الفصل 2 | من 5 فصل

رواية هواجس معتمه الفصل الثاني 2 - بقلم ايات عاطف

المشاهدات
21
كلمة
2,208
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

إيه علاقتك بعمر المهدي؟ اتجمّدت ثواني، وبعدين خدت نفس عميق يخنقني أكتر ما يريحني. قلت بصوت واطي: أنا… أنا وعمر صحاب. رفع حاجبه: صحاب؟ اتقابلتوا فين؟ إيديا شبكت في بعض من غير وعي، وبصوت متقطع جاوبت: إحنا… إحنا كنا بنحضر جلسات جماعية عند ثيرابيست. عيونه ضاقت شوية، سألني بهدوء يخبي تحته شك واضح: هو عمر كان مريض نفسي؟ اتلخبطت، قلبي بيخبط في ضلوعي، وقلت وأنا ببص في الأرض:

هو ماكنش… ماكنش متزن آخر فترة. كان تعبان، دماغه مش مستقرة. سكت ثانية وبعدين صوته جه أقرب من وداني: طب وإنتِ؟ حسيت جسمي كله بيترعش، كأني اتكشفت فجأة، رديت بصعوبة: أنا كمان حالتي النفسية كانت سيئة. وإلا ما كنتش هحتاج أروح لثيرابيست أصلاً. مسك القلم بين صوابعه وقعد يلفه ببطء، وبعدين قال بصوت أهدى من اللازم:

طيب. حد من جيران عمر قال إنه شافك خارجة من عنده ليلة الحادث. كنتِ متوترة جدًا وبتبصي حواليكِ كأنك بتتأكدي محدش شايفك. أنا شهقت من الكلام ده، قلبي وقع تحت رجليا، بس هو كمل قبل ما ألحق أتكلم: وبعد ما خرجتي، نفس الجارة دي دخلت شقته… ولقيت عمر مرمي على الأرض مقتول. اتسمّرت في مكاني، دموعي كانت على وشك تنزل، صوته كان بيغرز فيا زي مسامير: فممكن تشرحيلي لو ما قتلتيهوش… إيه اللي يخليكي تخرجي من عنده مرعوبة كده؟

نفَسي اتقطع، حسيت إني محاصَرة. إيديا اتشبكت أكتر، صوتي كان بيرتعش وبيتكسر: أنا ما قتلتوش. أقسم بالله ما عملت كده. أنا كنت معاه، أيوة، بس مش فاكرة إيه اللي حصل بالظبط. غمضت عيني لحظة، صور متقطعة بدأت ترجع: ضهر عمر وهو بيتكلم بصوت عالي… حاجة وقعت على الأرض… لمعة سكينة؟ ولا ده خيال؟ شهقت وفتحت عيني بسرعة كأني هربت من كابوس. كملت وأنا ببص في عينه برجاء:

كل اللي فاكراه إني خرجت وأنا تايهة… تايهة وخايفة، كأني كنت بجري من حاجة جوا دماغي مش من جوة الشقة. سكت ثواني، وبعدين قلت بصوت مبحوح: أنا مش قاتلة يا حضرة الظابط… أنا يمكن أكون مكسورة، ضايعة، لكن مش قاتلة. *** كنت قاعد قدامها، الورق مفتوح قدامي والقلم في إيدي، بس الحقيقة كل تركيزي كان على وشها.

سلمى شكلها مش زي أي متهمة قابلتها قبل كده. عينيها حمرا من كتر البكا، إيديها متشابكة، وصوتها مهزوز كأن كل كلمة خارجة منها بتكسرها من جوه. أنا متعود أقرأ الوشوش، أميّز الكذب من الحقيقة، لكن معاها كان في حاجة مختلفة، حاجة غامضة، كأنها نفسها مش عارفة الحقيقة. اتكلمت بنبرة هادية، قصدي أديها فرصة تحكي من غير ما تضيع في الارتباك: طيب يا آنسة سلمى احكيلي تفاصيل اليوم كله. من أول ما صحيتي لحد ما رحتي لعمر. ليه رحتيله؟

إيه اللي حصل؟ سكتت شوية، خدت نفس طويل وهي بتترعش، وبعدين بصوت مليان توتر بدأت: في اليوم ده عمر رن عليا. صوته كان باين فيه إنه مش كويس. قال لي إنه محتاج يقعد معايا ضروري… وإنه حاسس إنه مش قادر يكمل. أنا قلقت عليه جدًا لبست بسرعة ورحتله. ولما شفته فعلاً حالته كانت سيئة جدًا. كان بيتهز، بيتكلم بكلام مش مترابط. أنا حاولت أهديه، أقعد جنبه، أتكلم معاه… وهو مسك إيدي جامد وقال لي: 'ما تسبنيش، بالله ما تسبنيش.'

