بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ. الاختلاف هو أن تعتاد روحي على وطنٍ لا تقبل الانتماء لغيره، وحين تهفو رياحها من وطنها تصبح روحي عميلةٌ خائنةٌ. الخنوع هو أن أسير مختالًا فخورًا، وحين تهفو رياحها أنحني مطيعًا لها. الغضب
هو ظلٌ يسكن عيني ووحشٌ يسكن روحي فأثور أعمى في دروب عالمي، وحين تهفو رياحها يغفو الوحش وتنقشع الظلال. أخبروا خديجة أن سفينتي تشتهي رياحها ووصالها، وأنها مرسى الحياة. بقلم: آية العربي *** في دار الأيتام وبعد أن نام جميع الأطفال ومعظم العاملات. خطت السيدة لبنى نحو تلك الغرفة المتطرفة عن بقية الغرف ثم تنفست تدعم رئتيها وطرقت بابها، ومالت عليه قليلًا قائلة بهدوء وحنو وترقب: "عُمر يا حبيبي، إنت صاحي؟
فُتح الباب فأبعدت رأسها قليلًا ثم طالعته بنظراتٍ متفحصة، كانت ملامحه حزينة ولكنه ابتسم بلطفٍ وقال بهدوء: "لا لسه يا أمي منمتش، اتفضلي." أفسح لها المجال فدلفت تخطو نحو المقعد الجانبي تجلس عليه، وخطا هو يجلس أمامها قائلًا بحرج: "آسف إني جيت فجأة كده بس... قاطعت حديثه وهي تمد يدها تربت على ساقه قائلة بحنوٍ بالغٍ: "متقولش أي حاجة علشان مازعلش منك، إنت تيجي في أي وقت، فيه حد يقول لأمه كده؟
وبعدين سيبك من كل ده وقولي مالك، لازم تحكيلي يا عُمر." تنفس بعمق يستجمع طاقته التي كلما تذكر ما فعلته مايا انهارت قواه وتحطم قلبه، نظر أمامه وتحدث باستفاضة وشرود يتذكر فعلتها قائلًا: "بقالي سنين بعافر وبتحدى الناس علشان أثبت نفسي ومكاني، كرامتي اللي بسرقها من نظرات الناس ليا واللي حاول قبل كده حد يهزها لكن مسمحتلوش، مكانش عندي أي نقطة ضعف يستغلني بيها." التفت ينظر إلى لبنى ويسترسل بابتسامة موجعة سلبت روحه قبل أن
تظهر على ملامحه الحزينة: "تيجي هي وتهد كل اللي حاولت أبنيه بقالي سنين، في لحظة رجعتني لحقيقتي اللي هتفضل وصمة عار ملازماني." آلمها قلبها لأجله وهي تطالعه بذهول وتساءلت بحزنٍ وعيون ملتمعة على وشك البكاء متسائلة بتأهب: "مين دي يا عمر، مين اللي عملت فيك كده؟ انتشل نفسًا قويًا ينعش به رئتيه المعذبة والمتضخمة ألمًا حتى كادت تسحق قلبه ثم زفر بقوة وقال بشرود:
"نقطة ضعفي، الوحيدة اللي حبيتها بجد وخوفت عليها حتى من نفسي، مايا شفيق الدقاق." ذهولًا أصابها لثوانٍ وهي تنظر لوجهه كأنها تتأكد مما قاله ثم قالت بصدمة: "مايا؟ معقول يا عمر! مايا اللي عاملة فيك كده؟ دي لسه صغيرة." ابتلع غصة حلقه الجافة الجارحة وتساءل بتعجب وقلق: "وفيها إيه يا أمي؟ كتيرة عليا؟ هزت رأسها تردف مصححة:
"لا يا حبيبي مش قصدي كده، الحب مش بالسن مع إن خير الأمور الوسط، يعني أنا وجوزي الله يرحمه كان بينا فرق ١٣ سنة وكان بيحبني وبيعاملني إني بنته وكنت ملكة وعمره ما زعلني." سقطت دموعها وهي تستعيد ذكرى زوجها الغالي ثم تنهدت وتابعت بتروٍ وهي تلتقط الأخرى بكفها قبل أن تسقط:
"قصدي إنها صغيرة فأكيد تصرفاتها مش متزنة ومحتاجة منك حكمة وتفهم، أنا شفتها يوم زفاف نارة كانت زي الطفلة، وكانت عيونها عليك على فكرة طول الوقت وأنا توقعت وقتها إنها بتحبك وقلت الكلام ده لمنيرة قالت لي دي هبلة ومش هتنفع عمر بس أنا كان ليا رأي تاني، أنا كنت شايفة إن لو فعلًا ده حصل هتبقوا مناسبين جدًا لبعض، لإني افتكرت حكايتي مع جوزي الله يرحمه، حياتك الهادية والكئيبة دي محتاجة حد حيوي ينعشهالك."
