تحميل رواية كاليندا بقلم ولاء رفعت pdf
بقلم ولاء رفعت
الفصل 9 — رواية كاليندا الفصل التاسع 9 - بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
أخذت تردد آيات الله لاسيما آية الكرسي، وتتحاشى النظر إلى تلك المباني المخيفة. مهلاً، هل سمعت للتو صوت خطوات تتبعها؟ التفتت خلفها لم تر شيئاً. تردد الصوت مرة أخرى، فوقفت لتلتفت مرة ثانية، فانتفضت بفزع عندما قفزت قطة سوداء من إحدى النوافذ المفتوحة من منزل مهجور. حينها صرخت واستعاذت بالله في نفسها. وبمجرد أن استدارت إلى وجهتها اصطدمت بآخر شخص تتمنى رؤيته. وكادت تصرخ، لكنه أسرع بوضع كفه على فمها قائلاً بتهديد: "إيه خايفة؟" هزت رأسها وهي تحاول إبعاد يده عن فمها، لكنه أمسك كفيها الرقيقين معاً ودفعها إ...
رواية كاليندا الفصل التاسع 9 - بقلم ولاء رفعت
ينتظر رأفت المحامي أمام مكتب المساعد، ينظر في ساعة هاتفه بزفاذ صبر حتى صدح رنين جرس التنبيه.
نهض ذلك المساعد قائلاً بابتسامة زائفة:
_ أتفضل يا متر، حماد بيه في انتظارك.
نهض هذا الخائن والسعادة تنبلج على ملامحه، يعلم ما سيغتنمه من تلك الفرصة الذهبية. على يقين بأن حماد السفوري على استعداد لدفع مبالغ طائلة من أجل نجله المتهور وألا يمكث في السجن لثانية واحدة.
طرق الباب ثم قام بفتحه وأرتسم على ثغره ابتسامة سمجة قائلاً:
_ مساء الخير يا حماد بيه.
أشار إليه الآخر بالدخول:
_ أتفضل يا متر.
جلس على الكرسي أمام مكتبه وقال:
_ أنا عارف وقت حضرتك ضيق، فمش هطول عليك كتير.
تنهد الآخر فأخبره:
_ يبقي أحسن، أتفضل هات اللي عندك.
تبدلت الابتسامة من السماجة إلى المكر والدهاء:
_ اللي عندي يساوي قيمة ولي عهدك، أو نقدر نقول حريته وسمعته وسمعة عيلة السفوري.
رجع الآخر بظهره إلى المسند الخلفي وقال:
_ مش لما أشوف اللي معاك يستحق ولا تكون اشتغاله وأبقى زي اللي بصطاد سمك في ميه.
وضع الآخر حقيبته أمامه على الطاولة الصغيرة وقام بفتحها وأخرج منها هاتف مُغلف بكيس بلاستيكي ذو سحاب ضاغط وظرف ورقي مُغلق ووضعهما على المكتب لكن في قبضة يده.
هز الآخر رأسه وسأله:
_ إيه ده؟
أجاب الآخر بثقة بالغة:
_ ده موبايل ابنك اللي نسيه في مكان اللي عمل فيه عملته وعليه فيديو باللي عمله، والتاني ده ظرف فيه تقرير الدكتور اللي بيأكد إن البنت اتعرضت لمحاولة اعتداء فقدت فيها جزء من عذريتها واللي يثبت التقرير ده الفيديو اللي في الموبايل، يعني أدلة بتكمل بعضها.
أطلق الآخر زفرة وكأن جبلاً قد انزاح من فوق صدره. نهض وذهب أمام خزانته الإلكترونية ووضع كفه فوق الشاشة حتى تطابقت البصمة وفُتحت الخزنة. أخذ من داخلها ظرف كبير ثم أغلقها وعاد إلى كرسيه مُلقياً أمام رأفت الظرف.
نظر الآخر إلى الظرف وسأله:
_ كام دول؟
أجاب حماد بعنجهية:
_ خمسين ألف جنيه وليك زيهم لما أتأكد إنك مش تكون ناسخ من الفيديو اللي على الموبايل نسخ تانية.
نصف ابتسامة على ثغر الآخر الذي قال:
_ أبقى مغفل ومجنون لو عملت حركة زي دي، لأن أنا مش عايز فلوس، أنا عايز أكون المحامي الخاص لسيادتك.
