تحميل رواية كاليندا بقلم ولاء رفعت pdf
بقلم ولاء رفعت
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
أخذت تردد آيات الله لاسيما آية الكرسي، وتتحاشى النظر إلى تلك المباني المخيفة. مهلاً، هل سمعت للتو صوت خطوات تتبعها؟ التفتت خلفها لم تر شيئاً. تردد الصوت مرة أخرى، فوقفت لتلتفت مرة ثانية، فانتفضت بفزع عندما قفزت قطة سوداء من إحدى النوافذ المفتوحة من منزل مهجور. حينها صرخت واستعاذت بالله في نفسها. وبمجرد أن استدارت إلى وجهتها اصطدمت بآخر شخص تتمنى رؤيته. وكادت تصرخ، لكنه أسرع بوضع كفه على فمها قائلاً بتهديد: "إيه خايفة؟" هزت رأسها وهي تحاول إبعاد يده عن فمها، لكنه أمسك كفيها الرقيقين معاً ودفعها إ...
رواية كاليندا الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت
أخذت تردد آيات الله لاسيما آية الكرسي، وتتحاشى النظر إلى تلك المباني المخيفة.
مهلاً، هل سمعت للتو صوت خطوات تتبعها؟
التفتت خلفها لم تر شيئاً.
تردد الصوت مرة أخرى، فوقفت لتلتفت مرة ثانية، فانتفضت بفزع عندما قفزت قطة سوداء من إحدى النوافذ المفتوحة من منزل مهجور.
حينها صرخت واستعاذت بالله في نفسها.
وبمجرد أن استدارت إلى وجهتها اصطدمت بآخر شخص تتمنى رؤيته.
وكادت تصرخ، لكنه أسرع بوضع كفه على فمها قائلاً بتهديد:
"إيه خايفة؟"
هزت رأسها وهي تحاول إبعاد يده عن فمها، لكنه أمسك كفيها الرقيقين معاً ودفعها إلى جدار من الطوب اللبن ومازال يكمم فاها.
"كنتي فاكراني بهزر ولا بهرتل بأي كلام لما كنت بهددك المرة اللي فاتت؟ لاء يا شمس، ده مش أنا، مش حمزة السفوري اللي تيجي على آخر الزمن حتة بت ملهاش لازمة زيك تعلم عليه. أنا اللي بقول للبنات لاء، وعمري ما واحدة فيهم قالت لي لاء، أنا اللي بقول، سمعاني؟"
كانت تصدر همهمات لم يفهمها وعيناها تملأها دموع الخوف والتوسل.
فأردف بعد أن ترك يدها وأخرج من خلف ظهره مدية حادة وضعها لدى نحرها:
"أنا هاشيل إيدي بس، وحياة أمي لو صوتي أو عملتي حركة كده ولا كده هتلاقي المطواة الحلوة دي بتشقك نصين، ها؟"
أومأت له بهمهمة، فسحب يده.
وبدأت بالتحدث بصوت مختنق بالبكاء:
"أنت عايز مني أي دلوقت! هو الجواز بالعافية؟ أنا رفضتك عشان ما بحبكش، ترضي حد يغصبك على حاجة وتعملها؟"
أصدر صوتاً مقيتاً وقال:
"وأنا ما أتحبش ليه يا بت؟! ناقص إيد ولا رجل! معايا فلوس تشتري عيلتك وعيلة الحيوان المخطوبة ليه."
أجابت وهي تنظر إلى المدية الموضوعة على نحرها بحذر وخوف:
"مش كل حاجة الفلوس، أنا رفضتك بسبب أخلاقك الزفت، ما بتحترمش حد ومقضيها صياعة وبلطجة، ده غير القرف اللي بتشربه ولا ثانوية عامة اللي كل شوية تسقط فيها واللي قدك خلصوا جيش وبيشتغلوا وبيكسبوا بعرق جبينهم مش زيك عايش على فلوس أبوك."
ضرب الجدار بقبضته وقال من بين أسنانه:
"ما هو لو كنتي وافقتي عليا كنت بطلت على إيديكي، وأديني جيت لك دلوقت وبقولها لك لآخر مرة يا شمس، سيبك من اللي ما يتسمي ده وتعالي نتجوز وهخليكي ملكة، هخلي أبويا يبني لينا بيت كبير في المدينة نعيش فيه بعيد عن الكفر والعالم المعفنة اللي هنا."
أبعد السلاح عنها وأخفضه:
"ها قولتي إيه؟ كلمة واحدة بس هتخليني خاتم في صباعك."
قالها وعيناه ذات النظرات المخيفة تحدق بها عن كثب وبترقب شديد، بينما هي كانت كالتي وقعت بين شقي الرحى لا تعلم ماذا سيفعل بها إذا قالت له لا.
صراع الأنفاس يحتدم وهي كالفريسة بين يدي صيادها.
قاطع الأجواء رنين هاتفه.
ضيق عينيه بضجر، أخرج هاتفه ولم تبرحها نظراته.
لمحت أسفل قدميها قطعة صخرية صلدة، فكانت فرصتها عندما نظر إلى شاشة هاتفه لتسرع بالإمساك بها وضربها في رأسه وهمت بالركض، لكن الحظ لم يحالفها حيث تعثرت في قالب طوب محطم.
والآخر يصرخ عليها بزئير جعل جسدها يرتجف، يلقي عليها أفظع السباب والشتائم ولم يكتف بذلك بل قام بجذبها من قدميها وهي تقاومه، لكن فرق القوة الجسدية بينهما كانت الغلبة له.
سحل جسدها إلى داخل المنزل المهجور وأستعان بإضاءة مصباح هاتفه وألقاه جانباً.
***
منذ أيام في إحدى القرى النائية التابعة لمحافظة الدقهلية، تقطن عائلة شمس تلك الفتاة ذات الثامنة عشر ربيعاً في منزل صغير تملأه البساطة والراحة النفسية.
والدها محمد نصار في منتصف العقد الخامس، موظف في السكة الحديدية وزوجته السيدة زينب ربة منزل تبلغ من العمر أربعين عاماً، فهي وحيدة أبويها.
ها قد أقترب موعد امتحانات الثانوية العامة، يستعد الطلاب لها بالمذاكرة والذهاب إلى دروس التقوية.
وفي هذا المجمع التعليمي التابع لمسجد القرية، تخرج شمس مع صديقتها وشقيقة هذا الشاب الذي تقدم لخطبتها رسمياً منذ ست شهور ويدعى أحمد كامل.
لقد تخرج من كلية تجارة ويعمل محاسب في إحدى المجمعات التجارية الشهيرة في مركز المدينة بالقرب من قريتهم.
يمكث هو وعائلته في المنزل المقابل لعائلة شمس، ومنذ الصغر يراها فتاة أحلامه التي لم تفارق قلبه ووجدانه.
فتاته التي تربت على مبادئ الدين والخلق والعادات والتقاليد الصحيحة.
اختطفت فؤاده عندما رآها لأول مرة بالحجاب الذي زادها زينة وجمال فوق جمالها الرباني.
ظل حبها في قلبه حتى حانت اللحظة الحاسمة وسُبرت أغواره بعدما علم من شقيقته إسراء صديقة طفولتها وصباها بأن هناك شاب تقدم لخطبتها.
لكن شمس وعائلتها قاموا بالرفض وليس مرة فقط بل زهاء ثلاث مرات، مما أسعد هذا قلبه وجعله يحسم أمره وعرض الأمر على والديه.
رحبت والدته السيدة سحر بهذا وأعربت له عن سعادتها وكم تمنت له عروس مثلها في حسن خلقها وأدبها وجمالها، وعائلة يعلمون عنهم كل ما يرسخ في صدورهم من طمأنينة وراحة، ولن يختلف الأمر لدى زوجها يكفيه السيرة الحسنة عنهم.
تمت الخطبة في أجواء عائلية مبتهجة وبدأت قصة حب أحمد وشمس.
لكن كالعادة أو ما اعتدنا عليه دائماً، كثير من الفرح يقابله القليل وربما الكثير من الحزن، هكذا هو قانون الحياة، لا تُعطي لك إلا تأخذ منك المقابل ولكل منا ما يعطيه أو ما يدفعه من ثمنٍ غالي.
"اللي واخد عقلك يا عروسة؟"
سألتها إسراء ولكزتها بخفة في ذراعها.
فأجابت شمس بعدما عادت من رحلة شرودها:
"بتقولي حاجة؟"
ضيقت الأخرى عينيها بمكر ومزاح قائلة:
"هو آبيه أحمد للدرجدي شاغل تفكيرك؟ يابنتي ركزي شوية في الهم اللي إحنا فيه، كلها أسبوع وهنلبس في وش الامتحانات، وتخلص وبعدها تلات أسابيع وتتجوزوا بقي، وأخلص من رخامته عليا."
قهقهت على حديث صديقتها الفكاهي:
"ماشي يالمضة، خلاص هانت وأخلصك منه، بس مكنتش أصلاً سرحانة فيه."
توقفت الأخرى عن السير وسألتها:
"خير، آبيه زعلك ولا إيه؟"
اعتراها بعض التوتر وانبلج على ملامح وجهها، فقالت بتردد جلي:
"مفيش، قصدي يعني ما زعلنيش ولا حاجة."
بداخلها يريد أن يجيش عن ما بصدرها من ما يؤرقها منذ أيام.
انتشلتها صديقتها من الشرود مرة أخرى، وقالت:
"أوعي يكون الزفت اللي اسمه حمزة ده بيكلمك ولا بيشوفك تاني!"
أومأت لها بالإيجاب.
أردفت الأخرى:
"نهار أبوه أزرق وأسود على دماغه، هو متخلف ولا مجنون، عايز أي منك التنح ده؟"
أجابت بتأفف:
"وطي صوتك البلد كلها سمعتنا."
تنهدت وأخفضت من صوتها قليلاً:
"حقك عليا يا شمس، بس غصب عني أقسم بالله بيبقى بيني وبين أقول لآبيه أحمد عليه و…."
قاطعتها وهي تضع كفها على فمها:
"إياكي، والله أزعل منك يا إسراء، أنتي عارفة كويس إن الكلب حمزة ده عيل مدمن وشمام والسلاح ما بيفارقش جيبه لا بيهمه حد، عايزاني أروح أقول لأخوكي إن فيه واحد لازق لي في الراحة والجاية وبهددني أفسخ خطوبتي منه وإلا يخلص عليه؟!"
شهقت وكفها على فمها قائلة:
"يا ابن ال… ، اللهي عزرائيل يجي يخلص عليه هو الحيوان، البلطجي، بتاع المخدرات."
"أديكي قولتيها بلطجي وشمام، عايزة تقولي لأحمد عشان يروح يتخانق معاه والتاني يقوم مخلص عليه بطلقة واحدة من المسدس بتاعه."
أصبحت الأخرى في حيرة من الأمر، فقالت:
"نروح نقول لمامته أو باباه يوقفوه عند حده، هو فاكر إنها سايبة ولا إيه؟!"
هزت شمس رأسها نفياً وتهكم تحدثت:
"عندك حق، نروح نقول لمامته اللي لما اتقدموا لي ورفضناهم وقفت ردحت لماما على الباب بأعلى صوتها تقولها، بقي بنتكم المعفنة أم نظارة ترفض ابني، حمزة السفوري اللي بنات مصر كلها بتجري وراه وتتمنى يعبرها بكلمة."
لم تستطع صديقتها كتم ضحكاتها، فأطلقتها للعنان حتى دمعت عينيها.
"ما تضحكوني معاكم."
قالها صوت رجولي جعل كلتاهما تصمت على الفور.
ابتلعت إسراء ريقها من الذعر، وقالت:
"آبيه أحمد!"
أجاب بنبرة جدية صارمة لا يتفوه بها سوى مع شقيقته:
"إيه اللي موقفك في الشارع لحد دلوقت يا هانم، وكمان بالليل!"
مدت له يديها تحمل دفتر ورقي وكتاب، أجابت:
"والله كنا عندنا مراجعة علم نفس ولسه مخلصين، ووقفنا ناخد نفسنا شوية."
نظرت إلى شمس التي عقبت:
"أيوه، كنا مخنوقين شوية عشان ضغط المذاكرة والدروس والامتحانات، ومروحين على طول أهو."
رمقهما بعدم صدق لكن لا يهمه سوى أمر شمس فقال:
"طيب تعالوا أفك لكم الخنقة دي شوية وأعزمكم على آيس كريم."
قفزت شقيقته كالطفلة من فرط السعادة بصياح:
"أيوه بقي يا آبيه، حاسس بأختي الغلبانة."
أجاب عليها بسماجة:
"ده مش عشانك، عشان خاطر شمس."
ونظر لها بابتسامة جعلت الدماء تكاد تنفجر من وجنتيها خجلاً، فهي دائماً خجولة خاصة عندما يقع على مسامعها كلمات من الغزل العفيف والحب النقي، تنتابها حالة من الخجل يلازمها الصمت وهذا لن يضايقه أبداً، بل يزيد من حبه لها أكثر وأقوى، وود لو تمر الأيام بسرعة البرق وتصير زوجته، حينها سوف يلقي عليها كل ما بداخله من مشاعر مكنونة لن يستطيع إطلاقها إلا عندما تصبح زوجته.
"ماشي يا آبيه، بقي تكسفني وتقولي عشان خاطر شمس! شوف بقي مين اللي هيعملك البيتزا ولا الكريب عمايل إيديا اللي بتحلف عمرك ما دوقت في حلاوتهم أبداً."
أطلق قهقه على تذمر شقيقته، يحب دائماً أن يشاكسها.
ضربها بخفة على مؤخرة رأسها قائلاً:
"أعمل إيه بحب أنكش فيكي، يلا تعالوا بقي عشان نلحق نرجع على طول وتراجعوا اللي أخدتوه."
تفوهت شمس بتردد:
"معلش يا أحمد مش هاينفع، بابا…"
قاطعها ليطمئنها:
"ما تقلقيش يا شمسي، أنا كلمته وسلمت عليه واستأذنت منه وعارف إن أختي معانا، عشان كده ما اعترضتش."
"يلا بقي يا شموسه، لسه هاتفكري!"
"ومعايا الموتوسيكل كمان."
اتسعت عينيها وبدا عليها الاعتراض.
تفهمت صديقتها ما تفكر به، فقالت:
"أنا هاركب ورا آبيه وأنتي ورايا، وڤيزبا هنية تكفي ميه."
ضحك ثلاثتهم، أرضخت في النهاية وذهبت برفقتهما ليستمتعوا بأجمل اللحظات التي لن تنساها أبداً.
وبعد انتهاء رحلتهم القصيرة في طريق العودة كانت هناك أعين مثل عيون الذئاب عندما تراقب فريستها وتحيك وتدبر لها المكائد والفخاخ.
