"أنتَ وعدتني." بصلي بعدم فهم. "وعدتك إيه؟ "إنك مش هتسبني." "أنا مش هسيبك." "بس هتسافر." "هسافر فترة، بس مش معناه إني هنساكي." "هثق فيك يا أمير." كانت آخر مواجهة بينا من أربع سنين، اتغير فيهم حاجات كتير، وأنا اتغيرت للدرجة إني بدأت أفقد الثقة فيه. معرفش حاجة عنه من وقتها. فكرت هنتبادل المكالمات، والرسائل، والحب! لكن هو نسيني... أو لأ، لسه هستناه. "مفيش أخبار عن ابنك يا طنط؟
لقتها بتتنهد بملل. عندها حق، كل يوم أجى أسألها عليه. أربع سنين بسأل عليه. "كويس الحمدلله يا نور، مش بتزهقي من السؤال ده؟ رديت بتبرير: "ابن عمي برضه وواجب أسأل عليه، ولا إيه؟ "واجب فعلًا... هيجي قريب." عارفين إحساس الحياة الوردية؟ هو ده اللي غمرني. هيجي قريب، هشوفه أخيرًا... أمير! قربت منها ومسكت إيديها بفرحة: "بتهزري ولا بتهزري؟ أكيد صح؟ لأ، لأ يارب تكوني بتقولي الصدق! "جاي يا نور قريب بس... ولا أقولك افرحي.
محاولتش أفهم كلامها، كل همي دلوقتي إن أمير جاي. هيوصل، هشوفه. هعاتبه آه على غيابه بعيد عني... بس مش مهم، المهم إنه هيجي. "مش هتروحي الشغل النهاردة يا نور؟ "لأ يا ماما." أمير جاي النهاردة وهعمله الكيكة اللي بيحبها. قربت مني بحنان: "لسه بتحبيه؟ اتوترت ورديت بتبرير: "بحبه عشان ابن عمي أكيد. أنتِ عارفة حياتي كلها كانت معاه. من طفولتي لغاية ما سافر. بس رجع."
"لو على إنه ابن عمك بس، فاطمني. أنا خارجة أشتري طلبات وهرجع، عايزة حاجة؟ نفيت وسابتني، وأنا لسه واقفة مكاني بردد كلماتها في دماغي: لو على ابن عمك بس... لأ، هو مش بس ابن عمي، هو حبيبي! بقول دايمًا قدامهم إن حبي ليه حب لكونه ابن عمي. لكن معنديش الجرأة أقول إنه حبيبي، حتى معرفتش أقول ليه. بس الأكيد هو عارف، حاسس... زي ما أنا حاسة. نفضت كل ده من دماغي. مش مهم مين هيبادر. دلوقتي هو جاي وده الأهم.
عملت الكيكة بكل حب. دايمًا بيحبها، ودايمًا كان بيحبني أعملها له. هو برضه حبيبي، كل طلباته مُجابة. اتنهدت بفرحة وحماس وأنا داخلة البيت، وعارفة إنه موجود. إحساس يستاهل ياخد مليون نجمة! شددت إيدي على طبق الكيكة بتمسك عشان يكون هو أول شخص يشوفها. بس فوق ده كله، كنت متوترة جدًا، خايفة. وكأن الإحساس فترة بسيطة. بس شجعت نفسي: أخيرًا هو موجود يا نور. صاحبك، حبيبك، جوه... يلا ادخلي شوفيه، وشوفي هل اتغير في الأربع سنين.
دخلت بخطوات حماسية وماما جنبي. ببص في الجهات حواليّ عشان أشوفه... لكن أملي خاب. أهله كلهم قاعدين ما عدا هو. فكرته هيستناني، بس الأكيد إنه تعبان وبيرتاح. عادي يا نور. دخلت وسلمت عليهم، وقعدت جنب عمي بود. وفضلنا نهزر مع بعض مستنيين أمير ينزل. وفجأة... أمير نزل. كل الأنظار اتسلطت عليه، وأولهم أنا. لكن فرحتي اتلاشت ببطء... نازل وفي إيده إيد بنت! ضربات قلبي عليت، وأنا بحاول لسه أرسم الابتسامة عليّا. بحاول أستفهم...
وكل اللي دار في عقلي: إن حياتي انتهت. لكن لسه جوايا بيهرب من الحقيقة. وقفت واتكلمت بهزار: "أمير! أنتَ طلع عندك أخت ولا إيه؟! نقلت نظراتي لعمي واتكلمت بنفس النبرة: "أنتَ اتجوزت على طنط وجبت ولاد كمان يا عمي؟ "دي مرات أمير يا نور." دي نبرة مرات عمي. بصتلها بصدمة، وبحاول أستوعب هي قالت إيه. بصيت لماما باستنجاد. قامت ووقفت جنبي: "ولسه جايين تعرفونا يا سميرة؟! ده إحنا قرايب برضه." "لأ يا مرات عمي...
أنا اللي عرفتهم. محدش يقول دلوقتي بسبب كم لخبطة عندي معلشي، امسحيها فيّا المرة دي. وبعدين ده سلامك عليّا بعد الغياب ده كله؟ نبرة صوته زي ما هي. فكرت إني هنساها، بس اكتشفت إني لسه عارفاها... حافظاها. شكله اتغير، ضحك، بقى مختلف. نظراته غريبة... مش اللي متعودة عليها. "نسيتيني ولا إيه يا نور؟! قالها بهزار وهو بيقرب مني. ده مش أمير! مستحيل! لأول مرة أحس إني واقفة قصاد شخص غريب. "أنتَ نسيتني يا دكتور." "دكتور؟ ...
امممم لأ، لسه فاكرك." "حظ أوفر... أنا نسيتك." قولتها وسبته مكانه، وجريت على بيتي. يمكن أحاول أفهم اللي بيحصل حواليّ. يمكن أحاول أفهم فين أمير... حبيبي. عدى شهر وأنا مش بخرج من بيتي. كنت بحاول أستوعب ليه عمل كده. انهرت يومها كتير، بكيت وتعبت وكنت لوحدي. أصل مين هيعرف بعذابي غيري؟ أصل أنا السبب، أنا اللي عملت في نفسي كده. حبيت شخص غلط، وثقت فيه، اديته عمري كله، وهو غدر بيّا.
إحساس الوجع كان ملازمني، قلبي كان حزين. بفتكر ذكريات كانت بينا، حلوة ومميزة، هو دمرها. فيها إيه لو كان لسه معايا، حبني، عاش عمره معايا. ليه حبيبتُه؟! دخلت ماما عليّا: "إيه يا نور، مش كفاية عليكي كده؟ لا بتروحي شغلك من شهر ولا بتخرجي من أوضتك. إيه يعني قطعتي علاقتك بصحبتك، ده كله عشان إيه؟
قولتلك هاتي أكلمها ونشوف الخناقة اللي ما بينكوا وأنتِ رافضة، لكن حالة الاكتئاب اللي أنتِ هتضيعي نفسك فيها مش هتنفع. كليتك بكرة عايزة تقوليلي مش راحة كمان ما هي ناقصة دي كمان." اتنهدت بحزن وأنا بكمل كذب على ماما: "خلاص يا ماما، علاقتنا انتهت ومفيهاش رجوع من تاني. هي وعدتني تفضل معايا وخلّت بوعدها. وثقت فيها وهي غدرت. متخافيش، هنزل الكلية بكرة أكيد."
تاني يوم جهزت نفسي وخرجت من الشقة. كنت متوترة، خايفة أشوفه لأن بيوتنا فوق بعض، قاعدين في عمارة ملكنا. نزلت بسرعة ومشيت للكلية. دخلت وأنا لسه تايهة، حاسة إن كل اللي حواليّ ممكن يغدروا بيّا. بدأت أبعد عن الكل واحدة واحدة، وفضلت أكمل حياتي لوحدي من غير حد. قعدت في الاستراحة على أساس إن لسه فيه ربع ساعة على معاد المحاضرة التانية، وده لأن محضرتش الأولى بسبب تأخيري في المواصلات. طلعت دفتري وقلمي وعصير المانجا المفضل ليّ
وبدأت أكتب أول سطور حزني: أنا الحُزن، يتمهّل بقُربي ليلتفّ على عنقي، يعنّفني، يطوّق روحي، يأسرني! أتلعثم بكلمات النجاة نحوه لكنّه لا يُبالي، وكأنّي صرتُ عدوًّا بعد أن كنتُ يومًا مَأمنًا له وملاذًا. أتعلمُ يا أنتَ بثِقل قلبي من غيرك؟ كنتَ الطمأنينة التي أحيا بها، السَكينة التي أتشبّث بها في ضعفي. سال الحُزن بيننا، لكنّه لم يختر إلا أن يمتلكني أنا وحدي.
خلصت كتابة النص ودموعي عرفت طريقها. أنا كتبته وأنا بفكر فيه، وبفكر ليه عمل كده. بدأت أقررها كتير وأنا بحاول أقنع عقلي إن خلاص انتهينا. تلفوني رن، كانت ماما. كلمتها وكانت بتتطمن عليّا. خلصت معاها وعيني لمحت الساعة، انذهلت، عدى تلت ساعة من المحاضرة. أخدت كل حاجاتي وجريت على المدرج. الباب كان مقفول. اتوترت، مش بحب أدخل والكل موجود، بحس بخنقة وعينهم عليّ. لكن اتشجعت وخبطت على الباب. بعدها فتحت بتوتر وأنا عيني في الأرض
وبطلب السماح للدكتور: "أنا آسفة يا دكتور على التأخير... ممكن أدخل؟! "اتفضلي! رفعت عيني بسرعة، وضربات قلبي بتعلى أكتر، وبرجع للورا بخطوات بطيئة: "أمير."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!