نطقت الأخيرة بابتسامة ماكرة وهي تلكزه بحنان أمومي فاستطاعت بكلماتها أن تشتته عن حزنه قليلًا، وجلس يستمع إليها وهي تتابع بحنو: "هي بتدرس إيه؟ أجابها بقلبٍ نابضٍ لتلك العنيدة قائلًا بتنهيدة معذبة: "فنون جميلة السنة التانية." تفاجأت فقد كانت تحسبها أصغر سنًا لذا تحدثت متسائلة: "طيب ممكن تحكيلي إيه اللي حصل بالضبط؟
عاد ألم قلبه ينغز صدره وهو يستعيد ما حدث ويسرده لها كاملًا وهي تستمع له بإنصات وقد تفهمت ردود الأفعال جميعها لذا قالت بهدوءٍ وحكمة وخبرة:
"طبعًا غلطانة، غلطانة وهبلة كمان، بس دي متتسبش يا عمر، دي لو اتسابت هتضيع يا حبيبي وأنت بتحبها، خصوصًا إن آسيا موصياك عليها، دي عايزة احتواء وتتعامل معاها كأنها بنتك بالضبط، أيوة تتعاقب طبعًا وتعرف غلطها بس إنت قلت إنها بتحبك جدًا يبقى أوعى تسيبها تضيع نفسها، للأسف للدلال وجه مظلم وده اللي حصل مع مايا، واضح إن باباها كان مفرط في دلعها وده سبب إن آسيا تلجأ لك، لازم تكون قد المهمة دي يا عمر ومتنساش إن هي كمان يتيمة."
برغم مد طريق الراحة إلى قلبه من حديثها وتوغل السكينة إليه إلا أن عقله تحدث مستنكرًا بشموخٍ: "إزاي بس يا أمي؟ هرجعلها إزاي بعد ما قالت إني مبقتش الحارس بتاعها وطلبت من زميلها ييجي يخطبها قدامي! "مستحيل أفرض نفسي عليها تاني. مش يمكن لما عرفت أصلي عملت كده؟ مش يمكن ده مش تصرف أهبل منها زي ما قلتي وعملت كده علشان ما تربطش نفسها بواحد مالوش أهل؟ أسرعت تردف بحزم وثبات وقناعة:
"لا يا عمر، أوعى تقول كده تاني. إنت بنفسك قلت إنها مش مستوعبة أن نارة مش أختها. رد فعلها مع نارة ينافي كلامك تمامًا! أنا متأكدة إنها مشتتة ومش عارفة تفكر صح فأخدت أي رد فعل يعمل صدمة ليك ولآسيا لإن إنتوا اللي خبيتوا عنها." سبح بقارب أفكاره في بحر كلمات لبنى لثوانٍ وكأن قلبه يتعلق بها ولكن عقله أيضًا شبه مقتنع، لذا تساءل بانتباه وهو يتعمق في ملامحها المريحة: "طيب ودي أتصرف معاها إزاي؟ دي طلبت منه يتقدملها."
زفرت والتفتت أمامها تفكر قليلًا، ثم عادت إليه وتحدثت بتريث وخبث حكيم: "هقولك تعمل إيه." تنبه لها جيدًا باستجابة تامة وبدأت تخبره بكيفية التصرف مع تلك المتمردة الحزينة. *** في العاشرة مساءً وعلى غير المعتاد. تقف أميرة في مطبخها تعد فنجانًا من القهوة علها تخفف من وطأة الصداع الذي يهاجم رأسها كل يوم حتى بات محتلًا لها.
كل شيء حولها هنا له الحق في الراحة إلا هي. حُرمت من راحتها وحُرمت من سعادتها وسلبها والديها وزوجها السكينة التي كانت تتمناها.
هنا تعامل كالأسيرة من قبل سجّانٍ قاسٍ القلب متحجر المشاعر، كل ما يسعى إليه هو امتلاكها جسديًا فقط. لم تشفع لها صلة القرابة بينهما ليرحمها بل أكمل عزفه بأوتار القسوة والعنف على قلبها، وبرغم ذلك تعافر مع رياح الحياة علها يومًا تصل إلى مرسى آمن حتى لو لم يكن ما تتمناه. يكفيها الآن أن تنجو، ولكن هل حقًا ستنجو أم ستظل لعبة الأمواج تحركها كيفما تريد؟ دومًا هذا السؤال يتردد على خاطرها.
سمعت صوت سيارة زوجها فتعجبت من مجيئه في هذا الوقت، لذا تنفست بقوة تستدعي طاقتها لرؤيته التي لا تحبذها، ثم عادت تكمل صنع ما تنويه حيث فتحت أحد الأدراج وتناولت منه فنجانًا وطبقًا ثم اتجهت تقف عند ماكينة صنع القهوة ووضعت الفنجان أسفلها تنتظر تحضيرها.
