الفصل 30 | من 30 فصل

رواية حي البنفسج " رمضان الزمن الجميل " الفصل الثلاثون 30 - بقلم نور بشير

المشاهدات
17
كلمة
2,837
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

في منزل "آل نصار"، وتحديدًا بداخل غرفة "فريدة"، حيث تجلس أعلى فراشها الوثير، تضم ساقيها إلى صدرها، وتبكي بشدة بكاءً مريرًا. وإذا بها تجد والدتها تدلف إليها وهي تحمل صينية الطعام لها مرددة بتهكم: -أنتي إيه اللي بتعمليه في نفسك ده؟ على رأي المثل: جنازة حارة والميت كلب. ده بركة أنه غار، ده لا كان من مستوانا ولا من قيمتك. بكرة يجيلك سيد سيده. قومي.. قومي كلي وبلاش هبل. "فريدة" بصريخ: -أنتي اللي تقومي!

اطلعي بره، سيبيني في حالي بقاااا، عايزة مني إيه تاني بعد ما خربتي بيتي؟! "سهير" بتهكم: -بقا أنا اللي خربت بيتك؟! أنتي بتقوليلي أنا الكلام ده؟! هو أنا اللي قولتلك خليكي غبية وأفضحي نفسك؟ "فريدة" بهستيريا: -أنتي السبب! أنتي اللي فضلتي تزني عليا عشان أنفذ خطتك الدنيئة دي، وأنا كنت زي العمياء بطيعك والغل والحقد عاميني. أنتي السبب! أنتي اللي خلتيني أضيع حب عمري من إيدي، وعمري ما هسامحك أبدًا. "سهير" بغضب وشر:

-أنا برضه السبب؟! مش أنتي اللي ما كانش عاجبك عيشتك مع الكحيان ده؟ مش أنتي اللي ما كنتيش طايقة اللي اسمها "صبا" دي وعايزة تكسري مناخيرها بأي طريقة؟ "فريدة" بغضب وبكاء يقطع له نياط القلب: -كنت غبية! كنت غبية وما كنتش مقدرة قيمة جوزي، وبدل ما أحكيلك وتوعيني وتقوليلي إزاي أحافظ على بيتي وتصحيني من غفوتي، جيتي أنتي بوظتي كل حاجة! أنا بكره نفسي وبكرهك وبكره اللحظة اللي سمعت كلامك فيها. "سهير" بغضب:

-أنتي قليلة الأدب وأنا ما عرفتش أربيكي! هو في بنت محترمة تقول لأمها كده؟ "فريدة" بغضب: -أنتي فعلًا ما عرفتيش تربيني وفشلتي في إنك تكوني أم. أنا مكسوفة إنك أمي، ومكسوفة من نفسي. أنا لو كان عندي حق اختيار أم مناسبة عمري ما كنت هختارك. بس أنتي عارفة أنا مش هلوم عليكي، أنا هلوم نفسي بس لأن في غيري كتير أوي اتولدوا وعاشوا من غير أم وكانوا متربين أحسن مني مليون مرة. أنا السبب!

أنا السبب اللي سمعت لشيطاني وعطيته الفرصة يوسوس ليا. "سهير" وكأن أحدهم قد صعقها بصاعق كهربائي على أثر استماعها لحديث ابنتها الذي كان كالسكين الحاد الذي يمزق قلبها إلى أشلاء، وهي تردد دون وعي من شدة صدمتها: -للدرجة دي بتكرهيني؟ للدرجة دي بتكرهي أمك اللي كل مناها في الدنيا أنها تشوفك سعيدة ومبسوطة؟

أنا كان كل همي إني أشوفك مرتاحة في حياتك ومع الشخص اللي يستهلك، واللي يعيشك عيشة مرتاحة. كان كل همي إنك ما تعيشيش اللي أنا عيشته أنا وأبوكي في الغربة والمرمطة لحد ما وصلنا للي إحنا فيه ده. أنا كان بيعدي عليا أيام أنا وأبوكي مش لاقيين اللقمة ناكلها، وكنت من كتر الدين اللي علينا بشيل طاقية ده ألبسها لده. أنا شوفت أنا وأبوكي الويل لحد ما وصلنا للي إحنا فيه ده، عشان كده كان كل همي أشوفك مبسوطة وعايشة عيشة مرتاحة. ما كنتش عايزاكي تدوقي الفقر والويل اللي أنا دوقتهم أنا وأبوكي يا بنتي.

"فريدة" بغضب وتنفسها يعلو ويهبط من فرط غضبها: -أنتي عمرك ما سبتي بابا ولا عمرك اتنازلتي عن حبك له عشان الفقر اللي كنتم عايشين فيه، بل بالعكس فضلتي واقفة جنبه وفضلتي حبك على الفقر اللي كنتي عايشة فيه لحد ما ربنا كرم بابا وسافر واشتغل وكبر وخلفتيني وقتها. ثم تابعت بمرارة:

-إنما بقا حالة "سليم" كانت أحسن مليون مرة من حالة بابا وهو صغير. بابي كان قاعد في شقة إيجار قديم، أما "سليم" فكان عنده شقته اللي تشوفيها تقولي إنها من الزمالك ولا التجمع مش في حتة حي شعبي مغمور. بابي سافر وهو عنده ٤٠ سنة عشان يشتغل ويبدأ حياته، لكن "سليم" سافر وهو عنده ٢٠ سنة وبدأ حياته وكون نفسه ورجع معاه فلوس ومعاه شقة ومتجوز وكان بيتمنى إني أخلف له بيبي يشيل اسمه. "سليم" عنده عيلة وعزوة وناس كتير بيحبوه وبيحبهم،

كان ممكن أوي أحبهم أنا كمان وأعتبرهم أهلي وعزوتي اللي أنا محرومة منهم، بس أنا السواد والحقد ملي قلبي. السواد والحقد خلوني ما أشوفش كل الحلو ده ولا أقدر حب "سليم" وتفضيله ليا على بنت عمه. السواد والحقد خلوني بني آدمة أنانية ولا بتفهم ولا بتقدر قيمة حاجات كتير كانت حلوة وضيعتها من بين إيديها. وأنتي بدل ما تفوقيني وتديني قلم يردني للطريق الصح وتقوليلي إن غيري مش لاقي ربع العيشة اللي أنا عايشاها، خلتيني أتبطر أكتر على

عيشتي وأشوف إنها عيشة ما تتعاش وما تليقش بيا. خلتيني أكره "صبا" أكتر رغم إنها عمرها ما أذتني ولا جرحتني بكلمة وبتتعامل بكل ذوق حتى أنتي شوفتي بعينك ده رغم إني أنا اللي واخدة منها حبيبها وخطيبها. أنا مش عارفة ألومك ولا ألوم نفسي، بس الغلط مش غلطك، الغلط غلطي أنا اللي سيبت شيطاني يتحكم فيا ويضيع حبيبي من بين إيديا.

"سهير" ببكاء على حالة ابنتها تلك: -يا بنتي ربنا يعلم أنا كان كل غرضي أشوفك مرتاحة ومبسوطة. كان كل همي إني أضمنلك حياة ومستقبل أحسن مني أنا وأبوكي وده مش عيب يا حبيبتي ولا غلط. "فريدة" بوجع: -فعلًا مش عيب ولا غلط يا ماما. بس الغلط كان في طريقة تفكيرنا وتصرفنا. يا ريتني سمعت كلام بابي. يا ريتني رضيت ووافقت بعيشتي وما فكرتش في أذية حد ما أذانيش. يا ريتني ما عملت اللي عملته وفضلت جنب "سليم" لآخر عمري. "سهير"

بخجل من نفسها: -أنا آسفة يا "فريدة". آسفة يا بنتي، أنتي عندك حق أنا غلطت في حقك من غير ما أدري وكنت فاكرة إني كده بعمل الصح. ثم أضافت بحزن: -روحي لجوزك يا بنتي واعتذريله. روحي واعتذري لـ "صبا" كمان يمكن يسامح ويردك لعصمته تاني. "فريدة" بحزن:

-خلاص يا ماما ما عادش ينفع. أنا أهانت رجولة "سليم" قصاد عيلته وأهل المنطقة كلها، وما اعتقدش أنه هيسامح في ده أبدًا ولا حتى هيسامح في حق "صبا" اللي قال لي واعترف لي بحبه ليها وأنه ما حبش ولا هيحب غيرها. أنا ضعت وضيعت كل حاجة يا ماما خلااااص. "سهير" بحزن ونبرة حانية: -بس أنتي بتحبيه ولازم تحاربي عشان حبك ده. "فريدة" بحزن ومرارة: -الحرب أنا خسرتها من زمان أوي ونتيجتها مش لصالحي. "سهير" وهي تسحب ابنتها من يديها

ساحبة إياها إليها بحنان: -الحرب لسه ما خلصتش، والحب لسه في قلبك لجوزك، يبقى تروحي له وتعتذري منه ومن العيلة كلها، وأنا هصالح أبوكي لأحسن مقاطعني من ساعة اللي حصل ولا بيأكل ولا بيشرب معايا ولا حتى بينام في أوضتنا وبينام في أوضة الضيوف. هصالحه وهعتذر له أنا كمان وهجيبه وهحصلك على بيت أهل جوزك وهعتذر لهم بنفسي وهصلح غلطي يا بنتي. "فريدة" والأمل بدأ ينتعش بداخل صدرها من جديد: -بجد يا مامي؟

يعني لسه في وقت أقدر أكفر بيه عن غلطي؟ "سهير" بحنان: -"سليم" طيب وبيحبك، ولو ما كانش بيحبك ما كانش ساب بنت عمه واتجوزك. جوزك حنين وهيسامحك يا "فريدة"، المهم تردي له كرامته اللي أنتي أهانتها قصاد عيلته وهيسامحك. وما تنسيش تعتذري لـ "صبا" هي كمان مالهاش ذنب في كل اللي حصل ده وحقها عليكي إنك تعتذري ليها. ثم تابعت بحماس محاولة بث ابنتها الأمل: -يلاااا!

يلااا قومي اتزوقي والبس أحسن حاجة عندك وروحي راضي جوزك وعيشي يا حبيبتي. فابتسمت لها "فريدة" بحماس ومن ثم ارتمت بين أحضانها مرددة بامتنان: -ميرسي أوي يا مامي بجد، ربنا يخليكي ليا. فربتت "سهير" عليها بحنان وهي تردد بندم حقيقي: -ربنا يقدرنا على تصليح كل اللي بوظناه ويحنن قلب جوزك عليكي. وبالفعل ذهبت "فريدة" لتتجهز وارتدت أرقى ملابس لديها وتزينت في أبهى زينتها ومن ثم ذهبت إلى حيث منزل "آل عمران" بذلك الحي الشعبي.

وفي منزل "آل عمران" بعد صلاة العيد مباشرة، يجلس الجميع يتناولون الفطور الرسمي لهذا اليوم وهو "الكعك والبسكويت ومعه أكواب الشاي بحليب" الذي يعتبر موروث وتراث منذ آلاف السنين ملازمًا لأيام العيد والفطور الأول لعيد الفطر. وكان المشهد كالآتي:

يجلس الجميع في حب يتناولون الفطور في جو من البهجة والحب والسعادة التي اشتاقوا إليها منذ سنوات، فهم لم يجتمعوا جميعهم معًا في أيام العيد منذ عشرة سنوات تقريبًا، وها هو الغائب قد عاد وعاد معه الفرح إلى قلوبهم من جديد، فكان كل ثنائي يجلس معًا يتناول فطوره والجد والجدة يترأسان المجلس فارحين وبشدة بجمعتهم تلك.

أما "صبا" و "سليم" فكانوا يشعرون وكأنهم بعالم آخر غير ذلك العالم، فكان "سليم" يجلس يتناول فطوره ويقوم بإطعام "صبا" بيديه بين الحين والآخر فيجعلها تقضم قظمة من البسكويت ويقضم هو الأخرى، فلاحظه "كريم" وهتف بمرح ونبرة ذات مغزى: -ما تلم نفسك يا واد، عمال تأكل في البت بإيدك ولا أكن أبوها قاعد قصادك. "سليم" بفخر وابتسامة عريضة كشفت عن أسنانه بحب: -مراتي يا عمي وما حدش له عندي حاجة.

فشعرت "صبا" بالحرج الشديد والخجل في آن واحد متمنية أن تنشق الأرض وتبتلعها في تلك اللحظة، فتابع "كريم" بمرح: -لا يا حلو البت بنتي لسه، لما تدخل بيتك أبقى افرض ضلوعك براحتك. "سليم" بحب: -وهو أنا كتبت كتابي عليها عشان تقعدلي بالمرصاد يا عمي؟ "كريم" بنبرة ذات مغزى: -لا كتبت كتابك عليها عشان تتسهوك براحتك يا أخويا. "عمران" بضحك ونبرة يملؤها السعادة لما يحدث أمام أعينه بتلك اللحظة فهو قد اشتاق إلى ذلك المشهد

وتمناه منذ سنوات مضت: -ما تهدى عالواد شوية يا "كريم"، البت بقت مراته خلاص وكلها أيام وتبقى في بيته، وبعدين دي بنت خالته برضه يعني زي أخوهااا. "سليم" بغيظ: -أخوهاااا مين يا جدي ده أنا أرتكب جناية هنا! قال أخوهاااا قااال. ثم تابع وهو ينظر إلى عمه بمرح: -بنتك بقت تخصني خلاص يا "كيمو" وبقى لي فيها أكتر منك. "كريم" بمرح: -آاااه يا واطي ربنا يهني سعيد بسعيده يا أخويا. "عزيزة" بنبرة ذات مغزى وابتسامتها اللعوب تزين ثغرها:

-قصدك ربنا يهني "سليم" بـ "صبا" يا واد ههههه. "صبا" بخجل وهي توبخ "سليم" بصوت منخفض للغاية لا يسمعه سواهم: -عجبك كده؟ أهو هيفضلوا يحفلوا علينا للعيد الجاي. "سليم" بحب: -ولا فارق معايا أي حاجة المهم إنك بقيتي مراتي.

فابتسمت له "صبا" على أثر نطقه لتلك الكلمة التي ولا يومًا تخيلت أن تسمعها من فمها بمثل تلك الطريقة أو ذلك الموقف، وما أن همت بالحديث حتى وجدت "فريدة" تدلف من باب الشقة بخجل شديد وهي تفرك بيديها في توتر، فانمحت سريعًا بسمتها تلك وتحجرت عيناها على أثر دخول "فريدة" المفاجئ مما جعل "سليم" يشعر بالغرابة فاستدار برأسه ليرى ما تنظر إليه حتى انصدم وبشدة من وجود "فريدة" أمام أعينه، فهب واقفًا صائحًا بغضب وعيناه

تغيم من فرط انفعاله: -أنتي إيه اللي جابك هنا؟ امشي اطلعي بره! فانتبه الجميع على حديثه ونبرته ونظراته التي أصبحت حادة للغاية فنظروا هم بدورهم إلى ذلك الذي يوجه إليه "سليم" نظراته تلك، فإذا بهم تلجمهم صدمتهم من عودة "فريدة" مرة أخرى وخصوصًا بعد زواج "سليم" من "صبا". "فريدة" بخجل شديد وهي تعبث بيديها في حقيبتها بارتباك وحرج شديدان: -أنا.. أنا جاية يا "سليم" عشان.. "سليم" بغضب:

-أنتي ما لكيش مكان هنا وحاجتك "نصار بيه" أخدها معاه أول امبارح وهو ماشي. "عمران" برزانة وهدوء: -استهدي يا ابني بالله لما نشوف البنية جاية ليه؟ ثم تابع وهو يوجه حديثه إلى "فريدة" بهدوء: -خير يا بنتي إيه اللي رجعك تاني؟ هو مش كل حي راح لحاله خلاص؟ "فريدة" بانكسار: -أنا جاية عشان أعتذر يا جدو وأطلب من "سليم" و "صبا" إنهم يسامحوني ومنكم كلكم. ثم أضافت بندم:

-أنا عارفة إني غلطت أوي في حقكم، بس والله أنا ندمانة وبتمنى من ربنا إنكم تسامحوني وتدوني فرصة أرجع وسطكم من تاني. فشعرت "صبا" بأن قلبها قد هوى بين قدميها وأن عبراتها على وشك الهطول، فهمت بالرحيل تاركة إياهم جميعًا إلا أن "سليم" اجتذبها من يديها شابكًا أنامله بأناملها مما أثار غيرة "فريدة" وغرابتها من ذلك المشهد الحادث للتو أمام أعينها.

فنطقت "فريدة" وهي تنقل بصرها بين أيديهم المشبكة بعضهم ببعض وأعين "سليم"، وأعينها مليئة بالعبرات المحتجزة وتابعت بنبرة مهزوزة: -أنا آسفة يا "سليم" بس أرجوك ما تعملش فيا كده. أنا آسفة وندمانة على كل اللي عملته وقلته... ثم أضافت بعدما سقطت عبرة منها همت بإزالتها سريعًا:

-أنا مش عارفة أنا عملت كده إزاي وإزاي أديت فرصة للشيطان إنه يتحكم فيا، بس والله أنا ندمانة.. ندمانة يا "سليم" وعمري ما هفكر إني أعمل اللي عملته أو اللي قلته ده تاني. "سليم" وهو يشدد على يد "صبا" الممسكة به بحب، محاولًا بثها الأمان: -الندم حلو يا "فريدة" لأنه بيعرفنا أخطاءنا وبيعيشنا العمر كله خايفين لنقع فيها من تاني وبنحاول نسد أي ثغرة ترجعنا لنقطة الصفر، بس الندم ساعات بيكون جاي متأخر أوي في وقت مينفعش فيه الندم.

ثم تابع بهدوء مميت: -أنتي كان عندك بدل الفرصة اتنين وتلاتة عشان تراجعي نفسك وتفوقي بس ده محصلش وسكوتك كانت سرقاكي.. أنتي فوقتي بس فوقتي متأخر ومتأخر أوي كمان.. فوقتي بعد ما ضيعتي كل حاجة حلوة كانت بينا.. ضيعتي الحب وضيعتي الذكريات والمواقف الطيبة اللي عشناها!

فهمت "صبا" بترك يديه والرحيل ثانيًا إلا أنه أعادها وهو يشدد من ضغطه على يديها بحنان، محاولًا بثها الحب والأمان من خلال ضغطاته تلك، ثم تابع بعدما نظر إلى "صبا" نظرات هادئة داعمة لها ومطمئنة:

-أنتي ضيعتي كل حاجة يا "فريدة" حتى حبي ليكي اللي راهنت عليه.. متلوميش إلا نفسك يا "فريدة" ولو عايزه تصلحي غلطك بجد يبقى رجعي الزمن عشان تقدري تستغلي كل فرصة جاتلك كان ممكن تثبتي ليا فيها قد إيه بتحبيني وقد إيه باقية عليا وعايزاني.. لو قدرتي ترجعي الزمن يمكن ساعتها تقدري ترجعي حبي ليكي اللي خلاص مبقاش له وجود.

ثم تابع بابتسامة صافية وهو يرفع كف "صبا" ملثمًا إياه بقبلة حانية، واضعًا من خلالها كل ما يشعر به من حب وفخر واعتزاز، ومن ثم نظر إلى "فريدة" التي تشعر بنيران الغيرة تتملكها فهي تغار عليه وبشدة، فهتفت بوجع ومرارة: -"سليم" سيب إيدها أرجوك وبلاش تعاقبني العقاب القاسي ده. "سليم" بجمود ونبرة ذات مغزى:

-أعاقبك يعني لسه بحبك، أو باقي عليكي، أو بكنلك أي مشاعر لكن للأسف يا "فريدة" أنا مفيش أي مشاعر في قلبي ناحيتك حتى الكراهية مش لاقياها ليكي.. بس اللي أنا متأكد منه أن كل الحب اللي في قلبي وكل مشاعري هي ملك مراتي "صبا"! قالها وهو يرفع يديها ملثمًا لها من جديد، فابتسمت "صبا" برضا وهي تشعر بأن كرامتها قد عادت إليها من جديد.

فشعرت "فريدة" وكأن الأرض تدور بها من شدة صدمتها وتلك الصفعة التي تلقتها للتو والتي لم تحسب لها أي حساب من قبل، ثم نطقت بعدم تصديق: -مراتك إزاي يعني؟! لاااااا، لاااا أكيد في حاجة غلط.. "سليم" متعملش فيا كده بليز.. أنا مستعدة أستحمل أي عقاب.. أي عقاب تقوله بس بلاش العقاب القاسي ده لأني مش هستحمله.. أنت متجوزتهاش؟! أنت متجوزتش غيري يا "سليم" صح؟! "سليم" بحب خالص لزوجته "صبا":

-"صبا" بقت مراتي يا "فريدة" شرعًا وقانونًا وقدام الدنيا كلها. ثم أضاف بجمود وصلابة لها: -وأنا مش ربنا عشان أعاقب يا "فريدة" بس لو عايزه تعتبريه عقاب، فالعقاب ده من صنع إيدك وأنتي اللي وصلتي نفسك لكده. "فريدة" ببكاء: -لااااا، لااا أنا أكيد بحلم صح؟! أنا أكيد بحلم يا "سليم"، أنت مش ممكن تعمل فيا كده؟! "سليم" بصلابة:

-طب يا "فريدة" تقدري تمشي دلوقتي يمكن لما تروحي وتقعدي مع نفسك تقدري تستوعبي أني بقيت ملك غيرك وأنك معدش ليكي وجود في حياتي.

فشعرت "فريدة" بخيبة الأمل ومن ثم ركضت إلى الخارج تبكي وتبكي وبشدة على ما اقترفته بحق نفسها ولكنها تشعر بأن هذا جزائها على ما بدر منها بحق زوجها وعائلته بأكملها، تشعر بالوجع من فكرة ابتعادها عنه وزواجه من أخرى ولكنها هي من جلبت كل هذا الوجع لنفسها وبنفسها وذلك بأكمله كان من صنع يديها والآن عليها أن تستحمل عواقب ما افتعلته من قبل جراء أفعالها المشينة والمخجلة التي أدركتها متأخرًا.

