استيقظت "قُدس" في فراشها بتعب وصداع يلزم رأسها الصغير. وضعت يدها على رأسها من التعب بينما تجلس على الفراش، وتذكرت أمس حين قررت الانتقام منه. لكن خطتها انحرفت منها كالماء الذي ينجرف على حافة التل، حين غرقت في السُكر من الوجع والشعور الذي اجتاحها حين دلفت لهذا المكان. كان مُرعبًا.
عندما ولجت لهذا المكان ورأت السعادة على وجوه الجميع، شعرت بضعف. أن هذه المشروبات قد تسلبها الوجع وتعطيها السعادة مثلهم، وتبتسم بأريحية مثلهم. تذكرت حين اتصل بها المجنون، ومجرد رؤيتها لأسمه قررت أن تنتقم من قلبها العاشق له، وغرقت في الشُرب من هذا المنكر. ولا تتذكر شيء آخر عن ليلة أمس.
أغمضت عينيها الخضراء بتعب شديد وهي تنزل من فراشها، وتحاول أن تتذكر شيء بعد أن شُرب كأسها الأول. بدأت الصورة المشوشة تجتاحها، ورأت وجه "الجارحي" في صورة ضعيفة. ولا تتذكر شيء لتُدرك أنه من أعادها للمنزل، لكن ماذا حدث؟ وكيف كان رد فعله حين جلبها لهنا؟ لا تتذكر شيء عن ليلة أمس مما جعلها في حيرة.
تقدمت للأمام بخطوات ثقيلة، وقدميها مُرتعشة من أثر حالة الثمالة التي كانت بها. وجسدها غير مُتزن يهتز بخفة في خطواتها. لتنتبه لشيء حين مرت من أمام المرآة الطويلة. فعادت مرة أخرى لتقف أمام المرآة الموجودة بطول الحائط لترى نفسها ترتدي قميص رجالي أبيض على جسدها الصغير، وقدميها العاريتين. وكان القميص أقصر من فستانها، وأكمامه طويلة جدًا على ذراعيها وواسع على نحافتها.
لتفزع وهي تضع يدها على فمها بفزع، وكيف خلعت فستانها وأرتدت قميصه. فركت عينيها بقوة من هول الدهشة التي أصابتها، ونظرت مرة أخرى فلم يتغير شيء. لتفزع من هذا الشيء وشعرت بخوف يحتلها. إذا حدث شيء بينهما ليلة أمس، فحتما "الجارحي" الآن في أقصى درجات غضبه منها وسيطلقها.
ظلت بغرفتها قليلًا تفكر، وقررت أن تصطنع الجهل. فأخذت بيجامتها من الخزين بعد أن وجدت الساعة تجاوزت الثانية عشر ظهرًا، وحتما أنه ذهب إلى العمل. خرجت لتأخذ حمامها رغم جسدها الهزيل، وأرتدت بيجامتها عبارة عن بنطلون فضفاض رمادي وتي شيرت أبيض ضيق يظهر مفاتن نصفها العلوي. وخرجت من المرحاض تجفف شعرها بالمنشفة، لتصرخ بفزع حين رأته يخرج من المطبخ، فأرتطمت بظهرها في الحائط. تجاهل النظر إليها بحدة صارمة وقال:
"تعالي أطفحي عشان تفوقي من القرف اللي شربتيه." ابتلعت لعابها بخوف، ولأول مرة ينعقد لسانها ويمتنع عن تحديه. فدَلفت إلى غرفتها تصفف شعرها، وخرجت من الغرفة الخوف يتملكها، خصيصًا أنها تجهل ما حدث ليلة أمس بينهما. رأته يجلس على السفرة يتناول فطاره ببرود شديد ويحملق في هاتفه.