دلف فيلته وأغلق الباب بحدة أجفلت على أثرها وتعالت نبضاتها بخوف ولكنها ادعت الثبات ولم تلتفت لتراه بل ظلت ثابتة ثباتًا كاذبًا أمام ماكينة القهوة، ولكنها شعرت بخطواته ووقوفه خلفها. وبالفعل حين وجد إضاءة المطبخ مضاءة اتجه على الفور إليه ووقف يستند متكتفًا عند بابه واضعًا ساقًا أمام الأخرى وهو يقول بنبرة صلدة بطيئة: "مجتيش ليه؟
حاولت تنظيم أنفاسها التي تباطأت والتفتت برأسها تطالعه بطرف عينيها ثم عادت تنظر إلى ماكينة القهوة التي بدأت تسقط منها القطرات متتالية داخل الفنجان وتحدثت بعد ثوانٍ بقوة وهمية: "قلتلك مش عاوزة أروح. مبحبش أروح هناك. محدش هناك بيحـ ــــــــــ اااااااه." جحظت عيناها حينما وجدته فجأة خلفها يقبض على خصلاتها بيده ويلفها رافعًا رأسها إليه وهو يقول بملامح وحشية مخيفة وفحيح أرعبها:
"مادام قلتلك تروحي يبقى كان لازم تسمعي كلامي ومتطلعنيش عيل قدامهم. ولا إنتِ قاصدة تستفزيني علشان وحشك وشي التاني؟ نظرت له بقهر وهي تزم شفتيها وكادت أن تبكي ويدها تحاول نزع خصلاتها من بين قبضته القوية. تجزم أنه سيقتلع شعرها وتطالعه بكره وتصرخ قائلة: "سيب شعري وابعد عني." لم يحل قبضته بل زاد من لفه حول يده القاسية أكثر فتألمت واعتصرت عيناها وقالت ببكاء وهي تلكمه بقبضتها في صدره:
"شعري يا مجنون. سيب شعـــــــــــــــــري." انحنى نحو أذنها ثم قضمها بقوة جعلتها تصرخ فابتسم بطريقة مرعبة قائلًا بهمس وبطء متعمد: "الكلمة تتسمع من أول مرة وإلا هتبقي إنتِ السبب في أي رد فعل ليا بعد كده. أنا بحاول أكون كويس معاكِ. اتقي شري يا أميرة. أوعي تفكري إن علشان بحبك هسمحلك تقللي مني حتى لو قدام أهلي."
نفض يده عنها يلقيها بعيدًا فارتدت عند رخامة المطبخ تدلك بيد أذنها وبالأخرى فروة رأسها التي تتألم وهي تبكي بنشيج حاد. نظر لها بغضب ولم يبالِ بمقدار ذرة ندم بل يعانقه وحش القسوة الآن. التفت يغادر من حيث أتى ليكمل سهرته اليومية بضيق وغضب وتركها تسقط أرضًا وتتكور على نفسها بضعف وعجز ويأس.
خارت قوتها. كلما أقنعت ذاتها أنها قوية وستواجه وستنتصر أخيرًا عليه وعلى عائلتها، جاء هو في لمح البصر ليثبت لها أنها واهية ضعيفة ذليلة له ولعائلتها. أحنت رأسها بين ركبتيها وبدأت تبكي بكاءً يقطع أنياط القلوب. تصرخ بصوت داخلي قائلة: (يا رب. يا رب أموت أنا تعبت. تعبت أوي) *** في فيلا حسن العدلي دلف ابنه يوسف يلقي السلام على والديه قائلًا بهدوء وهو يجلس بتعب بعد يوم عمل شاق: "السلام عليكم."
ردا سلامه فتنهد بعمق وتحدث بترقب وتمعن وهو يطالع تعبيرات والده: "جبتلك كل المعلومات زي ما طلبت يا بابا. حتى كمان عرفت عنوانها." تفاءل حسن ونظر لزوجته التي ابتسمت وأومأت محفزة ثم التفتت تطالع ابنها قائلة بحماس وراحة: "قول يا يوسف بسرعة عرفت إيه." تنبها له فتحدث يوسف بتروٍ مظهرًا ما في جعبته:
"بصي يا ستي. ناردين شفيق الدقاق. هي نفسها نارة بنت عمي الله يرحمه. اتبناها شفيق ومراته من ٢١ سنة وأخدوها وسافروا إيطاليا وبعدين شفيق اتوفى فنزلت مصر هي وأمها وأختها الصغيرة واتجوزت هنا." كانا يتابعاه بتركيز تام فزفر يتابع وهو يفرد ظهره على المقعد ويدلك رقبته ويتثاءب ثم قال: "متجوزة من واحد اسمه محمد عبدالله رجل أعمال عنده شركة قطع غيار سيارات." انتهى ثم دس يده في جيب جاكيته يخرج صورتها ومد يده لوالده قائلًا
بملامح مجهدة ناعسة: "دي صورتها." انتشلها حسن يتفحصها بدقة ويحرك أصابعه على ملامحها كأنه يستشعر صلة القرابة بينهما ثم التمعت عيناه يردف بحنين وندم: "أيوة هي. كلها شبه شريف الله يرحمه." التقطت منه زوجته الصورة ثم اعتدلت تطالعها بتمعن ثم تحدثت مبتسمة بسعادة وعينيها منكبة عليها: "بسم الله ما شاء الله عليها جميلة." ناولت الصورة مجددًا لزوجها ثم تساءلت بترقب: "طيب دلوقتي هتقابلوها إزاي يا حسن؟ واخواتك هتقولهم إيه؟
وخد بالك إنها طلعت متجوزة رجل أعمال أهو. يعني ده ممكن يهون الأمور عليك شوية وتعرف تدخل لإخواتك من الحتة دي. أهو لحد بس ما توصلولها وتتكلموا معاها." شرد حسن يفكر في الأمر بينما تحدث يوسف برتابة متذكرًا: "على فكرة يا بابا هي كمان كاتبة وليها كتاب مشهور. بس وأنا بدور عن جوزها المعلومات كانت قليلة جدًا تكاد تكون معدومة. فيه غموض حوالين شخصيته لكن سمعت إنه بيحبها جدًا."
