الفصل 23 | من 29 فصل

رواية حصونه المهلكة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شيماء الجندي

المشاهدات
23
كلمة
2,714
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

مدت كتفاها ووقفت تنكس رأسها بصمت، تنتظر أن يبدأ أحدهم بالحديث عن ذاك الموقف المخجل. تنتظر أن تستمع إلى سيل جارف من التأنيب، سواء من أخيها أو من خطيبها. لكنها استمعت إلى صوت ذاك الفهد، الذي اتخذ ركنًا بعيدًا تمامًا عنها، وهو يقول بصوته الرجولي الأجش: –هتتكلم ولا أتكلم أنا يا دكتور؟ مش هنفضل نلعب بأعصابها كده! عقدت حاجبيها ورفعت أنظارها بصدمة من تلك الكلمات المبهمة الغريبة.

ليتجه أخوها إليها يحيط كتفيها بحنو ويقول، "يزيد"، بالوقت ذاته زافرًا أنفاسه بإرهاق: –أسيف، بعد موقف النهارده وموقف المرسم اللي شوفته من فترة، أحب أقول إنك خلاص اتعافيتي تمامًا. لم تعِ ما يقول، حدقت به بصدمة واضحة، ثم اتجهت أنظارها إلى ذاك الفهد الذي وقف هادئًا تمامًا يراقبها بصمت. أنهى "يزيد" تلك الحيرة وهو يقول بصوت رزين:

–شوفي يا أسيف.. الفوبيا مش شرط تكون من أماكن بس، ممكن تكون من حيوانات، من أشخاص.. وهكذا. وأنتِ كان عندك فوبيا من فهد، وده طبعًا زاد بسبب الأذى اللي حصل في فترة بداية جوازكم. خرج أخيرًا عن صمته وأردف بنبرة جامدة صارمة: –ادخل في الموضوع على طول يا يزيد، هي عارفه التفاصيل. ألقى "يزيد" عليه نظرة هادئة، ثم زفر أنفاسه. وقد سرق تركيزها الكلي له، علها تفهم ما يدور حولها بتلك الغرفة. ليؤيده "تيم" خشية أن تسوء حالة شقيقته:

–فعلًا يا يزيد. هز الأخير رأسه بالإيجاب مذعنًا لأمرهم، وقال بلطف بالغ: –وطبعًا أنتِ اتعالجتي من الاكتئاب اللي حصلك ورجعتي تمارسي حياتك. بس فيه نقطة كانت باقية في العلاج، وماكنش ينفع أقولك على طول. أنتِ لازم تتواجهي مع فهد. أنا في حالتك بلجأ لطريقتين.

الأولى: علاج سلوكي معرفي، وده كان فردي بينا وحضرتي كام جلسة جماعية معايا. بس للأسف الأسلوب ده ما نجحش معاكِ في علاجك ككل، وفضلت الفوبيا من فهد موجودة. وده طبعًا كان واضح في موقف مقابلتك معاه هنا وتجنبك ليه دايما والتزامك بالقعدات العائلية في وجود تيم. فاضطريت ألجأ للطريق التاني..

وهو: علاجك بالتصادم مع مسبب الفوبيا بس على مراحل بشكل تدريجي. وده طبعًا كان مستحيل يتم بصدفة. أنا كنت ناوي أكمل في علاجك بهدوء، لكن بصراحة فهد كان مكلمني قبل حتى ما أقابل نائل، وهو اللي نزلني مصر عشانك. شهقت بصدمة واتسعت عينيها، تلتفت لأخيها الصامت الجامد يراقب ما يحدث بهدوء يماثل هدوء ذاك الفهد الذي يراقبها بلطف ونظرات ناعمة.

دبّت تلك القشعريرة اللعينة بأوصالها، وكادت تلهيها عن استرسال يزيد بالحديث، وهو يعود بالأحداث إلى ما قبل أشهر ماضية، حيث اصطحاب شقيقها لها إلى تلك الشقة المنعزلة عن ذاك القصر. *** Flash Back أغمض فهد عينيه بقوة وغضب، وهو يتابع بعينيه ابن عمه الأصغر "نائل" أثناء هبوطه من شقة والديه. ليبتسم بهدوء ويردف: –آخر مكان ممكن يجي في بالي، مش كده! زفر أنفاسه بإرهاق، ثم هاتف ذاك الرجل الملقب باليزيد، وهو يزفر بغضب منتظرًا إجابة.