جلست على مقعدها المجاور له، أرتشفت القليل الحساء الساخن وعينيها تحملق به في هدوء، مُنتظرة رد فعله أو صراخه. مُنتظرة أي رد فعل منه على ما حدث. كان أكثر ما يشغل بالها هو كيف كان قميصه على جسدها الناعم. لتبتلع لعابها بتوتر، فتحدث بحدة صارمة وعينيه في هاتفه: "هتفضلي مبحلقة فيا كتير؟ هاتي اللي عندك." تنحنت بحرج وتركت الملعقة من يدها في الطبق، وتنهدت بخفة خائفة منه وسألت بتوتر شديد: "أنا هببت الدنيا أوي؟
رمقها بغرور، بينما يضع الجُبن على العيش بالسكين. فأبتلعت لعابها بتوتر وأحمرت وجنتها خجلاً. فتبسم بخباثة على خجلها وانكماشها في ذاتها أمامه، وهي لا تذكر شيء عن ليلة أمس. فسألت بتلعثم شديد: "أو" لوّح بالسكين أمام وجهها وقال بجدية: "اللي هببتي متلومنيش عليه يا قُدس. أنا وعدتك ما هبص لك حتى لو ميتة، لكن اللي عملتيه تحمليه لوحدك." لم تفهم كلمات، ليسحب مقعدها بيده بقوة حتى ارتطمت به. فحاوطها بذراعه وهو يقول: "خايفة ليه؟
المفروض بعد ليلة امبارح تكوني اتعودتي على حضني زي ما أنا اتعودت على حبك الكبير ليا وقد إيه مش قادرة تعيشي من غيري ولا في بعدي. زي ما اتفاجئت بجرأتك معايا امبارح وإنت تخلعي هدومي... وضعت يدها على فمه تمنعه من الحديث أكثر، وأحمرت وجنتها أكثر وعينيها تتلألأ بالخجل. فلم يفهم هذه الصغيرة. تورّدت خجلاً الآن، بينما أمس كانت جريئة في لمس جسده. فكز على أسنانه بحدة صارمة، فتحدثت بنبرة خاجلة واستحياء:
"اتلم يا ابيه، أنا مستحيل أكون عملت كده." تبسم بخباثة ثم قال بعينين ترمقها كالصقر: "أنا كمان قلت إنك مستحيل تعملي كده؟ أنا كمان قلت مستحيل قُدس اللي ربتها على إيدي وعلى الأخلاق تروح الأماكن دي وتطفح اللي طفحتيه." ابتلعت لعابها بخوف منه، فقالت بتمتمة: "لأن قُدس كبرت." مسك ذراعها بقوة غاضبًا وقال بحزم وصراخ أرعبها: "وهي اللي تكبر تفجر... اللي عملتيه اسمه فُجر وانحراف وعقابه عسير يا قُدس."
فُتح باب الشقة مع صرخته، لترى رجل ضخم كدلفة الباب. فقال بحزم: "اللي بيشرب اللي شربتيه صلاته متتقبلش أربعين ليلة. وبما إنك طفحتيه ومعملتش حساب للجارحي أبو النور...
بس صحيح اللي مخافتش من الحلال والحرام وربنا هتخاف من الجارحي أبو النور. أربعين ليلة محرومة من الطلوع من الشقة. يزيد عنده أمر لو طلعتيه من البيت يطخك عيار يجيب أجلك. ومفيش جامعة ولا نت يا قُدس. هتعيشي أربعين ليلة سجينة بين حيطان شقتك. ودا لأني رافض رفض قاطع أن أمد إيدي عليكِ." لم تستوعب عقابه وهو يحول الشقة لسجن لها، فمسكت ذراعه قبل أن يغادر، وقالت: "انت متقدرش تعمل فيا كده، أنا هكلم جدي حمدي هو هيمنعك." خنقها بقبضته
بقوة وتحدث بغضب شديد: "مقدرش، لكن إنتِ تقدري تروحي المكان اللي روحتي وقدرتي تكوني في الحالة اللي إنتِ فيها. قُدس أنا حاليًا بفكر إزاي أقتلك على اللي عملتيه ومانع نفسي عنك، فمتحاوليش تستفزيني أكتر من كده وكوني هادية قدر الإمكان." ارتجفت خوفًا منه، ولأول مرة تتخلى عن التحدي أمامه بسبب خوفها، وتمتمت بتلعثم: "أنا هكلم جدي." تبسم بمكر وقال بثقة:
"جربي تكلميه ولو عرف يعملك حاجة يا قُدس يبقى بحق. صحيح في الأربعين ليلة دول أوعي لسانك يخاطب لساني لأن مانع نفسي بالعافية. وبمناسبة بقي أنك كبرتي ومش طفلة راقبي أمورك لتكوني حامل من ليلة امبارح... سلام يا مراتي العزيزة."