يزفر صاحبها دخان سيجارته المحشو، ينبعث من بين براثن الظلام الدامس خلف أشجار المانجو، يقول بتوعد:
"ما بقاش أنا حمزة السفوري لو ما خلتكيش تجيلي راكعة تحت رجلي يا شمس، والكلب اللي معاكي ساعتها ما يطق يبص في وشك ولا يقدر يرفع راسه في البلد تاني!"
***
وفي اليوم التالي تسير بخطى سريعة وكادت تتعثر في حجرة صخرية في وسط الطريق، لكن جمعت قواها والتفتت إلى هذا الذي يراقبها ويجول خلفها كظلها في كل مكان تخطو قدميها.
"وبعدين معاك يا زفت، أنت إيه؟! ما عندكش كرامة ولا نخوة؟! عايز مني إيه؟! في كل مكان ورايا، خلاص مفيش بنت غيري في الكفر! عايز إيه يا ابن هدى من واحدة رفضتك بدل المرة ألف ومخطوبة وخلاص قربت تتجوز من واحد جذمته برقبتك وبرقبة عيلتك كلها."
صاحت بها شمس وتلوح بيديها في وجهه، مما أثارت كلماتها اللاذعة نيران مراجل جنونه وغضبه ليقبض على ذراعها بقوة وهو يعنفها قائلاً بلهجة تهديد:
"أنا راجل وأرجل من أبوكي وأخوكي وخطيبك العره ده، وسيرة أمي واسمها ما يجيش على لسانك، إما بالنسبة لموضوع جوازك من سوسن خطيبك ده حلم من عاشر المستحيلات إنه يتحقق، وبكرة هثبت لك إن حمزة السفوري اللي عايزك هو اللي هيكون."
جذبت ذراعها من قبضته، ودفعته بحقيبتها في صدره قائلة:
"ده في أحلامك أنت، وخطيب اللي بتتمسخر عليه بكرة هو اللي هيخليك أنت اللي سوسن وتخاف تطلع من بيتكم."
أطلق قهقه دبت الرعب في قلبها لكنها أظهرت عكس ما بداخلها.
"وحياتك يا شمس لأخليه هو اللي ما يخرجش من باب بيتهم بعد اللي هعمله فيكي."
"بت يا شمس؟"
صاحت بها والدتها، تحمل أكياس بلاستيكية.
التفتت لها، بينما الآخر فر هارباً كالبرق في سرعته.
اقتربت منها والدتها بملامح غاضبة وقالت:
"عايز إيه منك ابن السفوري ده؟"
ازدردت ريقها وأجابت والتوتر يعتري ملامحها:
"أبوس إيدك يا ماما وطي صوتك، ماحصلش حاجة وأنا قبل ما تيجي أديتله على دماغه."
ألقت نظرة متوعدة وقالت:
"طيب يلا انجري قدامي على البيت، وأنا ليا كلام مع أم الصايع الشمام."
وبعد أن عادت السيدة زينب وابنتها إلى منزلهما تركت ما قامت بشرائه فوق طاولة المطبخ وقالت بأمر حازم:
"علقي على مية الفراخ عقبال ما تغسليها كويس وعندك الخضار والرز والحاجة، حضري الغدا عقبال ما أرجع من مشواري."
تناولت حقيبة نقودها الصغيرة واتجهت نحو الباب استعداداً للمغادرة.
ركضت شمس إليها وأمسكت ساعدها قائلة:
"ماما بلاش فضايح، الست دي مش هتخلصي منها وهتدافع عن ابنها ومش هينوبك غير ردحها اللي هيسمعه كل أهل البلد."
أبعدت ساعدها وقالت بقوة:
"أنا صاحبة حق يا بنت بطني، وصاحب الحق ما يخافش، ولو هي ما قدرتش على ابنها وخلته يتلم هخلي أبوكي يروح يتصرف مع أبوه ولو وصلت أبعت لأعمامك في مصر يجوا يعلموه الأدب."
هزت رأسها بسأم، فاردفت والدتها:
"روحي اعملي اللي قولت لك عليه وأقفلي عليكي الباب كويس، سلام."
و في منزل السفوري الآن، تنتظر زينب في ردهة الاستقبال بعدما استقبلتها شقيقة حمزة، فأتى صوت هدى الساخر والقادم من الرواق التي تتفرع منه غرف النوم:
"خير يا أم شمس؟"
نهضت الأخرى تقف بشموخ قائلة:
"الناس بتبتدي كلامها بالسلام يا أم حمزة."
عقدت الأخرى ساعديها أمام صدرها ورفعت شفتيها بتهكم جانباً:
"ومن أمتي كان في بينا سلام بعد ما السنيورة بنتك رفضت ابني وراحت اتخطبت لحتة الواد الكاشير الكحيان."
"أديكي جبتي من الآخر، بنتي مخطوبة، يا ريت بقي تقولي الكلام ده وتأكدي عليه لابنك الصايع اللي عمال يلف ورا بنتي في كل حتة وبيطلع لها زي اللهو الخفي."
شهقت باعتراض وتضع يديها في خصرها، تصيح بغضب:
"لهو خفي ياخدك وياخد بنتك يا ولية، أنتي جاية في قلب بيتي وبتشتمي على ابني؟! ابني اللي يشاور بس بطرف صباعه تيجي مليون واحدة تحت رجله يتمنوا يبص لهم بصة بس."
"وأنا عشان في بيتك هاحترم ده ومش هرد على كلامك، دلوقت مش مستغربة أخلاق ابنك الزبالة لأنك أمه."
كانت كلمات زينب أثارت غضب الأخرى، صاحت وأشارت لها نحو باب المنزل:
"اطلعي بره بيتي، كتك داهية تاخدك وتاخد بنتك في ساعة واحدة."
غادرت الأخرى المنزل وبداخلها تشعر بلذة انتصارها على تلك الحيزبون منبع الشر التي أنجبت شيطان رجيم، ورث أخلاقه الوضيعة من والدته سليطة اللسان سيئة الخصال.
***
انتهت المحاضرة الآن، فخرجت كلتيهما.
نظرت إسراء إلى شاشة هاتفها وقالت:
"تعالي نستناهم عند محل العصير القصب اللي هناك ده، زمانهم جايين دلوقت."
ردت شمس وهي تسير بمحاذاتها:
"إسراء أنا نفسيتي تعبانة وقلبي مقبوض."
توقفت الأخرى عن السير والتفتت لها قائلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، مالك يا شمس فيكي إيه؟"
صمتت لثواني حتى بدأت بالتحدث:
"المفروض زي أي بنت رايحة تشتري حاجات جهازها أكون فرحانة ومبسوطة، بس أنا اللي جوايا عكس كده."
امتعضت ملامح صديقتها فتساءلت:
"ليه بتقولي كده، ده أنتي وآبيه خلاص فضلكم أيام وتتجوزوا والامتحانات وفاضل مادتين الحمد لله."
استندت شمس بظهرها على أقرب حائط لسياج يحاوط إحدى المزارع، فقالت:
"كل يوم بحلم بكوابيس مليانة تعابين وديابة بيخنقوا فيا وأفضل أصرخ لحد ما ألاقي طفلة شبه الملايكة تمد لي إيديها وتنجدني منهم."
اقتربت منها وربتت عليها بحنان وقالت:
"وحدي الله واستغفري، دي بالتأكيد من الشيطان عشان جو الامتحانات وكمان فرحك قرب والشيطان موته وسمه لما اتنين يتجمعوا في الحلال يفضل بكل الطرق يحوم حواليهم لحد ما يخربها ويفرقهم."
استعاذت بالله من الشيطان الرجيم في قرارة نفسها والتفتت إلى قدوم سيارة أجرة توقفت بالقرب منهما ثم ترجل أحمد منها يسألهما:
"إيه اللي موقفكم هنا يا بنات؟"
نظرت شقيقته إلى صديقتها ثم إليه وقالت:
"كانت مراجعة التاريخ طويلة جداً وشمس تعبت شوية فوقفنا هنا نستناك أنت وماما وطنط زينب."
"طيب تعالوا أدخلوا العربية واستنوا عقبال ما أجيب حاجة وراجع لكم."
ذهبت الفتاتان وولجا إلى داخل السيارة، بينما هو قام بشراء عصائر وحلويات كثيرة وجميعها ما تحبه وتشتهيه شمس.
فتح باب السيارة من جهة شمس وقدم لها الحقيبة مبتسماً:
"عايز الشنطة دي تخلص قبل ما نوصل المركز."
تناولتها منه بخجل قائلة:
"شكراً."
فقالت زينب والدتها:
"تعيش وتجيب ليها يا جوز بنتي."
وقالت إسراء بمزاح:
"الله، الله يعني شنطة حلويات وعصائر لخطيبتك وأختك الغلبانة ملهاش شكولاتاية واحدة؟!"
ضربها بخفة على مؤخرة رأسها بمزاح:
"وبالنسبة لأكياس الشيبسي والشيكولاتة والبيبسي اللي بجيبهم كل يوم وأصحى ما ألاقيش منهم حاجة، مين اللي بياكلهم؟!"
"أعمل إيه يا آبيه السهر والمذاكرة بيخلوني جعانة ديماً."
ردت والدتها بضحك:
"قصدك بيخلوكي مفجوعة ديماً."
وصل جميعهم إلى مركز المحافظة وهي مدينة كبيرة مزدحمة بالمحال والمجمعات التجارية الخاصة بكل لوازم ومفارش منزل العروس.
"تعالي يا أم شمس أوديكي عند الحاج راشد مجهزين من عنده بنت أختي ما شاء الله كل حاجته قطن من المحلة وحاجة حلوة خالص."
فأجاب أحمد:
"وأنا هاخد شمس عشان نحجز الكوافير والفستان والاستوديو."
وقبل أن يبتعد برفقها، أمسكته والدته من يده قائلة وكأن كارثة سوف تحدث:
"فستان إيه يا بني اللي عايز تروح معاها وهي بتحجزه؟"
نظر إلى والدته متعجباً فعقبت حماته بإيضاح له:
"مامتك قصدها يابني ما ينفعش تشوف فستان فرحها دلوقتي غير لما تطلع لك وهي عروسة من الكوافير وإلا يبقى فال وحش."
ضحكت إسراء قائلة:
"فال إيه يا طنط، دي كلها تخاريف ما تصدقيش الكلام ده، هو بس بيبقى مش مستحب لأن لما تكون مفاجأة بيبقى إحساس أحلى."
"بقولكم إيه ولا فال ولا مفاجأة أنا هاروح وأختاره معاها زي ما اخترنا كل حاجة مع بعض، ولا إيه يا شمس؟"
قالها بنبرة تتخللها الرومانسية ونظراته التي جعلت قلبها يخفق من الخجل، فأجابت:
"اللي تشوفه."
أثنى ذراعه لتضع كفها الرقيق على ساعده وقال:
"يلا بينا."
كادت إسراء تذهب معهما، لكن والدتها أوقفتها من ثيابها قائلة:
"تعالي هنا يا عزول، ما تسبيهم مع بعض يمكن عايز يقولها حاجة."
زفرت بحنق، وقالت لها السيدة زينب:
"عقبالك يا إسراء يا حبيبتي."
وفي متجر تأجير أثواب الزفاف تخرج من حجرة القياس مرتدية ثوباً في منتهى الرقي والجمال وكأنها حورية.
فكان أحمد مشغولاً في هاتفه وعندما طلعت بمظهرها الباهي رفع بصره إليها، اتسعت حدقتاه وغر فاهه ثم أطلق صفيرًا كدليل على إعجابه بأميرته الساحرة، ما زاد خجلها وتوردت وجنتيها أكثر.
همست له وهي تمسك بجانبي الثوب:
"حلو الفستان ده؟"
اقترب منها وهمس أمام وجهها:
"ده الفستان بقى أجمل وأنتي جواه، تبارك الله في جمالك يا شمسي."
وضعت كفها على فمها من الخجل الذي لا يفارقها، لتأتي الفتاة التي تعمل بالمتجر قاطعة لأجوائهم الوردية، قائلة:
"خلاص استقريتي يا عروسة على الفستان ده؟"
أومأت لها الأخرى وقالت:
"آه، إن شاء الله."
"أتفضلي غيريه عقبال ما أكتب لحضرتك فاتورة بالعربون، والإستلام هيبقى يوم الفرح الصبح إن شاء الله."
وهكذا انتهت من حجز ثوب الزفاف.
ثم ذهب كلاهما إلى الاستوديو ويليه مركز التجميل الشهير في تلك البلدة، وذلك في أجواء فرح وسعادة غمرت كل منهما.
لكن ما زال قلب شمس لم يبرحه القلق والخوف من شيء مجهول يترقبها، وربما تلك العيون التي تتبعهما على بعد عدة أمتار، تندلع بشرار نيران حقد وكراهية وانتقام ظالم بدون وجه حق!
رواية كاليندا الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء رفعت
رواية كاليندا الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء رفعت
بعد أن عاد إلى منزله، مكث في غرفته لينعم بالهدوء والراحة بعد شقاء عمل طوال النهار، يفكر في أيامه القادمة والتي يتحمل من أجلها أي تعب، يهون كل شيء في سبيل امتلاك شمسه.
أمسك بالهاتف وكعادته كل ليلة قبل النوم يفتح الملف الممتلئ بصورها وضحكتها الخجولة التي يعشقها، تنهد بحرارة وقال:
_ هانت يا شمسي، كلها أيام و تبقي في حضني اللي مش هاتفارقيه أبداً.
أراد أن يرسل لها كلمات بمناسبة عيد مولدها مع بعض كلمات الحب والغزل العفيف، ضغط على تفعيل خدمة الإنترنت من شبكة هاتفه وبمجرد أن اتصل بالإنترنت، صدح رنين رسالة واردة واسمها يعلوها، كانت الابتسامة تكسو ملامحه.
فتح محتوى الرسالة وجدها فيديو مُرسل، انتظر حتى اكتمل التحميل، وقبل أن يضغط لفتحه قرأ الرسالة النصية:
(أنا خليتها لا تنفعك ولا تنفع لغيرك يا عريس الغفلة)
انتفض وكأن لدغته أفعى، فتح الفيديو ليري محتواه، ضغط على وضع التكبير حتى يرى من تلك الفتاة ضحية هذا المغتصب الفاجر فوجدها هي!
***
صفعات يتبعها صرخات ومقاومة من يدين يتملك منها الوهن، يقابلها صياح شيطان لا يعرف الرحمة يعتدي عليها بكل وحشية، كانقضاض الضباع على غزالة شاردة في وسط غابة معتمة.
هكذا كانت تفاصيل الكابوس المخيف الملازم لها منذ الحادث، تستيقظ على صرخة دوى صداها في جدران المنزل، ركضت على إثرها والدتها لتطمئن عليها وتأخذها بين ذراعيها، تمسد على ظهرها وخصلاتها قائلة:
_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اهدئي يا حبيبتي ده كابوس وراح لحاله، ما تخافيش.
وأخذت تتلو عليها آية الكرسي وسورة الإخلاص والمعوذتين حتى هدأت وبدأت رجفة جسدها في السكون.