تباهت والدته به وبالمعلومات التي أتى بها قائلة بابتسامة أم عريضة وبنبرة فخر: "برافو عليك يا سيادة المحامي. مخلتش معلومة إلا إما عرفتها. بس قولي بقى هي معاها أولاد؟ ابتسم لمدح والدته به ثم تحدث قائلًا وعينيه تجاهد النوم: "لا معندهاش هي لسة متجوزة بقالها كام شهر بس." زفرت توميء داعية بصدق: "ربنا يرزقها الذرية الصالحة." نظرت لزوجها الشارد وتساءلت مسترسلة: "ها يا حسن بتفكر في إيه؟ انتبه حسن لها فتنهد يجيب بقلق:
"قلقان من إخواتي. ربنا يستر وميطمعوش فيها لما يعرفوا إنها غنية ومتجوزة رجل أعمال. بس فعلًا ده يمكن يخليني أعرف أتكلم معاهم. الصبح ربنا يسهل كده وأفتح معاهم الموضوع." ربتت على ساقه تشجعه قائلة بتعقل ولين:
"اعمل اللي عليك وريح ضميرك. فلوس أخوك شريف الله يرحمه لازم ترجع لبنته. إخواتك زوروا كل حاجة وأخدوها ورموا البنت في الملجأ وده ميرضيش ربنا يا حسن. لازم تريح ضميرك ومتبقاش شريك في ظلمهم ده. كلمهم وروحوا شوفوها وقلهم يردولها حقها أو حتى جزء منه." أومأ مؤيدًا لرأيها بعد عذاب ضمير لازمه لأشهر بل لسنوات عدة غلبه فيها الخوف والعجز من إخوته. أما يوسف فنهض قائلًا: "تمام عن إذنكوا أنا هطلع أنام. أومال فين حنان؟
تحدثت والدته بتريث وحنو: "حنان فوق يا يوسف طلعت تذاكر. خبطت عليها وانت معدي لإنها زعلانة علشان مش شافتك النهاردة." أومأ يستأذن وتحرك للأعلى وظلت هي تتحدث مع زوجها عن أمور عدة حول المعلومات التي وصلتهما للتو. بينما صعد يوسف الدرج وتحرك نحو غرفة شقيقته يطرق بابها فسمحت له بالدخول. فتح الباب وطل برأسه للداخل قائلًا بمشاكسة وحنو: "بتذاكري يا نونة ولا بتتسوقي أون لاين زي عادتك." ضحكت ولوحت بيدها التي تمسك كتابًا
قائلة بمرح محبب إليه: "أهو ياخويا أهو مسكتني متلبسة والكتاب في حضني أهو. أشهدوا يا عالم." ابتسم لها ودلف يجلس على المقعد أمامها ثم مد يده يضرب رأسها بخفة قائلًا بعفوية أخوية: "عليا بردو. تلاقيكي أول ما شوفتيني خبيتي الموبايل هنا ولا هنا." كان يشاور بعينه نحو جانبيها فتركت كتابها على المكتب وأمسكت بقميصها تبعده عنها وتقول بحركة عشوائية: "فتشني فتش." عض على شفتيه منها وهو يعاود ضربها بخفة ولكنها ابتعدت تضحك ثم نظرت
له بتفحص قائلة بحنو مشاكس: "تحت عيونك أسود يا يوسف. ووشك أصلًا باهت. وعمال تتاوب لحد ما هتنيمني وأنا قاعدة. مش فاهمة ليه بتتعب نفسك أوي كده في الشغل. ما انت على قلبك قد كده ريح نفسك بقى." كان يستمع لحديثها بتأثر إلى أن نطقت جملتها الأخيرة بجلافة فرفع كفه يخمس في وجهها قائلًا: "قل أعوذ برب الفلق. النهاردة الخميس الساعة خمسة." ضحكت عليه ثم تنهدت تقول باستفاضة متأثرة بشكل مسرحي: "إييييه. دنيا."
هز رأسه بيأس من هذه الصغيرة المشاغبة التي وُجدت لتزيل آلامه وتبدد صدأ قلبه فهي القادرة على إسقاط أحمال عاتقيه بحركاتها البسيطة العفوية. تحدثت بعد ذلك بجدية: "انزل أعملك سندوتش وفنجان قهوة؟ هز رأسه يردف شاكرًا بصوت رخيم يعود لجديته: "لا يا حبيبتي أنا تمام. أكلت أنا وعماد وأحمد برا المكتب قبل ما أجي." أومأت وكادت تتحدث لولا رنين هاتفها الذي كانت تخبئه في أحد الأدراج.
