لم يتصرف بتهور هذه المرة أيضًا، التزم بنصائح مستشاره القانوني، وهاتفه فور علمه بخروجها من قصر آل نصر الدين ونقلها إلى إحدى مستشفيات المدينة. أتاه المحامي مصطحبًا معه رجلين من رجال الشرطة، كان ينتظرهم أمام المشفى. تقدمهم مقتحمًا البوابات حتى وصل إلى مكتب الاستقبال. وجه سؤاله الحاد مباشرة إلى الموظفة الشابة: -ليلى الراعي.. فينها؟ تطلعت الموظفة إليه وإلى مرافقيه بنظرات متوجسة وقالت: -أفندم! نديم بانفعال:
-ليلى الراعي. الحالة اللي دخلت طوارئ من ساعتين فينهـا؟؟؟ -اهدى يا نديم بيه! تدخل المحامي مهدئًا إياه فورًا. ثم تحول إلى الموظفة مستعلمًا بلباقة رسمية وهو يشير إلى فردي الشرطة. أبدت الموظفة تعاونًا فوريًا ما إن رأت شارة أحد الضابطين. أرشدتهم إلى قسم الطوارئ.
انطلق نديم من فوره إلى هناك. وجد فردين من الحراسة يقفان أمام البوابة المزدوجة يعترضا طريق أي دخيل. اقترب منهما والشر يفوح من بنيته الضخمة. وقف أحدهما بوجهه قائلًا: -رايح فين يافندم؟ يباغته نديم بلكمة قوية في صدره هاتفًا: -اوعى من وشي يا ابن الـ... تراجع الأخير خطوة متأثرًا بلكمته، لكنه لم يتنحى من أمام الباب وقال بتصميم: -عندنا أوامر من سليمان باشا محدش يدخل ولا يخرج من هنا إلا الدكاترة.
تفاقم سعير الغضب في نظرات نديم وصوته وهو يسبه وسيده، ليلحق به المحامي في هذه اللحظة ومعه فردي الشرطة. أمرا الحارسان بالابتعاد وقد أظهر الأعلى رتبة شارته الرسمية. أذعن كلاهما وابتعدا. ليدفع نديم الباب براحته ويلج فورًا. بحث عنها بعينيه، فما لبث أن رأى سريرًا يحاوطه ستار خفيف. أخبره قلبه بأنه هناك. سار مهرولًا نحو السرير، واجتذب الستار بحركة حادة، ليراها!
كانت هي حقًا. اختلجت خفقات قلبه وهو يحدق فيها مأخوذًا، مشدوهًا، ومذعورًا. يتساءل ماذا حدث لها؟ ما الذي فعلوه بها؟ ويقسم بأغلظ الأيمان بداخله أن لا شيء سيردعه عن الانتقام لها من هؤلاء. لا شيء إلا الموت. -ليلى! ردد نديم اسمها وهو ينحني صوبها. معن النظر بوجهها الشاحب وعيناها المغمضتين، بدت وكأنها في عالم آخر. لولا أنها موصولة بالأجهزة الطبية لظنها ميتة! صغيرته.. ليلاه.. ما الذي حل بها؟
أخذ يمسح على شعرها بحنو بالغ هامسًا والدموع تملأ عينيه: -أنا آسف يا ليلى.. آسف. مقدرتش أحميكي المرة دي.. خلفت وعدي ليك. -أقسم وعزة اللي خلقك. هاخد لك حقك.. ولا هاسمح لمخلوق يمس شعرة منك بعد النهارده. هاتشوفي بعينك هاعمل فيهم إيه. ينبعث صوت رجولي من خلفه في هذه اللحظة: -مين حضرتك يافندم؟ اعتدل نديم في وقفته مستديرًا نحو الأخير. كان أحد الأطباء. نظر له نديم قاطبًا حاجبيه وقال بصوت أجش:
-أنا نديم الراعي. اللي ورايا دي ليلى الراعي.. بنت عمي ومراتي. إيه بقى اللي حصل لها بالظبط؟ وجت هنا إزاي؟ جاوبني صح يا دكتور لمصلحتك قبل مصلحة المستشفى اللي هاجيب درفها الأرض لو مراتي ما قامتش منها زي ما كانت. عبس الطبيب وهو يرد بشيء من الاضطراب: -المدام جت مع الحاج رياض نصر الدين وسليمان باشا.. قالوا إنها قريبتهم! -مراتي مالها يا دكتور؟ تساءل نديم من بين أسنانه. جاوبه الطبيب بشفافية مطلقة:
