تسير في الأزقة وهي تضم سترتها الرقيقة على بدنها مستمتعة بأشعة الشمس التي تبث الدفء لها.
نوفمبر بلندن مشهور بأجواء الخريف ورياحه الرشيقة.
دلفت لقصر عائلة "والتون"، لم تلبث لثوانٍ حتى دفئ بدنها بسبب المدفأة المشتعلة.
وضعت أغراضها داخل غرفتها.
خرجت لتجد والدتها تتناول الطعام صحبة شقيقها، يتناولون غدائهم دون انتظارها كالمعتاد، لم تعلق عليهم.
حضرت شطيرة لنفسها وخرجت للحديقة الخلفية.
نسمات الهواء تداعب خصلاتها برفق مرسلة شعورًا بالراحة داخلها، أحست بحركة جوارها.
التفتت ببسمة واسعة ما أن علمت هويته.
رفعت كفها تستأذن أولًا قبل أن تمسح على رأس الصغير:
"روبين."
طالعها بعيون طفولية لتتابع بالمسح على رأسه بحنان:
"عملت إيه في المدرسة؟"
رطب شفتاه بخفة ليكتفي بإجابة مختصرة:
"كويس."
فهمت إجابته لتفتح ذراعيها تضمه لها بحرص حتى لا تزعجه.
ترى نفسها به! هو ذو الثمان سنوات وحيد كما في ماضيها!
قاطع جلستهم صوت الخادمة:
"إيلينا، جوليا هانم عايزاكي."
طبعت قبلة رقيقة على رأس الصغير قبل أن تنهض وتتوجه للداخل.
مكتب يليق بكبار العائلات بلندن، عشيرة "والتون" من داعمة الوطن وقت الحرب ولم يخونوه على عكس عشيرة "أندريا"!
جلست باحترام أمام سيدة القصر "جوليا"، عيناها تنظر للأرض بأدب:
"حضرتك طلبتيني."
أزاحت "جوليا" خصلاتها الشقراء بعيدًا عن عينيها لتنبس:
"أنتِ عارفة حالة روبين كويس."
همهمت لها فتابعت:
"أنتِ الوحيدة اللي بيتجاوب معاها، عشان كده عايزاكي تكوني معاه دايمًا تعتبري نفسك المربية بتاعته."
زامت شفتاها بضيق، تريد الرفض لكنها لا تنسى أفضالها عليها!
قالت بتردد:
"بس أنا كنت عايزة أمشي، أنا بساعد في القصر يمكن أقدر أسدد جزء صغير من ديني ليكي، بس وجودي مع روبين يعني بقائي هنا على طول."
لم تعد تتحمل بقاءها في ذلك القصر، أضحت جدرانه تخنقها.
تفهمت "جوليا" حالتها لتقول:
"هدعمك في قرارك لكن مش دلوقتي، لما حال روبين يتحسن أكتر هتمشي. أنتِ هتستلمي كل أموره لكن طبعًا قراراته هترجع لـ"وليام" الأول."
لم تعطها فرصة الرفض، قد اتخذت قرارها من الأساس.
شكرتها بأدب لتستقيم من مكانها لكن أوقفتها كلماتها:
"أيدن هيرجع نهاية الأسبوع."
وما أن سمعت اسمه حتى شعرت ببرودة أطرافها، هو سيعود، من كان يطاردها بأحلامها سيعود! الغريب الوحيد الذي يعلم بسرها!
قد غادر البلاد منذ أربعة عشر عامًا بسببها هي، فضيحة لم تفهم معناها حينها قد نفته هو من موطنه!
دلفت لغرفتها وعقلها يكاد ينفجر من كثرة التفكير، شاعرة بعيون مراقبة لها.
وقفت "جيسكا" والدتها أمامها بعيون حاقدة:
"كنتِ بتعملي إيه في المكتب؟"
كانت ستتجاهلها لكنها أجابتها بكذب:
"كانت بتقولي إني أهتم بأمور القصر أكتر."
ضيقت عينيها بعيون مشككة لتقترب منها بعيون كارهة:
"المهم تكوني بعيدة عن روبين، أوعي تقربي من حفيدي."
لم تعطها رد فعل بل انسحبت بعيدًا لحديقة القصر الخلفية كعادتها.
"روبين" هو ابن شقيقتها "روما" و"وليام" وريث عشيرة "والتون".
ذنب لم يفارقها لكنها دفعت ثمنه.
ثوب رقيق مثلها يحيط بدنها، أعلاه سترة طويلة تقي جسدها من برودة نوفمبر.
أخذت كتبها لتذهب للجامعة لكن أوقفها جسد طويل أمامها، رفعت عيناها لتلمح "جاك" خطيبها!
فتح ذراعيه لها ليستقبلها بعناق، هرولت بخطاها له والبسمة تعلو ثغرها، لقد عاد!
"رجعت إمتى؟ أنا مش مصدقة؟"
مسح على خصلاتها وهو يضمها له أكثر:
"من يومين."
ابتعدت عنه وهي ترمقه بضيق:
"يومين وأنت هنا ومفكرتش تشوفني أو تبعتلي رسالة حتى!"
ابتسم على غضبها بلطف ليقرص وجنتها:
"كان في مشاكل تبع الشغل خلتني معرفش أجيلك، أنا حتى مرجعتش لوحدي."
لم تعقب على حديثه فهي سعيدة أن صديق طفولتها قد عاد!
حاوطت ذراعه بود قائلة بمرح:
"احكيلي عملت إيه هناك؟"
أبصرها ببشاشة وهو يطوق كتفها فهو قد اشتاق لها حقًا.
مر الوقت وهما يتبادلان الحديث لينبس بمرح كعادته:
"إيه رأيك نقطف تفاح زي زمان؟"
هي فتاة تخلت عن طفولتها من زمن حتى أبسط الأشياء لم تعد تسعدها، لكن وجوده يذكرها بأوقاتها السعيدة.
أومئت له ببسمة:
"يلا بينا."
تسلل بخفة للحديقة الجانبية المنتشر بها أشجار التفاح، أشار لها:
"استني هجيب حاجة نجمع فيها."
لم تضيع وقت حيث أمسكت بالأغصان تتسلقها بحرص، ألقت بالحبات التي تلتقطها من أعلى ومع كل ثمرة تتسلل لها ذكرى قديمة، طيف يلاحقها من بين صفحات الماضي:
"أنتِ مين؟ وبتعملي إيه هنا؟"
شهقت بصدمة لتحرك قدمها دون إرادة مؤدية لتهاوي جسدها.
أغمضت عينيها مستعدة للألم، لكنها شعرت بأيدٍ تحاوطها!
فتحت عينيها برفق لتتسع عدستيها بقوة، كان هو! لقد عاد، كابوسها عاد.
يتبع.