كان كأنه خايف من حاجة، أو كأنه عارف حاجة أنا مش عارفها. هي سكتت فجأة، عينها لمعت بدموع جديدة. قربت منها بالسؤال اللي كان لازم يتسأل: وبعدها؟ حصل إيه بعد كده؟ اتنهدت، وصوتها اتكسر أكتر: بعدها بجد مش فاكرة. في جزء اتمحى من دماغي. اللي فاكراه إني فوقت بعد شوية، كأني كنت مغمي عليا. لقيت نفسي واقعة على الأرض، الدنيا بتلف. ولما لفيت جمبي، لقيت عمر غرقان في دمه.

ساعتها جسمي كله اتشل، ما كنتش عارفة أعمل إيه… ولا عارفة حتى أنا إزاي وصلت للحظة دي. سكتت الأوضة كلها. بصيت لها بعناية وسألتها بجدية: يعني إزاي مش فاكرة؟ إزاي تكوني في مكان جريمة قتل ومش فاكرة اللي حصل؟ رفعت عينيها ليا، نظرة فيها انكسار غريب، وقالت بصوت مبحوح: أنا مريضة يا حضرة الظابط. حالتي النفسية بتخليني أحيانًا مش بعرف أميّز بين الخيال والحقيقة. ممكن تسأل الدكتورة بتاعتي… هي الوحيدة اللي عارفة حالتي بالظبط.

الكلام ده كان المفروض أستقبله ببرود. أنا ظابط، مش دوري أتعاطف. بس وأنا ببص في عينيها… حسيت بحاجة مش طبيعية. تعاطفت معاها. استغربت نفسي ليه؟ إزاي أسمح لنفسي أشوفها كضحية في حين إن كل الأدلة بتقول العكس؟ حاولت أقطع الإحساس ده بسرعة، فرديت بصرامة، ورغم كده صوتي خانني وخرج فيه نبرة إنسانية ما كنتش قاصدها: متأسف يا آنسة سلمى، بس كل الأدلة ضدك. شفت إيديها بتترعش أكتر، والدموع بتنزل، بس كملت:

هنضطر نتحفظ عليكي هنا مؤقتًا، لحد ما نتواصل مع الدكتورة بتاعتك. وهنسألها عن حالتك وعن حالة عمر كمان. كنت متأكد إن الكلام ده هيوقعها أكتر، بس في نفس الوقت كان لازم يتقال. أنا مش قادر أحسم… سلمى مجرمة؟ ولا ضحية لعبة أكبر منها؟ اللي متأكد منه بس، إن القصة دي لسه في أولها. *** بعيد عن الضوضاء، في مكان معتم… أوضة صغيرة، نورها خافت بييجي من أباجورة قديمة.

شخص مجهول قاعد على كرسي خشب، وشه نصه في الضلمة، بيمسك الموبايل بإيده وبيتكلم بصوت منخفض، متحكم في كل كلمة: خلاص هي دلوقتي جوه القسم، واتقبض عليها رسمي. صوت الطرف التاني جه متردد الأول، بعدين اتغير وبقى حاسم، فيه نبرة رضا: تمام جدًا… كده الخطة ماشية زي ما اتفقنا بالظبط. متخليش أي تفصيلة تفلت من إيدك. عايز أعرف أول بأول لو في جديد حصل.

الشخص المجهول هز راسه ببطء، رغم إن اللي بيتكلم مش شايفه، كأنه متعود ينفذ الأوامر من غير نقاش. مفهوم انت عارفني، مفيش غلطة هتحصل. لحظة صمت عدت، وبعدها اتسمعت قهقهة مكتومة من الطرف التاني، قهقهة كان فيها ارتياح خبيث، قبل ما المكالمة تنتهي فجأة. المكان رجع يسوده الصمت، إلا من صوت عقرب الساعة اللي بيعد ببرود… كأنه بيعلن إن لعبة أكبر بدأت، ولسه محدش فاهم أبعادها. ***

كنت قاعد أنا وسليم في المكتب، الملفات مرصوصة قدامنا على الترابيزة، والدخان طالع من فنجان القهوة اللي نسيته من بدري، بارد ومليان مرارة زي جو التحقيق كله. قلتله وأنا مبحلق في الورق اللي قدامي: بصراحة يا سليم، أنا حاسس إن سلمى مظلومة. سليم رفع حاجبه، ابتسامة ساخرة ارتسمت على وشه، وقال بنبرة تهزر أكتر ما هي جادة: إيه يا عم حنيت ولا إيه؟ بصيت له بحدة، صوتي خرج غاضب أكتر من اللي كنت متخيله: تعرف تخرس؟

أنا بتكلم بجد. دي مش نظرة واحدة قاتلة… عينيها مليانة خوف مش جريمة. سليم ما اتأثرش، بالعكس هز راسه بهدوء وقال: يا ياسين، إحنا مش بنحكم بالمظهر إحنا بنتعامل بالأدلة. واللي ضدها كتير وجودها في الشقة، شهود، حالتها النفسية المضطربة… كل ده ما ينفعش نطنشه. سكت، نظرتي فضلت معلقة في عينيه لكن لساني اتعقد. كان عندي يقين داخلي إن في حاجة غلط، إن المشهد أوسع من مجرد أدلة ورقية.