-المدام جت لنا في حالة إجهاض. ارتعشت ملامح نديم للحظة وارتعشت أطرافه. التفت فورًا محدقًا فيها. كانت الصدمة مضاعفة الآن. أقوى من قدرته على تحملها. طفله، طفلهما.. قُتل! -الأسباب جنائية لأن ده ماكنش إجهاض طبيعي! يغمض نديم عينيه بشدة معتصرًا قبضته. أطلق نهدة مشحونة من صدره، وترىث حتى استعاد شيئًا من رباطة جأشه. ثم عاد لينظر إلى الطبيب ثانيةً وقال بهدوء مخيف:
-أنا معايا المحامي بتاعي برا وفردين من الشرطة.. عايز تقرير فورًا بحالة مراتي. المحامي هايستنى معاك لحد ما تجهزه. أما ليلى ف هاتخرج معايا دلوقتي. الطبيب بتردد: -أيوة يافندم بس.. رياض بيه! سيطر نديم على انفعالاته في الحال قائلًا بتوعد: -لو حاولت تعترضني يا دكتور هاسجنك مع رياض بيه.. وبردو ليلى هاتخرج معايا. إيه رأيك؟
نظر له الطبيب في حيرة ولم يرد. فاستدار نديم حاملًا ليلى على ذراعيه وهي متدثرة بغطاء السرير كما هي. ألقى نظرة مطولة في وجهها الباهت وهمس بصوت لا يسمعه سواها إن كانت واعية: -ماتخافيش.. انتي رجعتي. مش هاتبعدي عني تاني أبدًا! غـنـيـمــــــــــــــــــة ...
امتدت صرخة الرجل العجوز كمطرقة تُفتت سكون القصر. انتفض على إثرها كل من يجلس بالبهو. والدة زين السيدة فاتن محفوظ، وابنة سليمان نصر الدين، شهد، وكرم نجل غنيمة الشاب العشريني الغليظ. انفتح باب المنزل بعنف أمام رياض نصر الدين. فاندفعت رياح الباردة إلى الداخل كأنها تفسح الطريق لغضبه. بينما أطلت غنيمة أخيرًا من أعلى الدرج، تنظر إلى أبيها وابتسامة باردة تعتلي ثغرها، تظهر بكل صلافة عدم خشيتها إياه. -توحشتك يابوي!
قالتها غنيمة بلهجة عادية وهي تهبط الدرج على مهل. يرشق رياض نظرات كالرصاص فيها وهو يهتف بخشونة: -جاتك الجرأة تيجي بيتي وتحلّي مكاني يا غنيمة؟ هاتندمي على عملتك. وما بجاش رياض نصر الدين لو ماندّمتكيش عليها!! ساد صمت قصير، حتى وصلت غنيمة أمام والدها، لا تفصلهما إلا خطوتين. تجهم وجهها الآن وهي تسأله بصوتها المتحشرج: -كل ده عشان إيه يابوي؟ عشان بت دهب؟! يرتجف رياض من شدة الغضب وهو يصيح فيها:
-دهب دي تبقى بتّي أنا. وبتّها حفيدتي أنا.. دخلك انتي إيـه يا غنيمـة؟ غنيمة بلهجة نديّة: -دخلي كتير يا حج. مش ده شرف العيلة بردو؟ انت بنفسك كنت هاتحاسب دهب لولا عزرائيل سبجك وخد روحها. -أنا لسا عايش.. محدش يجرؤ يجف جصادي ولا يعمل حاجة بدالي. -سمعت من لاول إنك مش ناوي تعمل معاها حاجة. ف كان لازم أعمل أنا.. وبعدين ليه غضبان جوي كده؟ بت دهب ماتت ولا إيه؟ هز رياض رأسه قائلًا بينما عيناه تلمعان بلهيب غيظه:
-لو ماتت كنت هادخلك جهنم وانتي واجفة إكده يا غنيمة! رمقته بنظرة مقّت نقيّة، ثم قالت منفعلة: -دي أخرتها؟ بتنصر الخاطية بت الخاطية ... لم يكاد يرتد لها طرفها بعد إتمامها الكلمة الأخيرة، نزلت على صدغها صفعةً عنيفة من كفّ أبيها، حتى أن الهواء خرس على إثرها. وقف أفراد العائلة يراقبوا فقط في ذهول، عدا كرم الذي اعتراته الحمائية على أمه، لولا أن جمدته هي في مكانه بإشارة من يدها، ثم أدارت وجهها ببطءٍ لتنظر إلى أبيها مجددًا.