_ قومي يا شمس، قومي تعالي أغسلك وشك وهاروح أحضرلك هدوم عقبال ما تاخدي لك دش أكون حضرت لك الفطار.
أجابت شمس بصوت يخرج بصعوبة:
_ مش عايزة أكل.
_ ما ينفعش يا عين أمك، أنتي على لحم بطنك من امبارح، ولما لقيتك روحتِ في النوم قولت أسيبك براحتك يمكن ترتاحي.
بدأت الأخرى في وصلة بكاء جديدة بصوت ذي بحة:
_ أرتاح!، فين الراحة يا ماما، ما خلاص، خلاص.
عانقتها والدتها بقوة وقالت بحزم:
_ أقسم بالله لنجيب لك حقك وأفضحه وأفضح أهله، كفاية بقى بكى يابنتي، قومي أعملي اللي قولتل لك عليه وأتوضي وصلي، عايزة أشوف شمس بنتي القوية.
انسحبت من حضن والدتها ونظرت لها بعينيها الدامعتين ونظرات قلة حيلة وانكسار.
نهضت زينب وهي تكبت عبراتها، لا تريد البكاء أمامها حتى لا تزيدها حزناً وهمًا، وقبل أن تغادر الغرفة قامت بتشغيل المذياع على إذاعة القرآن الكريم، وفتحت جزء من النافذة الخشبية لتسمح بأشعة الشمس الساطعة بالدخول وتجديد هواء الغرفة ثم ذهبت.
***
_ يلا يابني اخرج، الفطار هيبرد، أنا عاملة لك الطعمية السخنة أم سمسم اللي أنت بتحبها.
قالتها سحر والدته، فأجابت إسراء عليها بعد أن خرجت من المرحاض تجفف وجهها بالمنشفة:
_ سبيه يا ماما، آبيه لسه نايم من شوية، وسألته لو عايز حاجة قالي ماحدش يصيحني.
عقدت حاجبيها بتعجب وقالت:
_ غريبة، أخوكي عمره ما سهر للفجر، ده بينام ويصحي يصليه وينام له شوية ويصحي يفطر ويروح على شغله.
_ مش عارفة بقى يا ماما، هو امبارح راح اطمن على شمس وقعد عندهم شوية ورجع دخل على أوضته، فضلت أخبط عليه عشان أطمن عليها منه بس ماردش عليا.
_ ليكونوا يا بت متخانقين؟، ولا حصل حاجة؟، لأ كده يبقى فيه حاجة، أنا هدخل أصحيه وأعرف فيه إيه.
وقبل أن تدخل غرفة ابنها سألتها:
_ يطمن على شمس ليه هي جرالها حاجة بعد الشر؟
أجابتها الأخرى:
_ اتأخرت في الدرس امبارح ومكنتش بترد على آبيه ولا مامتها وتليفونها فصل بعدها ولما آبيه جه من برة راح اطمن عليها وشوية ورجع كان متضايق ودخل أوضته وقفل على نفسه.
_ طيب أنا داخلاله، وأنتي روحي علقي على براد الشاي لأبوكي.
دَلفت سحر بهدوء إلى الداخل، وبمجرد دخولها استنشقت رائحة دخان سجائر والمنفضة على الكومود ممتلئة بأعقاب السجائر، شهقت واضعة كفها على صدرها:
_ رجعت للسجاير تاني!، عملت فيك بنت زينب عشان ترجع تدخن بعد ما بطلتها بقالك سنتين.
فتحت النوافذ وقامت بتشغيل المروحة لتطرد تلك الرائحة النفاذة، ثم أخذت تربت على كتفه:
_ اصحي يا أحمد، يلا عشان تفطر وتلحق تروح شغلك.
تقلب بتأفف قائلاً بصوت يغلبه النعاس:
_ سبيني أنام يا أمي، مش رايح الشغل.
ردت بإصرار وإلحاح:
_ طيب قوم قولي مالك، حصل حاجة ما بينك وبين شمس امبارح؟
وحين ذكرت اسمها لتصعقه ذاكرته بما جعل النوم يجافيه طوال الليل، وقد جن جنونه بدون سابق إنذار، نهض كالثور في عنفوانه:
_ مفيش حاجة، وسيبوني في حالي بقى، محدش يكلمني ولا عايز أشوف حد.
هرعت والدته بذعر واتجهت إلى الخارج من صياح نجلها وغضبه الذي ثار كالعاصفة الهوجاء، أخذ يلقي كل شيء في الحائط وعلى الأرض، مما أفزعهم جميعاً وذهبوا ليروا ما حل به، وما أن خطت أقدامهم باب الغرفة، صفقه في وجوههم.
صاحت والدته غاضبة:
_ بقي كده يا أحمد!، والله لهروح لها بنفسي وأشوف إيه اللي خلاك زي المجنون كده علينا.
رد عليها زوجها:
_ سيبيه يا سحر، لما هيهدى هيجي يحكي لك كل حاجة.
_ أنت ما شفتش منظره كان عامل إزاي، ده مش أحمد ابني، مليون في المئة البنت وأهلها عملوا فيه حاجة ولا نكدوا عليه.
أخبرتها ابنتها:
_ خليكي يا ماما، وأنا هاروح لشمس وأشوف إيه الحكاية، وإن شاء الله خير.
***
وفي منزل شمس، انتهت والدتها من إعداد الفطار وأخذت تنادي عليها، ثم ذهبت إلى غرفتها، فوجدتها تقيم فرضها وأنِين بكائها وصل لسمعها، فنظرت نحوها بأسى وحزن على حال ابنتها، انتبهت إلى رنين جرس المنزل، فقالت:
_ ومين اللي جاي الساعة دي.
فتحت الباب لتجدها إسراء:
_ صباح الخير يا طنط، شمس صاحية؟
ردت بابتسامة مصطنعة تخبئ ما يكسوهم من الحزن والهم:
_ صباح النور، ادخلي لها هي بتصلي في أوضتها.
ولجت إلى الداخل واتجهت إلى غرفة صديقتها فوجدتها ترفع يديها في وضع الدعاء وتبكي بشدة، تقول:
_ يارب، مليش غيرك يارب، يارب امنحني الصبر على هذا الابتلاء.
طرقت الباب الموارب:
_ شمس؟
ألتفت إليها وبمجرد أن رأتها أخذت تبكي، ركضت الأخرى نحوها وعانقتها وقلبها انتفض من رؤيتها في تلك الحالة البائسة.
_ مالك يا شمس؟، فيكي إيه يا حبيبتي؟، أنا جيت لك أتطمن عليكي وأشوف حصل إيه؟، آبيه زعلك في حاجة؟
اشتد بكاؤها وقالت كلماتها من بين شهيقها:
_ أحمد خلاص هايسيبني، مش هيطيق يبص في وشي تاني.
سألتها الأخرى بقلق وخوف:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه بتقولي كده؟
كادت تجيب لتقاطعها والدتها وتنظر لها بتحذير:
_ يلا يا شمس هاتي إسراء وتعالوا عشان تفطروا.
***
طرقت الباب إحدى جارات عائلة السفوري، فتحت لها شقيقة حمزة الصغيرة، فسألتها:
_ اندهي لي ماما يا حبيبتي، قولي لها أم عفاف عايزاكي.
أومأت لها الصغيرة وذهبت إلى الداخل لتبلغ والدتها التي كانت تصرخ وتوبخ شقيقها:
– أنت اتجننت يلاه، إزاي جالك قلب وتعمل فيها كده، ده لو أبوها ما عملش حاجة، ممكن خطيبها يقطعك حتت.
صاح الآخر:
– ولا يقدر يعملي حاجة وخصوصاً بعد ما بعتله فيديو وأنا بغتصب شمس.
تحدجه بأعين جاحظة وعدم استيعاب، ما هذا الجُرم والفُجر الذي وصل إليه ابنها.
أخذت تردد بنواح:
– يا خيبتك القوية يا هدى، ابنك على آخر الزمن هيخلي اللي يسوى وما يسواش يجيب في سيرتكم.
نظر إلى والدته بازدراء وقال معقباً:
– ده كل اللي همك؟!، سيرتكم!
دخلت الصغيرة إليهما لتخبر والدتها:
– ماما طنط أم عفاف عايزاكي بره.
رمقتها الأخرى بنظرة نارية وهمست:
– يا نهار أسود عليكم، زمان الولية سمعتنا ودي ما بيتبلش في بوقها فولة.
ركضت إلى الخارج لتلحق بها قبل أن يفتضح أمر ابنها، ولكن لم تجد أحد وباب المنزل مفتوحاً، يبدو إنها قد غادرت.
وبالخارج في الشوارع والطرقات، ارتفعت الهمهمات بين الناس وبدأ القيل والقال والخبر اندلع في القرية بأكملها كاندلاع النار في الهشيم، وكالعادة السيئة كل من يخبر الآخر يضع لمساته فوق الخبر حتى يزيد الطين بلة.
لم تنتظر الجارة أن يصل الخبر إلى عائلة أحمد كامل، أخذت تطرق الباب، حتى فتحت لها سحر:
_ خير يا أم عفاف، مالك بتخبطي كده ليه على الصبح؟
تلتفت السيدة من حولها لتتأكد أن لا يوجد أحد يراها لاسيما من منزل عائلة شمس، ولجت إلى الداخل لتخبرها:
_ عايزاكي في موضوع مهم أوي يا أم أحمد.
أغلقت الأخرى الباب وأشارت لها بالدخول في غرفة الاستقبال، وجلست هي والأخرى التي قالت:
_ بصي يا أم أحمد، أنتي حبيبتي وربنا يعلم معزتك أنتي وولادك في قلبي إزاي، حتى البت عفاف بنتي بتحبكم أوي.
تنهدت بضيق وقالت:
_ ما تقولي يا أم عفاف فيه إيه وغوشتي قلبي وأنا مش ناقصة، أنا واحدة مريضة ضغط وقلب.
اقتربت منها وأجابت كأنها تروي لها أسرار عسكرية خطيرة:
_ كنت لسه في بيت السفوري، عشان آخد من أم حمزة الجمعية، وسمعتها ماسكة في خناق الولد ابنها، وشكله عامل كارثة، كارثة إيه قولي مصيبة.
لوت ثغرها وربتت على صدغها بشكل تمثيلي ساخر، فأردفت:
_ ربنا يستر على ولادنا من الفضايح يارب.
صاحت الأخرى بعد أن نفذ صبرها:
_ ما تنجزي يا ولية واختصري، ما هو إيه الجديد في كده على طول ابنها جايب لهم المصايب.
_ ما أنا جايه لك في الكلام أهو، بس زي ما هقولك كده ده اللي حصل، الموضوع طلع إن الواد حمزة استغفر الله العظيم غلط مع البت شمس خطيبة ابنك.
نهضت سحر من مكانها وصاحت بغضب مستطير:
_ بتقولي إيه يا ولية يا خرفانة أنتي.
نهضت الأخرى وتراجعت قليلاً وتصنعت ملامح الوداعة على وجهها:
_ وحياة ولادي زي ما بقولك، وهي الست هاتتبلى على ابنها، ده صوتهم كان مجلجل حتى كانت بتقوله يا خربيتك ده خطيبها يقتلك فيها قام الولد بكل بجاحة، أنا مصـ…
صمتت حينما خرج أحمد من غرفته لا يرى أمامه ووقف أمامهما وعينيه الشرار يتطاير منهما، فانتفضت السيدة من مظهره الخوف وقالت:
_ فوتك بعافية بقى يا أم أحمد، لما أروح أفطر العيال وأبوهم.
قالت كلماتها وأطلقت ساقيها للريح.
حدجت سحر ابنها بصدمة أيقنت إنه قد سمع ما تفوهت به جارتها فقالت:
_ ما تاخدش على كلام الولية دي شكل…
قاطعه ابنها وعينيه بدأت بإسدال العبرات من القهر الذي يمتلك قلبه، وفي يده هاتفه أعطاها إياه لترى الفيديو المرسل إليه.
***
ما زالت إسراء برفقة شمس تستمع إليها بقلب مفطور على ما حدث لها، فقالت لها الأخرى:
_ أوعي يا شمس، أوعي تتنازلي عن حقك، الكلب ده لازم يتحبس ويتحاكم، أنا لو مكان القاضي هحكم عليه بالإعدام.
هزت الأخرى رأسها بيأس قائلة:
_ حتى لو اتعدم، هيفيد بإيه، دمر لي حياتي، قضى عليا، ده كان خلاص فرحي بعد أيام.
تذكرت إسراء حال شقيقها، فقالت بتردد:
_ هو أنتي كلمتي آبيه أحمد وحكيتي له اللي حصل؟
أومأت بالنفي وأجابت:
_ أحمد ما عرفش عنه حاجة من امبارح وعرفت إنه جالي بالليل وساب لي مع بابا هدية عيد ميلادي.
أخبرتها الأخرى:
– ربنا يستر، ده قافل على نفسه من وقت ما جه لحد ما أنا مشيت وجيت لك.
صاحت ببكاء:
_ يبقى بالتأكيد الحيوان باعت الفيديو زي ما قال.
عقدت الأخرى حاجبيها وسألت:
_ فيديو إيه؟
وقبل أن تجيب شمس صدح رنين هاتف إسراء، فقالت:
_ دي ماما، ربنا يستر.
أجابت:
_ ألو يا ماما؟
_ اخرجي من عندك حالاً وتعالي على البيت.
_ في إيه يا ماما؟
_ اسمعي الكلام زي ما بقولك، دقيقة وألاقيكي قدامي.
أغلقت سحر المكالمة، فتعجبت الأخرى من أسلوب حديث والدتها الفظ، ازدردت ريقها ورمقت صديقتها بخجل قائلة:
_ معلش يا شمس، ماما عايزاني ضروري عشان رايحين مشوار، وأنا هابقى أكلمك وأطمن عليكي.
ربتت صديقتها على يدها بشبه ابتسامة:
_ ولا يهمك يا حبيبتي، مجيتك ليا هونت عليا شوية، ربنا ما يحرمني منك أبداً.
عانقتها بقوة قائلة:
_ ويخليكي ليا، ولو في أي حاجة محتاجاها أنا جنبك، وما تقلقيش أنا هاتكلم مع آبيه وأفهمه اللي حصل ده لو عرف.
أرادت شمس أن تخبرها بأن لا نفع من ذلك فهي تعلم ما سيحدث، وإن زواجهما من المحال أن يكتمل خاصةً بعد رؤيته لمشهد الاعتداء عليها.
لا عجب في هذا، هذه عادات وتقاليد وأفكار أي رجل شرقي لا يقبل الزواج من فتاة تعرضت للاغتصاب إلا من رحم ربي.