قهقه حماد حتى تردد صدى ضحكاته وتوقف لتتحول ملامحه إلى الجدية، قائلاً بتهكم:
_ وأنت بقى يا محامي بير السلم، عايزني أخليك المحامي بتاعي!
ابتلع الآخر الإهانة وأظهر عكس ما بداخله، رمقه بثقة يخالطها نبرة تهديد قائلاً:
_ أنا سامع إن حضرتك ناوي ترشح نفسك نائب في البرلمان، وموضوع زي موضوع المحروس ابن سعادتك لو وصل للجهات العليا هيحطوا على اسمك علامة إكس بالأحمر.
وأختتم كلماته ببسمة انتصار وتشفي، فأحتقن وجه الآخر ليكشر عن أنيابه وقال:
_ طيب واللي بلغك المعلومة دي مقالكش إن بنفوذي ممكن أخلي اسمك الجميل ده يتشطب من نقابة المحامين؟
نهض ووقف فوضع يديه في جيوب بنطاله قائلاً بزهو وفخر:
_ يبقى حضرتك متعرفش مين هو رأفت متولي.
أطلق الآخر زفرة كدليل على نفاذ صبره:
_ خلاصة الموضوع ده وكلمة وما فيهاش نقاش، تاخد مليون جنيه وما تسمعش صوتك تاني ولو عايز تكون محامي لحد واصل ممكن أعرفك على رجال أعمال وأنت وشطارتك بقى.
انشقت بسمة عارمة على وجه هذا الذي يشبه الثعلب في مكره ودهائه وكالعقرب في غدره، جلس على الكرسي بأريحية قائلاً:
_ يبقى كده متفقين، والموبايل والتقرير بين إيديك.
تناولهم الآخر بقبضة قوية وأتجه نحو المدفأة، فقام بسكب سائل على الحطب ثم أشعل عود ثقاب وألقاه لتندلع النيران رويداً رويداً، وبكل قوته دفع الهاتف والظرف لإحراقهم وابتسامة ظافر جائر تعلو شفتيه:
_ خلي محمد نصار يبقى يروح يدور على مين اللي عمل كده في بنته.
***
دوي رنين جرس المنزل وكانت زينب تقف أمام الموقد تطهو، فتركت ما بيدها وأدارت المقبض فانطفأت النار ثم مسحت يديها في منشفة جافة قائلة بصوت جهوري:
_ حاضر ياللي بترن الجرس.
ذهبت لترتدي خمارها وفتحت الباب فوجدته شقيق زوجها، قالت له بترحاب وحبور:
_ يا أهلاً وسهلاً، اتفضل يا كريم.
دلف وبيديه يحمل أكياساً مُعبئة بالفاكهة المختلفة:
_ السلام عليكم.
أجابت الأخرى:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ليه التعب ده، ده أنت جاي في بيتك مش عند حد غريب.
وضعهم على المنضدة المجاورة لباب المنزل وقال:
_ دي حاجة بسيطة عشان شمس.
_ أنت ابن حلال، لسه مخلصة الأكل، ادخل اغسل إيديك وبعدها ادخل صحي أخوك عقبال ما أغرف.
قالتها واتجهت نحو المطبخ، فسألها:
_ أومال فين شمس؟
تنهدت بحزن وأجابت:
_ كالعادة حابسة نفسها يا قلب أمها في أوضتها، الموضوع بقى صعب قوي خاصة بعد ما عرفت بحملها اللي ما كان على البال ولا الخاطر.
_ ده ابتلاء من ربنا وعليها بالصبر، أنا عارف الموضوع صعب جداً بس مش بإيدينا غير نقف معاها ونجيب حقها من ابن الـ… اللي عمل فيها كده، وعقبال ما ده يحصل معدش ينفع تقعدوا هنا في البلد.
_ قصدك نسيب بيتنا زي اللي عاملين عملة ونهرب!