اتسعت عينيها على مصراعيها من كلمته، لتفهم أن ليلة أمس كانت بين أحضانه رغم أنها لا تتذكر شيء من ليلتها. فتبسمت بخباثة على كذبه، فإذا فعل ذلك حقًا لكان عرف أنها ما زالت بعفتها وبراءتها. كانت نظرة الخبث تتطاير منها وهي تمكر له، وهو يعتقد أنه من ينتصر عليها؟
لكن الآن قد سحب هاتفها واللاب توب الخاص بها ومنع عنها كل شيء تحبه وخرج من الشقة. فحاولت الركض وراءه، لكن عندما فتحت باب الشقة وجدت "يزيد" يقف أمامها يمنعها من الحركة. فأتسعت عينيها بخوف، وقد فهمت أنه لم يكن يمازحها، بل أصدر أمره باعتقالها. فتمتمت بخوف: "أنا هنزل لصفصف تحت مش هخرج من العمارة." أجابها "يزيد" بجدية صارمة كما أُمر: "ممنوع." أدلفت إلى الشقة وضربت باب الشقة بقوة حتى سمعه الجميع من الأسفل بسبب غضبها. ***
خرجت "أسيا" مع ابنتها "ليل" و"عمران" ووالدته لشراء شبكتها من أجل التحضير إلى حفل الخطبة. كانت "ليل" في أقصى درجات السعادة، لتبتسم بحب على خاتم ذهب بسيط. فسألته عنه بلطف: "ممكن أشوف دا لو سمحت؟ أندهشت "أسيا" من اختيار ابنتها، فقالت بدهشة هامسة إليها: "إيه يا ليل دا مش حلوة ومش مقامك الدبلة دي، إنتِ ليل أبو النور." سمعها "عمران" ووالدته، وقبل أن يُجيب ردت فتاته الصغيرة ببسمتها المشرقة، وكانت في غاية السعادة
بهذا الخاتم البسيط: "مش بالشبكة يا ماما، أنا مبسوطة ومرتاحة في دا." "برضو... شوفي لنا سوليتار كده ولا حاجة بعد إذنك." قالتها "أسيا" بحدة صارمة. فتحدثت "ليل" بجدية إلى الموظف: "لا، مش عايزة سوليتار يا ماما، أنا عايزة الدبلة دي." تحدث "عمران" بلطف سعيدٍ بفتاته الجميلة التي تُقدر الحب عن الذهب، قائلًا: "شوف لينا دا بكام بعد إذنك؟
رمقته "أسيا" بغيظ شديد، والآن ابنتها ستكون أقل من أي بنت في العائلة، وهم أكبر عائلة. ليُصدمها الرجل حين قال بلطف: "دي 3 جرام ونص." اشمئزت "أسيا" غيظًا من "عمران"، وهل هذه ستكون شبكة ابنتها؟ قالت بحزم: "والنبي يا خويا شوف لينا حاجة أثقل شوية ووريني الغوايش اللي هناك دي كده." ألتفت "ليل" إلى والدتها التي تعكر صفو سعادتها وأحرجت "عمران" كثيرًا أمام الرجل ووالدته الصامتة. لكن نظراتها توحي برفضها لما يحدث. فقالت بضيق
تكز على أسنانها من الحرج: "ماااااا ما." رمقتها "أسيا" بخنق، ونظرت إلى والدة "عمران" بهدوء، وقالت: "ما تتكلمي يا أم عمران، عجبك الشبكة دي لبنتي؟ نظرت "حسناء" والدة الشاب إلى ابنها بضيق محرجة من تصرف "أسيا"، وقالت بهدوء: "هاتلها اللي عايزاه يا عمران، الحمد لله مستُرة يا بني والحمد لله."
غضبت "ليل" وشعرت بإحراجهم، بينما تبسمت "أسيا" في حين الجميع كان الضيق تملك من ملامحهم. واشترت خاتم سولتيار وأساورة وعقد. فتبسمت "أسيا" وهي تأخذ علبة الشبكة من الرجل وخرجوا من المحل. فهمس "عمران" بلطف قائلًا: "مبروك يا عروسة." كانت "ليل" أكثرهم ضيق من تصرف والدتها، وقالت بهمس: "حقك عليا يا عمران." "فداكِ يا قلب عمران والدنيا كله تحت رجلك وقليل عليكِ." قالها ببسمة لطيفة لتبتسم "ليل" بخفة تخفي حرجها، وقالت:
"تسلم يا عمران." عادوا للمنزل لتنفجر "ليل" بغضب في أمها قائلة: "ينفع اللي عملتيه دا يا ماما." "عملت إيه؟ ها أنا غلطانة إني بجيبلك حاجة تليق بقيمتك وتشرفك قدام العائلة." قالتها "أسيا" بضيق، بينما صرخت "ليل" مُنفعلة في والدتها وهي تنزع حجابها قائلة: "بتجيبيلي!!