قمت من مكاني من غير ما أعلق، أخدت جاكتي ومفاتيحي وخرجت. كان لازم ألاقي إجابة تانية… خرجت من المكتب بعد نقاشي مع سليم، ولسه كلماته بتدوي في دماغي: "إحنا بنتعامل بالأدلة يا ياسين مش بالمظاهر"… بس جوايا كان في صوت أعلى، بيقول إن الموضوع أبعد من الأدلة، وإن في حاجة ناقصة محدش شايفها. ركبت العربية، واتحركت لحد ما وصلت لعنوان الدكتورة بتاعت سلمى. العمارة كانت قديمة. وقفت قدام باب خشب عليه يفطة صغيرة مكتوب عليها:

د. ناهد فوزي –أخصائية نفسية. خبطت خبطتين، وبعد ثواني سمعت صوتها من جوه: اتفضل. دخلت، الأوضة إضاءة هادية، ريحتها نعناع خفيف، ورفوف مليانة كتب ومجلدات، كأنها شاهدة على وجع سنين. الدكتورة كانت قاعدة ورا مكتب خشبي كبير، بتكتب في ورق قدامها. رفعت عينيها ونظرتلي باستفهام. قلت وأنا بطلع بطاقتي من جيبي وبحطها قدامها: أنا المقدم ياسين عبد الحميد، من المباحث الجنائية. موجود هنا بخصوص قضية مقتل عمر المهدي.

وشها اتغير للحظة، لمحت ظل قلق عدى في عينيها قبل ما تحاول تخفيه وتهز راسها بهدوء. قالت وهي بتعدل نظارتها: اتفضل يا حضرة الظابط، إيه اللي تحب تعرفه؟ قعدت قصادها، الكرسي صوته بيصرّ وهو بيتحرك على الأرض. سألتها مباشرة: عايز أعرف عن حالة سلمى. قد إيه كانت مستقرة أو لا… هل ممكن تكون ارتكبت جريمة من غير ما تدرك ده أصلًا؟ سكتت لحظة، زي اللي بيختار كلماته بحرص. قالت بصوت هادي:

سلمى حالتها صعبة جدًا. أوقات بتبقى مش قادرة تفرق بين الحقيقة والخيال. بتعيش مشاهد كاملة في عقلها وتصدق إنها حصلت. وساعات تنسى تفاصيل حقيقية كأنها ما كانتش موجودة. هي مضطربة، ومش مستقرة تمامًا. كنت بكتب كل حاجة بسرعة، لكن عيني معلقة بيها. قلت بهدوء أكتر: طيب وعمر؟ كان متابع معاكي هو كمان؟ اتنهدت، وصوتها اتغير كأنه تقيل من الذكريات:

عمر كان مريض. اتحجز في مصحة نفسية فترة، واتحسن بشكل ملحوظ. لما خرج كان باين إنه متماسك أكتر… بس بعد شهور حالته تدهورت. رجع يحكيلي عن هلاوس بيشوفها، أصوات بيتخيلها، خيالات بترعبه. كان يقولي إنه بيكلم أشخاص مش موجودين، وإنه ساعات بيفقد السيطرة على نفسه. رفعت عيني من الدفتر وبصتلها مباشرة: يعني عمر كان ممكن في آخر أيامه يكون بيتخيل حاجات مش حقيقية؟ هزت راسها بتأكيد: ممكن وأكتر من كده كمان. عمر كان بيخاف من نفسه أوقات.

الكلمات وقعت تقيلة في وداني. لو سلمى مش مستقرة، وعمر بيشوف هلاوس… يبقى اللي حصل في الليلة دي ممكن يكون أبعد من قدرتنا على الفهم. شكرتها وقمت، لكن وأنا خارج من العيادة فضلت أعيد الحوار في دماغي. كان عندي يقين واحد: إن القضية دي مش مجرد جريمة قتل. دي شبكة من العقول الممزقة، ووراها سر أكبر لسه ما ظهرش. *** خرجت من عند الدكتورة، ولسه ريحة النعناع معلقة في هدومي كأنها مش عايزة تسيبني.

طلعت للشارع. الجو كان ليل وبارد، المطر نازل خفيف يرسم دوائر صغيرة على الأسفلت. ركبت العربية وقعدت سايق في صمت. دماغي مليان أسئلة، صوت الدكتورة بيرن جوايا: "سلمى مش بتعرف تفرق بين الحقيقة والخيال… عمر كان بيشوف هلاوس." كلامها كان بيتعارك جوا دماغي مع وش سلمى اللي شفته قدامي في التحقيق. إيدي كانت على الدركسيون، عيني مركزة على الطريق، لحد ما الموبايل رن فجأة. بصيت للشاشة، سليم. رديت بسرعة، وصوته جه متحمس على غير العادة،

كأنه لقى كنز: ياسين انت لازم تيجي حالا. سلمى افتكرت حاجة هتفيدنا في التحقيق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...