كان صوت محمد الذي خرج للتو من غرفته. اقترب منه كريم وأوضح له:
_ مش هروب، بس ما ينفعش تفضلوا قاعدين هنا أولاً زمان المحامي اللي وكلته بدأ في الإجراءات وطبعاً زمان حماد عرف، فشيء طبيعي مش هيسيبك في حالك وتجنباً للمشاكل والأمر الثاني كلها شهرين ولا تلاتة وبطن شمس هاتظهر وأنت عارف أهل البلد ماورهمش حاجة غير الكلام وبنتك حالتها النفسية مش متحملة كلمة من حد ومحتاجة رعاية ودكتور يتابع حالتها، تقدر تقولي هاتخرج وتدخل إزاي والبلد كلها أوضة وصالة؟!
وقبل أن يجيب شقيقه، سبقته زوجته:
_ كريم عنده حق يا أبو شمس، أنا كنت لسه الصبح في السوق والنسوان كل ما تشوفني يغمزوا لبعض ويتكلموا وأنا لو رديت عليهم مش هخلص غير وإحنا في القسم، والواحد مش ناقص مشاكل ولا حرقة دم.
جلس محمد على أقرب كرسي بقلة حيلة ويأس قائلاً:
_ وأنا أجيب فلوس لسكن تاني منين، كل مرتبى يا دوب نصه أقساط والنص التاني أكل وشرب ومصاريف البيت.
ربت شقيقه عليه بمؤازرة وقال:
_ ماتشلش هم وأنا موجود.
ارتفعت زاوية فم الآخر بتهكم وقال:
_ عايزني أروح أقعد مع أخواتك اللي باعوا واشتروا في ضنايا كأني مت.
أخرج من جيب بنطاله سلسلة مفاتيح خاصته وقام بأخذ مفتاح منها قائلاً:
_ عندي شقة كنت شاريها السنة اللي فاتت في إسكندرية، بأجرها كل موسم صيف.
تفهم شقيقه مقصده فسأله:
_ و شغلي اللي هنا؟
أجاب الآخر:
_ خليك أنت هنا أيام الشغل وفي يومين الإجازة أطلع على إسكندرية أقعد معاهم.
تدخلت زينب قائلة:
_ وأنا موافقة.
رمقها زوجها بضيق فأردفت:
_ كلام أخوك كله صح، ولو عندك حل تاني شور علينا، وإسكندرية غير هنا على الأقل ما أصتبحش بوش العالم اللي هنا وأسمع تلسين من اللي يسوي واللي ما يسواش.
قال كريم:
_ ولما تجهزوا حالكم عرفوني وما تقلقوش الشقة مفروشة من كل حاجة وفيه سوق قريب، وأنا هابقى معاكم، بس ياريت يكون الكلام ده قبل ما الأسبوع ده يخلص عشان كلموني من الشغل ولازم أسافر.
نهض محمد وتوجه إلى المرحاض، أشار بيده بعدم اكتراث وقال:
_ أعملوا اللي تعملوه.
زفرت الأخرى بامتعاض وقالت:
_ شوفت يا كريم، أهو كده من ساعة لما قام بالسلامة وأنا مش عارفه هو عايز إيه بالظبط.
أجاب عليها:
_ ما تقلقيش أخويا وأنا عارفه، أعذريه الصدمة مشوشة على تفكيره ومع الوقت هايرجع أحسن، أنتي بس خليكي جمب بنتك هي محتاجة لك أنتي أكتر واحدة، وربنا يطمنا عليها ويقومها بالسلامة.
_ آمين يارب، وينصرها على الظالم ابن هدى ويحرق قلبهم زي ما قهروا بنتي وحرقوا دمنا كلنا.
***
وقبل أن يعدوا للرحيل، ذهب محمد إلى مكتب المحامي لمتابعة الإجراءات لكنه تفاجأ بالباب مُغلق. قام بالاتصال عليه فتلقى رسالة مسجلة بأن الهاتف مغلق أيضاً، تعجب لأن هذا الوقت هو موعد عمله في المكتب. أخذ يضغط على زر الجرس ويتبعه بطرق الباب عدة مرات حتى ظهر له من خلفه رجل ذو مظهر بسيط يقول له:
_ الأستاذ رأفت مش موجود.
عقد الآخر حاجبيه وسأله والقلق يساوره بداخله:
_ أومال هو هيجي إمتى؟
أجاب الرجل:
_ هو ساب المكتب لصاحب البيت وسافر بلاد برة.
أزدرد ريقه وهو يشعر بجفاف حلقه من ما يسمعه للتو:
_ إزاي؟
أجاب الرجل:
_ والله يا أستاذ كل اللي أعرفه قولتهولك.