***
يجلس السيد محمد في عمله شارداً وأمامه دفتر ورقي، يستند عليه برأسه يتملك منه الحزن، لم تغف جفونه منذ البارحة، ود لو أمسك نحر هذا الشيطان المدعو حمزة بين يديه وأزهق روحه، لكن دماثة أخلاقه تمنعه من ذلك، طالما اتسم بالطيبة والسماحة لا يحب الأذى سواء له أو الآخرين.
دلف إلى الغرفة إحدى زملائه والذي يقطن معه في قريته وبالطبع لن يفوته خبر اليوم.
_ صباح الخير يا محمد.
لم ينتبه إليه الآخر، فجذب الرجل كرسي وجلس بجواره قائلاً بصوت مرتفع:
_ يا عم محمد؟
انتفض الثاني في مكانه ونظر له وهموم الدنيا تتجمع في عينيه:
_ خير يا عامر، معلش غفلت شوية.
وقام بفرك عينيه، فأجاب الآخر:
_ أنا طلبت لنا اتنين قهوة، بس قولي فطرت ولا أجيب لك فطار؟
_ الحمد لله.
تحمحم قبل أن يبدأ ثم قال:
_ أنا عرفت باللي حصل.
أشاح وجهه للجهة الأخرى، تمنى لو أتى ملاك الموت وأزهق روحه، فأردف الآخر:
_ ما تقلقش يا محمد يا أخويا، كلنا عارفين أخلاقك وأخلاق بنتك وأنا كنت أتمنى ابني كان كبير وتبقي عروسته، بس زي ما أنت عارف أكبر عيل عندي في إعدادية.
زفر دون أن يتفوه بكلمة، فهو يكره إحساس الشفقة هذا ولن يقبل به.
_ أنا جاي أعرض عليك المساعدة وأقوم لك محامي وترفع قضية على ابن حماد السفوري اللي مش شايفين غير نفسهم ونازلين ظلم وافتري على الخلق.
قال محمد بقلة حيلة:
_ والمحامي ده عايز له مبلغ وقدره، وأنا كل اللي حيلتي على يديكم اشتريت بيه جهاز بنتي وعليا أقساط هافضل أدفع فيها لخمس سنين قدام.
ربت صاحبه عليه وقال:
_ عيب الكلام ده، أومال إحنا أصحاب وجيران إزاي!، وعايزك تطمن المحامي ده معرفة وسمعت إنه قريب جماعتك من بعيد، فبالحب والمعرفة ممكن نقسط له أتعابه وأنا هاتكفل بيها.
_ وقفتك معايا فوق راسي، بس معلش سامحني أنا مقدرش آخد حاجة مش هاقدر أسدها دلوقتي.
_ هاعتبر إني ما سمعتش كلامك، وشمس بنتي وإن كان على الفلوس اعتبره مبلغ وشايله عندك، وأنا تحت أمرك في أي حاجة، قولت إيه يا أخويا؟
تنهد الآخر وقال:
_ هأقول إيه، لله الأمر من قبل ومن بعد، تسلم يا عامر، وربنا يقدرني وأرد لك فلوسك وجميلك اللي عمري ما هنساه.
***
انتهت من أداء فرضها للتو، فولجت والدتها تحمل صينية الطعام.
_ بصي بقى، والله لو الأكل ده ماخلصش لساني ما هيخاطب لسانك، أنتي ما حطيتيش لقمة في جوفك من امبارح.
ردت شمس بسأم:
_ يا ماما مش قادرة، والله ما قادرة أكل، ولا هتخليني أكل غصب عني؟
تلألأت الدموع في عينيها، مما جعل والدتها تشعر بالضيق والغضب، فوضعت الصينية على المضجع وتركتها وغادرت لتضع الطعام لزوجها.
فقال محمد الذي يجلس ويحمل على كاهليه هموم الدنيا بأسرها:
_ حطي على قدك أنتي، أنا داخل أريح لي ساعتين.
صاحت زوجته بنفاذ صبر:
_ يعني بنتك مش عايزة تاكل ولا أنت، أروح أرمي الأكل يعني للفراخ والبط!
تركها وذهب إلى غرفة النوم قائلاً:
_ اعملي اللي تعمليه.
ولم يمهلها جرس المنزل أن تفرغ غضبها، صدح رنينه ففتحت الباب ووجدت سحر أمامها، الوجوم يعتلي ملامح وجهها الصارمة.
_ سلام عليكم يا أم شمس.
أجابت الأخرى وفي قلبها غصة:
_ وعليكم السلام يا أم أحمد، اتفضلي.
ولجت إلى الداخل وجلست وكأنها في مهمة رسمية يجب عليها الانتهاء منها على وجه السرعة.
سألتها بابتسامة تخبئ خلفها حزن مرير، تدرك سبب مجيئها:
_ تشربي إيه يا حبيبتي؟
أجابت بنبرة جدية ورسمية:
_ شكراً، مفيش داعي، أنا جايه لك في كلمتين وماشية على طول.
جلست زينب بهدوء في الكرسي المقابل لها:
_ خير يا أم أحمد؟
ارتسمت سحر ملامح الجمود وبكل قساوة ألقت كلماتها بدون اكتراث إلى أن ما يربطهما ليس النسب وفقط بل هما جيران منذ عقود ومن أصول واحدة وكل منهما يعلم كل شيء عن الآخر.
_ من غير ما ندخل في تفاصيل وأسباب وتجريحات ملهاش لازمة، كل شيء قسمة ونصيب!
رواية كاليندا الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء رفعت
يتناول متعلقاته دون اكتراث وهم بالمغادرة، فاستوقفته والدته قائلة له:
_ طيب عشان خاطري خد كُل الساندوتش ده ما ينفعش تروح شغلك علي لحم بطنك كده.
رمقها بصمت ولكن نظراته كانت حادة وتحذرها أن تكف عن محايلته، فتح الباب و أغلقه خلفه بقوة مما جعلها انتفضت وأردفت بامتعاض:
_ منهم لله اللي كانوا السبب.
و بالخارج يسير ويشعر وكأن العيون جميعها تترصده، لاسيما تلك الهمهمات التي وصلت إلي سمعه وبطرف بصره يلاحظ نظرات الشفقة من البعض والسخرية من البعض الآخر.
وصل إلي موقف السيارات ليستقل سيارة أجرة وقبل أن يدلف إلي الداخل تعالت ضحكات سخرية واستهزاء صادرة من مجموعة من الشباب يقول أحدهم:
_ أخس علي دي رجالة، أنا لو خطيبتي حصل معاها كده كنت جيبت الواد الـ… اللي عمل فيها كده ودبحته هو وعيلته ولايهمني، بس أمشي مرفوع راسي.
رد عليه آخر:
_ أنت أهبل، هو فيه حد عاقل يقف في وش عيلة السفوري، يا روح ما بعدك روح.
ألتفت لهم وعينيه يندلع منهما لهيباً حارقاً، فلم يشعر بحاله وهو يسرع خطاه نحوهم ويفاجئهم بتسديد اللكمات كوحش كاسر انكسرت قيوده فأنطلق علي أعدائه بضراوة.
تجمع الناس لفض هذا العراك، أبتعد احدهم وقد نال وجهه عدد لا بأس به من اللكمات، صاح بصوتٍ جهوري:
_ بدل ما جاي تتشطر علينا، روح أتشطر علي اللي علم عليك و خلاك لبانة في بوء أهل البلد.
وبخه إحدى الرجال قائلاً:
_ ما تلم نفسك ياض بدل ما أكمل عليك أنا ضرب.
_ يعني عاجبك يا حاج اللي عمله فينا؟
رمقه الرجل شزراً:
_ ما أنتم اللي ما بتحترموش نفسكم و عاملين تلقحوا بالكلام عليه، عايزينوا يعني ياخدكم بالأحضان؟!
ألتفت الرجل إلي أحمد مردفاً:
_ حقك عليا أنا يا أحمد يابني، دول عيال ناقصة ربايه وليا كلام مع أهاليهم.
لم يستطع الآخر بأن يرد، وبماذا سيجيب!، ربما لدي هؤلاء الحق فيما تفوهوا به، فهو بالفعل غير قادر علي مواجهة عائلة السفوري المعروف عنها بطشها وظلمها الذي سيقع علي كل من يقف في طريقهم أو تحديهم، فحماد السفوري صاحب سلاسل متاجر السفوري الكبرى في وسط المدينة له نفوذ وسيطرة حيث بإمكانه أن يؤذيه هو وعائلته دون أن يرف له جفن.
***
خرجت زينب من غرفة ابنتها متأففة وتحمل صينية الطعام التي لم ينقص من طعامها معلقة أرز واحدة.
_ شوف لك بقي يا محمد صرفه مع بنتك اللي رفعتلي ضغطي.
أجاب عليها بحزن وآسي:
_ ما تضغطيش عليها يا زينب، ناسيه لما خلتيها تاكل بالعافية جابت اللي في بطنها ووقعت من طولها، كان عجبك منظرها وقتها؟
زفرت بضيق وقالت:
_ يعني عاجبك أنت لما علقنا لها محاليل إمبارح و كنت سامع الدكتور بنفسك لازم تاكل وتتغذي عشان ما ندخلش في حوارات ومستشفيات وإحنا مش ناقصين، منها لله سحر العقربة هي وإبنها لولا معزة إسراء بنتها بعتبرها زي بنتي كنت قولت اللهي يتردلها فيها.
رمقها زوجها بامتعاض وضجر وذهب ليري ابنته، طرق الباب فأتاه صوتها الواهن من الداخل:
_ أتفضل.
ولج إليها وأرتسم علي شفتيه ابتسامة قائلاً:
_ شمسي الجميلة عامله إيه النهاردة؟
نهضت من فراشها وجلست باعتدال:
_ الحمدلله يا بابا.
جلس جوارها وحاوط ظهرها بذراعه وضمها إلي صدره بحنان ويده الأخرى تربت علي خصلاتها:
_ تعرفي يا شمس يوم ما أتصلوا بيا في الشغل وقالوا لي ألحق مراتك جالها الطلق و بتولد، قبلها كنت نايم علي المكتب وحلمت حلم جميل، حلمت إن فيه راجل وشه كله نور لدرجة ماقدرتش أشوف ملامحه شايل علي إيديه طفلة زي الملاك بيقولي مبروك ما جالك يا أبو شمس.
ابتسمت رغماً عنها وقالت كأنها تعلم تلك القصة من قبل:
_ عشان كده سمتني شمس.
قام بتقبيل رأسها وأجاب:
_ اسم علي مسمي، أنتي شمس، شمسي اللي منورة حياتي، و بنتي وقلبي هدية ربنا رزقني بيها و تاني يوم من ولادتك لاقيتهم منزلين ليا مكافئة و أترقيت درجة، ده غير لما جيتي أتخطبتي وجيت أجهزك لاقيت ولاد حلال كتير وقفوا معايا في الأقساط، فيه اللي خلالي القسط قليل، وفيه منهم اللي مارضاش ياخد ولا مقدمة ولا زيادة وياخد القسط بنفس تمن الحاجة، ربنا بيرزقني برزقك لدرجة جيت في مرة مع نفسي أستغفر الله العظيم قولت البنت دي لو أتجوزت هاتبعد عني والرزق ده هيبعد معاها، ولما أستوعبت كلامي أستغفرت ربنا لأن طول ما بستغفره وظني بيه خير هايرزقني من غير حساب، وهايكون معايا في كل محنة.
أغمضت عينيها وأرتمت بجذعها بين ذراعيه تستمد منه شعور الأمان التي تفتقده حالياً:
_ ربنا يخليك ليا يا بابا وما يحرمنيش من حضنك أبداً.
امتلأت عيناه بالدموع وهو يجيب عليها ويشد من عناقها:
_ ويبارك لي فيكي يا شمس حياة أبوكي، يلا بقي عشان أنا ما فطرتش ولا أتغديت وقولت مش هاكل غير مع شمسي هي اللي بتفتح نفسي للأكل، ها، هتاكلي معايا ولا هاتخرجيني من الأوضة أقعد أبرطم زي أمك.
ضحكت وقالت:
_ لاء طبعاً، هاكل معاك.
_ طيب قومي حضري لنا صينية أكل كده علي ذوقك عقبال ما أروح أتوضى وأصلي العصر.
***
_ ليه كده يا ماما، حرام عليكي.
صاحت بها إسراء، فأجابت والدتها بغضب:
_ حُرمت عليكي عشتك، يعني كنتي عايزة أخوكي يتجوزها بعد عملة ابن السفوري فيها!
_ وأديكي شوفتي بعينيكي كان مغمي عليها والحيوان التاني كان بيعتدي عليها، يعني مش ذنبها.
أجابت بنفس وتيرة غضبها:
_ و ذنب أخوكي إيه ياخد واحدة سيرتها بقت علي كل لسان، بصي بقي يابت أنتي عشان قلبي واجعني من كتر الكلام حسك عينك أشوفك بتتكلمي معاها ولا حتي تسألي عنها، أنسيها خالص، الواحدة فينا عايشه بسمعتها وشرفها و هي خلاص لا سمعة ولا حتي شرف، ولا يعجبك لما أخوكي يكمل معاها ويفضل يتعاير باللي حصلها؟
أتسعت عينان ابنتها بصدمة من والدتها:
_ أنا بجد مصدومه فيكي و لولا إنك أمي كنت قولت لك كلام مش هيعجبك.
صاحت الأخرى بها:
_ أقسم بربي يا إسراء لو ما مشيتي وغورتي من وشي دلوقت لأديكي حتة علقة زي زمان وما هيحوشني عنك حد.
ولج كامل من باب المنزل قائلاً:
_ في إيه صوتكم جايب لآخر البلد؟
_ تعالي شوف بنتك اللي واقفه لي كأني عدوتها وبتعلي صوتها عليا وقال إيه عايزه تطول لسانها كمان.
زجرها والدها بنظرة مُخيفة وأمرها:
_ تعالي وطي علي إيد أمك وبوسيها وأتأسفي لها.
نظرت لأسفل بخجل وقالت:
_ يا بابا والله ما أقصد كل اللي ماما قالتهولك، أنا بس كنت بلومها علي مروحها عند شمس واللي قالته لمامتها، الموضوع ده يقرره آبيه أحمد.
صاح والدها:
_ وأمك أتصرفت صح، أخوكي الله يكون في عونه أول يوم يخرج بره النهاردة ولو سمع ربع اللي بسمعه من الناس مش هيخرج من أوضته، فاللي عملته أمك أحسن ليه، وبكره يا سحر تروحي لمجيدة أختي ولمحي لها إن إحنا عايزين مروة لأحمد.
غرت إسراء فاها واتسعت عيناها من قرارات والديها الظالمة لصديقتها وإنهاء حب شقيقها الوحيد، أجابت سحر:
_ عين العقل يا حاج، من النجمة هاروح أشتري لها زيارة و أروح لها بيها، وأنتي يا مقصوفة الرقبة أبقي نامي بدري عشان هاتروحي معايا.