ليأتيه الرد من ذاك الطبيب المتعجرف قائلًا بهدوء مبالغ به يستفزه. لو لم يكن مرشحًا له من كبار الأطباء، لكان أنهى جرعة غضبه به الآن. لكنه منذ أكثر من شهر وهو يحادثه هكذا بلا مبرر. –يا دكتور! زفر فهد بغضب وصاح به: –أنا مش فاهم أنت دكتور نفسي ولا دكتور حمير! إزاي بتكلمني بالأسلوب ده وأنا طالب منك مساعدة في علاج واحدة؟ وبقالك أكتر من أسبوع مأجلني. أتاه صوت "يزيد" الهادئ يقول بسخرية:

–أنت مش عامل فيها بلطجي ومنزلني مصر بالعافية؟ وبعدين مساعدة إيه، إذا كنت أنت نفسك محتاج مساعدة. محدش يعمل في مراته اللي أنت عملته ده أبدًا، وتقولي أساعدك؟ وبعدين أنت ناسي إن أسيف دي طلعت أصلًا متربية معايا، ده أنا المفروض أقتلك على اللي عملته فيها. وبعدين آخر مرة قولتلي إنك مش راجع القصر ومش عاوز من وشي حاجة، إيه اللي حصل بقى؟ أغمض "فهد" عينيه بقوة وهو يقبض على المقود متحركًا بالسيارة، يقول بنبرة جافة:

–على العموم، أنا فعلاً خضعت للعلاج من امبارح. بس ده مش عشان خاطر كلامك، ده لأن فيه أمور جديدة واكتشفت إن كل حاجة كانت خدعة. وللأسف أنا كنت الأول عاوزك عشان تعالجها من خوفها مني، لكن دلوقتي حالتها ساءت وفقدت النطق. استمع إلى صوته القلق، وقد اتزنت نبرته متنازلًا عن السخرية، وهو يقول باهتمام واضح: –لا، فهمني إيه اللي حصل بالظبط. أتاه الرد الجاف من ذاك المتمرد وهو يقول بنبرة غاضبة:

–أنا مش مريض عندك وجاي أعالجني. أنا مش هحكي حرف غير لما أضمن إنك هتعالجها، لأن للأسف أنت متمكن في مجالك. لحظات صامتة من الطرفين، ليستمع إلى رده الهادئ بعدها: –معنديش مانع أعالجها طبعًا، قولتلك أسيف تهمني. وطالما أنت بدأت علاج يبقى دي حاجة تطمني. صاح غاضبًا: –إيه تهمك دي؟ ما تحترم نفسك يا ابن آدم! أنت ناسي إنها مراتي؟ أتاه الصوت الاستفزازي البارد يقول: –طليقتك! أسيف طليقتك. نائل لسه قايل لمروان صاحبنا امبارح.

جز على أسنانه بقوة وهو يسب ابن عمه المتسرع بسره، ليزفر غاضبًا مغلقًا الهاتف بوجهه قبل أن يتهور كعادته. *** Back أنهى "يزيد" سرد موقفه وهو يقول موضحًا:

–فهد مكنش عارف إني صديق للعيلة. طلبني كدكتور وأنا رفضت وقتها. وهو لما عرف اتواصل معايا تاني وكان جمع عني معلومات وعرف إني صديق للعيلة، وقالي عن حالة أسيف. في الأول أنا قلقت ورفضت، وهو بوظ شغلي هناك ونزلني مصر بالعافية عن طريق دكتور صاحب بابا طلب مني أساعده في حالات. وبعدها كانت الأمور اتدهورت تمامًا وفهد طلق أسيف. وأنا قابلت نائل وكلمني فعلًا زي ما فهد قالي إن تفكير نائل هيروح ليا. طبعًا مكنش ينفع أخدع تيم وحكيت له كل ده، وهو وافق عشان علاجك، وأنتِ أظهرتي تجاوب رائع معايا وخرجتي من حالة الاكتئاب. لكن للأسف طريقة العلاج السلوكي المعرفي

(CBT) ما نجحتش، فوقفت فوبيا خوفك من فهد. وده خلاني أستعين بفهد نفسه لأنه مصدر خوفك، وتصادمك معاه مش هيبقى صدفة منكم أكيد، وهو بنفسه اللي بدأ ده بعد ما اتواصل مع الدكتور بتاعه. يوم ما كنت هنا عندكم وطلبتك من تيم عشان أستفزه، وده برضه كان باتفاق بيني وبين تيم، لأن تيم رفض يطلب مساعدة فهد، وفي نفس الوقت كان عاوزك تتعالجي. *** Flashback

خرج "فهد" من غرفة المكتب وهو بحالة يرثى لها، حيث تلك المحادثة القصيرة مع فاتنته التي أنهكته. كاد أن يصعد الدرج إلى غرفته، لكن تلك النيران التي تعبث بفؤاده لم ترحمه. اندفع إلى الخارج فور أن سمع صوت سيارة ذاك الطبيب المستغل. وقف أمام السيارة، ليترجل "يزيد" مندهشًا وهو يقول بصدمة: –وبعدين في شغل البلطجة ده! آآآه... اندفعت لكمته الأولى بباطنه بغضب، ثم كمم فاهه حتى لا يتسلل إلى الداخل، ودفع جسده بقوة إلى السيارة، يردف

بغضب وهو يسحق أسنانه بعنف: –بقا أجيبك تعالج مراتي تقوم تطمع فيهاا يا ××××! أنت متخيل إني هسيبها ليك؟ ده اللي لازم أبعد عنها عشان تقدر تتعالج وأنا أكون اتعالجت. أنا من الأول مكنتش مرتاح لقذارتك. أزاح "يزيد" يده بغضب، وكشر عن أنيابه يحاول دفع ثقله عنه، قائلًا بسخرية لاذعة: –مراتي؟

أولًا أسيف طليقتك، ومش بس كده، ما تمتش بينكم علاقة يعني محتاج موافقتها قبل كل حاجة عشان تقدر ترجع ليك بعقد جديد. ثانيًا بقا أنت ملكش دعوة باللي بعمله، هو حرام أحب؟ اممم... وضع يده حول رقبته بهدف خنقه ليزهق أنفاسه، لكن بلحظات أفاق لنفسه، مسيطرًا على انفعالاته، لينفض جسده بعنف وهو يقول غاضبًا أثناء انصرافه إلى القصر: –وأنا مش هسيبها ليك أبدًا. ومش هكرر غلطاتي يا... يا دكتور. لفظ "يزيد" أنفاسه، ثم هتف

بصوت واضح بعض الشيء بغضب: –لعلمك بقا أسيف لسه بتخاف منك، ومحتاجة علاج! توقف، بل قد أعطى عقله أمرًا تلقائيًا لقدميه بالتوقف عن الحركة. هي تخشاه إلى الآن! إذا كيف تتصرف؟ أنها أتمت علاجها؟ عاد إلى ذاك الطبيب وهو يأكل الأرض بخطواته بعنف، وكاد يمد يده ليلكمه وهو يقول: –بقا بتغشنااا! أنت إنسان ×××. أسرع "يزيد" بامساك قبضته وصاح به بغضب مماثل: –أغش إيه؟ أنتوا زي أهلي. أسيف اتعالجت من الاكتئاب فعلًا، لكن الفوبيا منك لااااء.

اتسعت عينه وهو يشير لنفسه قائلًا بدهشة: –فوبيا مني أنا؟ هتف الآخر بغضب وهو يحاول التحكم بنظراته: –أيوه طبعًا أسيف بتخاف منك، ولولا إني شايف اهتمامك بعلاجها مكنتش قولتلك كده. أنت متستاهلهاش وأنا مش ه... قاطعه "فهد" وهو يمسك بتلابيبه بعنف هادرًا يجز على أسنانه: –ولا نفس! مش من مصلحتك إنك تتكلم عنها كده. أنا اللي غلطت لما نزلتك وأنا اللي هتصرف وأعالجها.

دفعه بعيدًا بغضب، ثم ولى عنه عائدًا إلى قصره، وهو لا ينفك عن التفكير بما قاله ذاك الطبيب المخادع. قضى لياليه في اتصال متواصل مع طبيبه السابق، رافضًا رفضًا تامًا معاونه ذلك الدخيل لهم. *** Back حدقت به بهدوء، وملامحها لا تعكس أي شيء. تراقب أوجه الجميع بصدمة. لتهتف فجأة لابن عمها: –وأنت طبعًا ساعدته ياخد الجيم اللي قصادي. ابتلع "نائل" ريقه وهتف بتوتر: –طبعًا. أنا لو حلفتلك إنه بلطج عليا وهددني مش هتصدقي صح؟

أغمضت عينيها وزفرت بإرهاق تقول بحزن: –طيب ونفذتوا خطتكم وعالجتوني خلاص؟ اقترب منها "فهد" مسرعًا وهو يهز رأسه بالنفي هاتفًا بحزن يماثلها: –هو يعلم ذاك الشعور. دُمية يحركها الآخرون! ليهتف بصوت مبحوح نافيًا أفكارها: –أنا مخططتش لحاجة يا أسيف. كل الحكاية إني كنت بخلق مواقف بينا. صدقيني مفيش كلمة واحدة خدعتك بيها. أنا كنت عاوز أعالجك. حدقت به بهدوء، ثم ابتسمت وهي تهز رأسها عدة مرات بالإيجاب، وأردفت بغضب: –اااه طبعًا!

أنت كل أهدافك نبيلة. مقدرش أقولك أهدافك ناحيتي علمت فياااا قد إيه؟!!! أنا المفروض دلوقتي أقول ده ضحى عشان يعالجني صح؟!!!! مش كدااااا؟!!!! أردف بغضب وهو يشعر بتلك الغصة تكاد تحرق أحشاءه، حيث بدا كطفل أمام الجميع تعنفه أمه: –لاااا! مش كداااا! أنتِ أي فعل بعمله معاكِ بتشوفيه كدااا، لكن أنا مش عاوز غير تسامحيني. تلاقت أعينهم المتألمة للحظات بحديث صامت متألم. لتردف بحزن وهي تتركه نازعة ذلك الخاتم من يدها، تتقدم إلى "يزيد"

قائلة بحزن: –مكنش لازم ترتبط بمريضة عندك يا دكتور. كاد أن يتحدث، لتقاطعه رافعة يدها بوجهه قائلة بنبرة هادئة يتخللها الحزن: –متقولش حاجة يا يزيد، أنا بحترمك وبقدرك. بس أنت حتى مهتمتش بوجودي في حياتك الفترة اللي فاتت، ولا حتى بمكالمة واحدة. عملت خطة عظيمة مع تيم لعلاجي، وده طبعًا لأن العلاج بالصدمة ولازم أتصدم. بس أحب أقولك إني اتصدمت في تفكيرك، إزاي تطلب أيدي عشان تعالجني؟ مفكرتش فيااا؟ في مشاعري ناحيتك؟ احساسي إيه؟

كاان فيه مليون طريقة تستفزه بيها زي ما بتقول، لكن أنت لجأت لأسوأ طريقة، مش بس كده و كملت فيهااا. وأنت ياتيم... حدقت بأخيها بأعين دامعة وهي تقول: –إزاي توافق إنه يخدعني كده؟!!! ليه أصلًا توافق على ده وأنت عارف إن فهد بيحاول... اتسعت أعين شقيقها واقترب منها يقول بصدمة مقاطعًا استرسالها بالحديث:

–لا لااا يا أسيف، أنتِ فهمتي غلط. أنا لما عرفت اللي حصل بينهم رفضت إنه يكمل، ويزيد ساعتها أصر إنه بيحبك وإنه فعلًا هيكمل معاكِ في كل الأحوال. ومعرفتش أبدًا باللي فهد عمله، أنا لسه عارف زيك زيي والله. لفظت أنفاسها بمقت، ثم أمسكت الخاتم ووضعته بيد "يزيد"، وهي تقول: –وأنا ولا عاوزة فهد ولا يزيد، ولا هتجوز أصلًا. اتفضلوا كلكم برااا. هتف "نائل" مبتسمًا بلطف: –طيب أنا ولا ده ولا ده، ممكن أقعد عادي؟

نظرت إليه بغضب واضح، ليتجه إلى ابن عمه الصامت منذ مدة يتابع المشهد بصمت، وهتف بأذنه: –أنت مسمعتش طردها ولا إيه؟ منكم لله بوظتوا أخلاق النسمة بتاعتنا. ثم دفع جسده للخارج وتحرك الأخير معه بطواعية تامة وملامح جامدة أدهشتها هي نفسها. تبعه ذاك الطبيب الحزين، ليقف "تيم" يتابع انتقالها إلى الفراش بهدوء.

جلست فوقه بصمت، تحتضن رأسها بكفيها الصغيرتين تحاول ترتيب تلك الأفكار التي تعبث بعقلها، مثيرة التساؤلات حول ذاك المشهد الصادم لها. جلس أخوها بجانبها يحيط جسدها، وهو يربت على جسدها قائلًا بهدوء: –كده صح يا أسيف، أنا مكنتش مقتنع بالارتباط ده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...