ابتسمت بخبث فهو محق لقد كانت تتسوق قبل أن يأتي بينما هو يطالعها بعيون ضيقة ويداها تمتد تتناول الهاتف وتنظر له لتتحول ابتسامتها وهدوء ملامحها إلى أخرى متحفظة لا تعلم ماذا تفعل كأنها تخفي شيئًا فتعجب من تحول ملامحها التي بهتت وتساءل بقلق: "فيه إيه يا حنان مالك؟ مين بيتصل؟
زفرت بعمق وطالعته لثوانٍ قليلة مترددة ثم قررت أن تدير الهاتف إليه ليجد اسمًا حفر في قلبه بل طبع بالنيران والألم يظهر على الشاشة فانسحب قلبه لقدميه وتسمر للحظات مكانه قبل أن يحل وثاقه وينهض قائلًا بفتور وهو يلتفت نحو الباب: "تصبحي على خير."
غادر مسرعًا كي لا يسمع حتى همسًا منها. غادر قبل أن يجمعه معها غرفة واحدة حتى لو كان صوتها فقط. لملم آلامه وحطام قلبه وغادر متجهًا إلى غرفته ليبدأ ليلة اعتيادية لا تخلو من الأفكار خاصة بعد هذا الحدث الذي سيسلب النوم من عينيه. أما هي ففتحت تجيب بترقب وهدوء قائلة: "أميرة؟ عاملة إيه؟ تحدثت أميرة التي تتكور على فراشها بحزن ودموع بعدما نهضت من مطبخها منذ قليل: "مش كويسة يا حنان. مش كويسة أبدًا."
زفرت حنان فهي تعد ملاذها الآمن وبئر أسرارها حيث لا تطمئن أميرة بالحديث سوى معها. حديثًا خفيًا لا يعلم عنه زوجها شيئًا وحتى والدي حنان لا يعلمان أنهما تتحدثان، ولكن الآن يوسف بات يعلم لذا تنهدت حنان بعمق وقالت موضحة بتوتر: "أميرة فيه حاجة حصلت." ترقبت أميرة وتساءلت من بين دموعها بقلق: "فيه إيه يا حنان؟ كورت فمها ثم نفخت تجيب بأسف: "يوسف كان هنا دلوقتي وعرف إنك بتكلميني."
نسمة رطبة مرت على قلبها الحار فأنعشته حينما سمعت اسمه. اسمه فقط قادرًا على معالجة جروح جسدها أما جروح قلبها فتبقى نازفة لا تلتئم أبدًا. لقد بات حلمًا صعب المنال. لتعود سريعًا لرشدها ولحزنها قائلة بنبرة معاتبة: "ليه كده يا حنان؟ إنتِ وعدتيني إن مافيش حد هيعرف إننا بنتكلم. لو حد من العيلة عرف هيمنعوني أكلمك تاني." ابتلعت ريقها وتحدثت موضحة:
"أنا آسفة يا أميرة بس اتصالك جه ويوسف هنا وأنا مقدرش أخبي حاجة عنه خصوصًا لو سألني. مبعرفش أكدب عليه." تنهدت بعمق وأسى وأسبلت جفنيها ثم تحدثت بهدوء يخفي ما تعتليه: "تمام يا حنان أنا اللي بعتذر منك إني اتكلمت دلوقتي. سلام." أغلقت معها ووضعت الهاتف جانبًا وعادت تحتضن نفسها بألم وحزن وتفكر في مخرج من هذه الحفرة التي يسعون لردمها فوقها. *** في فيلا بهجت
كان قد تمدد خالد على فراشها وبدأ يتناول من قطع الفواكه وامتدت يده اليمنى تتحسس فراشها ليصور له عقله هيئتها وهي تنام هنا وتتقلب هناك حتى أنه في وقت قصير نسج فيلمًا مثيرًا بينهما بخيوط عقله الخبيث العابث. زفر يخفف من ثقل أنفاسه ويكظم مشاعره ثم مد يده ينتشل جهاز التحكم من فوق الكومود وقام بتشغيل التلفاز المقابل له. اشتغل الجهاز وظهرت قناة الأطفال الترفيهية والتي كانت تعرض فيلمًا كرتونيًا عن (سندريلا)
فانكمشت ملامحه بتعجب قائلًا باستنكار: "أحببت طفلة! توغل صوت التلفاز إلى من في الداخل فتعجبت وظنت أنها والدتها لذا أسرعت ترتدي ثيابها البيتية ولفت خصلاتها بمنشفة وتحركت نحو الباب تفتحه لتخرج. ما إن وطأت قدماها الغرفة ورأته يتمدد على فراشها كأنهما زوجان رسميان ويأكل من الفاكهة بشهية ويبتسم على ما يعرض كأن الأوضاع في قمة طبيعتها. جحظت وتجمدت مكانها لثوانٍ لا تستوعب حتى ظنت أن عينيها تخدعها.