هو إنتِ اللي بتجيبي دا شبكتي هدية منه ليا، ومحدش بيشترط على الهدية ولا قيمتها. كنت فرحانة باختياري كسرتي فرحتي عشان تجيبي اللي تتباهي بيه قصاد الناس. نظرة الناس أهم من فرحة بنتك." خرجت "مديحة" على صوت شجارهم، فتحدثت "أسيا" بضيق قائلة: "اتكلمي مع أمك بأدب وإياك حسك يعلى عليا إنتِ فاهم يا ليل، وإلا قسم باللي خلقك أقطع رقبتك. وفرحة إيه اللي كسرتها يا ست الحُسن إنتِ ها؟ سألت "مديحة" بضيق من صوتها العالي وشجارهن قائلة:
"فيه إيه يا بت مزعلة أمك ليه؟ تأففت "ليل" بضيق من حدة والدتها وتجمعت الدموع في عيونها، وخرجت من الشقة غاضبة لكي تصعد إلى "قُدس" صديقتها الوحيدة. ووجدت "يزيد" يقف أمام الشقة، فشَهِقَت بدهشة ورنت على "قُدس" لتُدهش عندما أتاها صوت "الجارحي". فنظرت إلى هاتفها ربما اتصلت به بالخطأ، لكنه كان رقم "قُدس" فعلًا. فتحدثت بتعجب وهي واقفة بمنتصف الدرج: "ابيه جارحي!! أنا كنت برن على قُدس عشان أطلع أقعد معاها شوية."
تبسم "الجارحي" بخباثة، وعقله غاضبًا جدًا من تصرف زوجته، ولم يكتفِ بعقابها بل يبحث عن عقاب أكبر لها. فتحدث بحدة صارمة: "معلش يا ليل، قُدس مش هتقعد معاكِ لفترة كده محترمة." "عشان اللي حصل امبارح، واللي هي أكيد اتعلمت الدرس وهتبطل جنان." قالتها بقلق على "قُدس"، لكن الصدمة كانت في رده القاسي حين قال:
"لا يا ليل هانم، ما انتوا بتخططوا وتنفذوا سوا. وإذا فعلاً كنتي خايفة عليها وعلى مصلحتها كان ممكن تكلميني قبل ما تطلع البيت وتقوليلي على اللي ناوية تعمله من ورايا. لكن إنتِ شاركتيها المصيبة. اتحملوا بقيت." تنحنحت "ليل" بخوف من غضبه، وقالت بجدية: "بس أنا عايزة أشوفها دلوقتي. واوعى تفكر أن الجحش اللي موقفه على الباب ده هيمنعني أنا وقُدس." ضحك بسخرية من هذه الفتاة التي تتحداه بجراءة، وقال:
"أعلى ما في خيلكم أركبوه يا ليل." أغلق الهاتف في وجهها، لتتصدم وتبدأ في شتم وسب "الجارحي" بغلاظة، ثم قالت: "هتشوف يا جارحي." *** في حديقة العمارة الأمامية كانت تجلس "هدير" مع "أسيا". ثم قالت: "بصراحة يا أسيا ليل عندها حق تزعل منك. إنتِ أحرجتيها قصاد خطيبها وأمه. وكمان يمكن الولد معهوش المبلغ ده ولا يقدر يجيب اللي إنتِ عايزاه." تحدثت "أسيا" بلهجة غليظة وبسمة لزجة: "ما هو دفع وجاب معوش إزاي يعني؟
والنبي تتلهي يا هدير، أنا بجيبالها شبكة العمر. ولا إنتِ فاكرة إنه لما يخدوها هيجيبالها حاجة تانية؟ ما هو أبوها أهو، ولا دخل عليا بسلسلة صيني حتى بعد الجواز. هو أنا سبته من شوية." تنهدت "هدير" بضيق من تفكير أختها، وأخذت كوب العصير من فوق الطاولة ترتشف منه القليل، ثم قالت بجدية:
"بس يا هدير مش كل الناس زي بعضها، ومطلعيش التروما اللي عندك من الرجالة على بنتك. واه عمران دفع ومعه بس ممكن تكون الفلوس دي اللي هيجيب بيها الشقة الملك وبتصرفك ده احتمال يسكنها في إيجار ولا مش واخدة بالك." وضعت "أسيا" كوب الشاي من يدها على الطاولة بضيق، وتحولت ملامح وجهها إلى الغضب والجنون في نبرتها المُنفعلة حين قالت بجدية: "ليه هو فاكر نفسه واخد مني؟
دا ليل أبو النور، ولو مش قادر مهرها ميخدهاش يا حبيبتي، وأقل من مستواها اللي عايشاه معايا هنا مش هقبل." تنهدت "هدير" بهدوء، وقالت بلطف تهدأ من روعة اختها الغاضبة:
"أهدي طيب مش بالخناق. ومستواها هنا حرمها من إنها تعيش مع أبوها زي باقي الأطفال. المعنى إن لكل حاجة ضريبة يا أسيا. ومحدش بياخد كل حاجة. إنتِ لما لاقيتي نفسك مش قادرة تعيشي في نفس المستوى مع طليقك وحسيتي بالبخيل والعيشة اللي على القد قررتي تنفصلي عشان ترجعي للعز، وكانت الضريبة إنك تعيشي منفصلة. وأنا عشان أكمل الدراسات العليا وأعمل كارير في الإعلام وأبقى حاجة قررت اتنازل عن الجواز ولحد دلوقتي رافضة الجواز ووصلت لـ 37 من
غير جواز. لكل حاجة ضريبة يا أسيا. ويمكن الحب اللي ليل اختارته ضريبته إنها هتعيش في مستوى أقل شوية لكن هتكون سعيدة وراضية مع عمران. وكفاية إنه محترم وبيحبها وبيخاف عليها. فكري في كلامي وخلي الولد يبقي في طوعك وزي ابنك، هتتسندي عليه في المستقبل وهيبقى راجلك إنتِ وبنتي بدل ما يأخد موقف منك وتبقي الحماة الشريرة في نظره."
تنحنت "أسيا" بهدوء ووضعت قدم على الاخرى بلا مبالاة، وما زالت على قناعتها وتفكيرها. فقالت "هدير" بتمتمة حائرة: "ولا كأني قلت حاجة مش كده؟ نظرت "هدير" في هاتفها، وقد تعبت من الحديث مع أختها. *** {{ محل أبو النــــــــــــــــور }}
كان "الجارحي" جالسًا في مكتبه الزجاجي بالأعلى شاردًا بطفلته الصغيرة، وليلة أمس لم تغادر عقله للحظة، ولمساتها التي أشعلت نيران جسده، وما زالت القشعريرة تُصيبه كلما تذكر دفء جسدها وعناقها السحري. جمالها وغمازاتها الخلابة حين تحدثت عنهم، وبسمتها المشرقة. أنوثتها التي ظهرت في ملابسها القصير. كلمة (بحبك) التي لفظت بها برقة وهي شبه غائبة عن الوعي.
فتح هاتفه على حسابها على الأنستجرام، ونظر إلى صورتها وبسمتها. ما زالت نيران عقله مُلتهبة بداخله. أيعقل أن الصغيرة كبرت؟ لكن كيف وهي ستبلغ التاسعة عشر بعد شهرين تقريبًا؟ تسعة عشر عام كافية ليقول عنها كبيرة، كما تزعم هي أنها كبرت وأصبحت امرأة ناضجة. لم يتمكن من رؤيتها سوى صغيرة وفتاته البريئة التي كان يذهب إلى مدرستها كولي أمر لها.