رمقتها ابنتها من أسفل لأعلي دون أن تتفوه لكن نظراتها تعبر عن كل السخط الذي بداخلها، أطلقت زفرة بتأفف ودلفت إلي غرفتها ثم أوصدت الباب في وجههم.
***
تحمل زينب صينية صغيرة يعلوها كوبان من الشاي وضعتها أعلي الطاولة أمام زوجها وكادت تذهب لتكمل أعمالها المنزلية، فأوقفها قائلاً:
_ تعالي أقعدي يا زينب عايزك في كلمة.
جلست علي كرسي مجاور له وسألته:
_ خير يا محمد؟
أخرج من جيبه ظرف ورقي كبير و وضعه علي الطاولة، نظرت له و سألته:
_ إيه ده؟
أجاب:
_ فلوس، أدهالي صاحبي اللي قولت لك عليه عشان أروح أقوم محامي وأرفع قضية.
شحب وجهها وسألته بتردد:
_ أنت خلاص، قررت ترفع قضية؟
أجاب بتعجب من ردة فعلها:
_ أومال عايزاني أخد حق بنتي إزاي؟ ، أروح أقتل الواد وأدخل السجن وأسيبك أنتي وهي تتشردوا غير اللي ممكن يعملوه فيكم؟
_ لاء، مش قصدي بس لما جيت فكرت، قضية يعني كل الدنيا هاتعرف.
أجاب عليها بنبرة حادة:
_ علي أساس إن البلد كلها معرفتش!، أوعي يكون حد لعب في دماغك وخوفك منهم، ولا حد هددك تبعهم؟
_ أبداً والله، بس أديك شايف البت لسه خطوبتها متفشكله و نفسية بنتك اللي في النازل.
_ ما هو عشان كده هاعمل اللي قولت لك عليه، يمكن لما يتسجن الكلب ابن حماد، بنتك تبقي أحسن و أخليها تمشي في الشارع مرفوعة راسها بدل الكسرة اللي في عيونها كل ما أبص لها.
تنهدت بقلة حيلة ثم قالت:
_ كان مستخبي لينا فين ده ياربي!، طول عمرنا في حالنا وقافلين بابنا علينا ولا لينا في شر ولا في آذيه.
_ أستغفري ربنا يا زينب وأدعي له يفك كربنا بدل ما عماله تنوحي زي غراب البين كده.
نهضت بحنق:
_ أخس عليك يا محمد، أنا غراب!، ربنا يسامحك.
_ ربنا يسامحنا جميعاً، أنا هاقوم أريح لي ساعة وبعدها هاروح للمحامي وهاشوف المطلوب إيه.
أوقفته قائلة:
_ طيب ماتصبر شويه كده عقبال بس البت نفسيتها تتحسن شويه، ما بالتأكيد المحامي هيطلب إنها تيجي معاك وتحكي له كل حاجة.
صمت وهو يفكر في الأمر ليجد لديها حق فقال:
_ أنا عندي فكرة، جهزي لها شنطة هدوم صغيرة كده هاخدها ونسافر بكرة عند أخواتي تقعد عند أخويا أهي تغير جو ونفسيتها تهدي وبعدها نروح مشوار المحامي.
رمقته بتهكم وقالت:
_ وتفتكر بنتك نفسيتها هتهدي عند شوقية مرات أخوك؟
_ ومالها مرات أخويا يا أم شمس، لسه برضو شايلة منها، ما خلاص ده كان شيطان وراح لحاله والست اعتذرت لك وحبت علي راسك، مفيش داعي نقلب اللي فات وياستي بنتك هتقعد مع بنت عمها يسلوا بعض ولو في أي حاجه هاروح هاخدها علي طول.
زمت شفتيها جانباً بسخط مُعقبة:
_ أعمل اللي أنت شايفه، بس والله لو بنتي حد قرب منها بأذي لتكون أنت المسئول قدامي وهانسي إن ليك أخوات.
وبدون أن يصيح أو يصب جام غضبه عليها، رمقها بنظرة نارية ثم تركها وذهب إلي غرفة النوم.
***
ما زالت تمكث في غرفتها، تجلس أمام المرآه تتأمل ملامحها التي تذبل مثل الزهرة المتروكة بلا ماء أو عناية، بدأت الهالات السوداء تحيط ذهبتيها التي انطفأت من كثرة البكاء.
تفكر فيما حدث وما يحدث لها، وأكثر ما يصدمها موقف الرجل الوحيد الذي أمتلك قلبها وكانت أيام معدودات وسيصبح مالكها قلباً وقالباً، لكن القدر قد آبي إن يحدث هذا، و الذي يشغل ذهنها لما لا يأتي بنفسه ويقول لها بذاته ما تفوهت به والدته، هل أصبحت إلي هذا الحد شرذمة يخشي أن يقترب منها!، أين الحب الذي كان يتلو عليها كلماته أينما يتحدث معها أو يراها!، أين تلك الوعود الذي ألقاها علي مسامعها منذ أن تمت خطبتهما.
نهضت من أمام المرآه ودقات قلبها تسابق عقارب الثواني في سرعتها وفي عقلها سؤال واحد، هل الانفصال رغبته هو أم هي رغبة والدته ذات الطباع الحادة؟
لم تشعر بنفسها وهي تمسك بالهاتف الذي أشتراه لها والدها بدلاً من هاتفها الذي فقدته في الحادث، وبرغم خلوه من الأرقام لكن ما زالت ذاكرتها الفولاذية تحتفظ برقم هاتفه، وبعد أن نقرت علي الاثني عشر رقماً تراجعت عن الإتصال، أدركها الخوف وعقلها يصرخ عليها بأن تكف عن تلك المحاولة الحمقاء، بينما قلبها ليريح رغبته المُلحة أتاها بفكرة أفضل وهي إرسال رسالة نصية محتواها( أنا عارفة إن كل اللي ما بينا أنتهي بس ممكن أعرف حاجة واحدة بس و أوعدك من بعدها مش هاتشوفني ولا هاتسمع صوتي تانى، أنت فسخت الخطوبة ولا ده ضغط عليك من أهلك؟وآسفة علي الإزعاجشمس)
ضغطت إرسال قبل أن ترضخ لعقلها الذي ينهرها وتتراجع عن فعل ذلك.
بينما هو كان يجلس شارداً أمام الخزينة الإلكترونية، ويقف أمامه مشتري يقول له:
_ يا كابتن، يا كابتن.
جاء زميله في العمل يلكزه في ذراعه لتنبيهه:
_ رد علي الأستاذ يا أحمد.
أنتبه له وأعتدل في جلسته وقال معتذراً:
_ معلش يا فندم.
أخذ المشتريات ليضع كل سلعة علي جهاز البار كود ويظهر له علي شاشة الحاسوب إجمالي أسعار كل ما أشتراه الرجل فقال:
_ 350جنيه يا فندم.
أعطي الرجل إليه المبلغ ثم حمل الأكياس المطبوع عليها اسم وشعار المتجر فذهب، لم تمر ثوان وجاء إليه إحدى العاملين قائلاً :
_ أحمد، مستر عصام عايزك في مكتبه.
نهض أحمد وذهب إلي مكتب مديره، طرق الباب ثم ولج إلي الداخل، فوجده ينتظره وملامحه ينبلج عليها الانزعاج من رؤية ما حدث وقام بمشاهدته في شاشة المراقبة.
_ تحت أمرك يا مستر عصام.
_ الأمر لله يا أحمد، أنا ندهت لك عشان أقولك لو أنت مش قادر علي الشغل قولي وأنا أديلك أجازة بس هاتكون مخصومة من مرتبك.
أجاب بإحراج:
_ لاء يا فندم، مش محتاج أجازات، أنا بس اليومين اللي فاتو كان عندي ظروف وبلغت حضرتك وقتها.
زفر عصام وهو ينظر له لثواني وقال بلهجة تحذير:
_ طيب ياريت تاخد بالك من الزباين وتبطل سرحان، أنا المرة دي نبهتك، اللي جاية هاتبقي بجزاء وأظن أنت خلاص كلها أيام وهاتبقي عريس يعني محتاج لكل قرش مش يتخصم لك!، تمام يا أحمد؟
أومأ له الآخر وقال:
_ تمام يا فندم.
أشار له بأن يذهب:
_ أتفضل علي شغلك.
ذهب وبداخله يختنق يريد الصراخ بكل طاقته، أسرع نحو المرحاض ودخل يفتح الصنبور ويهبط برأسه أسفله، فغمر الماء شعره بالكامل، أعتدل و وقف ينظر لانعكاسه في المرآه وبكل قوته ضرب بقبضته الحائط المجاور لها وصدره يرتفع ويهبط حتي كادت ضلوعه تخرج من مكانها.
أوقفه صوت صدح من هاتفه يعلن عن رسالة واردة، أخرج هاتفه وقرأ محتواها، أتسعت عينيه وأنتفض كأن مسه تيار كهربائي، تعالت أنفاسه، أستند علي الحائط بظهره، ودون أن يفكر لوهلة قام بالاتصال علي رقم صاحبة الرسالة.
انتهت من أداء فرضها ليفاجئها رنين هاتفها، خفق قلبها بشدة قبل أن تري من المتصل، وعندما أمسكت به ورأت الرقم، إعتراها الخوف من المواجهة، تخشي أن تسمع صوته، ألقت الهاتف علي الفراش حتي أنتهي من الرنين.
تنفست الصعداء لكن هيهات و صدح الرنين مرة أخري، أمسكته بحذر ونقرت علي علامة الإجابة، وضعته علي أذنها في صمت، فأتاها صوته بنبرة حادة:
_ أنا عايز أقابلك ضروري!
***
في منزل السفوري، يتجمعون حول مائدة الطعام، سأل حماد زوجته:
_ أومال فين ابنك الصايع؟
أجابت هدي بعدما ابتلعت ما بفمها:
_ ها يكون فين يعني، ها تلاقيه واقف مع زمايله.
ضرب المائدة بقبضة قوية وصاح بغضب:
_ مش قولت إن ابن الـ… ده مايعتبش بره باب البيت لحد ما نشوف حل في المصيبة السودة اللي هببها.
_ فيه إيه يا حماد، هو بت عشان أحبسه!، وعارفين إنه عامل مصيبه هانعملهم إيه يعني.
_ أهو دلعك للمحروس ابنك ده هو اللي وصله للي هو فيه، كان نفسي يبقي راجل وعاقل يبقي سندي اللي هايشيل عني المسئولية، بس إزاي وأنتي وراه، بتداري عليه في كل مصيبه و بتشجعيه بدل ما تقفي له وتديه بالجذمة عشان يعقل.
نهضت وصاحت بحنق:
_ ليه هو أنا اللي روحت لأهل الواد اللي خبطه ابنك بالموتسيكل لما كان سكران، والواد مات فروحت دفعت لأهله ديه، ومن وقتها وابنك في دماغه مهما عمل مصايب وبلاوي وراه أب بيدفع ويحوش عنه.
_ أومال كنتي عايزاني أسلمه للبوليس بأيدي!، و يكون في علمك لما يرجع إبنك من بره خليه يعمل حسابه إنه هيسافر ويقعد في شقة إسكندرية ويبعد عن البلد لحد ما نشوف محمد هو وبنته ناويين علي إيه.
فتح باب المنزل بالمفتاح خاصته قائلاً:
_ وأنا مش هسافر ولا أهرب كأني عامل عملة وخايف.
صاح والده به:
_ لاء عامل يا حيلة أمك، ومش أي عمله أنت أغتصبت، دي جناية خصوصاً إنك معدي السن القانوني، ومش هاستني لما ألاقي البوليس يدخل بيتي ويجي ياخدك ولا حد يتعرض لك بأذي.
_ ولا حد يقدر يتعرض لي، ده أنا كنت دفنت اللي يفكر يقرب لي مكانه.
_ هو ده اللي فالح فيه، بلطجة ووساخة عيني عينك، وأنا أغرم دم قلبي من ورا بلاويك، ياريتني ما خلفتك يا أخي.
ألقي بالمحرمة علي المائدة وأردف:
_ خلفة عار.
ثم ذهب إلي الداخل، فاقتربت هدي من نجلها و ربتت تحميل عليه:
_ ملكش دعوة بكلامه أنت عارف أبوك لما الجنونة بتجيله، روح أغسل إيدك وتعالي كُل عملالك الأكل اللي بتحبه.
أبعد يدها وقال:
_ مش عايز أطفح.
و توجه إلي باب المنزل مرة أخري، صاحت والدته:
_ رايح فين يا ولاه؟
أجاب بتهكم و سخط:
_ رايح في داهية، يمكن جوزك يرتاح مني.
***
و في إحدى الحدائق العامة في المدينة، يربت محمد علي يد ابنته التي قالت:
_ تعالي نروح يا بابا، إيه اللي خلاك توافق إني أقابله؟
أجاب والدها:
_ عشان كان لازم تقابليه وتواجهيه وتسمعيها منه وده يرتاح.
أشار لها لدي موضع قلبها، أثرت الصمت وتمسكت بيده كأنها تستمد منه القوة التي تحاول أن ترسمها علي ملامح وجهها الشاحب.
أقبل عليهما ليجدهما في إنتظاره، فكان مُرتدياً نظارة شمسية ليخفي خلفها نظرات الحزن والإنكسار، توقف لدي الطاولة وقال:
_ سلام عليكم يا عم محمد.
و مد يده ليصافحه الآخر مجيباً السلام:
_ وعليكم السلام يا أحمد.
سحب كرسي وجلس يسألهما:
_ تشربوا إيه؟
أجاب الأخر:
_ شكراً يا بني، أنا طلبت لنا وليك عصير ليمون.
كانت شمس تنظر نحو مياه النيل تتفادي النظر إليه، تنهد والدها و قال لكسر توتر الأجواء:
_ بص يا أحمد يابني، أنا كان بإمكاني أرفض المقابلة دي، لكن راحة بنتي عندي أهم حاجة، أنا هاسيبكم تتكلموا علي راحتكم عشان دي هاتكون أخر مرة تشوفها.
نهض وقبل أن يبتعد ربت علي يد ابنته فشعر برجفة وبرودة أناملها، أنحني بالقرب من سمعها:
_ أطمني أنا هاقعد في الطرابيزة اللي وراكي، خليكي قوية.
أعتدل وذهب ليجلس علي مقربة منهما، جاء النادل و وضع أمامهما كأسين من عصير الليمون ثم ذهب إلي محمد بعدما أشار له ليعطيه الكأس الثالثة.
و بعد أن هربت الكلمات من لسانه، تنفس بعمق وأطلق زفرة حتي بدأ يتحدث:
_ عامله إيه؟
رمقته بتعجب وكأن نبت له رأس آخر، فأدركت إنه لم يجد كلمات يتفوه بها، أجابت بسخرية:
_ أسعد واحدة في العالم.
أنتبه لسخريتها من سؤاله فتنهد بنفاذ صبر وقال:
_ أنا عارف اللي بتمري بيه، وإيه اللي بتفكري فيه خصوصاً من ناحيتي، بس أحب أقولك أنا حالي أصعب منك، حطي نفسك في مكاني و أقلبي اللي حصل.