ولكنه التفت يطالعها بتفحص حيث لأول مرة تظهر أمامه بمنامتها البيتية الحريرية مما جعل أنفاسه تنسحب ببطء ونظرته تصبح أكثر قتامة برغم أنه كان ينتظر خروجها بشكل أكثر جرأة ولكنها خالفت ظنه. زفر مطولًا قبل أن يقول بمرح لا يتناسب مع الحدث إطلاقًا: "فواكه حلوة جدًا. تعالي كلي أنا عملت حسابك." لم تحرك تحدثت بعد ثوانٍ من الصمت بنبرة حزينة ظهرت هادئة برغم ما تعيشه من صراع: "كويسة الحمد لله، بس ممكن أجيلك؟ انفرجت أساريرها
قائلة بترحاب صادق: "أكيد طبعًا يا مايا، هستناكي." أومأت كأنها تراها وأغلقت الهاتف وتنهدت بقوة تعزز طاقتها، ثم نهضت تجلب ثيابًا مناسبة لتذهب لشقيقتها.. الحقيقية. مهما كانت الحقائق. -في الثانية ظهرًا
استيقظ خالد من نومه بتكاسل وهو يتقلب في فراشه الذي تكور أسفله بفعل تقلباته. شعره مشعثًا، وملامحه ناعسة ولا يرغب في الاستيقاظ لولا هذا المنبه البغيض الذي أغلقه للمرة الثانية بعد المئة، فلو كانت تجاوره من يتمناها بقدر تمنيه لموت ميشيل مسبقًا، لما احتاج لمنبه كي يستيقظ. يكفيه قبلة منها على شفتيه لتذيب جليده وتجلب لقلبه الحياة، قلبه المتلهف للحب واللهو معها، عقله الذي ينسج خيوط المغامرات والعشق معها وينتظر مجيئها كي يحقق كل ما يريده ويتمناه ولن يتهاون في ذلك مهما كلفه الأمر.
تمطأ بقوة وسحب أنفاسه يتثاءب ثم تأفأف ونهض ولكن فجأة توغله النشاط وهو يتجه راكضًا نحو شرفته ليراها وحتى لو لم يرها يكفي أنه يعلم أنها تنام خلف هذا الجدار، وحتى أنه يرسم ويتخيل نومتها في عقله خاصةً بعد رؤيته لغرفتها أمس، عقله الذي ينسخ خيوطًا صنعت من وقاحة.
دلف ونظر قليلًا قبل أن يتجمد مكانه حينما وجد رجلين في شرفتها يقومان بتركيب حائط زجاجي حول الشرفة. وقف لثوانٍ لا يستوعب ما يحدث ثم وجد بهجت يخرج إليهما ويشير لهما على مكانٍ ما ويتبادلون الحديث، وأخيرًا أدرك أن بهجت يستعمل أساليبه ليحجب ابنته عنه، وأخيرًا ابتسم يهز رأسه باستنكار على هذا البهجت ضيق الأفق الذي يظن أن بهذا الجدار الزجاجي سيمنعه عنها.
أطلق صافرة عالية وصلت إلى مسامع بهجت الذي التفت ينظر له فجأة فأشار له خالد ملوحًا بترحاب ماكر ثم حرك أصابعه في حركة التمام وكأنه يشجعه على فعل ما بوسعه. طالعه بهجت بضيق ولف وجهه عنه يكمل حديثه مع الرجلين فالتفت خالد يعود للداخل ومنه إلى حمامه كي يبدأ في اللهو قليلًا. -في فيلا سمير العادلي عم نارة. يجلسون ثلاثتهم على طاولة الطعام يتناولون وجبة الغداء وكلٌ منهم في أفكاره. تحدث سمير بتجهم وقمع كعادته وهو ينظر لزوجته:
دلوع أمه لسة نايم مش كده؟ عيل خايب مافيش منه فايدة، داخل ع التلاتين سنة وهيفضل خايب، ما بتشوفيش ولاد حسن وأمهم بتتعامل معاهم إزاي؟ معرفتيش تطلعيه محامي زي يوسف ولا حتى تاجر كفؤ زي ياسين ابن رضا؟ تربيتك تربية خايبة. كانت تتناول طعامها بشهية شبه معدومة وانعدمت تمامًا بحديثه وكلماته الحادة المدببة لذا تركت ملعقتها ونظرت له قائلة بنبرة حزينة تملؤها اللوم: وإنت كنت فين؟ مش ده ابنك؟
ما إنت كمان معرفتش تعمل زي حسن ولا زي رضا، وضيعت ابنك منك بطريقتك الغلط. تأفأفت ابنتهما إيمان وأدركت أن اسطوانة العنف اليومية سوف تبدأ لذا نهضت تردف وهي تتحرك للخارج: الحمد لله شبعت. تركتهما ورحلت بينما هو تحدث موبخًا إياها ولم يهتم حتى لرحيل ابنته قائلًا بحدة: لا يا شيخة؟ بقى عايزاني أنا أقعد في البيت أربي العيال وأعلمهم الأدب وأسيب حالي ومحتالي للغريب؟ ولا كنتِ عايزة تنزلي إنتِ تديري الشغل وأنا أقوم بدورك هنا؟
مترميش عليا فشلك في تربية ابنك، أديكِ شوفتي إيمان أهي لما خوفت عليها منك ومن إهمالك واهتميت بيها بنفسي بعد ما خيبتي الواد، علشان تعرفي الفرق بيني وبينك. نظرت له بخيبة وحسرة ونهش الألم فؤادها المحطم ثم قالت بيأس وترقب واختلاج: وصابر عليا ليه؟ ما تطلقني وتتجوز واحدة تانية تكون ست كويسة زي مراتات أخواتك، ولا خايف لاخد فلوسي اللي إنتِ شفطتها وأمشي؟
توترت نظرته وصدم من حديثها الذي نادرًا ما يظهر، نادرًا ما تحدثه عن نقودها لذا بدأ يتراجع عن حدته ويخمد غضبه قائلًا بتهكم ويده تعاود تناول طعامه: الحب بقى، كنت شاب طايش وربنا يتوب علينا، كُلي كُلي مبقاش ييجي منه. زفرت بقوة ونظرت له بيأس وهي تندم في كل لحظة تمر من حياتها على اختيارها لهذا الزوج وانسياقها وراء كلماته المعسولة في الماضي. طرقات على باب فيلتهم انتبه لها فتحدث بعلو وجلافة: افتحي الباب يللي ما تتسمي.
