كان اللطف أبعد الأشياء عنه في تلك اللحظة، كما كان وجهه مغمورا بهالة رائعة تتفجر منه القسوة، فيما إرتسمت علي شفتيه معالم الإزدراء، و الغطرسة، ثم هتف بصوت صارم أجش: -داليا !! إنتفضت "داليا" علي أثر صوته الغاضب، فيما كانت الغرفة تسبح في دوامة من الحقد، و العداء، و الخوف، و الترقب. شعرت "داليا" أن قلبها يكاد يقفز من صدرها وقد رأت "كاميليا" في وضع يائس، وهي تحدق بإبنها بقوة، وعزم.
كانت جميع الأنظار مشدودة إلي "عز الدين" الذي بدا وكأنه سينفجر تحت تأثير مرارته العميقة، بينما إستجمعت "عبير" شجاعتها دفعة واحدة، حيث تقدمت خطوة إلي الأمام، ثم إزدردت ريقها، وقالت بثبات مرتبك بعض الشيء: -ارجوك يا عز الدين، مهما كان شعورك وحجم غضبك، حاول تتصرف بلطف. و لكنه لم يلتفت لها، بل ظل جامدا، و وجهه صارم للغاية كما هو، فأدركت "داليا" أن الغضب قد أعماه، و جعله يصم أذنيه لكل التوسلات.
ولأول مرة منذ أن دخل "عز الدين" إلي المنزل، فتحت "كاميليا" فمها، وقالت موجهة الحديث إلي إبنها: -انا عارفة انك متضايق من وجودي، لكن انا صممت اجي بس عشان اشوفك. ثم تابعت في حزن: -ايه يا عز الدين؟ مش هتسلم علي امك؟ أجابها "عز الدين" بصوت كحد السكين: -اسف حضرتك، انا ماعرفكيش. كاد "عمر" يتكلم، فقاطعته أمه بضمة قوية من يدها، ثم تركته وخطت في إتجاه "عز الدين" حتى وقفت أمامه، ثم قالت وقد إرتسمت معالم المرارة علي وجهها:
-انت ابني، ومهما حصل في الماضي، انا هفضل امك. حدجها "عز الدين" في أزدراء متهكم، ثم قال: -انا امي ماتت من زمان، اعذريني يا مدام.. انا ماعرفكيش. هزت "كاميليا" رأسها في ألم، ثم رفعت يديها، وأمسكت بتلابيب قميصه بقبضتيها الضعيفتين، وإندفعت قائلة بنبرة مرتفعة: -انت ايه اللي جرالك؟ انا سيبتك وانت كبير، انا ماربيتكش على كده، جبت القسوة دي منين؟ -ابعدي عني.
صاح غاضبا، وأزال يديها عنه بقوة، كان العنف يتدفق من عينيه، بينما لم يحتمل "عمر" أكثر، فإندفع نحوهما وتصدر لأخيه في عصبية، قائلا: -عز الدين! كفاية بقي، انا مش هسمحلك تتمادي اكتر من كده، دي امي و امك ومش عشان البيت مكتوب باسمك زي باقي الاملاك فهتقدر بالطريقة دي انك تتحكم فينا و في كل حاجة، انا اللي جبت ماما هنا و آا... -بس يا عمر كفاية. قاطعته "كاميليا" بصوت يائس، ثم إبتسمت في مرارة قائلة:
-من شابه اباه فما ظلم، كأني شايفة فريد نصار واقف قدامي دلوقتي. وساد سكون رهيب لفترة من الزمن، قطعته قهقهة صادرة من أعماق "عز الدين" وهو يقول: -لو كان فريد نصار موجود لحد اللحظة دي، ماكنتيش قدرتي تخطي خطوة واحدة جوا البيت ده. أغمضت "كاميليا" عينيها بشدة، فطاحت دموعها علي خديها غزيرة، ثم رددت بصوت باكي يفتت الأكباد: -كنت هتجنن عليك، كان نفسي اشوفك بأي طريقة. جاءها صوته عنيفا ساخرا: -و الله!
طب اديكي شوفتيني، ياتري كنت استحق كل ده؟ -ايوه. تمتمت بخفوت وهي ترمقه بنظرة دامعة، فيما كان الجو شبيها بكابوس مزعج، وكان يجب وضع حد له، فإمتثلت "كاميليا" دون إرادة إلي دوار إجتاحها فجأة، حيث تلاشت الرؤية أمام عينيها بصورة سريعة، وإنكفأت أرضا علي وجهها. تسمر "عز الدين" بمكانه، بينما إلتف الجميع في حلقة حول "كاميليا" وهم يتفحصوها في هلع.
فيما حاولت "ياسمين" أن تعيدها إلي وعيها دون فائدة، فأخرج "عمر" هاتفهه وأجري إتصالا بطبيب والدته الخاص.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!