرحة مش سايعاه." "يبارك فيك يا شيخنا. بجول إيه بجى، مش نكتبه الكتاب؟ "على جولك. نكتبه فين بجى وكيل العروسة؟ "وكيلها موجود يا شيخ البلد." "أنا."

التفتت الأعين إلى المتحدث، فسودت خضرتيه بغضب غمم فرحته وهو يرى "البارون" يدخل مجلسهم دون حياء، وتعلو البسمة وجهه البغيض. فنهضوا يقابله بصوت جاف كجفاء الأرض القحطة: "خير." وقفا أمامه بمكر: "أهلاً يا عريس، منورين يا رجاله. كويس إني متأخرتش وجأت في الوقت المناسب عشان أبقى وكيل العروسة." "العمده وكيل العروسة." "طب هو ينفع بردو يبقي العمده وكيلها وابن عمها الكبير موجود؟

بدأت الهمسات من حولهم وعمت الصدمة على وجوه الجميع، فزادت بسمة الآخر بثقة نافذة مكملاً حديثها دون تردد برسمية بحتة تعلن عن ثقته بما ينوي عليه: "طبعاً كلكم عرفني كويس، بارون الغنيمي. بس اللي متعرفوهوش إني أبقى ابن عم العروسة، ريحانه الغنيمي. بنت عمي حسن اللي معروف بينكم باسم القص." ثم تقدم إلى "جواد" متبسمًا بقول ضئيل الصوت: "اللي بيني وبينك نهر من الدم بيجري في عروق عروستك بنت عمي يا حضرة الظابط."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...