دخل على خانة الاتصال وضغط على اسم "صغيرتي" واتصل، ليجد هاتفها يرن بجواره. وصُدم من تسميتها له على الهاتف "قاسي القلب" مما جعله يجن وعقد حاجبيه بغضب وأغلق الهاتف بضيق. دلف "عبد العظيم" رئيس العمال في المحل وقال بهدوء: "يا معلم جارحي، المعلم أبو سعود بعت حد عايز يشيل البضاعة أطلعها ولا إيه؟ نظر إلى "الجارحي" وكان شاردًا في صغيرته، ليكرر سؤاله من جديد وقال: "يا معلم." نظر "الجارحي" إليه وقال بحدة:
"مفيش بضاعة هتطلع من هنا غير لما يدفع النص والنص التاني يدفع بعد شهرين. قوله دا النظام عندنا، الحساب بيدفع على دفعتين." أومأ "عبد العظيم" إليه بنعم، ثم غادر المكتب. تنهد "الجارحي" بهدوء وعينيه تحملق بالصغيرة في شاشة الهاتف ليهدأ من روعته وغضبه. ثم خرج من المكتب لكي يعود إلى المنزل. ***
كانت "قُدس" جالسة في الشقة تكاد تجن من الحبس هنا ولا تملك شيء يسلي وقتها. أخذ هاتفها واللاب توب وكل شيء، فكان الوقت يمر بملل شديد. جلست ساعات طويلة أمام التلفاز تغير القنوات بملل أكبر ولا تنتظر شيء مدهش بها.
دلف إلى الشقة يحمل في يده أغراض وبعض الأكياس، لينتبه إلى صوت التلفاز العالي جدًا. فنظر ورأى "قُدس" نائمة على الأريكة وترفع قدميها للأعلى بملل شديد. فتنحنح بحرج من طريقة نومها، لكنها لم تحرك ساكنًا. فأقترب برفق ليراها نائمة في عمق أحلامها والريموت في يدها.
وضع الأكياس بالأرض برفق وأقترب أكثر، ثم أخذ الريموت من يدها وأغلق الشاشة. نظر إلى وجهها في نومها وأنحنى نحوها يحملها على ذراعيه، وعادت إليه ذكريات الأمس التي تُربكه وتجعل حرارة جسده ترتفع بغزارة. تنهد بلطف وأستدار حيث غرفتها وسار بها. كانت كالفراشة بخفة، أخذها إلى الوسادة على ذراعيه. وضعه بالفراش وانتبه إلى الغرفة الفوضوية، وكأنها بحثت عن شيء في الغرفة حتى جعلت الحرب تُقام بها.
تأمل وجهها البريئة، ولأول مرة يجرؤ على المبادرة بلمسها أولًا. رفع خصلات شعرها عن جبينها برفق، رغم غضبه الشديد منها، لكن بداخله شيء يصبو نحوها. تنهد بهدوء وقال بلطف: "لسه مكبرتش، لو جبتيلي مية عقل على عقلي هفضل أقول إنك مكبرتش يا قُدس."
وقف من مكانه وبدأ ينظف الغرفة بنفسه، ووضع الملابس في الخزينة وأخذ الأوراق المنثورة على الأرض ورسوماتها التي تعتز بها ووضعها فوق الطاولة. خرج ليحضر الأكياس التي اشتراها وعاد للغرفة، وبدأ يضع الأواني وأدوات الرسم التي جلبها لصغيرته على الطاولة. ثم خرج إلى المطبخ ووضع الشيكولاتات والعصائر في الثلاجة، وخرج إلى الصالة وبدأ ينظف مكانها. ووجد الزهرية الموجودة على السفرة على الأرض مكسورة لإشلاء. فتح باب الشقة ودلف "يزيد"
إلى الصالون ليقول: "طلبت تخرج الصبح مرتين وبعدها سمعت صوت صراخ وتكسير، لكن من بعد المغرب وحل الهدوء." "تعبت!! قالها بتمتم شارد في حالة الغضب التي تملكتها من حبسها. قال بهدوء: "خليك زي ما إنت، ممنوع تخرج من الشقة نهائي."
أومأ "يزيد" بنعم، فأشار إليه "الجارحي" بأن يغادر المكان وعاد بظهره إلى الخلف لكي يستريح، وبدأ يغفو في نومه من التعب أثناء جلوسه. لكن فتح عينيه بتعب عندما سمع صوت خطواتها، ليُدهش عندما رآها تخرج إلى البلكونة وتحمل في يدها الأكياس التي وضعها على الطاولة وألقت بها من الشرفة. فأستدارت ورأته خلفها، فقالت بعنادٍ وتحدٍ:
"أنا مش عايزة حاجة منك، بلاش تعمل فيها الراجل الجدع وإنت حابسني هنا زي الكلبة. والله يا أبيه لأدفعك تمن ذُلي وحبسي دي وهتشوف هتيجي الأيام اللي تقول فيها أن العيلة الصغيرة علمت عليك."
