الفصل 23 | من 27 فصل

رواية حرب سقطت راءها الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورا عبد العزيز

المشاهدات
25
كلمة
3,860
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

وصل "هادي" إلى شقته ودخل ليجد "قُدس" جالسة بجوار "ليان" على الأريكة. كانت "قُدس" تحمل طبقًا من الفشار، بينما كانت "ليان" تتمدد على الأريكة وتتناول قطع التفاح وعيناها مُعلقة بالهاتف. قال "هادي": _سلام عليكم ردت "قُدس": _وعليكم السلام يا بابا نظرت "قُدس" إلى أختها التي لم ترد السلام. استشاط "هادي" غضبًا ورفع حاجبه بحدة وقال بتحدٍ: _أوعى تفتكري يا قُدس أن طريقتك دي هتجيب معايا ولا هتلوّي دراعي

لم تفهم "قُدس" ما كان يقوله والدها. تحدثت "ليان" وعيناها لم ترتفع عن الهاتف: _خليكِ يا قُدس معانداني وأنا برضو مش هغير رأيي فهمت "قُدس" أن الحوار يدور بين الابنة العنيدة ووالدها الأعند، وأن صفة العناد هذه ورثتها عن والدها. تنهدت "قُدس" بضيق وقالت بلطف: _حقيقي هذا الشبل من ذاك الأسد. وأخّري العناد اللي قايم بينكم ده، دي مش طريقة مناقشة يا بابا التفت "هادي" ودخل إلى غرفته ببرود وقال بجدية:

_أنا كلامي مش هغيره ولو حكم الأمر إني أبلغ عنه أو أقتله هعمل كده. استدار إلى بناته من جديد بوجه غاضب وقال: _وأنا قلتها للمحروس، أنا دخلت السجن عشان جريمة معملتهاش عشان أفدي ابن أخويا السُكرى اللي مفيش منه فايدة أصلًا. بما بالكم بقى أنا ممكن أعمل إيه وأدخل السجن عشان بنتي ولحمي ودمي دلف إلى غرفته وأغلق الباب بقوة شديدة جعلت "قُدس" تنتفض من مكانها. فقالت "قُدس" بقلق وعيناها تحدق بأختها:

_وبعدين في العناد ده يا ليان، دي مش طريقة كلام مع بابا وهو أب وخايف على بنته. اعتدلت "ليان" في جلستها بهدوء وقالت بحزم، تحاول كبح غضبها والسيطرة على العصبية من أجل تعافيها:

_وأنا اخترت جلال، وإن انطبقت السما على الأرض مش هغير قراري. أنتوا يمكن لسه متعرفونيش، لكن حقيقي أنا عمري ما تراجعت عن قرار أخدته واللي في دماغي بعمله. وخلي بالك ووصّلي لأبوكِ إني عشت من غيره 19 سنة عادي جدًا وممكن أكمل الباقي من عمري غيره عادي. ملحقتش أتعلق بيه، فميراهنش أوى على كونه أب أو حتى وجودي كابنه له. عرفيه بلاش يتحط في كفة قصاد جلال أو أي قرار أخدته، لأني هختار قراري عادي جدًا.

دلفَت إلى غرفتها هي الأخرى. فالتفتت "قُدس" بخوف من حديث أختها الذي يشبه التهديد الصريح بتفضيل حبيبها رئيس العصابة عن والدها. نظرت جانبًا بقلق واضح لترى "ياسمين" جالسة على السفرة تقطع البطاطس لشرائح من أجل إعداد الغداء. تحدثت "ياسمين" بنبرة خافتة:

_دي حقيقي ليان عنيدة جدًا وعمرنا ما قدرنا نغير قرار أخدته أو حتى نعترض. زي سفرها للقاهرة رغم رفضنا، هربت من البيت وجت عادي على القاهرة تقضي يومها ومهتمتش أبدًا بأمها وأبوها اللي عاشت معاهم 19 سنة، فمتتوقعيش إنها تهتم بأب لسه ظاهر في حياتها. حديثها زاد الغضب أكثر بداخل "قُدس" واقتربت لتجلس مع "ياسمين". *** أوقف "يزيد" سيارته أمام المطعم ونظر إلى "ليل" التي طلبت مرافقته معها، ولم يتأخر في تلبية طلبها. نظرت "ليل"