_ أصعب مني؟!، ده علي أساس أنت حصلك اللي حصلي!، أتبهدلت زيي؟!، سيرتك علي كل لسان اللي يسوي و اللي مايسواش؟!
انتهت كلماتها بصيحه، فأمسك بيدها ليسكتها قائلاً:
_ وطي صوتك وأهدي.
جذبت يدها ورمقته شزراً وقالت إليه بتحذير:
_ إياك إيدك تلمس إيدي تاني.
أومأ له وقال:
_ مكنتش أقصد.
_ طيب ياريت تنجز وتقولي كنت عايز تقابلني ليه؟
أبتسم بألم ثم أجاب:
_ عشان أجاوبك علي رسالتك، أنا عارف إن ماما أسلوبها حاد وبالتأكيد عكت الدنيا مع مامتك.
قالت بنبرة هجوم مباغت:
_ مامتك مش هتتكلم كده غير لما تكون واثقة إن دي رغبتك، من أمتي وأنت بتمشي بكلامها!، من غير ماتبرر خلاص عرفت الإجابة، بس ده اسمها عندي ندالة.
قال باستنكار وتحذير:
_ أنا مش ندل يا شمس، و بقولها لك للمرة التانية حطي نفسك مكاني، في كل خطوة أسمع فيها غمز ولمز ونظرات شفقة وتريئة من عيون الناس، أنا كان بإمكاني أروح أمسك الحيوان اللي عامل فيكي كده وأخنقه بإيدي، بس وبعدين، قوليلي هانقدر نكمل في وسط الناس إزاي، ومش هاقدر أستحمل نظراتهم ولو حد أتكلم مش هابطل خناق وضرب في ده وده ونقضيها محاضر، مش هاقدر لو أتجوزنا وكل ما أجي ألمسك أفتكـ…
صمت ليزدرد لعابه، فقالت بصوت مختنق:
_ ما تكمل، قول.
نهضت ورفعت رأسها بشموخ وقالت بنبرة مليئة بالقوة وكبرياء أنثي:
_ أنا بقي اللي بقولها لك، عارف يا أحمد حتي لو كنت هاتكمل معايا، أنا مكنتش هاكمل معاك وكنت بعت أمي ليكم بالشبكة وكل حاجة جبتهالي، عارف ليه لأن كنت منتظرة اللي ياخدلي حقي ويدافع عني مش بابا، كنت منتظره اللي المفروض هابقي مراته وعرضه وشرفه هو اللي ياخد لي حقي، مش يروح يدفن راسه في الرمل زي النعامة و خايف من كلام الناس!، أنت ضعيف وجبان وبحمد ربنا أن اللي حصلي ده كشفك علي حقيقتك أحسن ما كنت علي ذمتك وحصل اللي حصلي وقتها كان كبيرك تطلقني، يا خسارة يا أحمد، كنت في نظري حاجة تانية خالص، بس فعلاً وقت الشدة الكل بيبان علي أصله، روح ربنا يسهلك و يديك علي قد نيتك.
تركته في صدمة من كلماتها وذهبت إلي والدها وقالت:
_ يلا يا بابا نمشي من هنا.
أذعن والدها لرغبتها بعدما رمق أحمد بأسف وخيبة، ثم غادر برفقة ابنته.
_ وبعد وصولهما إلي المنزل، استقبلتهما والدتها بلهفة:
_ عملتوا إيه؟
كاد يجيب عليها فقاطعه صوت ارتطام قوي، فوجدوا ابنتهما وقعت أمام غرفتها مغشي عليها.
رواية كاليندا الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء رفعت
في مركز الوحدة الصحية التابعة للقرية، تتمدد أعلى التخت وعيناها تحدق في السقف. تقف الممرضة على يمينها تعلق كيس المحلول على العمود المعدني، وعلى الجهة الأخرى يتابع الطبيب ضغط الدم عبر الجهاز اليدوي قائلاً:
_ كده تمام، وشوية بعد ما تخلص المحاليل هيبقي الضغط مظبوط. ها يا شمس حاسة بإيه دلوقتي؟
تحركت مقلتاها نحوه بدون أن تتحدث، ثم عادت لوضع التحديق في السقف مرة أخرى.
_ طب أنا رايح أكمل الكشوفات اللي عندي بسرعة وراجعلك تاني.
خرج الطبيب من الغرفة الصغيرة. سألته زينب بقلق وخوف على ابنتها:
_ بنتي مالها يا دكتور؟
أجاب بهدوء وطمأنينة:
_ أطمني يا مدام، بنتك كويسة الحمدلله. كل الحكاية ضغطها نزل شوية، وطبعاً واضح إنها مبتاكلش فقلب معاها بهبوط. والحمدلله بعد ما علقنا لها المحاليل فاقت، لكن شكلها مش حابة تتكلم. وده نتيجة ضغوط نفسية وعصبية. فياريت بعد ما تقوم بالسلامة تودوها لدكتور نفسية.
شهقت والدتها بضجر:
_ بعد الشر يا دكتور، ليه هو أنا بنتي مجنونة؟
ابتسم رغماً عنه من بساطة تلك المرأة، فأوضح لها:
_ أنا مقولتش توديها مستشفي أمراض نفسية، أنا بقولكم خليها تزور دكتور نفسية بيقعد معاها كذا جلسة يرجعها لكم أحسن من الأول.
تدخل محمد قائلاً:
_ أنا فاهم قصد حضرتك يا دكتور، بس ما تأخذنيش الوضع والظروف اللي إحنا فيها مش هتنفع لزيارات لدكتور نفسي، بس ممكن نغير لها الجو اللي عايشه فيه.
أومأ له الطبيب مرحباً:
_ ياريت، يبقي أفضل، بس أهم حاجة الراحة النفسية وتبعد عن أي حاجة تضيقها، لأن التعب اللي عندها ده نفسي أكتر ماهو عضوي. ولو محتاجين أي مساعدة أنا في الخدمة.
_ تسلم يا دكتور، ربنا يوفقك.
فأجاب الآخر:
_ العفو، عن أذنكم.
ولج كلاهما إلى ابنتهما المنفصلة عن الواقع. جلست زينب بجوارها:
_ شمس، أنتي كويسة يا ضنايا؟
أمسك محمد يدها وعانقها بين كفيه:
_ شمس حياتي، يلا بقي عايزك ترجعي البنت القوية، وهخليكي تغيري جو البلد خالص، وهاخدك عند رحاب بنت عمك، مش كان نفسك تشوفيها؟
رمقته زوجته بامتعاض، فهو يعلم ماهية تلك النظرة. كيف تجد ابنتك راحتها في بيت عمها وزوجته التي تشبهها دائماً بالحية في دهائها وخبثها، لا تحب الخير لأحد بت، وخاصة زوجات أشقاء زوجها.
بادلها بنظرة حاسمة وقال:
_ عموماً، أنا كلمت أخويا وقالي بيتي مفتوح في أي وقت وفرح جامد.
تفوهت زينب دون أن تدرك فداحة سؤالها الأحمق:
_ وياتري قولتله إيه سبب الزيارة والمفروض كلهم عارفين إنها كانت هاتتجوز بعد أسبوع؟
زفر بضيق من حماقتها المتسرعة، فأجاب:
_ قولتله محصلش نصيب، عادي يا زينب، دول بيبقو في يوم الفرح وبتحصل مشكلة تافهة وكل واحد بيروح لحاله. وبنتنا لسه صغيرة. أنا بس اللي أستعجلت لما وافقت علي موضوع الخطوبة والجواز، ياريتني كنت أستنيت لحد ما تخلص تعليمها زي ما أهل المدينة بيعملوا.
_ الحمدلله جت علي قد كدة، أنا أهم حاجة عندي بنتي تبقي كويسة. وبكررها لك يا محمد، أنا هاسيبك تنفذ اللي في راسك وتوديها عند أخوك، بس والله لو بنتي حد جرحها بنظرة بس هناك لأسافر لهم أنا بنفسي ولا يهمني أنهم أخواتك ولا أهلك.
_ عشان ساعتها أرمي عليكي اليمين.
قالها بتحدي، فاتسعت عينيها بصدمة. لم يدع لها مجال الرد، فغادر الغرفة حتى يستنشق الهواء ويكظم غضبه الذي لو أطلقه سيحدث ما لا يحمد عقباه.
***
_ علي جمب ياسطا الله يخليك.
قالتها سحر لسائق سيارة الأجرة الذي ترجل لمساعدتها هي وابنتها إسراء في نزول الحقائب المحملة من كل جميع أنواع الفواكه والخضار واللحوم.
وبعد أن أفرغ سيارته من الحقائب سألها:
_ تؤمري بحاجة تانية يا خالتو أم أحمد؟
أجابت وهي تخرج أوراق من المال من حقيبة نقودها:
_ ما يأمرش عليك ظالم يابني، تسلم يا حبيبي، أتفضل.
وضع يده على صدره وقال بحسم:
_ وربنا أبداً، يا خالتي، ده أنتي في مقام أمي وأحمد أخويا، عيب كده.
_ يابني دي لقمة عيشك، وأنا ما يرضنيش كفاية تعبناك و خليناك تلف معانا من الصبح عقبال ما أشترينا الحاجات.
_ أبداً، يا خالتي، ولا تعب ولا حاجة.
قالها مبتسماً، وعينيه لا تفارق إسراء الشاردة في الفراغ مقطبة حاجبيها.
وبعد الشكر والسلام، طرقت باب المنزل، فتحت لها مجيدة الباب بترحاب وحبور:
_ يا مرحب، يامرحب، بت يا مروة تعالي شيلي عن مرات خالك يابت.
ركضت مروة تلك الفتاة ذات التاسعة عشر عاماً، إلى زوجة خالها وقامت بمساعدتها في إدخال الحقائب، وتبادل القبلات والعناق وقدمت إليهم مجيدة كل ما لذ وطاب في وجبة فطور شهية و يعقبها مشروب الشاي الساخن ويتبعه الفاكهة والتسالي.
_ تسلم إيدك يا مجيدة ياختي.
قالتها سحر، فأجابت الأخرى بسعادة بالغة:
_ دي حاجة بسيطة يا أم أحمد، ويجي إيه في اللي محملاه مكنش ليه لزوم، إحنا أهل مش أغراب.
_ ده عشان الغالية مروة، تاكل وتتهني، وبعدين ده كله من خير أخوكي.
_ ربنا يخليه ويبارك لنا فيه.
_ يارب، بصي بقي إحنا أكلنا وشربنا الشاي وحلينا، نيجي بقي للكلام المهم واللي جايلك مخصوص عشانه.
نظرت مجيدة إلى ابنتها التي كاد يخرج من جانبيها جناحان من فرط السعادة، لتوبخها والدتها أمام زوجة خالها وابنتها:
_ شوفي البت اللي معندهاش دم، خشي جوه يا بت.
_ فيه إيه يا مجيدة، بتزعقي لها ليه خليها قاعدة، تعالي أقعدي جاري يا مروة.
نظرت الأخرى إلى والدتها تنتظر الإذن، فرمقتها الأخرى بتوعد وقالت من بين أسنانها:
_ قومي فزي، اسمعي كلام مرات خالك.
نهضت وذهب لتجلس بجوارها، ربتت سحر على فخذها وقالت:
_ ده أنا هابقي أمها التانية إن شاء الله.
ابتسمت مروة بخجل، فقالت والدتها قبل أن تكمل سحر حديثها:
_ قبل ما تقولي اللي أنتي عايزاه، هو اللي سمعته عن خطيبة ابنك ده صح، وعشان كده سابها.
تلون وجه الأخرى بالحمرة من الغيظ:
_ كانت خطيبته، وأهي راحت لحالها ربنا يسهلها ويسترها على ولايانا.
لوت الأخرى شفتيها جانباً وقالت:
_ ما هو عشان المحروس ابنك عامل زي القرع بيمد لبره.
_ ما خلاص يا مجيدة، أهو عرف غلطته وأدينا جينا لك نطلب إيد مروة لأحمد، وياريت الأسبوع الجاي هيبقي شبكة وكتب كتاب والاتفاقات ما تحمليش همها، ابني شقته زي ما شوفتيها والموبيليا كلها عمولة خشب زان أصلي ده غير النجف في كل الأوض والريسبشن وتكيفات وعلقنا الستاير وأشترينا المراتب و السجاد تيجي تنقيه العروسة بنفسها، وعشان عارفه ظروفك خصوصاً بعد وفاة أبو مروة الله يرحمه، أنا كنت عاملة جمعية علي جمب كده هديها لأحمد يجيب المطبخ و الأجهزة الكهربائية و الفرش، عليكي أنتي شنطة هدومها بس، ها قولتي إيه؟
انبلجت السعادة والفرحة العارمة على محياها، فأجابت:
_ هو فيه بعد قولك كلام يا مرات أخويا، بنتي بنتك ومش هاتروح لحد غريب، أنتي أمها وخالها أبوها، و إبن أخويا شاب ماشاء الله عليه، كان متربي على أيدي.
_ وبكده نقول مبروك ونقرأ الفاتحة.
_ نقرأ الفاتحة من غير أخويا وابنه العريس؟
_ دي فاتحة محبة يا مجيدة، لأن المرة الجاية هاتبقي فاتحة وشبكة وكتب كتاب.
_ اللي تشوفيه، عقبالك يا إسراء يا حبيبتي.
كانت شاردة وكل ذهنها في صديقتها وحالها الذي يرثى له، لكزتها والدتها في ذراعها:
_ ما تردي علي عمتك يا بت.
انتبهت إليهم فقالت:
_ تسلمي ياعمتو، وألف مبروك.
انطلقت الزغاريد من فاه سحر و تبعتها شقيقة زوجها بعد قراءة سورة الفاتحة.
***
توالت الأيام وكأنها سنين في مضيها، وكان الحال لا يتغير، مازالت في حالة سكون لا تتكلم، لا تريد رؤية أحد بل تقوقعت في عزلتها حتى جاء اليوم التي تعالت فيه الزغاريد من منزل عائلة كامل حماها سابقاً، فوصلت إلى أذنيها، نهضت في لمح البصر بعد أن خفق قلبها ولا تعلم ما السبب، وكيف لا يخفق وصاحب القلب الوحيد الذي أحبه يستعد الآن للذهاب إلى عروسه الجديدة، يرتدي حلة سوداء وفي أبهى هندامه لكن عينيه مثل صحراء خاوية من الحياة جرداء من أي مصدر للحياة، كأنه مجبر وليس مخير، وبرغم اعتراضه في بادئ الأمر على قرار والديه لكن اعتراضه قوبل بالأمر الحازم وألا سوف يغضبون عليه، وكانت حجتهم الواهية إنهما يريدان مصلحته وزيجته من ابنة عمته سينسيه ألف شمس وغيرها.