دفعته في كتفه بغيظ من شعورها اليوم وسجنها في الشقة، لتمر من أمامه غاضبة رغم هدوئها. اندهش من حديثها وسار خلفها ليراها تدخل غرفتها وأغلقت الباب من الداخل بالمفتاح. وقد بدأت انتقامها منه حين مر الأربعين ليلة الذي عاقبها بهم، وهي تحرمه من رؤية وجهها. تظل بالغرفة حبيسة، بينما هو في الشقة وتخرج من غرفتها حين يغادر، ليظل أربعين ليلة لا يلمح طيفها ولا يعرف كيف حالها؟
خرجت من غرفتها صباحًا ببرود شديد واتجهت إلى باب الشقة، لتجد "يزيد" ما زال واقفًا. فقالت بحزم: "أعتقد الأربعين ليلة خلصوا، خليه ينزلني." أومأ إلى "يزيد" بنعم، فأفسح لها الطريق لتغادر الشقة، بينما هو كان يراقبها بعينيه لعله يرى وجهها الجميل. أول شيء فعلته نزلت إلى شقة "وصيفة" لترى "حمدي" يجلس مع "هدير" و"هادي" الذي سعد برؤية صغيرته، وهو لم يفهم لماذا تغيبت كل هذه الليالي دون أن تراه. فقالت بحزم شديد:
"بابا أنا عايزة أطلق." أتسعت أعين الجميع، ومن بينهم "هدير"، ولم تعد تفهم شيء. في البداية خططت الصغيرة للزواج منه بسبب خطيئة لم يفعلها، والآن قررت الانفصال دون أن تهتم لأي شيء آخر. وقفت "هدير" من مكانها وسحبت "قُدس" معها للغرفة، وقالت بغضب: "ها." "نعم يا دودي." قالتها "قُدس" بهدوء شديد، ولم تفهم سر غضبها. لتقول "هدير" بضيق شديد قائلة: "هتفضلي تستغفليني كتير." "مش فاهمة، قصدك إيه؟
قالتها "قُدس" بحيرة وعدم فهم، لتقول "هدير" بعد أن عقدت ذراعيها أمام صدرها بثقة: "دكتور مصطفى قالها إنك بنت!! الكلام ده حقيقي." أتسعت أعين "قُدس" على مصراعيها بصدمة ألجمتها، وقالت بتلعثم: "هو إزاي قالك؟
"ده المهم بالنسبة ليك، إزاي قالي، مش مهم إنك اتهمتي الجارحي بجريمة بشعة زي دي وبسببك عاش ثلاث سنين في عذاب وخوف وهو بيحاول يكفر عن ذنب هو معملهوش، واتجوزك بالإكراه عشان يكفر عن ذنبه اللي معملهوش برضه. ودلوقتي جاي تقولي طلاق مش كده؟ هو الجواز والطلاق لعبة في إيدك يا قُدس." قالتها "هدير" بغضب من تصرف الفتاة. لتدمع عيني "قُدس" وقالت بحزن: "إنتِ بتقولي إيه؟ أنا أكتر واحدة كنت رافضة الجوازة دي؟
أنا مكنتش أعرف إني بنت لسه غير في اليوم اللي نزلنا منه لإنجلترا لما روحت للدكتورة مع مصطفى. قبل كده مكنتش أفهم يعني إيه العلاقة الحميمية مش كاملة وإني لسه بنت." جلست على حافة الفراش بحزن، ودموعها تسيل على وجنتيها بغزارة، وقالت: "يومها كنت في حالة رعب وهو بيقطع هدومي وأيده بتلمس كل حتة في جسمي." *** فلاش باك *** كانت تصرخ بهلع بين قبضتيه التي تمزق ملابسها. فتمتمت بضعف: "ابيه أنا قُدس وحياتي أنا خايفة منك...
أرجوك سيبني ومش هقولك بحبك تاني." كان حديثها يمزقه من الداخل، فأبتعد عنها للحظات يقاوم تأثير هذا المخدر الذي يسيطر عليه من الداخل. فحاولت التسلل من قُربه حتى تنقذ حالها، لكن سرعان ما مسك يدها بقوة وقال بضعف: "مش قادر." جذبها إلى أحضانه بقوة، فعادت للأرتجاف والبكاء بقهرة وحزن، وتمتمت بضعف وشهقاتها القوية تملأ صدره القوي: "فوق يا ابيه، فوق أنا قُدس."
مسك الكوب الزجاجية وكسره في الفراش وهو يغرس الزجاج في يده بقوة، يحاول أن يقظ نفسه بالألم، لتفزع من المنظر وهو يجرح نفسه بقوة لأجلها محاولًا إنقاذ الصغير من قوة المخدر الشيطاني الذي يسير بعروقه. وجهها الشاحب. ضمت فستانها من الصدر وهي خائفة منه، بينما هو فوقها يجرح نفسه. همس بضعف: "اهربي يا قُدس... اهربي مني." وقفت من مكانها بفزع لتدهس الزجاج بقدمها وتسقط أرضًا فاقدة للوعي. *** تمتمت "هدير" بدهشة من حديثها قائلة:
"طب والدكاترة اللي وصفوكي حالة اعتداء." "يمكن وقتها ترجمه الدم اللي على هدومي مني ومش من أبيه، لأن وقتها أنا كنت بصراخ بجنون ومعرفوش يكشفوا عليا وفهمت دا لما الدكتورة كشفت عليا في انجلترا. هم مكشفوش عليا زي ما هي عملت. وكمان بدليل إن الضابط اللي جالنا المستشفى مجاش تاني هنا ومحاولة الدكاترة إنهم يشوفوا جسمي رعبتني أكتر وأبيه خدني منهم لما شافني خايفة." تمتمت "هدير" بفهم أن الأطباء لم يتمكنوا من إجراء
كشف العذرية عليها قائلة: "عشان كده كنتي رافضة جدًا إنك تتجوزي الجارحي لما رجعنا." "أمممم." تنهدت "هدير" بضيق ثم قالت بلطف: "ودلوقتي عايزة تتطلقي ليه؟ بتكرهيه؟ تنهدت "قُدس" بجدية وعينيها تبكي وجعًا: "مش عايزاه يفضل عايش معايا مجبور على حاجة هو معملهاش، وفي نفس الوقت بنوجع في بعض بسبب حاجة مش موجودة." جلست "هدير" بجوارها وقالت بهدوء: "طب أهدي وبطلي عياط ومعلش ممكن تستحملي شوية على ما نتم خطوبة ليل."
أومأت "قُدس" بنعم وظلت تبكي بقهرة على حياتها. *** خرج "الجارحي" من المحل وذهب إلى الكافي الذي يقابل فيه "ياسر" صديقه، وكان بانتظاره بالفعل. جلس "الجارحي" وطلب قهوته، فتحدث "ياسر" بعفوية قائلًا: "مالك يا صاحبي؟ صوت ما تطمنيش في التليفون؟ تنهد "الجارحي" بهدوء ثم قال بجدية: "هو أنا قفل يا ياسر؟ هز "ياسر" رأسه بلا ثم قال بلطف: "لا مش قفل، أنت القفل يقولك يا بابا." "مبهزرش، أنا صعب."
تنحنح "ياسر" بقلق من تصرف صديقه ونبرته في الحديث، ليقول: "فيه إيه يا جارحي قلقتني عليك، هو الجواز بيعمل كده؟ كاد أن يتحدث، لكن رن هاتفه يقاطعه باسم جده "حمدي". أجاب عليه وهو يقول: "أيوة يا حج." "أنا عايزك دلوقتي يا جارحي، حالًا. سيب كل اللي في إيدك وتعالي لي."
قالها "حمدي" بحزم بعد أن سمع حديث "قُدس" وطلبها للانفصال. خرج "الجارحي" بتعجل وقلق من استعجال جده، وخرج معه "ياسر". فوق أمام سيارته وفتحها، وقبل أن يصعد، ظهرت دراجة نارية من العدم وعليها رجلان. الأول يقودها والآخر أخرج مسدس من سترته وأطلق النار على "الجارحي". الأولى جابت بالسيارة، ليلتف "الجارحي" على الصوت، فأخذ الثانية في صدره وسقط أمام سيارته غارقًا في دمه. صرخ الجميع والدراجة تهرب من المكان. وهلع "ياسر" إلى صديقه الذي سقط في بركة دمائه يصرخ باسمه بفزع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!