ويشاء القدر وتأتيه مكالمة هاتفية من رقم غريب، أجاب على الفور:
_ ألو، مين معايا؟
أجاب المتصل:
_ مش مهم تعرف أنا أبقى مين بس حبيت أقولك أبقى فكر مليون مرة قبل ما تقف قدام حماد السفوري أنت وبنتك، والمحامي اللي أنت وكلته باعك والأدلة كلها خلاص بح.
صاح محمد بغضب:
_ أنت مين؟
لكن لم يتلق أي إجابة سوى إغلاق الخط في وجهه، فأطلق الآخر السباب والشتائم.
***
عاد خالي الوفاض يشعر وكأن الدنيا تهبط عليه بسوطها دون رحمة. ذهب إلى الطبيب الذي دون له التقرير فأنكر معرفته به وبابنته وكاد يجن جنون الآخر. تأكد أن يد حماد الفاسدة قد وصلت إلى الطبيب أيضاً. ما هذا يا الله. أراد أن يجلب حق ابنته بالقانون وها هو الذي ردد القسم بنصرة المظلوم وتحقيق العدل قد خالف وعده ونصف الظالم مقابل المال. فما أبشع أن ترتكب مثل هذا الذنب بل في حد ذاتها كبيرة من الكبائر فهي فتنة هذا العصر وآخر الزمان الذي نعيشه حالياً. قد انقلبت الموازين عبثاً فالظالم هو من صاحب الحق والمظلوم هو الجاني. الباطل من يمسك باللجام ويقود بلا هوادة لكن هيهات. رب الحق يترك ما يحدث ليرى مدى إيمان وصبر المؤمن اختبار دنيوي للظفر بالجائزة الكبرى وهي جنات الفردوس. فيا صاحب الحق لا تيأس ولا تكل ولا تمل. عدل الرحمن أقوى من جبروت أي ظالم كان على وجه الأرض والتاريخ يشهد على مر الزمان على نهاية كل جبار عتي وفاسد. لا تنس فرعون وكسرى والنمرود وكل ذي نفوذ وسلطة تجبر على الخلائق دون خوف من خالقه فكان مصيره محتوم، جزاؤه العذاب الأبدي دنيا وآخرة. فكن على ثقة بربك وأذكره دائماً وقت الشدائد. قم بمناداته من أعماق قلبك وسيهديك إلى طريق الحق والنور وتجد إنصافاً يجعلك تخر ساجداً باكياً من فرط سعادتك. الحق نور والنور صفة الرحمن فلا تخف.
***
وبعد يومان… عاد والد شمس من عمله بوجه مُكفهر وكأنه يحمل من الهموم جبالاً غير الكارثة التي حلت بابنته.
استقبلته زوجته وسألته عن حالته المُزرية:
_ خير يا محمد، حصل إيه تاني؟
جلس أمامها على الأريكة مجيباً بخزي:
_ وهيجي منين الخير طول ما أمثال حماد مالين البلد من ظلم وقرف.
جلست بجواره وهي تعقد وشاحها على رأسها قائلة:
_ هو المحامي قالك حاجة جديدة حصلت في قضية البنت؟
وضع كفيه على رأسه المُنكس إلى أسفل من الحزن والوهن، أجاب بحسرة أب يشعر بالظلم:
_ المحامي ربنا ينتقم منه أو يبتليه بمصيبة طلع بيضحك علينا وباعنا لحماد السفوري وأداله الدليل اللي كنا هنقدمه للنيابة عشان نجيبوا لنا حق بنتنا، حتى تقرير الطب الشرعي اللي قالي هيستلمه بنفسه روحت أسأل عليه لاقيت الدكتور بينكر كل حاجة، فهمت إن حماد والمحامي اشتروه بالفلوس هو كمان.
شهق بألم ليردف بصوت مختنق:
_ بنتنا ضاعت يا زينب، حق بنتي ضاع ومش عارف أعمل إيه، مش عارف ها أرفع راسي إزاي قدام الجيران ولا البلد ولا في الشغل.
ربتت على ظهره بمواساة قالت:
_ ما تقولش كده يا أبو شمس، ما عاش ولا كان اللي يخليك تحني راسك، بنتك مظلومة ومجني عليها، بنتي العالم كله يشهد بأخلاقها.
رفع رأسه وحدق بنظرة خذل وتقهقر قائلاً:
_ معدتش قادر أستحمل نظرات الناس ليا في الشارع ولا كلامهم اللي من تحت لتحت، اللي يقولي ربنا يقويك ويعينك يا محمد، واللي يقولي أنا عندي عريس لبنتك يستر عليها، و…
قاطعته بصياح وهي تبكي في آن واحد:
_ قطع لسان كل اللي يجيب سيرة بنتي بكلمة كده ولا كده، واللي يقولك حاجة أقف قدامه وأقوله اخرس بنتي أشرف بنت في البلد كلها، وبإذن الله هناخد حقنا من حمزة الكلب هو وأبوه وعيلته اللي فاكرين نفسهم بلطجية ومحدش قادر عليهم.
كان هذا الحوار الذي يقطع نياط القلوب تحت مرأى وسمع التي تقف خلف باب غرفتها الموارب، وبصيص من نور الردهة ينعكس على عبراتها المنسدلة، تمسك بمقبض الباب وكأنها تعتصره بقوة حتى أبيضت مفاصل أناملها الرقيقة.
كان المسيطر عليها أمر واحد، لابد عليها التخلص من الذي يكسر والدها.
صعدت فوق السرير ووثبت على الأرض، فعلت هكذا عدة مرات، وإذا يداهمها ألم لم يحتمل أسفل معدتها، أخذت تصرخ وتصرخ، شعرت بسائل دافئ ينسدل من بين ساقيها.
ولجت والدتها مُسرعة إليها، شهقت عندما رأتها في تلك الحالة صارخة:
_ ألحقني يا محمد البت شكلها بتسقط.
***
ولدي أحمد ومروة الذي مر على زواجهما أكثر من شهرين، كان الحال بينهما كالماء البارد تارة وتارة أخرى كنيران الآتون التي تصهر كل ما يقابلها.
كان صياحها يدوي في كل الأرجاء وهي تتحدث مع زوجة خالها:
_ بقولك يا مرات خالي كنت بروق الدولاب ولاقيت في هدوم المحروس ابنك شريط برشام منع الحمل، البيه كان يستغفلني بقاله شهور وبيحطهولي في اللبن أو العصير وأنا كنت زي الهبلة فكراه بيهتم بيا وبصحتي.
أجابت سحر عليها:
_ استهدي بالله يا مروة وما تتكلميش معاه لحد ما نطلع لكم دلوقت أنا وأبوه ونتأكد منه هو بيعمل كده ولا لأ.
صاحت بغضبٍ أكبر:
_ أنتي لسه هاتدفعي عنه وبتحامي له يا مرات خالي؟!، على أساس البرشام هو اللي بياخده، واضحة جداً، الباشا مش عايزني أخلف منه عشان لسه بيفكر في حبيبة القلب اللي مش قادر ينساها، كفاية عمري ما أنسى قهرة قلبي ليلة دخلتنا وأنا في حضنه يقولي بحبك يا شمس، كان هاين عليا أولع فيه وفي نفسي.
_ والله كنتي هاتريحيني.
كان هذا قول أحمد الذي عاد من عمله للتو، فاستشاطت الأخرى حنقاً:
_ سامعة ابنك؟
_ خلاص يا مروة، زي ماقولتلك روحي أقعدي بعيد عنه وملكيش دعوة بيه وأنا مستنية خالك بيصلي وطالعين لكم حالاً، يلا سلام.
قالتها وهي تزفر نيراناً كالتنين ثم ألقت بهاتفها على الأريكة ولم تكترث لنصيحة حماتها بل كادت تنفجر من الغيظ عندما دلف لغرفتهما بـ برود وأبدل ثيابه ثم خرج ممسكاً بالمنشفة القطنية وقال كأن لم يحدث شيء:
_ حضريلي الغدا عقبال ما أتوضى وأصلي.
صاحت به وركضت نحوه تسأله باستنكار ساخرة:
_ تصلي؟!، أنت اللي زيك يعرف ربنا؟
قبض على ذراعها بعنف وأمرها بتهديد:
_ بطلي غلط فيا بدل ما أمسح بكرامتك الأرض.
رفعت في وجهه شريط الحبوب وقالت:
_ لما ألاقي ده في دولابك وناقص منه نصه عايزني أقولك إيه؟!، لو أنت مكاني ولاقيتني باخد من وراك البرشام ده ومش عايزة أخلف منك ردة فعلك هاتكون إيه؟
ترك يدها وأراد أن يجعل الموقف في صالحه:
_ وأنتي مين سمحلك تفتشي في دولابي من ورايا؟
أجابت بقهر وغضب:
_ مكنتش بفتش، كنت بروق الدولاب وسبحان الله ربنا كان عايز يكشف خداعك ليا طول الشهرين اللي فاتوا، عماله أروح لدكتور للتاني ومهنش عليا أضايقك وأقولك تعالى حلل عشان نعرف المشكلة عند مين، أتاريك منيماني في العسل وبتحطلي الزفت ده، وكل ده عشان لسه عايش على ذكرى الهانم اللي لسه بتحبها، ولو مش قادر أوي كده على فراقها مطلعتش راجل ووقفت قدام أبوك ليه وأتجوزتها؟
وحين ألقت بإهانتها له في وجهه لم يشعر بنفسه سوى وهو يلقنها صفعة قوية على وجهها جعلتها تسقط على الأرض، وفي تلك اللحظة دخلت والدته ويتبعها والده بعد أن قاموا بفتح الباب بالمفتاح.
نهضت مروة لترتمي في حضن خالها تبكي بغزارة:
_ ابنك ضربني يا خالو.
ربت عليها خالها وينظر إلى ابنه بغضب مستطير، فقال لزوجته:
_ خدي مروة وأنزلوا تحت يا سحر.
وقبل أن تنطق الأخرى صاحت مروة:
_ أنا مش هقعد هنا لحظة واحدة أنا ها روح عند ماما.
ربتت عليها وقالت:
_ ده شيطان دخل ما بينكم يا بنتي وها يروح لحاله تعالي معايا تحت، وخالك ها ياخد لك حقك.
رضخت لكلمات زوجة خالها وذهبت معها وبمجرد مغادرتهما المكان، اقترب كامل من ابنه ونظراته لا تنبئ بخير وإذا به يهوي على وجهه بكفه قائلاً:
_ أخس عليك وعلى ربايتك، من أمتى وإحنا بنمد إيدينا على حريمنا؟، أنا وأمك متجوزيين أكتر من 25 سنة وعمري ما مديت إيدي عليها مهما حصل وكذلك أختك، ويوم ما أكون غلطان بعترف بغلطي وأتأسف لها وأخدها في حضني وأحابي عليها لأنها ملهاش غيري وأنا مليش غيرها.
أطلق تنهيدة واستطرد حديثه:
_ الست فيهم يا بني زي الإزازة بالظبط لو كسرتها مش هاتعرف تصلحها تاني ولو عرفت ها تفضل عايشة معاك وجواها شروخ منك مش هاتعرف تنساها، أنا مش هكلمك على موضوع حبوب منع الحمل اللي بتحطها لها، لكن اللي أقولهولك بلاش تظلمها، وإدي لنفسك فرصة معاها وابدأوا من أول وجديد، هي بتحبك واستحملت كتير منك ولو فاض بيها ها تسيبك وعمرها ما ها ترجع لك ويبقي لا طولت الماضي ولا الحاضر وها تعيش وحيد بين الذكريات اللي ها تاكلك لحد ما ها تموت من جواك وها تبقى عايش زي الميت.
وحين ذكر تلك الكلمة الأخيرة، ردد قائلاً:
_ ميت!، ما أنا فعلاً عايش ميت، أنتم اللي أجبرتوني على كل اللي حصل واللي بيحصل.
_ إحنا اخترنا لك الصح، مشينا بالعقل والمنطق اللي لو كنت خالفته وعملت اللي في دماغك وكملت معاها كنت مش هاتستحمل اللي حواليك وها تطلقها، مش هينوبك غير عذاب قلبك وأنت اللي بنفسك ها تسيبها، فبدل ما تشكرنا أنا وأمك إن اخترنا لك الأصلح ليك ولحياتك جاي بتلومنا!
_ بس دي حياتي وأنا حر فيها.
_ لاء مش حر، حياتنا كلنا مرتبطة ببعض، اللي هيصيبك هيصيبنا ولو مكنتش باصص لنفسك حط في دماغك إن عندك أختك اللي كان هيقف حالها لو كنت كملت جوازتك الأولانية، الناس يا بني ما بيبصوش للي جواك ملهمش غير الظاهر، كلامهم زي السهم بيرشق فيك واحد ورا التاني لحد ما يبقاش فيك حته تستحمل فيها كلمة كمان، خلاصة الكلام أعقل وعيش حياتك مع مراتك وحبها زي ما بتحبك يمكن لما تجيب منها حتة عيل يملي عليكم البيت حب وحياة جديدة تخليك تنسى أي حاجة وجعاك، وهتلاقي نفسك عايش عشان ابنك ولا بنتك اللي ربنا ها يرزقك بيهم.
وضع يده على كتف ابنه ثم أردف:
_ يلا روح اتوضى وصلي ركعتين واستغفر ربنا وتعالي معايا ننزل صالح مراتك وياريت مسمعش عنكم غير الخير وإلا هتلاقيني واحد تاني غير أبوك اللي تعرفه غير قلبي اللي هيغضب عليك.
تنهد أحمد وأومأ له في صمت مطبق، وقد حسم الأمر بداخله.
***
ها هي الآن قد عادت إلى قوتها وإرادتها الصلبة التي لا تنحني أو تنكسر، عزمت على أنه لابد من إرجاع حقها بنفسها. كل ما تحتاجه الآن أن تصبح قضيتها مُنتشرة في الربوع وفي جميع أنحاء المعمورة، بث مباشر زهيد يصل إلى الملايين وعلى رؤوسهم المسؤولين وجمعيات حقوق المرأة.
ضغطت على التطبيق الشهير لتجري هذا البث والذي جعلته بث للعامة وليس للأصدقاء فقط، جلست في هدوء وسكينة على الكرسي وأمام هاتفها:
– مساء الخير عليكم، أحب أعرفكم بنفسي شمس محمد نصار، مواليد محافظة الدقهلية، عندي ١٨ سنة، حكايتي بدأت تقريباً من كام شهر……
ظلت تسرد حكايتها، ولم تستطع منع عبراتها بالانهمار، انهالت عليها آلاف التعليقات ما بين مواساة وما بين عروض المساعدة. وفي آن الوقت لم يقف عمها كريم مكتوف الأيدي، بل قام بالفعل بتنفيذ وعيده لذلك الظالم حينما كان يرسل لهما رسائل التهديد. دائرة معارفه توصل إلى إحدى الصحفيين الشباب في جريدة شهيرة يتابعها الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس هذا فقط بل قام بتوكيل محامي ذو صيت وجعل شمس تسرد له كل ما حدث معها من تعدي وتهديدات، طمأنهم وأعطاهم وعد لا رجعة فيه إنه لن يتخلى عن تلك القضية مهما حدث حتى لو تلقى تهديدات من المدعو حماد، وسيجعل بعض المحامين الذين يعملون لديه في مكتبه بالعمل عليها أيضاً والإسراع في الإجراءات حيث لا تأخذ القضية وقت كبير في المحكمة.
وجاء اليوم وقد أتى كريم وبرفقته الصحفي لمقابلة شمس وأخذت تسرد كل التفاصيل ويدونها الآخر كتابةً مع التسجيل الصوتي، وسرعان ما نُشر هذا الخبر في الجريدة تحت عنوان ” اعتداء نجل نائب البرلمان على فتاة الدقهلية ” وأسفل العنوان تفاصيل المقابلة والتي يقرأها الآن حماد وهو يجلس خلف مكتبه. كان يرتشف قهوته وعندما رأى ذلك الخبر قذف بالفنجان على الأرض وأخذ يصيح بالسباب والشتائم، فلم يتمهل استيعابه لما قام بقراءته ليأتيه اتصال هاتفي، أجاب عليه:
_ الو؟
……
_ لاء يا فندم بالتأكيد في سوء تفاهم ساعدتك، شكل الواد الصحفي اتلغبط في الحروف والـ………..
_ يا فندم أنا ابني أصلاً مش هنا بيكمل دراسته بره.
……
_ تحت أمرك يا فندم، حاضر، مع السلامة.
وبعد انتهاء المكالمة ألقى بالهاتف على الأرض ويجز على أسنانه التي أصتكت معاً.