إليه وقالت بتوتر: _ممكن لو اتأخرت تيجي تاخدني؟ يومأ إليها بنعم. ولم يفهم سبب توترها الواضح في ملامحها الشاحبة وعينيها المتورمة. أثر قلة النوم والسهر واضحين بها. خرجت "ليل" من السيارة مترددة، وقدميها تزحف في الأرض، لا تقوى على الذهاب إلى هذا القاتل ولقائه وحدها بعد أن هربت منه سابقًا. نظر "يزيد" نحوها وهي لم تغلق الباب بعد ويدها مُتشبثة به، فقال بحزم: _تحبي أجي معاكِ؟

نظرت إليه مُطولًا بحيرة وقلب ضعيف خائف يترجف من الخوف. هزت رأسها بنعم وفتحت حزام الأمان ثم ترجلت من سيارته. التف حول السيارة ووضع الهاتف في جيبه ثم أشار إليها بأن تتحرك. خطت خطوتين ثم أغلق باب السيارة وقال بجدية: _ادخلي وأنا هكون على الترابيزة اللي جنبك. لو حصل حاجة بس اقفي وأنا هكون في ضهرك.

يومأت إليه ببسمة خافتة تخفي خلفها الخوف بعد أن أشعرها بالطمأنينة والأمان قليلًا بوجوده جوارها. تنهدت بارتياح من كلماتها الدافئة التي لحقت بها، ثم قالت: _تمام. دلفت إلى المطعم حيث "عمران" وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدخل. ثم بدأت في السير نحوه حتى رآها ووقف ليمد يده إليها. لتقول بضيق: _خير إن شاء الله. كنت مُصر على مجيئتي.

قالتها وهي تسحب الكرسي لتجلس، متجاهلة يده الممدودة. فرمقها بتعجب من برودها. ليهدأ من روعته وجلس على مقعده حادقًا بها بجدية قال: _خير أنتِ يا ليل؟ متغيرة ليه عليا؟ ضحكت بخفة عليه وقالت بسخرية: _أعتقد أن أمثالك الخونة مينفعش معاهم غير كده؟ اتسعت عيناه قليلًا على حديثها وقال بدهشة أكبر: _والله. وأي كمان؟ أنا خونتك فين؟ تبسمت بمكر عليه وقالت: _فين؟ قول مخونتنيش فين يا عمران؟

أنا جيت مش عشان أسمع تبريرك ولا أوجد لك أعذار ونتناقش. أنا جيت عشان أقولك إني مش عايزة أشوف وشك تاني في حياتي. ولو فكرت مجرد تفكير تقرب مني أو حتى تتصل بيا أو بأمي، مش هتلاقي غير جارحي قصادك. ووريني هتقدر على ده ولا لأ.

دلفَت إلى غرفتها هي الأخرى. فالتفتت "قُدس" بخوف من حديث أختها الذي يشبه التهديد الصريح بتفضيل حبيبها رئيس العصابة عن والدها. نظرت جانبًا بقلق واضح لترى "ياسمين" جالسة على السفرة تقطع البطاطس لشرائح من أجل إعداد الغداء. تحدثت "ياسمين" بنبرة خافتة:

_دي حقيقي ليان عنيدة جدًا وعمرنا ما قدرنا نغير قرار أخدته أو حتى نعترض. زي سفرها للقاهرة رغم رفضنا، هربت من البيت وجت عادي على القاهرة تقضي يومها ومهتمتش أبدًا بأمها وأبوها اللي عاشت معاهم 19 سنة، فمتتوقعيش إنها تهتم بأب لسه ظاهر في حياتها. حديثها زاد الغضب أكثر بداخل "قُدس" واقتربت لتجلس مع "ياسمين". *** أوقف "يزيد" سيارته أمام المطعم ونظر إلى "ليل" التي طلبت مرافقته معها، ولم يتأخر في تلبية طلبها. نظرت "ليل"

إليه وقالت بتوتر: _ممكن لو اتأخرت تيجي تاخدني؟ يومأ إليها بنعم. ولم يفهم سبب توترها الواضح في ملامحها الشاحبة وعينيها المتورمة. أثر قلة النوم والسهر واضحين بها. خرجت "ليل" من السيارة مترددة، وقدميها تزحف في الأرض، لا تقوى على الذهاب إلى هذا القاتل ولقائه وحدها بعد أن هربت منه سابقًا. نظر "يزيد" نحوها وهي لم تغلق الباب بعد ويدها مُتشبثة به، فقال بحزم: _تحبي أجي معاكِ؟

نظرت إليه مُطولًا بحيرة وقلب ضعيف خائف يترجف من الخوف. هزت رأسها بنعم وفتحت حزام الأمان ثم ترجلت من سيارته. التف حول السيارة ووضع الهاتف في جيبه ثم أشار إليها بأن تتحرك. خطت خطوتين ثم أغلق باب السيارة وقال بجدية: _ادخلي وأنا هكون على الترابيزة اللي جنبك. لو حصل حاجة بس اقفي وأنا هكون في ضهرك.

يومأت إليه ببسمة خافتة تخفي خلفها الخوف بعد أن أشعرها بالطمأنينة والأمان قليلًا بوجوده جوارها. تنهدت بارتياح من كلماتها الدافئة التي لحقت بها، ثم قالت: _تمام. دلفت إلى المطعم حيث "عمران" وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدخل. ثم بدأت في السير نحوه حتى رآها ووقف ليمد يده إليها. لتقول بضيق: _خير إن شاء الله. كنت مُصر على مجيئتي.

قالتها وهي تسحب الكرسي لتجلس، متجاهلة يده الممدودة. فرمقها بتعجب من برودها. ليهدأ من روعته وجلس على مقعده حادقًا بها بجدية قال: _خير أنتِ يا ليل؟ متغيرة ليه عليا؟ ضحكت بخفة عليه وقالت بسخرية: _أعتقد أن أمثالك الخونة مينفعش معاهم غير كده؟ اتسعت عيناه قليلًا على حديثها وقال بدهشة أكبر: _والله. وأي كمان؟ أنا خونتك فين؟ تبسمت بمكر عليه وقالت: _فين؟ قول مخونتنيش فين يا عمران؟

أنا جيت مش عشان أسمع تبريرك ولا أوجد لك أعذار ونتناقش. أنا جيت عشان أقولك إني مش عايزة أشوف وشك تاني في حياتي. ولو فكرت مجرد تفكير تقرب مني أو حتى تتصل بيا أو بأمي، مش هتلاقي غير جارحي قصادك. ووريني هتقدر على ده ولا لأ. وقفت من مكانها لتغادر، فأمسك "عمران" يدها بقوة من هذا الجنون وانفصالها عنه فجأة. قال بغضب: _أنتِ بتقولي إيه؟ حصل إيه عشان تسيبيني؟ أنا متسابش يا ليل.

احتَدت عيناها بغضب شديد وهي تحاول أفلات يدها منه بالقوة، ولكن قوتها ضعيفة جدًا أمام بنيته الجسدية. فتحدثت بضيق: _سيب إيدي. قبل أن يتحدث، كان قد ظهر ظله ووقف بالمنتصف يسحب يد "عمران" عنها بالقوة. وقال "يزيد" بحزم: _سمعتها بتقولك سيب إيده. نظر "عمران" إلى "يزيد" بغضب وقال بانفعال شديد وعيناه تلتهم "ليل": _أنتِ جايبة البودي جارد بتاعتك معاكِ تتحامي فيه؟ تحدثت بغضب شديد وهي تتشبث بذراع "يزيد" من الخلف تختبي به قائلة:

_لازم أجيب بودي جارد وأنا جايه أقابل قاتل ومجرم زيك. وعز وجلالة الله يا عمران لو قربت من طريقي تاني، لأكون فاضحك ومعرفة الجارحي كل حاجة. ألقت بخاتم خطبتها في وجهه وهي تسحب "يزيد" من ذراعه للخارج، الذي صُدم بكلماتها. سار معها للخارج حتى وصله إلى الطريق، فسأل بضيق: _أنتِ قصدك إيه بالكلام اللي قلتيه جوا ده؟ تنهدت بتعب وهي تشعر باختناق شديد في صدرها وقالت بإرهاق:

_بعدين أحكيلك. مشيني من هنا الأول، وفي الطريق أحكيلك كل حاجة. سار معها إلى السيارة وألتف ليفتح باب السائق، فصُدم بها تهتز بضعف وأصابها دوران برأسها الصغير. فسأل بهدوء: _أنتِ كويسة؟ هزت رأسها قليلًا تحاول مقاومة دوران رأسها، لكنها لم تستطع التغلب عليه وسقطت فاقدة للوعي. ليلتف "يزيد" بسرعة جنونية نحو السيارة إليها وجلس على ركبتيه يرفع رأسها الصغير على ذراعه مُناديًا إياها بقلق: _ليل؟ ليـــــــــــــــــــــــل؟

لم تجب عليه، فحملها مطوقًا خصرها بذراعه وفتح باب السيارة ليضعها بالداخل. وانطلق لأقرب مستشفى. ثم دلَف كالمجنون بها خائفًا أن يكون أصابها شيء. وضعها على فراش المرضى بغرفة الطوارئ وبدأ الأطباء يفحصوها مع الممرضين وهو مُنتظر بقلق وراء الستار الحاجز. لا يعلم أيتصل بـ "الجارحي" أم ينتظر ليطمئن. وبعد مرور ساعة ونصف تقريبًا، جاء إليه الطبيب وقال: _هي كويسة، مفيش داعي للقلق. سأل بقلق عن حالتها وسبب ما حدث إذا

كانت سليمة وبصحة عافية: _أمال الإغماء اللي حصل ده إيه؟ فأجاب الطبيب بما صدمه في أرضه: _بسبب المخدر اللي في دمها. واضح إنها أخذت جرعة مخدر قوية سببت لها النعاس. اتسعت عيناه على مصراعيها بصدمة قاتلة. فهل "عمران" وضع المخدر في مشروبها وكان ينوي السوء بها؟ لحسن حظها، أنها جلبت "يزيد" معها لينقذها من شر هذا الرجل الغامض؟ وماذا كان ينوي أن يفعل بفتاة بريئة مثلها؟

فتح الستار قليلًا وجلس جوارها على المقعد الحديدي يحلق في وجهها الصغير وهي كالأميرة في نومها. وتذكر لقائهما صباحًا وبكاءها. كانت جميلة تمامًا مثل الآن، وكان الجمال خُلق لهذه الحورية الفاتنة. بشعرها الأسود أو حجابها البسيطة، فهي جميلة جدًا. فظل "يزيد" يتأملها في دقائق صامتة. ولأول مرة يتجرأ على رفع النظر بها بهذه الجرأة دون أن يخجل أو يتحاشي النظر بها. لأول مرة يرى جمالًا وسط الحزن والبكاء. ليكمل جرأته بدون وعي منه عندما حرك جسدها، يده لتلمس يدها الصغيرة وتربت عليها بحنان. لكن سرعان ما فاق من هذا الشرود والإعجاب ليبعد يده بسرعة خائفًا من "الجارحي" وما سيفعله به إذا تجرأ وتخطى الحدود بينه كموظف لديه وبين أميرة من عائلته؟

وقف من مقعده بعيدًا جدًا من الحرج والقلق. فجأة وبدون مقدمات، أتاه هذه الجملة التي سقطت عليه كالقنبلة المميتة، فتحدث بتلعثم مرعب: _يعني إيه اختفت؟ مسك "هادي" لياقته بقوة وكاد أن يخنق أنفاسه بين يديه وهو يكرر ما قاله بحدة صارمة وعيناه تتطاير منها الشر: _ليان اختفت من المستشفى. بنتي لو جرالها أي حاجة مش هتكفيني فيها روحك. أبعد "جلال" يده عن قميصه بصدمة قاتلة ولا يستوعب ما يسمعه واختفاء جميلته الفاتنة. فقال بجدية:

_أنت متقدرش تعمل حاجة. واللي كانت مصبرني على تصرفاتكم الغبية دي هي ليان. ركض "كريم" نحوه يلتف حول السيارة بخوف من صرخة رئيسه، فقال بغضب جنون وقلق يمزق قلبه: _ساعة لو ليان مظهرتش، هتكون رقبتك أنت ورجالتك الثمن. و...

قاطعهم جميعًا صوت انكسار زجاج قوي وارتطام هز جدران الأرض وأجسادهم التي انتفضت من أماكنهم. التف الجميع على الصوت، وكانت هناك جثة سقطت من فوق السطح على سيارة. ليقترب الجميع وخرجت صرخة قوية من "هادي" حين رأى وجه هذه الجثة، وكانت ابنته المفقودة غارقة في دمائها. بينما تسمر "جلال" في مكانه عندما رآها. هلع "كريم" نحوها يستشعر نبضات القلب ليجدها جثة باردة قد فارقت روحها الحياة. ووسط صدمة الجميع، اقترب "الجارحي" من "هادي"

يقول: _عمي... وقع نظره على الجثة، فصُدم وشُل جسده محله. وتساقطت الدموع بغزارة كالشلال من عينيه. وزحفت قدميه بصعوبة من السيارة حتى وصل إليها ورفع يده يلمس رأس الفتاة مُتمتمًا بفزع: _قُدس... قُدس لا... لا متسبنيش. ومن يخطأ في زوجته، لتنزل الصاعقة الأكبر على "هادي" بفقد طفلته "قُدس" والأخرى خُطفت من المستشفى. انهار "الجارحي" بجنون وهو يسحب جسدها الصغير من فوق السيارة إلى حضنه، صارخًا باسمها بفزع. _قُــــــدس.

صرخ بجنون باسمها مُستيقظًا من نومه ليُصدم بها أمامه جالسة وتمسك بذراعه قائلة: _مالك يا جارحي، بقالك ساعة بتنادي عليا. نظر إلى وجهها ويلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة من هذا الكابوس. ولمس عنقها بأنامله ليطمئن قلبه أنها بخير ومحبوبته بجواره. فجذبها بقوة إلى صدره لتُصدم من لهفته وخوفه. يتصبب عرقًا بقوة من هذا الحلم المرعب الذي رآه في منامه. لتطوقه بلطف وهي تربت على ظهره بحنان وقالت بحنية: _أنا هنا يا حبيبي.

أغمض عينيه بارتياح لسماعه صوته مُستنشقًا عبيرها الدافئ، ليستلقي على الفراش وهو يجذبها لتنام بين ضلوعه حتى تخمد نيران عقله الذي أفقد صوابه للتو من هذا المشهد. وما زالت رؤيتها غارقة في دمائها أمامه تلازمه. تمتمت "قُدس" بلطف: _كان حلم مُخيف. ابتسمت بعفوية ويديها تداعب صدره ببراءة ورفعت نظرها إلى وجهه تقول بمرح: _بس أنت مبتخافش من حاجة خالص يا جارحي. ابتعد قليلًا ليخفض رأسه تجاهها وهي بين ذراعيه. تأمل

وجهها الجميل وقال بخوف: _بقيت بخاف، بخاف عليكِ من الزمن، بخاف أخسرك يا قُدس، ببقي مرعوب ما دام الحاجة دي تخصني. ابتسمت بخجل شديد على حديثه الجميل رغم قلقه. تسللت يديها للأعلى من صدره إلى وجنتيه تلمس لحيته الناعمة وقالت بنبرة ناعمة وصوت أنثوي جميل: _أنا هنام. مسح على شعرها الناعم بحب وقال بجدية محسومة: _وهتفضلي هنا يا قُدس، أوعي تفكري تسيبني، لأن وقتها معرفش أنا ممكن أعمل إيه.

ابتسمت بسعادة من جمال حديثه وهذا الرجل الشرس حُب عمرها الآن يُحدثها عن مكانتها الغالية في حياته. ليُعجبها الحديث جدًا، فتابعت بسعادة تشاكسه: _هتعمل إيه؟ جذبها بقوة أكثر حتى بات يعتصر عظامها في ذراعيه وقال بحزم ونبرة مرعبة قائلًا:

_إياكِ يا قُدس، إياكِ تفكري فيها. والله بهد الأرض على دماغك لو فكرتي تسيبني بعد ما احتليتي قلبي وسكنتي فيه. أنا متعرفيش ممكن أعمل إيه عشان حاجة تخصني، ما بالك بأميرة ملكت قلبي. وأنا اللي هربت منها عمر بحاله عشان متملكهوش ولا تدخله. ودخلته غصب عني. اتسعت عيناها على مصراعيها بذهول تام وسألت بفزع من هول المفاجأة: _هربت مني؟