وقفت خلف الستار بعد أن أطفأت الأنوار، ويا ليتها ما وقفت ولا شاهدت أو سمعت، ها هو يخرج من باب المنزل يحمل باقة من الزهور في يده ووالديه وشقيقته يرتدون ثياب خاصة بالاحتفال، وقد وضحت الرؤية عندما خرج الجيران لتهنئتهم، فقالت إحداهن:
_ ألف مبروك يا أم أحمد لإسراء.
أجابت سحر بنفي:
_ لاء، دي مش إسراء عقبال عندكم أحمد ابني رايح يخطب بنت عمته وكتب كتابه عليها الليلة دي عقبال عيالكم.
وبعد أن تبادلن النسوة نظرات التعجب، فأجابت السيدة:
_ الله يبارك فيكي يا ختي ويتمم له على خير وتكون جوازة الهنا إن شاء الله.
أحمد! عقد قران على ابنة عمته! كيف؟ ومتى؟ هل لهذا الحد يريد أن يمحوها من حياته!
هذه الأسئلة التي دارت في عقلها للتو، مما جعل احتراق قلبها يزداد ضراوة حتى أصبح كالرماد في مهب ريح عاتية، تبعثر ذراته بكل قوتها غير مكترثة.
كفي، كفاني ألماً وجراحاً، أريد الابتعاد عن هذا الجو الملوث بالنفوس البغيضة.
أوصدت النافذة كما أوصدت أبواب فؤادها المتهالكة ثم قامت بتجفيف عبراتها التي انهمرت رغماً عنها، فخرجت لتجد والدها يجلس أمام التلفاز يتصفح جريدة ورقية ووالدتها تحتسي كوب من الشاي وتشاهد مسلسلها المفضل.
_ بابا أنا عايزة أسافر.
قالتها بنبرة يعلم والدها أن هناك خطب ما خلف قرارها دون أي نقاش.
أجابت والدتها وهي تترك الكوب أعلى الطاولة:
_ وليه الاستعجال ده؟ أستني يومين كمان حتى تفوقي شوية.
رسمت بسمة على محياها متقنة الصنع وقالت:
_ أنا كويسة، ها يا بابا بكرة الصبح نسافر.
أومأ لها والدها متفهماً الحالة النفسية التي تخالجها حالياً، فقال:
_ حاضر يا حبيبتي، روحي أنتي جهزي شنطة هدومك و نامي كويس عشان نمشي بعد صلاة الفجر في الروقان قبل زحمة المواصلات.
أجابت باقتضاب:
_ تصبحوا على خير.
وذهبت إلى غرفتها، فقالت والدتها بحنق:
_ أنت أي حاجة تقولك عليها البت، حاضر ونعم! جري إيه يا محمد، البت مش طبيعية مش شمس بنتي اللي عرفاها، وبصراحة مش عايزاها تسافر عند أخواتك بحالتها دي.
طوى محمد الجريدة التي بين يديه ووضعها فوق المنضدة قائلاً:
_ طالما ده هيخليها مرتاحة نفسياً، فمفيش أي مشكلة، أهم حاجة عندي راحتها ولو راحتها في آخر بلاد العالم هوديها، ريحي أنتي بس نفسك، وشيلي أخواتي وسلايفك من دماغك.
وأطلق زفرة بتأفف ثم نهض تاركاً إياها تتمتم بكلمات توبيخ وتوعد.
***
يسير في الردهة بترنح يحتسي الخمر من الزجاجة مباشرة وفي يده الأخرى سيجارة محشوة بخليط من المواد المخدرة.
_ أنا حمزة السفوري، اللي الكبير بيترعب مني قبل الصغير، أبويا يقولي أهرب.
أشار إليه صديقه الثمل والمتمدد على الأرض وجواره لفائف سجائر وزجاجات خمر، قائلاً له:
_ ياعم بقي أتهد وأقعد بقي، من الصبح مصدع أمي وطيرت لي النفسين من نفوخي.
أستدار له الآخر وأطلق صوتاً قذراً، فقال:
_ هو أنا كنت بتكلم معاك يا حليتها، أنا بتكلم مع نفسي.
_ طيب ياريت تاخد نفسك وتركنوا في أي حتة بعيدة عني عشان مش ناقص صداع.
رمقه حمزة بوعيد وقال:
_ طيب يا روح خالتك من هنا ورايح شوف مين اللي هيشتري لك المزاج ولا الخمرة اللي بتطفحها دي، وأبقي روح مد إيدك لمرات أبوك اللي مقشطاه أول بأول.
ضحك الآخر بتصنع وقال:
_ أي يا عم كنت بهزر معاك، في إيه ياصاحبي، أرغي براحتك، ولا أقولك أحكيلي تاريخ وأمجاد عيلتكم.
حدق نحوه بنظرة دونية من أعلى إلى أسفل ثم قهقه حتى توقف وتحولت ملامحه إلى شخص آخر، فقال لنفسه:
_ أبويا سابنا أنا وأمي لجدي وسافر الخليج عشان يشتري لنا بيت خاص بينا غير بيت جدي اللي كان مليان مشاكل وخاصة من عمي الو...
أغمض عينيه وهو يسترجع ذكري طفل في السادسة من عمره، كان يبحث عن والدته بعد عودته من المدرسة وإذا به يفتح باب غرفة والدته الخاصة بغتة، حتى رأي ذلك المشهد الذي ظل محفور بذاكرته، عمه الذي كان بمثابة أبيه في أحضان والدته في وضع حميمي، شهقت والدته وانتفضت من بين ذراعي شقيق زوجها وهي تردد:
_ يالهوي، يالهوي، يخربيتك يا هدي.
نهض من جوارها ذلك الشيطان بصدره العاري:
_ بطلي ولولة، وسبيني أنا هاتصرف معاه بنفسي.
أقترب من الصغير ونظرات عينيه تنضح بالرعب حتى رأي بنطال الصغير قد تبلل وهو يتراجع إلى الخلف، يستعد للهروب، وقبل أن تتحرك قدميه إلى الخارج خطوة واحدة كان في قبضة هذا الوحش، كتم أنفاس الصغير وقام بربطه في التخت ثم كمم فاهه بقطعة من القماش حتى لاتصل صرخاته إلى الجد القعيد في الردهة خارجاً.
وبكل قسوة و عدم إنسانية تناول عصا غليظة وهبط بها على جسد الصغير بلا رحمة، لم يكتف بذلك بل أمسك بالمقص والشفرة الحادة وأنهال على رأس الصغير يقص خصلاته بعشوائية حتى أصبح رأسه حليقاً ومليئة بالجروح والخدوش، وبرر فعلته لزوجة أخيه المتسمرة في مكانها وخشيت أن تصيح وتمنعه حتى لا يفتضح أمرها، قال لها:
_ كده مش ها يقدر ينطق ولا يقول اللي شافه وحلقة راسه دي مش هتخليه يعتب بره باب الدار تاني.
ومن تلك اللحظة تحول الصغير إلى شخص آخر، قلبه مليء بالحقد والكراهية، وبرغم امتناع والدته عن أفعالها الآثمة وأخذت تتوسل إليه ليسامحها وقامت بإقناعه إنها قد تابت لكن لا تعلم بإن ما رآه وحدث له على يد عمه جعله ما هو أصبح عليه حالياً، بينما عمه ترك المنزل للأبد قبل عودة أخيه وذلك بعدما أكتشف معرفة والده القعيد بعلاقته بزوجة أخيه وطلب منه بأن يرحل ويبتعد، خشيت هدي من حماها وخاصة بعد أن قام بتهديدها، فقررت التخلص منه بتفريغ حقنة هواء في ذراعه لم يتحملها وتوفي على الفور، ولم تدرك أن صغيرها رأى فعل آخر لها أكثر قذارة ووحشية.
عاد من ذكرياته السوداء على رنين هاتفه ليجد المتصل به والدته، فأجاب:
_ ألو.
_ أنت فين؟
_ عايزة إيه؟
_ عايزاك ترجع البيت، وتبطل صياعه عند أصحابك.
قهقه بسخرية وقال:
_ ويهمك أمري أوي كده، ولا ناسية اللي عملتوه فيا أنتي وعمي زمان يا هدي هانم!
_ بقي كده يا حمزة! طيب خليك عندك وأياك ترجع عشان لو شوفتك هاموتك.
رد بتهكم ليصفعها بكلماته:
_ زي ما موتي جدي؟
أوصدت المكالمة بدون أن تجيب، فهي تعلم إنه في حالة ثمل شديدة، وخشيت إنه لو عاد يتفوه بكلماته التي ستفتح عليها أبواب الجحيم.
***
تجلس بجوار نافذة السيارة تتابع في صمت، لا تعلم قرار ذهابها هل هو من الصواب أم كان قراراً متسرعاً وسيترتب عليه عواقب لا تحمد عقباها.
انتبهت على حديث والدها وهو يقول:
_ يلا يا شمس يا حبيبتي، وصلنا وعمك مستنينا بعربيته.
ترجلت من السيارة ليتبعها والدها، فهما الآن في ميدان رمسيس وكان بانتظارهما عمها أو الحاج محمود كبير العائلة، أستقبلهما بالترحاب والعناق والفرح يكسو ملامحه، أخذهما بسيارته إلى منزله الذي يقع في مدينة حلوان وفي الطريق تبادل الشقيقان الحديث ما بين السؤال عن الحال والصحة، كما أوضح محمد لشقيقه بأن ابنته تمت فسخة خطبتها وعلل بسبب كاذب حتى لا تحدث كارثة و يتثنى له الوقت المناسب ويرفع القضية على نجل السفوري لكنه منتظر استقرار حالة ابنته النفسية بدلاً من أن يحدث لها انتكاسة.
وصل الجميع إلى المنزل المكون من أربعة طوابق، فالطابق الأول تعود ملكيته إلى عمها الصغير كريم وهو يعمل في إحدى القري السياحية في شرم الشيخ، و الدور الثاني يملكه الحاج محمود وزوجته شوقية وأولاده رحاب ومحمد وحمدي، والدور الثالث يسكنه عمها يحيي وزوجته محاسن ولديهما ابنتين لمياء وفرح، بينما الدور الرابع يعود لعمها حجازي وزوجته رشا لم يرزقا بالأولاد بعد.
كانت شوقية زوجة الحاج محمود في انتظارهم و بعد إلقاء السلام وتبادل المصافحة التي لم تخلو من نظراتها الفضولية على هيئة شمس.
_ إلا مالك يا شمس كده خسانة أوي وبقيتي معضمة، ده حتى المفروض فرحك الأسبوع الجاي.
_ المذاكرة والثانوية العامة بقي وبالنسبة للفرح محصلش نصيب الحمدلله.
شهقت بتصنع وقالت:
_ ليه كده كفي الله الشر، ده إحنا كنا لينا قعده مع بعض تحكي لي فيها إيه اللي حصل.
صاح بها زوجها:
_ حطي الفطار يا شوقية، وسيبي البنت ترتاح من السفر.
_ الفطار جاهز يا حاج، هاحطوا عقبال ما الجماعة يغسلوا إيديهم ويغيروا هدومهم.
قالت شمس:
_ معلش يا طنط، مش هاقدر أفطر أنا هادخل أنام شوية.
فأجاب عمها:
_ أتفضلي يا بنتي، أدخلي ريحي لك جمب رحاب، ولما تصحو أبقو أفطروا مع بعض.
ولجت شمس إلى داخل الغرفة ذات الأثاث البسيط وابنة عمها تغط في النوم، تركت حقيبتها جانباً، وخلعت وشاحها ثم تمددت بجوارها، ولأنها مستيقظة من قبل صلاة الفجر غلبها النعاس، فأسدلت جفونها الواهنة وذهبت إلى العالم التي تتمني أن تمكث فيه وتبتعد عن واقعها البائس.
رواية كاليندا الفصل السادس 6 - بقلم ولاء رفعت
يتأمل مياه النهر الجارية، يرى صورتها تطفو وهي تبتسم إليه ثم تحولت تلك الابتسامة المشرقة إلى وجوم ووجه عابس. عبرة تساقطت من ذهبيتها التي لن ينساها أبداً.
انتشله من لحظات تأمله صوت لم يعتد عليه بعد، قائلة له:
_ أحمد؟ مالك من ساعة ما جينا وأنت سرحان ولا حتى عبرتني بكلمة.
حدق إليها بامتعاض وكأنه مُجبر على جلوسه برفقتها، أجاب:
_ عايزاني أقول إيه يعني يا مروة.
بادلته بنظرة عتاب وقالت:
_ أول خروجة لعريس وعروسة بعد خطوبتهم وكتب كتابهم، المفروض يقولها إيه؟! ده أنت حتى مهنش عليك تقولي أزيك، إمبارح قاعد جمبي في الكوشة ونازل عليك سهم الله واللي يجي يبارك لنا ما تردش عليه، لما خليت شكلي وحش وسمعت تعليقات سخيفة.
زفر بضيق وانبلج على ملامحه الضجر قائلاً:
_ معلش حقك عليا، أصلي مضغوط في الشغل اليومين دول وساعات بنطبق شيفتات زيادة، فببقى مصدع ومش مركز خالص.
أقتربت منه ووضعت يدها على يده قائلة بلهفة:
_ خلاص تعالي روح عندنا ريحلك ساعتين أو زي ما أنت عايز ولما تصحي نقضي باقي اليوم مع بعض وأعملك الأكل اللي بتحبه.
سحب يده مما جعلها تشعر بالحرج وقال:
_ خليها مرة تانية أحسن.
جاء النادل يحمل كأسين من عصير المانجو الطازج وطبقين يعلوهما قطعتين من الحلوى، قام برص الكأسين والأطباق ثم سأله:
_ أي خدمات تاني يا فندم؟
_ لاء، شكراً.
بينما هي نظرت إلى طبق الحلوى بإشتهاء وقالت:
_ الله، شكل التشيز كيك يجنن، أنا بحبه أوي.
غرزت الشوكة وحملت قطعة صغيرة وأبتلعتها بإستمتاع، فأردفت:
_ أنا عارفة إنك بتحبه أوي، عشان كده هاتعلم طريقته وأعمله لك لما نتجوز.
كان هو شارداً في موقف مشابه تماماً، عندما كان يتنزه مع شمس برفقة شقيقته التي كانت تتركهم بمفردهما وتجلس على بعد مسافة تاركة لهما الخصوصية.
(مشهد سابق)
يقطع أحمد قطعة بالشوكة خاصته ويمدها أمام فمها، فقالت له شمس بخجل ووجنتيها شديدة الحمرة من الخجل:
_ بتعمل إيه، الناس بتبص علينا.
ضحك وقال:
_ واحد بيأكل حبيبته اللي هتبقى مراته، فيها إيه ما بنعملش حاجة حرام.
أومأت له وأجابت:
_ عارفة بس بتكسف أوي، وبعدين ما بحبش الجاتوه.