-سيرة بتّي ماتجيش على لسانك تاني يا غنيمة! قالها رياض بلهجة أكثر هدوءًا، وأردف: ومافيش خروج ليكي من البيت ده إلا لما ليلى ترجع.. وهي بس إللي تجول تاخد حجها منك كيف.
لم تنطق غنيمة بكلمة، فقط تحدق فيه، لا يشغل عقلها سوى كرامتها التي أهدرت سلفًا بسببه عندما زوجها لرجلٌ أشقاها بعشرته طوال حياته معها، واليوم أراق ما تبقى من ماء وجهها بصفعه لها أمام أفراد العائلة. امرأة في عمرها ومقامها أهينت لأجل فتاة كان مجيئها نكبة على العائلة!!! -جدي! انتبه رياض لصوت حفيده، ليرد دون أن يرفع عينيه عن ابنته: -عايز إيه يا زين؟
مال زين على أذن جده يهمس له بالنبأ العاجل. انتفض رياض بغضبٍ، ليمسك زين بذراعه مشددًا عليه وهو يقول ببرودة أعصاب: -ماتقلقش.. أنا عارف هارجعها إزاي. نظر له رياض مطوّلًا، لكنه هدأ في الأخير مودعًا فيه كل ثقته، ولأنه يعرف أن الحرب عليها لن تكون سهلة من بدايتها. وعليه أن يتحلّى ببعض الصبر. فأقله أن ليلى قد عرفت الحقيقة. وعرفت من تكون وإلى من تنتمي.
تجلس وحيدة بالترّاث المطل عبى الباحة الرئيسية. تسند ذرقتها إلى يدها وهي ترنو صوب البواب، لم ترى إلا أفراد الحراسة ذاتهم، أما هو.. فلم يظهر البتّة! قلبت شفتها السفلى بحزنٍ وهي تردد أسمه بصوتها الأنثوي ذي الطابع الطفولي: -اتأخرت ليه يا زين؟ -ريري! ارتعدت عندما ناداها صوت شقيقها بغنةً. إلتفتت نحوه محملقة فيه بعيناها الزرقاوان، ابتسمت له بتلقائية قائلة: -عمر.. صباح الخير.
أقبل عليها عمر مبتسمًا بإشراقٍ، يتأملها بزهوٍ وحسرة في آنٍ. لديه أجمل أخت في العالم، فتاة كانت لتكون حلم أي رجل ذا مكانة وقيمة. لكن قصور عقلها الذي أطاح بحظها لم يكن له علاجٌ قط. ويزداد حزنًا بمرور الأيام عليها، يا لها من خسارة، أن تمتلك كل هذه المقوّمات ولا تنتفع منها بشيء. بل قدرها أن تمضي بحياتها وحيدة، بلا رجل، بلا أطفال، ولعله يختفي من حياتها يومًا ما. فماذا ستفعل من دونه؟ ماذا سيكون مصيرها!!!