أسرعت الخادمة تفتح باب الفيلا ليلقي حسن بالسلام ويدخل هو وابنه متسائلًا: سمير فين يا بنتي. نهض وخرج من غرفة الطعام واتجه يبتسم لشقيقه قائلًا بسماجة: أهلًا يا حسن، أزيك يا يوسف؟ لو كنا نعرف كنا جبنا في سيرتكوا من زمان أنا وأم طه. أومأ حسن وتقدم يجلس على الأريكة وكذلك يوسف الذي جاوره وتساءل بترقب: خير يا عمي؟ كنتوا بتتكلموا في إيه عننا؟ اتجه يجلس أمامهما ويفرد ظهره وذراعيه على مسند الأريكة قائلًا باندفاع:
كل خير طبعًا يا ابن أخويا، نورتوا، خير؟ قالها بشك وهو ينظر لشقيقه الذي يظهر عليه التوتر فتحدث يوسف بدلًا عن والده: خير يا عمي متقلقش، بس هنستنى دقيقتين بس لما عمي رضا ييجي. تعجب من تجمعهم قائلًا: رضا؟ طب ما ترسيني ع الحوار بالضبط؟ تنهد حسن ونظر له قائلًا بتروٍ: اصبر بس يا سمير زمان أخوك جاي، احنا كلمنا وقال جاي علطول. زفر ومط شفتيه ثم جلس ينتظر بينما خرجت زوجته ترحب بحسن ويوسف ثم تحركت لمطبخها تحضر الضيافة.
-بعد تناول وجبة الغداء تحرك بهجت مع ابنه لتأدية صلاة العصر في المسجد القريب من المنطقة. خرج من فيلته يجاوره ابنه ويتحدثان بهدوء ولكن انقطع حديثهما حينما وصل إلى مسامع بهجت صوتًا بات يبغضه وهو ينادي قائلًا: ثانية واحدة. التفتا سويًا يطالعانه وبصعوبة أخفى مازن ضحكته بينما تعجب بهجت من هيئة هذا الخالد الذي يتقدم منهما ويرتدي جلبابًا لا يعلم كيف حصل عليه حتى وصل أمامهما قائلًا بترقب وهو يتعمق في عين بهجت كأنه
يسعى لإصابته بنوبة قلبية: ياريت يا أستاذ بهجت بَعد كده تنادي أليا نروح نصلي جماعة سوا. نظر بهجت لابنه باستنكار وتساؤل فوجده يهز منكبيه بتعجب ثم عاد لهذا الواقف يفرك حبات مسبحة بين أصابعه ويتمتم بفمه بحروفٍ يجزم أنهم من لغة فضائية فهز رأسه وقال بنفاذ صبر وهو يصفق بكفيه متعجبًا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مد قدامي، ربنا يهديك.
لم يرد بهجت قطعه عن الصلاة برغم الضيق الذي ينتابه منه، ابتسم له بملامح استفزازية وتحرك معهما نحو المسجد وهو يردد مثله: ربنا يهديك وتجوزني خديجة. -عودة إلى فيلا سمير بعدما جاء رضا شقيقهما وجلسوا جميعهم يترقبون ليبدأ حسن في البوح بما ينويه قائلًا بتوتر: الأول قبل ما أقول أنا جمعتكوا ليه عايزكوا تهدوا وتسمعوني كويس، وتعرفوا إن ده راحة ضمير لينا كلنا، لازم نصلح أخطاء الماضي ولا إيه؟
نظر له سمير بشك وبدأ يستشف أمره فهذه ليست المرة الأولى التي يحاول بها التطرق لهذا الأمر ولكن سمير ورضا يقفان له بالمرصاد دومًا، وهذا ما حدث حينما قال رضا بتهكم: قول اللي عندك يا حسن من غير لف ودوران لما نشوف، شكلك مش ناوي تجيبها لبر. توغل الغيظ قلب يوسف من طريقة أعمامه مع والده ولكنه استدعى الصبر وسمح لوالده أن يكمل قائلًا بنبرة جاهد لتكون صلبة ثابتة:
بنت أخوكوا شريف، البت اللي رميناها زمان في الملجأ واتبرينا منها، جه الوقت علشان نرد لها حقوقها علشان ربنا يسامحنا. انتفض سمير يطالعه بنظراتٍ حارقةٍ قائلًا بغضب: حقوق إيه اللي بتتكلم عنها يا حسن؟ وبنت مين دي اللي رميناها زمان؟ إيش عرفك إن البت دي كانت بنت أخوك أصلًا؟ ما أنت عارف أنه كان متجوز واحدة شمال أجنبية ملهاش لا أصل ولا فصل. انتفض حسن هو الآخر يجابهه ولم يعد التوتر حليفه بعدما اشتعلت طاقة غضبه وضميره قائلًا:
اتقي الله يا سمير ومترميش واحدة ميتة بالباطل، أنا وأنتوا عارفين كويس إن البنت دي بنت أخونا، متخليش كرهك لأمها يعميك عن الحقيقة. تحدث رضا هو الآخر باندفاع قائلًا: حقيقة إيه يا حسن؟ إنت هتصدق نفسك ولا إيه؟ وبعدين إيه اللي جد يعني بعد السنين دي كلها؟ ولا هي مراتك لعبت في دماغك تاني؟ نظر يوسف لعمه نظرة قوية شامخة ثم قال بثباتٍ:
عيب يا عمي لما تتكلم عن أمي كده، أبويا مغلطش، كل ما في الأمر إنه عرف معلومات عن بنت عمي شريف الله يرحمه وجايلكم علشان تصلحوا اللي جدي عمله زمان، دي مهما كان لحمنا ودمنا. نظر له سمير بحنق وعاد يرتطم بالأريكة قائلًا بغلظة وجمود: معلومات إيه اللي عرفها عن البت دي وجاي محموق أوي كده؟ بتشحت مثلًا ولا عايشة في عشة؟ نظر يوسف لوالده واعتدل في جلسته يتحدث بثقة وشموخ وترقب لردود الأفعال قائلًا:
لا بالعكس، عايشة في فيلا ومتجوزة راجل أعمال كبير. تراقصت شياطين طمعه أمامه وهو يميل قليلًا برأسه متعجبًا بينما تحدث رضا بتعجبٍ وهدوء بعدما تبخر غضبه: لا يا أخي؟ راجل أعمال مرة واحدة؟ وقعتوا إزاي ده؟ على رأي المثل اكفي القدرة على فمها. زفر يوسف ونظر لوالده الذي تحدث بتروٍ بعدما لاحظ هدوءهم قائلًا:
سيبكوا من كل ده، المهم دلوقتي خلونا نتعرف عليها ونحاول نخليها تسامحنا، ولازم نديها ولو جزء من حقوقها، فلوس أبوها اللي كان سايبها. عاد الغضب يتفاقم عند رضا وقال باندفاع: فلوس إيه يا حسن دول كانوا ملاليم أيامها وبعدين ده خير أبويا في الأصل وهو مالوش ورث طالما مات قبل أبونا. تحدث سمير بنبرة هادئة منافية تمامًا لحديثه منذ ثوانٍ قائلًا بخبث يلازمه دومًا بعدما علم تلك المعلومات عنها:
لا يا رضا، إحنا نقول اللي لينا واللي علينا برضه، لو ع الفلوس أيوة شريف كان سايب فلوس خاصة بيه قبل ما يموت، بس برضه عايزين نتأكد إنها بنت أخونا. زفر حسن ولم يخفَ عنه حقيقة شقيقه الطامعة ولكنه دس يده يخرج من جيبه صورتها التي أحضرها يوسف ثم ناوله إياها قائلًا: طب شوف الصورة دي كده! انتشل منه الصورة ودقق النظر فيها، داخله يوقن إنها ابنة شقيقه دون أي إثباتات ولكنه ادعى التردد قائلًا:
امم، يخلق من الشبه أربعين، هي شبه فعلًا. أخفض الصورة ولم يتركها ثم نظر نحو يوسف قائلًا بترقب: طيب ودي ممكن نتكلم معاها إزاي؟ عن طريق جوزها أكيد مش كده! أومأ يوسف يؤكد: أكيد يا عمي، هحاول أتكلم مع سكرتيرة مكتبه وأطلب منه ميعاد، بس جهزوا إجابة مقنعة لما يسألنا ليه بعد السنين دي كلها جايين دلوقتي ونسأل عليها. نظر رضا نحو شقيقه قائلًا بتعجب يجهل خبثه: يعني وافقت على كلامهم يا سمير؟ فكرك يعني إنها هترحب بينا؟
حك ذقنه بمكر ثم قال ببرود: أهو يبقى عملنا اللي علينا، لو ده هيريح ضمير حسن. أومأ يوسف لهم ثم تحدث بدبلوماسية: عامةً هي كانت عايشة في إيطاليا مع العيلة اللي اتبنتها ولسة نازلة مصر من سنة تقريبًا، يعني ممكن تقولوا إنكم كنتوا بتدوروا عليها وأول ما وصلكم معلومات عنها جيتوا. تساءل سمير ببعض التعجب: وهو جوزها عارف إنها يتيمة؟ أومأ يوسف يردف باستفاضة:
أيوة عارف، صاحبة الدار مدتنيش المعلومات كاملة وقالت إن جوزها رافض بس أنا عرفت بطريقتي، معنى كده إنه عارف طبعًا. أومأ سمير وبدأ يحرك لسانه على شفتيه ويفكر بمكر في الصفقة القادمة وكيفية التخطيط لها يجهل تمامًا في أي فخ هو واقع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!