_طبعًا، يبقى راجل أعمى اللي يشوف بنت بجمالكِ ومعجبش بيها يا قُدس. أول مرة شوفتك فيها بفستان أحمر وحاطة ميكاب خفيف ولابسة كعب عالي، وتحولتي من طفلة بريئة جميلة لأنسة عروسة قمر. قلبي انتفض نفضة عمري ما هنسيها. وقتها قولت له أنت مجنون، أتقبضت عشان قُدس العيلة. أكتشفت دلوقتي إن النفضة دي كانت أول دقة قلب لكِ جوايا. قالها بإعجاب شديد وعيناه تتأمل صغيرته الجميلة. فسألت بفضول أكبر وقالت: _كان أمتى ده؟

_يوم ما كنت رايح أخطب، نزلتِ عليا يومها بكتلة تأثيرات ومشاعر لأول مرة بعرف حقيقتهم معاكِ. يوم ما سمعتي إني هروح أخطب وأغمي عليكِ يومها. شيلتك بين إيديا مغمي عليكِ ولأول مرة بضمكِ في عمري كله. حسيت بدفء وقشعريرة ناعمة. مكنتش عايز أسيبك يومها من حضني، بس وقتها فسرت ده إنك قُدس بنتي الصغيرة اللي شايل مسؤوليتها. لكن تاني يوم لما شوفتك بالفستان وكنتِ في كامل شياكتك وأناقتك، ارتبكت أوي يومها وكنت هموت من غيظي لما قررتي تركبي مع عماد في العربية. كنت عايز أصرخ وأقول لأ، أنا لازم أخبيكي جوايا ولا إنك تركبي مع السُكري دي. فضلت طول الطريق عيني على عربيته ليضايقك أو حتى تتخنقي من الركوب معاه. وفضل قلبي يضرب في ضلوعي بقوة عشانك وأنا مش فاهم في إيه؟

لحد ما شوفت العروسة، ووقتها بكل قوة مني كأني كنت منتظر أي سبب عشان أهرب ورفضت الموضوع. ليلتها حصل اللي حصل وأدفنت كل البذور دي جوايا. لكن بُعدك يا قُدس وهروبك مني كان نار بتحرق فيا وأنتِ مكملة عاديكانت. كانت عيناها تدمع بحزن ممزوج بالفرح من حديثه وكيف حمل لها كل هذه المشاعر ولم يتفوه بكلمة واحدة أو حتى يلمح لها بشيء. سألته بضيق من صمته طوال هذا الوقت: _طيب ليه؟ ليه لما جيتلك قُلتلك إني بحبك يومها لومتني وأتعصبت عليا؟

جلس أمامها يلمس وجهها بحنان، وكأنه يخمد نيران شوق الذكريات التي اشتعلت بداخله وهو يتذكر الماضي معها وقال بحب:

_مكنتش مفسر معنى اللي جوايا وحصل فيا ليلتها. وقبل ما آخد وقت أفسر أو أتأكد أو حتى أشك إني بحبك أو معجب بيكي، لاقيتك قصادي بتقولي بحبك. وكأن كل اللي حصل فيا كان مستني كمان إنك تربكني أكتر باعتراف صريح منك. يومها كانت الغيرة بتأكل فيا لما شوفتك في السطح مع عماد وجايبلك عصير وأنتِ راضية وقابلة. كان نار جوايا بتحرق فيا وأنا مش فاهمة سبب جنوني عليكِ إيه. وحصل اللي حصل وقتها. على قد ما كنت حاسس بسعادة وأنا بحضنك، على قد ما

كنت مرعوب من ربنا إني أغضبه فيكِ فيحرمني منكِ. أنتِ أغلى حاجة في حياتي يا قُدس. أنتِ بنتي اللي ربيتها على إيدي وشلت همها من صغرها. أول حبيبة خطفت قلبي ليها. وأول واحدة أضمها في حضني. وأول واحدة أقولها بحبك. وأول واحدة أجيب لها هدية في الدنيا دي كلها. أنا عمري ما اشتريت هدية لواحدة غيرك. ولا شاركت واحدة غيرك كوباية قهوتي. أنا طول الوقت بشرب قهوتي سادة لوحدي في أي كافيه. أنتِ الوحيدة اللي بقبل إني أشرب قهوتي معاها وفي

وجودها. أنا لما بفكر بلاقي إنكِ البنت الوحيدة في عمري كله من صغري لحد دلوقتي.

دمعت عيناها بعد استيعاب للأمر وكيف هذا الرجل أحبها هكذا دون أن تدري أو تشعر حتى بهذا الحُب؟!!! . جهشت باكية ليجفف "الجارحي" دموعها بإبهامه بلمسة ناعمة يربت على وجنتيها. فتحدث بلطف لأجل دموعها الغالية: _متبكيش، وحياة جارحي عندك ما تنزلي دمعة واحدة. دموعك غالية أوي يا قُدس عندي ومفيش حاجة تستاهل تنزل الدموع دي عشانها. قالتها بضعف وحزن على ليالي كثيرة مرت في بُعدهما. ليقول بلطف يخمد نيران بكائها ودموعها بحب:

_وأنا بحبك يا قلب جارحي، بحبك يا بنتي وعمري وحياتي وسنيني وأيامي كلها. أنتِ عمري يا قُدس. بس متبكيش. قالها برجاء مُتمنيًا أن تلبي رجاءه وتتوقف عن البكاء. فتعلقَت بعنقه بحُب واستماتة ليطوقها بحنان هائمٍ بجمال سحرها وسيطرتها على مشاعره كاملة. كأنها ألقت تعويذة سحرية على قلبه وعقله ليُغيب العقل عن التفكير لأي شيء غير محبوبته.

دق باب الشقة بقوة ليتركها بفزع وخرج من الغرفة وصغيرته تخرج خلفه تركض وراءه. حتى فتح الباب ودلف "يزيد" يسحب "ليل" خلفه وهي تبكي بخوف. فرمقهما "الجارحي" بدهشة. وأسرعت "قُدس" إلى "ليل" بفزع على صديقة طفولتها وقالت: _مالك يا ليل؟ أنتِ زعلتها يا يزيد؟ نظر "الجارحي" إلى "يزيد" بغضب بعد اتهام "قُدس" له. وكانت عيناه تتطاير منها الغضب. وإذا كان أغضبها حقًا سيقتله في الحال؟

فلا تزال "ليل" أميرة في عائلته وجوهرة مصونة لعائلة أبو النور. تحدث "يزيد" بانفعال شديد فاقدًا أعصابه: _قولي اللي قلتيهولي يا آنسة ليل؟ ظلت ترتجف وتبكي بخوف. فجذبها "يزيد" من ذراعها بقوة وصرخ بها: _قولتلك... صرخة قوية من "الجارحي" توقفه عما يفعله قائلًا: _يزيـــــــــــــــــــــد أنت اتجننت؟ ترك "يزيد" ذراعها بغضب من تصرفه وفقدانه للسيطرة فقال بغيظ: _خليها تسمعك اللي سمعتهولي يا معلم جارحي.

نظر "الجارحي" إلى "ليل" التي اختبأت من الخوف بين ذراعي "قُدس" وتبكي مُتشبثة بذراع "قُدس". فقال بحدة: _فيه إيه يا ليل؟ صمتت بخوف ليتحدث "يزيد" بانفعال من صمتها قائلًا: _قوليله، قوليله إن عمران هو السبب وهو اللي حرض على قتل صاحبتك قُدس وهو اللي قتل عياله. قوليله إن دي الحقيقة. اتسعت عينا "الجارحي" على مصراعيها بصدمة جمته وأنقبض قلبه في محله. لتبتعد "قُدس" هي الأخرى عن "ليل" بغضب شديد وقالت بصدمة قاتلة مُتلعثمة

في الكلمات: _إيه اللي بسمعه ده؟ ردي عليا. قالتها بصراخ شديد وهي تمسك "ليل" من يدها بقوة ودمعت عيناها بحسرة. ونظرة "قُدس" لها لأول مرة ترى في خيبتها وحسرتها. نظرت "ليل" إلى "الجارحي" بخوف يتملكها من التفوه بكلمة أمامه. والآن بعد أن سمع الكلمات من "يزيد"، احتَدت عيناه أكثر وبات الشر يتطاير من عينيه كأنه سيقتلها بعينيه الآن ويدفنها في أرضها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...