وفي المساء أعلى سطح منزل "آل عمران" حيث تقف "صبا" تتابع النجوم في السماء وفي الهواء الطلق مما أدى إلى تطاير خصلاتها في شكل أقل ما يقال عنه خاطفًا للأنفاس، متنهدة بعمق لا تستطيع تصديق كل ما حدث معها خلال الأيام القليلة الماضية، لا تستطيع من الأساس تصديق فكرة أنها أصبحت زوجة لـ "سليم" بعد سنوات وسنوات من الانتظار والتمني، فأرجعت خصلاتها إلى الوراء ومن ثم ابتسمت بحب على أثر تذكرها أنها أصبحت زوجة له وأخيرًا، وإذا بها تجد من يحتضنها من الخلف مسندًا رأسه أعلى كتفيها مرددًا

بنبرة مسكرة: -حبيبي بيعمل إيه هنا لوحده؟! دورت عليكي تحت كتير ملقتكيش و"زينب" قالتلي هلاقيكي هنا. "صبا" وهي تتحسس بيديها يديه الممسكة بها بكل حب: -بفكر في حبيبي. ثم تابعت بعدم تصديق: -أنا لحد دلوقتي مش قادرة أصدق إني بقيت مع الراجل الوحيد اللي اتمنيته.. لحد دلوقتي حاسة إني في حلم جميل أوي خايفة أصحى منه وملقكش جنبي. "سليم" وهو يقبل كتفها بحب ولا يزال محتضنًا إياها بتملك شديد:

-إحنا الاتنين في حلم جميل أوي يا "صبا" ووعد مني إننا هنعيش عمرنا كله في أحلام بنحققها سوا. فاستدارت له "صبا" مطوقة بيديه عنقه مرددة بحب: -وعد يا "سليم". "سليم" بحب: -وعد يا قلب وروح وعين "سليم". فاحتضنته "صبا" وهي تغمض عيناها مشتمة رائحته ومعبئة بها رئتيها مرددة بنبرة مسكرة: -بحبك. فشددت "صبا" من احتضانه وهي تتمايل بداخله مدندنة بحب:

-أنا.. أنا كلي ملكك.. أنا كل حاجة حبيبي فيا بتناديك.. أنا.. أنا مش بحبك.. الحب كلمة قليلة بالنسبة ليك.. معاك بضحك وبفرح مبقتش خايفة.. إزاي هخاف وأنا بين إيديك.. ساعات بخيالي بسرح.. قبل أما بحلم كل حاجة ألاقيها فيك.. والسنين هتفوت وتمشي منك أنت أنا مش همل.. بوعدك يا حبيبي عمري شوقي ليك ما في يوم يقل.. هبقى فرحك وقت حزنك في التعب تلاقيني حضنك.. كل يوم من عمري ليييييك.. أنا.. أنا كلي ملكك.. أنا كل حاجة حبيبي فيا بتناديك.. أنا.. أنا مش بحبك.. الحب كلمة قليلة بالنسبة ليك.

فحملها "سليم" دائرًا بها في حب شديد، ومن ثم هتف بعدما أوقفها أمامه ولا يزال محتضنًا إياها بتملك بعدما وضع قبلة حانية أعلى جبهتها: -بحبك.. بحبك ومحبتش ولا هحب غير "صبا".

ثم قضوا الليلة سويًا أعلى سطح المنزل يضحكون ويمزحون تارة ويحبون بعضهم البعض تارة أخرى حتى غفت "صبا" بين أحضانه وهم يجلسون أعلى الأرضية، فهم لم يذوقوا للنوم مذاق منذ أمس، هم وجميع أهل المنزل بأكمله بمناسبة ليلة العيد، وها هي قد غفت بين أحضانه فابتسم بحب ومن ثم وضع قبلة حانية أعلى جبهتها ثم رفع رأسه للأعلى متمتمًا بسعادة لا توصف:

-اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.. الحمد لله يا رب أنك كتبتها ليا وجعلتلي نصيب فيها! ثم تنهد بسعادة وكأنه قد وصل للتو إلى نهاية مشواره مقبلًا جبهتها مرة أخرى، ومن ثم أسند رأسه على رأسها وهي لا تزال بداخل أحضانه وظل يتابع السماء بسعادة حتى غفى هو الآخر سهوًا بعدما قضى وقتًا كبيرًا وهو يتأمل السماء تارة ويتأمل محبوبته تارة أخرى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...