سألها بنبرة رومانسية حالمة:
_ طيب بتحبي إيه وأنا هاجيبه لك حالاً؟
أجابت وتنظر في الفراغ تفكر:
_ حاجة حلوة كده دوقتها في مرة عند واحدة صاحبتي، اسمها إيه يا شمس، اسمها إيه، آه، افتكرت، اسمها تشيز كيك.
نهض ووقف ثم انحنى في عرض مسرحي قائلاً:
_ طلباتك أوامر يا مولاتي.
اعتدل وقام بمناداة النادل، فجاء له مسرعاً:
_ أمرك يافندم.
سأله الآخر:
_ عندكم تشيز كيك؟
أجاب النادل:
_ آه يافندم، عندنا كذا نوع بالفراولة أو الشيكولاتة والمانجا وبالتوت.
نظر أحمد إلى شمس وسألها:
_ بتحبيها بطعم إيه؟
ابتسمت بسعادة وأجابت:
_ بالمانجا.
قال أحمد للنادل:
_ اتنين بقى وصاية وكتر المانجا.
أومأ له النادل قائلاً:
_ تمام يافندم.
(عودة للوقت الحالي)
عاد من شروده وتذكره للموقف القديم، ليجد مروة تنهض وتلملم هاتفها وحقيبتها، تتمتم بكلمات غير مفهومة، وهنا انتبه إلى خطأه الفادح وهو التجاهل.
أمسك معصمها وسألها:
_ بتعملي إيه؟
جذبت يدها بحدة وأجابت:
_ بعمل اللي المفروض يتعمل من ساعة ما جينا، وعمالة أكلم فيك وأحاول أغيرلك مزاجك وبرضو متجاهلني كأني هوا قاعد قدامك.
قال لها بنبرة يستعطف سجيّتها وقلبها النقي:
_ عشان خاطري أقعدي بس وما تفهمينيش غلط.
صاحت في وجهه بحنق:
_ لأ فهماك صح يا ابن خالي، وأنت فاهم وأنا فاهمة، بس كنت بقول لنفسي أصبري عليه يابت يا مروة لما يفوق من الصدمة اللي هو فيها، لسه مش هينساها بسهولة ده مكنش بينهم خطوبة يوم ولا اتنين ده سنين غير عشرة الجيرة اللي ما بينهم.
أفرغ تنهيدة بقوة نابعة من أعماق صدره وقال:
_ وفرتي عليا اللي كنت هقولهولك، وزي ما قولتي كده بالظبط، فعلاً لسه ما نسيتهاش وقلبي ماهوش كارت ميموري أمسح اللي أنا عايزه وقت ما أحب.
ابتسمت بتهكم وتحدق إليه بنظرة سخط قائلة:
_ ولما الحكاية كده، ليه جيت طلبت إيدي وعارف ومتأكد إن أنا زي الهبلة هوافق، وطبعاً مرات خالي واثقة من كده، فقالت لما أجوزه بنت عمته العبيطة اللي هاتموت عليه من زمان خليها تنسيه البنت اللي كان خاطبها.
كاد يجيب ولكن قاطعته بنبرة حادة قوية تثأر بها لكرامتها:
_ ولما أنت بتحبها أوي، مكملتش معاها ليه؟!، ولا عشان الهانم خلاص ما بقتش تنفع بعد ما علم لك عليها ابن حماد السفوري وخلاك لبانة في بوء أهل البلد.
وما كان ينقصه تلك الكلمات التي حولته من حمل وديع إلى وحش ثائر أو يمكننا قول أصبح كالبركان الذي انفجر لتوه، تتقاذف من عينيه الحمم والجمار المشتعلة، شعرت بلهيب على وجنتها بعدما هبط عليها بلطمة قوية أخرج فيها ما يكمن من غضبه وهو يصيح بها:
_ اخرسي.
غرت فاها واتسعت عينيها التي كادت تخرج من محجريهما، وإنها لثوان مرت حتى أدركت ما فعله بها، صرخت به وهي تخلع خاتم الخطبة ثم ألقته في وجهه:
_ طلقني، أنا بكرهك.
***
وفي اليوم التالي قام محمد بتوديع أشقائه متعللاً بعمله حيث لم يستطع التغيب عنه أكثر من ذلك، وترك لهم ابنته أمانة لديهم مع كثير من التوصيات عليها إلى شقيقه محمود وزوجته.
بينما شمس كانت تجلس مع ابنة عمها رحاب التي تكبرها بعامين، وتدرس في الجامعة.
_ بجد مش مصدقة نفسي، يعني كان لازم عمو محمد يجيبك بنفسه وإلا كده مكنتش شوفتك خالص، ده غير طبعاً إن كلها أيام وهتتجوزي، وزي أصحابي مش هاشوفك غير في المناسبات وإن جوزك خلاكي تحضري.
تبدلت ملامح شمس من الابتسامة إلى الحزن وهي تنظر إلى بنصرها في يدها اليمنى فارغاً من خاتم الخطبة الذي ترك أثره ولم يزول بعد، ردت بتوتر:
_ ماتضايقيش ياستي، أنا قاعدة معاكي ومطولة شوية، وبالنسبة للفرح خلاص، مليش نصيب أكمل.
عقدت ما بين حاجبيها باستفهام ثم اقتربت منها وسألتها بترقب:
_ هو إيه اللي حصل؟
رغماً عنها ذرفت عينها عبرة بلورية انسدلت على وجنتها، جعلتها تشيح وجهها وغير قادرة على التحدث، وقفت رحاب أمامها، رفعت وجهها من طرف ذقنها.
_ شمس أنا آسفة، وحقك عليا لو سؤالي زعلك وخلاكي تعيطي، بس اعذريني أنا سألتك عشان عارفة اللي كان مابينك أنتي وأحمد مكنتش مجرد خطوبة، ده حب عمره سنين، فاكرة لما كنتي بترغي معايا بالساعات عنه وعن نظرات حبه ليكي لحد ما جه طلب إيديكي، كل ده راح إزاي؟
تريد الإجابة لكن ماذا عساها أن تخبرها، ما حدث ليس بالأمر البسيط يمكن ذكره وكأنها قصة عابرة، فابنة عمها صديقتها الثانية بعد إسراء وموضع ثقة وبئر أسرارها منذ الطفولة، ودت لو أن تحكي وتبوح بكل شيء لكنها تخشى تلك النظرة التي تجدها في أعين كل من يعلم بما حدث معها، هذه النظرة كالسكين المشتعلة فوق قطع الفحم المتوهجة، يمسك بها صاحبها ويغرزها بداخل فؤادها الواهن.
انفتح باب الغرفة وظهرت زوجة عمها لتنقذها من الإجابة على سؤال رحاب، لكن لهجة تلك المرأة أعلنت عن ناويها الخفية التي تضمرها وتتظاهر بعكسها.
_ والله عال، سايبيني طالع عيني في شغل الشقة وعمايل الأكل، والهوانم قاعدين يتساهروا.
تأففت ابنتها وقالت:
_ مش الشقة دي لسه عملاها لك أول إمبارح ومخليها لك فلة.
صاحت بها وهي تزجرها بنظرة حادة:
_ وأنتي بتسمي شغل الطلسئة ده ترويق، قومي منك ليها وقسموا الشغل على بعض وتلموا السجاد والمشايات وتغسلوها في المدخل.
أجابت ابنتها بسخرية:
_ إيه كل ده يا ماما هو العيد بكرة، وإحنا ما نعرفش!
لكزتها والدتها بعنف وقالت:
_ لاء يا حلوة يا أم لسانين، أهل خطيبة أخوكي محمد جايين بعد بكرة، وبعدين هنا كل واحد لازم يخدم نفسه أنا مش الخدامة اللي جبهالكم أبوكم.
التفت رحاب إلى شمس وهي ترفع أكمامها عن ساعديها قائلة:
_ معلش يا شمس أستنيني أخلص اللي ورايا وجاية لك، ما تنميش بقي.
صاحت شوقية باعتراض وكأن حدثت كارثة:
_ ده مين دي اللي تستناكي وما تنمش؟!، مش بنت زيها زيك، وده بيت عمها مش حد غريب، ده غير إنها مش ضيفة وقعدتها هتطول، يعني زيها زينا في البيت وتروق وتكنس وتمسح وتغسل زينا، ولا ما بتعمليش مع أمك كده يا شمس؟
أجابت الأخري وهي تزدرد لعابها بتوتر:
_ طبعاً بساعد ماما، ومن غير ما أقول يا طنط كنت هساعد رحاب.
_ طيب يلا بقي خلصوا بسرعة قبل ما عمك ما يطلع من الدكان، وأكون أنا خلصت الغدا.
ذهبت شوقية، فأقتربت ابنتها من شمس تربت عليها:
_ حقك عليا أنا يا شمس، لو كلام ماما زعلك، هي شديدة وقوية بس قلبها طيب.
هزت الأخرى رأسها بابتسامة ساخرة:
_ واضح، واضح.
***
وبعد عناء يوم من الأعمال الشاقة تمددت كلتيهما على التخت، زفرت رحاب بتعب وقالت:
_ اه يا وسطي اللي اتقطم في غسيل السجاجيد، وأنا كان مالي ومال أهل خطيبة أخويا اللي جايين.
قالت شمس بتعب أيضاً:
_ معلش إحنا برضو كنا بنعمل كده أيام ما كنت مخطوبة.
استدارت إليها الأخرى بانتباه وقالت:
_ فكرتيني صح، قوليلي بقى سبب فسخ خطوبتك ولو ده هيضايقك خلاص، اعتبريني مسألتش.
زفرت من التعب الجسدي والنفسي فأجابت:
_ هقولك، بس اوعديني اللي هاحكيهولك سر ما بينا لحد ما أرتب أموري وآخد حقي.
وفي الغرفة المقابلة، تتمدد شوقية بجوار زوجها الذي يتصنع النوم هروباً من وصلة ثرثرتها التي تنتهي بألم شديد في الرأس لم يزول ولو بألف فنجان قهوة.
_ آه ياني، جسمي اتدغدغ من شغل طول النهار.
تمتم محمود دون أن يوضح كلماته إليها:
_ اللي يسمعك مايشوفش البنات اللي طلعتي عينيهم النهاردة وفاكراني مش عارف، وليه مفترية أعوذب بالله.
مالت عليه وسألته:
_ بتقول حاجة يا حاج؟
أجاب بصوت مصتنع يغلبه النعاس:
_ بقول أذكار قبل النوم.
_ اممم، طيب كنت عايزاك في موضوع كده بخصوص بنت أخوك.
سألها بسخرية دون يلتفت إليها:
_ مالها، لحقتي تزهقي من قاعدتها؟
أجابت باستنكار:
_ لاء، بالعكس جت في وقتها أهي هي والبت رحاب يشيلوا عني شغل الشقة شوية، أنا خلاص عضمتي كبرت ومبقتش قادرة على طلباتكم زي الأول.
تمتم مرة أخرى:
_ ده أنتي عليكي صحة تهد جبال، كلنا هانموت وأنتي اللي هاتفضلي عايشة في الآخر.
لكزته في كتفه:
_ بصي لي كده وانتبه ليا.
استدار إليها بتأفف:
_ أخلصي يا شوقية، عشان أنا صاحي من الفجر وعايز أتخمد.
أجابت بامتعاض:
_ مابراحة عليا يا حاج، اللي هاقوله لك فيه خير لينا ولأخوك، بص بقي واسمعني للآخر، الولد حمدي خلاص قرب يخلص الجيش بعد خمس شهور ونازل أجازة الأسبوع الجاي، وبما أن شمس خلاص فسخت خطوبتها، إيه رأيك ما نخطبها للولد، ونبني لهم شقة الدور الخامس، وأهي بنت اخوك ومتربية على إيدينا.
رفع إحدى حاجبيه الكثيفين وقال بتهكم:
_ أنتي قصدك تجوزيها لإبنك ومنها تبقي ليكي خدامة، صح؟
_ أنا ماقولتش كده، وفيها إيه لما تخدمني أنا هابقى حماتها غير ما أنا أصلاً مرات عمها الكبير.
تنهد بسأم وضجر منها:
_ اسمعيني أنتي كويس يا شوقية، أنا عارف وأنتي عارفة إن زينب عمرها ما هتديكي بنتها وخصوصاً بعد اللي عملتيه فيها زمان وبسببه خليتي أخويا ما يجيش يعيش معانا ويبني له شقة في البيت وأشتري مننا حقنا في بيت أبويا عشان يعيش فيه هو و بنته ومراته ويكفيها من شر أذيتك ليها، ولا ناسيه سنتين العذاب اللي عاشتهم وأخويا يجري بيها على الدكاترة ومايعرفوش إيه اللي عندها غير لما جاب لها شيخ موثوق فيه وعرف إن معمولها سحر أسود وقدر يعرف مين الدجال اللي ورا المصيبة دي ولولا أنه راح بلغ عنه الحكومة واعترف بمصايبه مكنش حد عرف إنك اللي ورا اللي حصل ليها، كل ده بسبب الغيرة والحقد اللي بتتظاهري إنهم راحوا من قلبك، لكن أنا متأكد إنك لسه مليانة بالسواد، والأمارة عايزة البت لإبنك اللي عارفه عمره ما هيعترض ولو هيقولك كلمة حتى لو شافك بتدبحي مراته قدام عينيه، فأتقي الله أنتي عندك بنت والدنيا سلف ودين، يوم ليك ويوم عليك.
كانت تستمع إليه بصدمة، فأجابت بعدما انتهى:
_ يا ليلة طين، أنت شايفني بالوحاشة دي كلها!
صاح يبوخها:
_ أنا مش شايف حاجة قدامي وعايز أنام، أطفي النور واتخمدي.
والتفت للجهة الأخرى مدثراً جسده بالغطاء، تاركاً إياها كالنيران المندلعة ولم تجد شيئاً تحرقه فاحترقت هي، قالت في داخل عقلها:
_ وربي وما أعبد ما هاكون شوقية بنت الجزار غير لما أجوز البت شمس للولد حمدي ابني، ويا أنا يا أنت يا حاج.
***
يصدح صوت تلاوة آيات سورة الكهف من المآذن بأعذب الأصوات، فهذا يوم الجمعة يذهب الرجال إلى المساجد والاستماع إلى الإمام وهو يلقي عليهم الخطبة من حكم ومواعظ وتفسيرات لأمور دينهم الدينية والدنيوية، وبعد الانتهاء يرفع آذان الإقامة فينهض الجميع ويصطفون في صفوف متساوية استعداداً لأداء الصلاة.
وبالأعلى في منزل الحاج محمود، تصيح شوقية بصوتها الجهوري على الفتاتين:
_ ما تقومي ياختي منك ليها، ولا مستنين الخدامة تحضرلكم الفطار وأنتم نايمين لي زي الهوانم.
نهضت رحاب بتأفف قائلة:
_ أستغفر الله العظيم أهو ابتدينا على الصبح.
نظرت تبحث عن شمس وجدتها تