الفصل 17 | من 18 فصل

رواية حسن القلوب الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحاب القاضي

المشاهدات
21
كلمة
8,304
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

دلفت ليلي خارج غرفتها، فوجدت حسن جالساً بشرفة المنزل وشارداً للغاية. ذهبت وجلست بجواره. قائلة بهدوء: سرحان فاي؟ تنهد بضيق وأجابها: فالدنيا اللي ملهاش أي لازمة وتعبتني فيها دي. ليلي بحزن: انت لسه زعلان من عمو سعيد؟ وضع رأسه بين يديه قائلاً بضيق:

حط نفسك مكاني، أبويا طلع لا تعبان ولا حاجة، كل الحكاية إنه كان بيراقبني وعرف إني بروح لدكتور نفسي. لأ وراح للدكتور النفساني عشان يعرف مالي. مجاش وسألني، وبهاء اللي وثقت فيه واديتُه كل أسراري مقاليش. ليلي بجدية: طيب ما تبص للموضوع من حتة إن باباك عمل كده عشان يصلح علاقتك بيه، وإنه مستحملش يسيبك تعبان أو يتجاهل الموضوع أو يخليك تبطل تروح. بالعكس اتقبل الموضوع وفكر يعالجه إزاي، ومتنكرش إنك مبسوط من التغيير ده.

حسن بحزن شديد: هو مين اللي وصلني لكده يا ليلي؟ مش هو. وبعدين فكك، انتي عاملة إيه؟ ليلي بهدوء: أنا كويسة، مع الوقت بقيت بتقبل العلاج وبحس نفسي أفضل. تابعت بمرح: حسن غنيلي. حسن بسخرية: أي الطلب ده، انتي عايزة تعذبي نفسك يا بنتي. ليلي بضحكة هادئة: لا أنا بحب صوتك أصلاً، سيبك من العيال، المهم غني، ولعبد الحليم، غنيلي أغنية "خليه بعيد". حسن بإيماء: أوامرك.

تنحنح حسن قليلاً وبدأ يغني بصوت هادئ، ولكن كان مثل الأسهم النارية التي أصابت قلبه وقلب ليلي عندما بدأ. فاسترسل كلمات الأغنية: "خليه بعيييد، خليييه سعييييد، ده مش نصيبي، لكن حبيبي واكتر شوية". توقف حسن عن الغناء قائلاً بهدوء: تعالي نغني، بلاش عتاب أحلى. دي مدرسة المزيكا خلانا نغنيها أنا وانتي زمان، فاكرة؟ ليلي بحماس: آه آه فاكرة، يلا نغنيها، بس ابدأ انت. حسن باندماج شديد:

بلاش عتاب يا حبيبي.. إرحمني من العذاب يا حبيبي، طفيت كل الشموع وقلبي إرتاح ونام، إرتاح من الدموع، والحب والآلام، بلاش العتاب.. القلب العاصي تاب، والجرح القاسي طاب، ما صدقت إنه طاب… يا حبيبي، يا حبيبي. تابعت ليلي بنبرة حزينة: ياما، ياما قلبي داب من عذاب الحب ياما، خبيت الآلام، ياما شفت النور ظلام، ياما كنت أتمنى يوم، يوم، يوم ابتسامة. أكمل حسن:

إديتك أحلى ما في الدنيا، إديتك حبي، وأمنتُك على راحة بالي، راحة بالي وعلى فرحة قلبي، وفي حضن الشوق والحنية، غمضت عينيا شوية، وفي ظل آمالي الحلوة والدنيا ملك إيديا. تنهدت ليلي متابعة بدموع: بصيت ولقيتك مش جنبي، ولقيتني أنا لوحدي، أنا لوحدي أنا وقلبي، مش ببكي عليك، أنا ببكي عليا يا حبيبي، حبيت الحب عشانك، وكرهت الحب عشانك، أبداً مش هقدر أسامحك، إبعد خليك في مكانك، أنا بترجاك استنى هناك، استنى بعيد علشان أنساك.

توقفت ليلي عن الغناء ومسحت دموعها التي هبطت بحزن شديد. أمسك حسن يدها وقبلها بهدوء ثم نظر لعيناها. وبكل صدق أردف قائلاً: أنا بحبك يا ليلي.

شحب لون وجهها سريعاً وابتلعت ما بجوفها بصعوبة. تذكرت حالها قبل أن ترى طارق، كانت تظن أنها تحب حسن. كانت تتمنى اعترافه هذا مثل طفل صغير ومتلهفة على هذه الكلمة. ولكن بعد معرفتها بـ طارق أصبحت غير متقبلة لأي شيء من هذا القبيل، سوا من طارق ليس من غيره، فهذا القلب وجد معشوقه الأوحد ولم يرى غيره أيضاً. ابتسمت بتوتر قائلة بمرح: أكيد طبعاً بتحبني، وأنا كمان بحبك وبحب العيال، انتو أهلي يا أبو علي.

ضحك حسن بهدوء وظن أنها خجلة ولا تريد التحدث الآن. وأردف قائلاً: ماشي يا ليلي، الوقت طويل قدامنا على الكلام ده. تابع وهو ينهض قائلاً: هجيبلك كوباية لبن وأعمل كوباية شاي. أومأت له بنعم فذهب هو للخارج، فحين تنهدت هي بضيق شديد. *** جلست مريم أمام المرآة بغرفتها وهي تتم وضع بعض اللمسات الأخيرة على أناقتها التي كانت تطغى عليها بقوة. طَرقت الخادمة باب غرفتها وأخبرتها بأن ضيوفهم قد جاءوا وينتظرونها بالأسفل.

نظرت مرة أخرى لهيئتها في المرآة وتنهدت برضا ثم ذهبت خارج غرفتها متجهة للأسفل، ولكنها توقفت بمنتصف الدرج ما أن استمعت لوالدها. وهو يتحدث بنبرة فرحة قائلاً: على فكرة يا طارق، أنا وفضل بيه كنا مع بعض في المدرسة وكان شايف نفسه علينا عشان من عيلة البحيري. توقفت محلها بصدمة. هل هذا الذي يتقدم لخطبتها هو طارق البحيري؟ بالتأكيد هو جاء ليتقدم لخطبة ليلي التي يظن بأنها مريم الشاذلي.

هبطت للأسفل، عدت درجات ونظرت بحذر دون أن يراها أحد. وبالفعل وجدت أنه طارق ووالده ووالدته. صعدت للأعلى سريعاً وكادت أن يُغشى عليها من الخوف والقلق. جاءت ببالها فكرة ما وذهبت سريعاً إلى غرفة ليلي التي توجد بمنزل مريم. وبحثت عن هاتف ليلي الذي أغلقته وخبأته هنا حتى يتم شفاؤها. قامت بفتحه وبحثت عن رقم طارق وقامت بإرسال رسالة نصية له. وكان محتواها: "ممكن تخرج بره في الجنينة شوية من غير ما حد ياخد باله، لازم نتكلم الأول".

انتظرت قليلاً وهي ترى بأنه استلم الرسالة وبعد قليل شاهدها ثم أرسل لها رداً كان عبارة عن: "ماشي يا مريم جايلك". مريم بخوف شديد: أقول عليكي إيه بس يا ليلي، يا رب عديها على خير يا رب. نظرت من النافذة فوجدت بالفعل طارق يقف في حديقة منزلها. فاخذت نفس عميق وذهبت للأسفل من باب آخر دون أن يراها أحد وذهبت إلى طارق.

التفت هو لها ما أن شعر بخطوات خلفه. كان مبتسماً وهو يظن بأنه سيرى ليلي الآن، تلك الفتاة التي عشقها بروحها ومرحها وأصبح قلبه متيمًا بها. ولكن ما أن رأى مريم أمامه اختفت ابتسامته. وأردف بنبرة مرحة قائلاً: طنط مريم بنفسها هنا، أومال العروسة فين؟ اتفاجئت صح ومن صدمتها مش عارفة تعمل إيه والحركات دي بقى. مريم بضيق: هي مش هنا أصلاً. طارق بقلق: مش هنا إزاي؟ هي حصلها حاجة ولا إيه؟ فين مريم؟ مريم بتوتر: ليلي قصدك ليلي.

طارق بعدم فهم: ليلي مين هو؟ في إيه بالظبط؟ تنهدت مريم بضيق، فهي لا تقوى على الكذب ولا تجيد إتقانه إطلاقاً، لذلك تحدثت قائلة: مريم: قبل أي حاجة هحكيهالك، لازم تعرف وتتأكد إنها بتحبك أوي وحبتك فوق ما تتخيل والله. هي مكنتش عاملة حساب إنها هتحبك بالشكل ده عشان كده مكملتش وبعدت. طارق بجمود: إيه الموضوع؟ فهميني. مريم بحزن شديد: أنا اسمي مريم خالد الشاذلي، واللي انت تعرفها اسمها ليلي محمد. ضحك طارق بعدم تصديق قائلاً:

انتي بتهزري صح؟ ده مقلب؟ مريم هتخرج دلوقتي وتقول لي "آن آن آن" صح؟ امتلأت عيني مريم بالدموع ونفت حديثه وهي تهز رأسها برفض قائلة: مريم: للأسف ليلي مش هنا، لأن ده بيتي أنا. هي حبت إنها تتجوز واحد زيك كويس ومن عيلة، بس لما حبتك مقدرتش تصارحك بالحقيقة وبعدت عشان متأذيكش أكتر. تحولت ملامحه للجمود قائلاً: يعني ضحكت عليا؟ خدعتني؟ مريم بنبرة صادقة:

هي ممكن تكون كدبت عليك وخدعتك، بس مكنتش بتحبك وغلطت. ولما فاقت وعرفت الحب على إيدك بعدت. ليلي اتعذبت في حياتها فوق ما تتخيل يا طارق، تعبت جداً. مفيش راجل في الدنيا يتحمل اللي هي اتحملته. طارق بجدية: هي فين؟ أنا عايز أشوفها. مريم بهدوء: هي حالياً ظروفها صعبة شوية. وقت ما هتفوق من حالتها هتجيلك وهتحكيلك كل حاجة بنفسها، أوعدك بده. بس ارجوك حاول تشوف ليلي اللي اتعاملت معاك، هي دي ليلي. هي مكدبتش عليك غير في اسمها بس.

طارق بجمود: تمام. أتمنى لو قابلتيها تقولي لها إني بانتظارها ومستني أسمع منها كل حاجة. أنا كمان حبيتها وعشان كده هسمع منها هي. ابتسمت مريم باتساع قائلة: تمام، بس أهلنا اللي جوه و... قاطعها قائلاً بهدوء: متقلقيش، أنا هدخل أقولهم عندي شغل وبعدين أقولهم إننا متفقناش وهخلص الموضوع. مريم بإيماء: أنا بجد آسفة على الموقف السخيف ده. طارق وهو يذهب للداخل: ولا يهمك، حصل خير.

ذهب من أمامها فحين ابتسمت هي باتساع. نبرته وهدوءه جعلا قلبها يطمئن ويسعد. وفكرت في ليلي عندما تعلم ما حدث وتقبله البسيط للموضوع، بالتأكيد ستتحسن سريعاً من أجله. ***

دلف مالك لغرفته بعد أن انتهى يوم عمله وذهابه للمستشفى ليتم نقل أخيه حازم للمنزل. شعر ببعض الإرهاق. كانت هي جالسة على الفراش تقرأ في كتابها الدراسي وهي شارده به، حتى لم تعير تواجده أي اهتمام. تقدم منها وألقى بنفسه على الفراش بجوارها وهي لم تتحرك ولا تلتفت له. وذلك التجاهل جعله يستشاط غضباً. مد يده باتجاهها ومررها بهدوء على ذراعها، فانتفضت واقفة بفزع. قائلة بحدة: عايز إيه؟ نظر لها بخبث قائلاً:

هكون بقرب منك، عايز إيه يعني؟ أخذت نفس عميق وأجابته قائلة: أنا وجودي هنا مجرد وقت عشان اللي في بطني يجي على الدنيا ويبقى عنده عيلة وأهل. وفأقرب فرصة همشي، فخلي كل واحد في حاله أحسن. وقف أمامها قائلاً بسخرية: هو انتي الحرام معاكي حلو والحلال وحش؟ لأ برافو عليكي. وبعدين عايزة تمشي، الباب اهو وراكي، امشي. ندي بحدة: همشي وهخلص منك ومن القرف ده قريب أوي. صاح فيها غاضباً: قرف!

القرف هو إني اتجوزتك. بصي لنفسك، بقيتي عايشة فين وبتاكلي إيه وبتشربي إيه واتجوزتي مين وبقيتي من عيلة مين. القرف اللي بجد هو وجود واحدة زيك في عيلة البحيري، لا من مستوانا ولا شبهنا. ده الخدم انضف منك ومن أهلك. واستحملت واتجوزتك وبقيت أنا عايش في قرف.

ألقى كلماته القاسية عليها وتركها ودلف للمرحاض كي ينعم بحمام دافئ يزيل إرهاق جسده من هذا اليوم المتعب. فحين بقيت هي واقفة بمحلها ودموعها تهبط على وجنتيها بألم شديد. ضربت بيدها على موضع فؤادها الذي ما زال ينبض له. * ولكن لماذا أيها القلب؟ لماذا لا تنساه وتبغضه؟ لماذا تحبه؟ للان ما الذي رأيته منه خيراً كي تزال تنبض له؟

جلست على الفراش وأمسكت هاتفها تلهو به. وجدت عدة مكالمات من والدتها. فعاودت الاتصال بها ولكنها وجدت أنها لا تجيب. حاولت مرة أخرى. فجاء صوت والدتها الباكي قائله: أبوكي مات، أبوكي مات يا ندي. انتي السبب. مات بحسرته من عملالك. ربنا ينتقم منك، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. هبطت دموعها وأخذت تهز رأسها برفض وعدم تصديق قائلة: انتي بتقولي إيه؟ خليه يكلمني، هو هيرد على ندي حبيبته وهيسامحها. يا بابا اديهولي، هو هيرد عليا.

ردت عليها والدتها بغضب وبكاء قائلة: انتي السبب. مات بحسرته. منك لله. ربنا ياخدك. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. تابعت بنبرة قاسية: يا إياكي تيجي ولا أشوف وشك في حياتي تاني يا فاجرة. انتي متي بالنسبة لي قبل ما أبوكي يموت. أنا دفنتك وأخدت عزاكي. يا إياكي أشوف وشك تاني.

أغلقت والدتها الهاتف بوجهها، فحين ظلت هي تبكي بقوة وندم على ما فعلته بحق والدها. ندمت على تقربها من مازن، وكان هذا سبب حزن والدها وألمه ووفاته بهذا الألم. تذكرت آخر حديث بينهم وتذكرت حديثه وهو يخبرها: "أنا عمري كله كنت ليكي انتي واختك، صاحبكم، أخوكم قبل ما أكون أبوكم. عمري ما إيدي اتمدت على واحدة فيكم. اديتكم ثقة وأمان عشان كنت واثق بجد فيكم. ليه كسرتيني وحنيتي ضهري؟

ليه خليتي شكلي يبقى كده قدام الناس اللي جايه دلوقتي؟ ليه حرمتيني من إني أغليكي وأفتخر بربايتي ليكي؟ بكت بقوة أكبر وتذكرت أيضاً آخر شيء حدثها به ونظراته، وكأنها تراه أمامها الآن وهو يخبرها: "أوعي، انتي آخر واحدة أفكر أتسند عليها لو هموت. ولآخر لحظة في عمري هفضل غضبان عليكي وزعلان منك".

بكت بألم شديد وندم أكبر. الجميع يكرهها، أخطأت وتعترف بذلك، ولكن الله غفور رحيم وسيغفر لها لأنها ندمت وتابت له. ولكن البشر عنيدون وقاسيون، يلومونها لأنها أحبت بكل صدق، أعطت الأمان لمن دق قلبها له لأول مرة. هو خدعها وكذب عليها. ما شأنها لتعاقب على أفعاله بها هي؟ لماذا لا يعاقبونها قليلاً على خطئها؟

لما تتحمل كل الأخطاء هي وهو مخطئ مثلها، ولكنه لا يلام ولا يعاقب فقد لأنه الرجل وهي الفتاة. خسرت والدها وحياتها وأهلها وأصبحت تحت رحمة معشوقها القاسي. لم تتحمل التفكير أكثر. نظرت بجوارها على الطاولة وجدت تلك الحبوب التي تتناولها من أجل الحمل. أغمضت عينيها بألم وذهبت إليها وتناولتها جميعها دون تردد وتمددت على الفراش بهدوء. بعد قليل شعرت ببعض الألم في بطنها، ولكنها وضعت يدها في فمها تعض عليها بفمها كاتمة الألم.

فحين دلف مالك خارج المرحاض تناول هاتفه من جوارها على السرير ودلف للشرفة دون أن يعريها أي اهتمام. أشعل لابتوبه الخاص وبدأ ينجز بعض أعماله وهو يتناول بعض المأكولات التي جلبتها له الخادمة من الأسفل. لا يعلم كم مر عليه وهو على هذا الوضع الذي فاق منه على صوت رنين هاتفه. أجاب بهدوء: أيوه معتز. معتز بمرح: فينك يا عم؟ ولا هو الجواز خدك منا؟ نظر مالك باتجاهها وأجاب صديقه ساخراً:

آخر واحد يقول كده هو انت، ده انت أكتر واحد عارف اللي فيها وعارف التدبيسة اللي فيها. معتز بجدية: انت لي بتقول كده؟ أوعى تكون لسه زعلان بسبب الكلام الغلس اللي قولته عليها. مالك بجمود: وأنا أزعل منك إنت ليه؟ انت واحد جيت قولت اللي شوفته ووقتها مكنتش تعرف إني هتدبس في أم الجوازة دي. معتز بضيق:

بص يا مالك، ورحمة أبويا أنا مشوفتش حاجة عن ندي. بس كل الحكاية إنها كانت عجباني جداً وكنت هموت وأتجوزها. ولما رفضتني، أنا اتحرجت أقول قدامك إنها رفضتني كده من الباب للطاق. فالفت حوار إنها مش كويسة عشان كرامتي قدامك. وأنا شايف إن البنات بتقطع نفسها عليك وأنا حتى في الحلال بترفض. وأقسم بالله تاني، لو كنت أعرف إنها تخصك أنا مكنتش بصتلها ولا فكرت فيها. مالك بحدة:

يعني انت تشوه سمعة البنت قدامي وتخليني أقولها كلام زي السم كل ما أشوف خلقتها؟ وتقول كنت خايف على كرامتي قدامك؟ ده أنا اللي هين كرامة أهلك لما أشوفك. معتز بضحكة عالية: والله ما معلومك. المهم تعالى في سهرة حلوة كده النهاردة. مالك بجمود: لا مش فاضيلك، عندي شغل لازم يخلص ومذاكرة عشان امتحاناتي. معتز بمرح: لا انت بتتلكك، انت الجواز لمك وأنت مكسوف تقول.

لم يجبه مالك بشيء وأغلق الهاتف بوجهه وألقاه على الطاولة واتكأ بظهره على المقعد الذي يجلس عليه وظل يفكر بندي منذ أن رآها أول مرة عندما جاءت كي تعطي لوالدها بعض الملفات التي نسيها بالمنزل. كانت عنيفة وقوية، عيناها لا تفارق الأرض. تذكر عندما كان يراها أمام جامعتها دون أن تراه. وعندما كان ليالي كثيرة يسهر هنا بتلك الشرفة شارداً بصورها ويفكر بها. هو أحبها، اعترف بذلك لها عن صدق، ولكن عناده وغروره أبى على تصديق ذلك. تزوجها

بطريقة غير شرعية واستغل تعلقها به لينال ما يريد منها. أهانها وتركها بأبشع الطرق. دمر مستقبلها ولم يسأل عنها ماذا ستفعل من دونه. جعلها بنظر عائلتها فتاة غير جيدة وتفنن بإهانتها أمام عائلته وهي زوجته ولم يكترث لطفله الذي نشأ بين أحشائها. ويبقي الذنب الوحيد لها هي أنها أحبت ووثقت في شخص مثله عديم أخلاق. نعم اعترف بذلك ولاول مرة كان صريحًا بتفكيره مع ذاته.

نهض عن مقعده ودلف للداخل وجدها ساكنة في فراشها ظن أنها نائمة. جلس بجوارها وتنهد بضيق لا يعلم ماذا يقول أو بماذا سيخبرها. وضع يده على ذراعها قائلاً بهدوء:

أنا مهما قلت مش هيفيد بينا بحاجة. يمكن شخص زيي أصعب حاجة عنده إنه يعتذر أو يعترف بغلطه. بس أنا دلوقتي بعترف إني غلطت في حقك. وعلى فكرة انتي زي ما حبتيني، أنا حبيتك. بس اللي حصل بينا واستسلامك ليا خلى تفكيري يروح في حتة مش كويسة عنك. وفي نفس الوقت أنا بسمع من الكل إنك كويسة. بس هو انتي حبيتي أوي كده لدرجة إنك رميتي كل ده ورا ضهرك ورضيتي تبقي معايا؟ تنهد بضيق قائلاً:

أنا أناني ووحش وزي ما انتي غلطتي، أنا غلطت كمان. بس انتي ماذيتنيش، أنا اللي كنت وقح معاكي في كل حاجة. بجد أسف. والقرار ليكي يا ندي. هتختاري تكملي ونحاول نتأقلم على الوضع ولا هتختاري تمشي؟ أنا مش هجبرك على حاجة، بس أنا مش مرتاح وإحنا كده، وأكيد انتي مش مرتاحة كده. لاحظ صمتها وسكونها الشديد فأردف بضيق: ممكن تردي عليا؟ عارف إن نومك خفيف وبتصحي من أقل حركة جنبك.

وجدها لم تتحرك أنش واحد ولاحظ سكون أنفاسها. هزها قليلاً حتى تفيق، ولكن صُدم من جسدها الذي أصبح شبه متخشب. فجذبها سريعاً له، وكانت هنا الصدمة. وجهها كان شاحباً بفوه وعروق وجهها بارزة بشكل مخيف وشفتيها بيضاء من شدة الألم. انتفض بفزع وخوف شديد وهو يرى علب تلك الحبوب فارغة. تحسس نبضها سريعاً وكانت هنا الصدمة الأكبر عندما وجد نبضها توقف. يبدو أنها هذه المرة تركته، ذهبت ولم تعود. مالك بدموع هبطت على وجهه: ليه هتسبيني كده؟

ليه مستنتيش؟ والله أنا كنت جاي أصالحك ومش هسيبك. هزها قليلاً وهو يبكي بقوة قائلاً: أنا حيوان وحقير والله ومش هقولك أي حاجة وحشة تاني، قومي يا ندي، نديييييي. *** مرَ بعض الشهور على أبطالنا. انتهى الجميع من أداء امتحاناتهم وتخرج كلا من مريم ومحمود. وانتقل هادي للسنة الأخيرة في كليته بعد أن حصل على تقدير جيد هذا العام.

أما عن ليلي فانتهت من علاجها وتحسنت كثيراً. ويرجع هذا لـ مريم التي أخبرتها بأن طارق عرف بكل شيء ولن يحزن منها، بل وبانتظارها أن تذهب له. وقررت أنها ستخبره بكل شيء عندما تلتقي به. *** في منزل فاروق الخولي، دلف هادي خارج غرفته صباحاً. وجد والده جالساً في حديقة المنزل. كاد أن يتخطاه ويذهب للخارج ولكن أوقفه نداء والده. تنهد بضيق وذهب له. قائلاً بجمود: خير؟ فاروق بجدية: رايح فين؟ هادي بضحكة ساخرة:

خارج، وأظن إني كبرت على إني أقولك رايح فين وجاي منين؟ رد عليه فاروق بجمود: كبرت على دي ومكبرتش على حتة إنك بقيت زي الشحط ولسه بتاخد مصروفك مني؟ جلس هادي أمامه قائلاً بجدية: طيب ما تيجي نتفق، انت لا تديني مصروف ولا أي حاجة عايزها منك، بس سيبني أعمل اللي عايزه بمزاجي واللي يريحني. فاروق بابتسامة بسيطة:

لا يا هادي، هتفضل عمرك كله تحت عيني. واللي هتعمله هو اللي على مزاجي. والمفروض تفرح إني شايل همك وعايزك تبقى مني، أدم له كلمة وهيبة قدام الناس. هادي بجمود: وأنا ممكن أكون كده برضه، بس في الحاجة اللي بحبها، مش اللي حضرتك اخترتها وفرضتها عليا. فاروق بهدوء: هيجي يوم وتشكرني على اللي بعمله معاك. تنهد هادي بقلة حيلة قائلاً: مفيش فايدة. فاروق بيه الخولي لو طلع مناخيره من حياتي مش هيقدر يتنفس. فاروق بضحكة هادئة:

دي معاك حق. وبعدين نصيبك إن ميبقاش عندي أولاد غيرك، فكل ما أنسى إني ربيتك، بربيِك من الأول. هادي بنبرة مرحة: والله نفس الحال، أنا كل شوية أنسى إني اتربيت برضو. ضحك فاروق بقوة وشاركه أيضاً هادي الضحك بهدوء. فحين توقف فاروق عن الضحك قائلاً بجدية: فاروق: زميلتك اللي اسمها لونار باين دي عاملة إيه؟ تهجمت ملامح هادي بضيق. فأردف فاروق بخبث: إيه؟ للدرجة دي سيرتها بتضايقك؟ مع إني شوفت عكس كده لما شوفتك معاها. هادي بجمود:

هي كانت مجرد زميلة وخلاص، كل واحد راح لحاله. بس غريبة، أول مرة تسأل على بنت شوفتها معايا؟ فاروق بجدية: اسمعني للآخر يا هادي ومتقاطعنيش، ممكن؟ هادي باهتمام وفضول: فضل. فاروق بجمود:

أنا لما شوفت البنت دي حسيت إنها غير أي بنت تانية. وشوفت بعنيك نظرة ولمعة أول مرة أشوفها. ومن جوايا فرحت إنك حبيت. فـ لما اتكلمت معاها لقيتها طيبة، بس حبيت أقولها ابنك إزاي، لإن خفت تكون بتتسلى بيها برضه وأنا نظرتي غلط. فـ لمحت لها إنك كنت تعرف غيرها كتير. وهي استأذنت وقامت. وأنا وطالع سمعت كلامها ليك. ووقتها برضه اتأكدت إن البنت دي مجرد منظر، ملتزمة بدينها ومحترمة ومحتشمة، وده شيء يحترم جداً جداً. بس دماغها متستلمة غلط. وزي ما أنت قولتلها، هي مغرورة في اعتقداتها جداً وناسية إن البشر بيكملوا بعض مش العكس. والاختلاف هو أساس التكامل يا ابني. وأنا آسف لو إني اتدخلت وسببت مشكلة بينكم.

هادي بنبرة ساخرة: تصدق وتؤمن بالله. فاروق بقلق: لا إله إلا الله. هادي بجمود: انت أول مرة تتدخل في حاجة ويكون عندك حق فيها. على الأقل وضحت لي حاجات مكنتش شايفها بسبب انبهاري بالشخصية دي. فاروق بثقة: أنا قولت لك، هيجي الوقت وتقول فيه عندك حق يا بابا. هادي بضحكة هادئة: بسحب كلامي. إيه الغرور ده.

ضحك الاثنين بقوة وأخذ يتبادلان الحديث لأول مرة، حتى أن هادي تناسى موعده الذي كان سيذهب له. نعم، لا شيء تغير وما زال فاروق يتدخل في حياته وفرض عليه قراراته. ولكن ما الحل؟ هل المعارضة والحزن الدائم أم التقبل والرضا؟ وخصوصاً إذا كان ما يطلبه منه والده لن يؤذيه، فقد هو معاكس لطموحه وأحلامه. ولكن كما قال بهاء: العمل رزق، والرزق قدر من الله سيحدده هو لك.

كانت في الشرفة في الأعلى تتابعهم رانيا زوجة فاروق بابتسامة واسعة ودموع لامعة في عينيها. فمنذ أن تزوجت فاروق وهي تتمنى تلك اللحظة. نظر لها هادي وعلى غير العادة ابتسم لها بهدوء لأول مرة. دلفت للداخل ونظرت لصورة رفيقتها والدة هادي وأدمعت عيناها. وأردفت قائلة بتنهيدة طويلة:

دلوقتي أقدر أطمئن إنك ارتحتي في تربيتك. وأوعدك إني طول ما أنا عايشة هعيش عشان أريح ابنك. ياحبيبتي وهحققلك حلمك فيه. يا أغلى من روحي. ربنا يرحمك يا أغلى صديقة ليا. ***

ذهبت ليلي خارج منزل والدة هادي، فمنذ شهور هي لا ترى بها شكل الشارع. اشتاقت لحريتها ومرحها وحركتها. تعلمت كثيراً من تلك التجربة القاسية التي ذاقت عذابها بمرارة. لذلك قررت أن لا تجعل أي شيء يجبرها على التألم. ستعيش حياتها كما هي وترضي بكل شيء وتتقبله بوجه مبتسم. رفضت أن يكون معها أحد أصدقائها وخرجت بمفردها.

أشعلت هاتفها الذي جلبته لها مريم، كادت أن تهاتف طارق ولكن بداخلها كان يوجد اشتياق أكبر بكثير، ولكن ليس لـ طارق بل لوالدها. أغلقت الهاتف مجدداً وأخذت سيارتها التي جلبها لها أصدقاؤها في عيد ميلادها وذهبت لمنزلها وهي متحمسة لرؤية والدها وهو سعيد بشفائها.

وصلت بعد قليل إلى مكان عمل والدها وما أن دلفت داخل المحل حتى أخبرها العامل بأنه ذهب لمنزله ليتناول وجبة الغداء. فاخذت سيارتها مجدداً ذاهبة للمنزل. وما أن وصلت حتى هبطت من سيارتها راكضة للأعلى حتى لم تنتظر المصعد. ركضت على الدرج وطرقت الباب بقوة. فتحت لها زوجة أبيها. وما أن رأت ليلي أمامها حتى لوّت فمها بتهكم. قائلة: أهلاً يا أختي، عاش من شافك. دفعتها ليلي دافلة للداخل قائلة بحدة: اوعي من وشي كده.

ما أن دلفت للداخل ووجدت والدها يدلف خارج غرفته ليرى من على الباب حتى ابتسمت باشتقاق وركضت له وعانقته بقوة وهبطت دموعها بقوة. ليلي بنبرة هادئة: وحشتني أوي يا حمادة، وحشتني أوي والله. لمعت عيناه بالدموع وكاد أن يحتضنها، ولكن نظرات زوجته الحادة جعلت ينزل يديه للأسفل وهو يكبت اشتياقه لوحيدته. ابتعدت عنه ليلي قائلة بهدوء: انت مش عايز تحضني يا بابا؟ هو أنا موحشتكش؟

أنا عارفة إنك زعلان مني بس غصب عني والله. وبعدين اعتبرها غلطة مش هتتكرر. هيهون عليك تزعل كل ده من ليلي حبيبتك. نظر لزوجته برجاء ولكنها ذهبت ووقفت أمام زوجها قائلة بحدة: انتي لسه فاكرة تراضي أبوكي؟ كنتي يا أختي عملتيله حساب قبل ما تبقي مدمنة مخدرات؟ مجاش في بالك إن لو حد شم خبر هيودي وشه فين الغلبان ده من الفضيحة؟ ليلي بغيظ: وانتي مالك انتي تتحشري لي وسطنا؟

وبعدين خليكي في ابنك اللي مدورها يسرح كيميا في الصيدلية بتاعته. ثريا بغضب شديد: أنا مش هرد على بنت قليلة أدب زيك. أبوكي هو اللي هيرد عليكي. ها يا سي محمد هترد انت عليها ولا أشوف اللي ورايا أنا؟ محمد بجمود: خلاصة الكلام يا ليلي، لو عايزاني أسامحك، تقبلي تتجوزي لؤي. أنا مش هرتّاح غير وأنا شايفك في مسؤولية راجل وبيتك مقفول عليكي. ليلي باستنكار: وهو الراجل اللي هيشيل مسؤوليتي لؤي؟ انت بتتكلم جد يا بابا؟

هترميني للحيوان ده. ثريا بحدة: متحترمي نفسك يابنت انتي. انتي كمان لسه ليكي عين تتكلمي. محمد بنبرة حادة: ده اللي عندي يا ليلي، وده اللي في مصلحتك. أنا مش هاذيكي. أدمعت عيناها قائلة بحزن: هو انت لي ديما مصمم تكسرني وتخذلني فيك؟ لي كل مرة ألجأ لك ألاقيك بترميِني عشانهم؟ أنا اللي بنتك. انت يوم

ما اتجوزتها جيت وقولت لي: "هجيب لك ماما جديدة هتحبك وهتكبرك"، بس انت جبت لي واحدة عقدتني في حياتي. خلت كل ذكرياتي معاك وفي البيت ده مؤذية. خلتك تبعد عني وتبقى أناني وضعيف. ثريا بحدة: بطلي كهنة البنات ده وجو التمثيل. كل ده عشان قولتالك تتجوزي الدكتور لؤي؟ هو انت تطولي أصلاً؟ ده هو اللي هيتنازل وياخد واحدة زيك ليها سابقة مع المخدرات. نافخة مناخيرك علينا ليه يا حبيبتي؟ ده أنا ابني ست ستك تتمنى ضفره. ليلي

بنبرة غاضبة ردت عليها: وابنك لو آخر واحد على وش الأرض مش هتجوزه. ولو على وجودكم في حياتي مش عايزاه أصلاً. أنا معاكم بكون وحشة ومش كويسة، ومن غيركم بكون إنسانة طبيعية. تابعت وهي تنظر لوالدها بألم قائلة: آسفة إني احتجت لك وجيت لك وفكرت إني ممكن أُصعب عليك حتى. تركتهم وذهبت للخارج، فحين جلس هو على الأريكة واضعاً رأسه بين يديه ودموعه تهبط فصمت. ثريا بخبث:

متقلقش يا محمد، هترجع. هي بتحبك ومش هيهون عليها زعلك. وقريب هنفرح بيها هي ولؤي وهيشيلوا عيالهم. محمد بقلق: ولو موافقتش يا ثريا؟ ثريا بحدة:

غصبًا توافق. ولؤي روحه فيها. بعد الجواز تنسى وتقولك شكراً يا بابا إنك خليتني أتجوزه. ده بس اللي فيها عند ونشفان دماغ. وبعدين المخدرات دي دوامة، أوعى تصدق إنها اتعالجت وخلاص كده. دي ممكن في لحظة ترجع لها تاني. ولازم حد يخاف عليها ويكون فاهم في العلاج يراعيها. ومفيش أحسن من لؤي يكون معاها. وعلى الأقل السر بتاع الإدمان ده ميطلعش بره. أومأ لها محمد باقتناع وهو ينظر أمامه بشرود. ***

بأحد النوادي الراقية التي لا يدخلها سوى أصحاب الطبقة الراقية. جلست مريم مع والدتها على أحد الطاولات وكانت تزفر بضيق. فريدة بقلق: مالك يا مريم؟ تعبانة ولا إيه؟ مريم بحزن: آه يا ماما، تعبانة أوي منك ومن بابي. أنا من لما اتخرجت وبابي واخدني معاه اليوم كله في الشغل المشروع الجديد. ودلوقتي مصدقت ارتاح شوية وأروح أشوف صحابي. حضرتك جايباني هنا عشان تجوزيني. فريدة بضحكة هادئة:

ولا أنا مش جايباكي أتجوزك، أنا بقولك اتعرفي عليه. أنا اتكلمت معاه قبل كده واتعرفت عليه. شاب جميل جداً ووسيم وراقي ومن عيلة كويسة. ولما مامته فتحتني في الموضوع اطمنت أوي وحسيت إن هو ده اللي هيفهمك يا ميمي. إنما بقى لموضوع الشغل، فده لازم تتعودي عليه. أنا وبابي بنسافر من بلد لبلد طول حياتنا. ليه مش كل ده عشانك؟ عشان نسيب لك ثروة تعيشك برنسيسة في بلدك. مريم بدموع:

أنا كنت محتاجة ثروة تانية. هي حضنكم وقت ما كنت ببقى محتاجاكم يا مامي. امسكت فريدة يدها بهدوء قائلة بحنان: بعيد عن بابي والشغل، أنا من لما جيت مصر وقربنا من بعض أنا وانتي ومش عايزة حاجة تاني من الدنيا غير أفضل هنا جنبك. وهحاول أمسك الشغل هنا ومابعدش عنك تاني. مريم بابتسامة واسعة ودموع فرح: انتي بتتكلمي بجد يا مامي؟ أومأت لها فريدة بنعم وهي تنظر لها بابتسامة حنونة. ثم أخفتها ورسمت الجدية على وجهها قائلة: فريدة:

بس وصلوا أهم. أخذت مريم نفس عميق وقامت بتمرير يدها بشعرها بحركة عفوية. فحين وقف ذلك العريس ووالدته أمام الطاولة. نظرت لهم هي بهدوء. ولكن ما أن وقع نظرها عليه حتى اتسعت مقلتيها بصدمة وعدم تصديق. فهذا العريس هو باهر! هل هذا حقيقياً؟ فاقت من شردها عندما تحدثت والدة باهر قائلة: السلام عليكم يا جماعة، سوري اتأخرنا عليكم. فريدة بقلق وهي تنظر لابنته: لا محصلش حاجة، اتفضلوا اقعدوا. أجابتها والدة باهر قائلة بمرح:

لا تعالي بقى اخطفك ونقعد لوحدنا شوية ونسيب الولاد يتعرفوا. تابعت وهي تنظر لـ مريم الشاردة بـ باهر: مبسوطة إني شوفتك يا مريم. طلعتي أجمل من الصور بكتير. نظرت لها مريم بتوتر شديد قائلة: آه آه شكراً جداً ليكي. كتم باهر ضحكاته ثم أفسح المجال لوالدته ووالدة مريم أن يذهبو. ثم جلس على مقعد فريدة أمام مريم التي ترمقه بحدة وعدم تصديق. ابتسم بهدوء قائلاً بنبرة واثقة: عاملة إيه يا آنسة مريم؟ مريم بحدة: انت بتعمل إيه هنا؟

أجابها بنبرة مستفزة: أنا كويس الحمد لله. ممكن بقى تعرفيني عن نفسك؟ أظن ده حقي المرة دي إني أعرفك ونتعرف والجو ده. مريم بغيظ: انت مستوعب نفسك بتقول إيه؟ أجابها بثبات قائلاً: طبعاً أنا بطلب منك تعرفيني عن نفسك. تابع بخبث: شكلك مكسوفة، فأنا هتكلم وهبدأ أنا. تابع وهو يعدل من هيئة ملابسه قائلاً بثقة:

أنا باهر المنشاوي، عندي 35 سنة. دكتور طب نفسي درست ألمانيا. عندي عيادة خاصة بيا وبدير مستشفى المنشاوي بتاعت والدي عامر المنشاوي، أشهر دكتور أمراض قلبية في مصر. مريم بنفاذ صبر: خلصت؟ أومأ لها بنعم فاردفت هي بحدة: همل أمي أنا بقى بكل ده. باهر بسخرية: إيه قلة الأدب دي؟ أنا الحقيقة والدتي قالت لي جايب لك عروسة محترمة. مريم بغيظ: وأوف إيه ياربي الصدفة المنيلة بنيلة دي. اتكى بساعديه على الطاولة قائلاً بنبرة مرحة:

مش صدفة، ده تخطيطي. أنا اللي خليت ماما تكلم مدام فريدة وتتعرف عليها من زمان من قبل ما يجوا مصر. وبالفعل اتعرفوا على النت بسبب الشغل وبقوا صحاب. وأهو هيبقوا نسايب. مريم بسخرية: يعني انت اللي مخطط؟ تعبت نفسك والله. وبعدين مش أنا مجنونة؟ عايز تتجوز واحدة مجنونة. باهر بمرح: طبعاً ده تخصصي، مجانين أصلاً. مريم بنفاذ صبر: بقولك إيه، أنا بجد ممكن أقلب مجنونة حقيقي. فـ قوم خد مامتك وامشي. وانسى إني هتجوز واحد زيك. باهر بجدية:

أصولي صعيدية، أهل أبويا من الصعيد، فدمي حامي شوية. يعني جو اللبس الضيق والشعر اللي مدلدل على كتفك ده مينفعش معايا. وإذا كان على صحابك، فأنا بحبهم، فهسمح لك تكلميهم مرة كل أسبوع وقدامي. مريم بحدة: انت بتقول إيه؟ أنا مش هتجوز. أردف بجدية ونبرة صادقة:

من أول يوم شوفتك فيه ومش عارف أبطل تفكير فيكي. بقيت أحب أناكشك عشان تتكلمي معايا ويبقى الحوار بينا مفتوح وميتقفلش. ويوم ما قررت أتجوزك صليت استخارة. ووقتها حسيت براحة في قلبي عمري محسيت زيها. حتى لما دخلت طب وحققت حلمي مرتاحتش كده. وعلى فكرة أنا بفهم اللي قدامي كويس وبعرف العيون بتقول إيه. بفهم الإشارات اللي بتبعتها القلوب للعيون وبتبان في النظرات. ومتاكد إن اللي بمر بيه ده حصل معاكي. فيا ريت توافقي. وبعدين إحنا لسه هنعمل خطوبة طويلة وهقدر أعالجك وأخلصك من الجنان ده قبل ما نتجوز.

مريم بغيظ وحدة: تفضل قوم من هنا وخد مامتك وامشي. أنا مش هتجوز. هب واقفاً قائلاً بضيق: تمام يا مريم، اللي تشوفيه. بس أنا عملت اللي عليا. بعد إذنك. تركها وأخذ والدته مغادراً الكافيه. شعرت هي بضيق شديد لا تعلم لما أخبرته. لأنها لا تريده. تباً لذلك العند والغرور الذي جاء إليها مؤخراً معه. تقدمت منها والدتها واحتضنتها بقوة. قائلة بنبرة فرحة: ألف مبروك يا حبيبتي. أنا كنت واثقة إنكم هتتفاهموا. مريم بعدم فهم:

مبروك على إيه يا ماما؟ فريدة بسعادة بالغة: باهر جه قال لنا إنكم اتفقتوا ووافقتي. وهو هيكلم باباك وهيحدد معاه معاد عشان يتقدم رسمي. اتسعت مقلتيها بصدمة ناظرة له وهو يسير مع والدته. ولكنها وجدت أنه ينظر لها بابتسامة واسعة ثم غمز لها بطرف عينه. ففقدت التحكم بابتسامتها وابتسمت بخجل ليبادلها هو أيضاً الابتسامة بأخرى مليئة بالرضا والسعادة. ***

هبطت ليلي من سيارتها ووقفت أمام النيل، ذلك المكان الذي كان يفاجئها به طارق رغم أنها لن تنبهر به حينها كثيراً، إلا أنه الآن أصبح مكان مميز لها بتلك الذكريات التي كانت فيه. وقفت شارده فيما حدث مع والدها وتخليه عنها بسهولة كي يرضي زوجته مثل العادة. ابتسمت بهدوء رغماً عنها وهي تتذكر حديثها منذ قليل مع طارق عندما أخبرته أنها تريد رؤيته وهو من أرشدها أن تنتظره هنا وكأنه يعلم بأن هذا المكان سيجعل قلبها يهدأ ولو قليلاً.

ظلت واقفة وشارده بحياتها وجعلت تلك الابتسامة مرسومة على وجهها وكأنها إذا أخفتها ستنتهي سعادتها. لا تعلم بأن القدر قاسي معها حتى وإن ابتسمت. فاقت من شرودها على صوت سيارة طارق التي أوقفها خلف سيارتها وهبط منها بهدوء. نظرت له باشتياق شديد. فحين ابتسم هو بسخرية قائلاً وهو يشير لسيارتها: طارق: دي عربية مريم صح؟ شعرت ببعض الإحراج ونظرت أرضاً. فضحك هو بهدوء قائلاً: إيه؟

مريم بهزر، سوري قصدي ليلي. معلش بقى هاخد وقت لحد ما أتعود على الاسم الجديد، بس أتمنى ميطلعش اسم تالت. ليلي بحزن شديد: أنا عارفة إني غلطت يا طارق، وحتى لو كنت هتسامحني أو مش هتسامحنيش، أنا عارفة إنك في الحالتين هتفضل زعلان مني وجداً. بس ممكن تسمعني. طارق بجمود: طبعاً هسمعك، ده أنا جاي هنا مخصوص عشان أسمعك، مع إني مبقتش عارف أصدق كلامك ولا لا.

هبطت دموعها هذه المرة رغماً عنها. فكل ما يحدث لها فوق طاقتها ويؤلمها. لا أحد منهم يهتم لما كانت تعانيه منذ أيام من أجل أن تتغير وتصبح إنسانة جديدة. جميعهم يلومونها على الماضي وأخطائها التي نتجت من تصرفات البشر القاسية معها. طارق بنبرة غاضبة: مبتتكلميش؟ سكتي لي؟ تابع بقسوة: طيب أنا هساعدك. تحبي نبدأ منين؟ من إنك ليلي محمد بنت راجل بسيط عنده محل عطارة؟ ولا من إنك لسه مكملتيش يومين مخلصة علاجك من الإدمان؟

نظرت له سريعاً بقلق وخوف شديد. فحين تابع هو بجمود: أنا متحريت عنك زمان وسيبت نفسي ليكي، وانتي لعبتي بيا على كيفك، بس وقعت الشاطر بألف. ولما تحريت عنك لقيت ماضي يقرف. ملقيتش حاجة بس واحدة فيه تشرفني إني أقف معاكي دلوقتي كده. ليلي ببكاء:

انت متعرفش حاجة. معشتش يوم واحد مع ثريا وابنها. مجبرتش إحساس إنك وسط الناس كلها تبقى لوحدك في الدنيا. لا أب ولا أم ولا أهل. إنك تبقى كل حاجة لنفسك. أنا ملقتش حد ينصحني ويبعدني. أيوه صحابي حاولوا معايا كتير ومنعوني أكتر من مرة، بس أنا اللي كملت في الغلط عشان أعاقب نفسي من غلطات الدنيا معايا عشان أبين لها إنها لو وحشة أنا أوحش منها. واكتشفت إن كل ده غلط في غلط وندمت والله واتعالجت وقررت أبدأ من جديد. بس محدش فيكم قادر يتقبلني. وكأن الكدب والتصرفات الوحشة هي اللي بقت ترضيكم. إنما الصدق والحقيقة صعب تتقبلوها.

نظرت له من وسط دموعها وتابعت بصدق: أنا لو كنت كدبت عليك في كل حاجة، فـ برحمة أمي لما قولتلك إني بحبك، أنا مكنتش بكدب. وعشان كده بعدت ومرضتش أذيك أكتر. صاح فيها غاضباً: انتي بعدك عني آذاني أصلاً. كنتي أنانية وخفتي على شكلك قدامي ومرضتيش تقولي الحقيقة وسيبتيني ألف حوالين نفسي وأشوف أنا غلطت معاكي في إيه أو دايقتك في إيه عشان تبعدي. خلتيني أفكر في نفسي وقولت يمكن أنا اللي وحش ومحبوب أصلاً. تابع بنبرة غاضبة:

أنا مش قادر أسامحك ومش قادر أبص في وشك أصلاً ولا عايز أشوفك تاني. واحدة زيك آخرتها أشفق عليها، لكن تبقي معايا تاني مستحيل. انتي لا تلزميني في حاجة ولا تناسبيني تبقي ليا زوجة أو أم تانية لبنتي.

ألقى كلماته عليها وتركها تبكي بقوة وأخذ سيارته مغادراً المكان بأكمله. شعرت هي وكأن العالم أصبح ضيق للغاية وبأكمله يجلس فوق صدرها لتجد صعوبة في التنفس. جلست أرضاً وهي تبكي بقوة وشهقاتها تعلو أكثر وأكثر. كل شيء توقعته خذلها. تلك الابتسامة التي قررت أن لا تخفيها من على وجهها اختفت وتركتها وحيدة وخذلتها أيضاً. ولكن ذلك القدر القاسي والحزن المظلم لن يتركها، فهم أوفى شيئين لها ولا أحد متمسك بها مثلهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...