-إيه يا حبيبي قاعدة لوحدك هنا ليه؟ وازداد اقترابًا منها، شدها بلطفٍ من رسغها ليضمها إلى صدره، تسند ريهام رأسها فوق قلبه مرددة: -بابي كان واعدني بفسحة إنهاردة.. بس صحيت مالقتش حد! تنهد عمر بحرارة هازًا رأسه بيأسٍ، ربت على كتفها قائلًا بحنانٍ: -انتي زعلانة يعني عشان كنتي عاوزة تتفسحي؟ كنتي هاتروحي فين؟ -Theme Park. -ملاهي! طيب يا روحي ماتزعليش. أنا أوديكي.. بس إيه رأيك نفطر سوا الأول؟
أنا هاعملّك الأومليت إللي بتحبيه بإيدي. أرادت أن تبتعد، فرفع يديه عنها، نظرت له قائلة بذات النبرة الحزينة: -لأ.. ريرير مش عايزة تتفسح. عمر عابسًا بغرابة: -الله! ليه يا حبيبتي؟ بقولك أنا إللي هافسحك! هزت ريهام رأسها رفضًا وقالت: -لأ.. مش عايزة أتفسح معاك يا عمر. عمر بدهشة: -ليه كده.. انتي زعلانة مني؟ -لأ مش زعلانة منك.. بس مش عايزة أتفسح معاك.
رفع حاجبه متعجبًا منها بشدة، لكنه اتبع معها سياسة اللين. يعرف جيدًا كيف يعاملها في كل أحوالها. ابتسم ببساطة قائلًا: -طيب يا حبيبتي. إللي انتي عايزاه. تعالي نفطر دلوقتي وبعدين نشوف هانعمل إيه؟
أومأت له على مضضٍ. فسحبها برفقٍ إلى الداخل، أجلسها أمامه بالمطبخ المفتوح وباشر فتح البرّاد ليري محتواياته، أخرج مجموعة من البيض والخيز والخضروات، وبدأ بإعداد وجبة الفطور لكليهما. لم يفوت لحظة دون مراقبتها جيدًا، وأعتمل القلق بصدره كلّما رآها تزداد شرودًا وملامحها الجميلة يسودها حزنًا جليًا. يريدها فقط أن تتكلم وتخبره ما الذي يؤرقها، هل هو والدهما؟
لأنه إن كان هو فلن يثنيه شيئًا عن أخذها والمغادرة من هنا فورًا. يكفيه ان قد أجبرها على البقائ معه طوال الأيام الفائتة. لن يسمح له بتدمير سلامها النفسي، النعمة الوحيدة التي تحظى بها. أنهى عمر تحضير طبقها، وضعه أمامها وصب لها كأسًا من العصير وهو يقول بمرحٍ: -اتفضلي يا أنسة ريري.. أحلى فطار لأحلى برنسيس في العالم. ابتسمت له بلطفٍ وقالت برقتها الفطرية: -شكرًا يا عمر.
وبدأت تأكل وجبتها اللذيذة بدون شهيّة. لاحظ عمر هذا أيضًا، لكنه لم يعلّق، حتى كفت بعد بضع لقيمات ورفعت عينيها إليه قائلة: -ريري شبعت! سألها عمر مباشرةً: -مالك يا ريري؟ إيه إللي مزعلك يا حبيبتي؟ باباكي مزعلك؟ جاوبته بتلقائية: -لأ.. بابي مازعلنيش. تابع سؤالها بصبرٍ: -أومال مالك يا قلبي؟ قوليلي. بتخبي عني يعني؟ هزت رأسها أن لا. فتابع برفقٍ: -قوليلي لو حد عملك حاجة.. هاخدك ونرجع الغردقة دلوقتي حالًا لو حد زعلك! ردت مسرعة:
-لأ.. مش عايزة أمشي.. أنا مبسوطة هنا مع زين. عقد حاجبيه وسألها باهتمامٍ: -زين مين يا ريري؟ ابتسمت وهي تعرّفه إليه: -زين.. الظابط إللي بيشتغل مع بابي.. كبير زي هالك وعنده عضلات في كل حتة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!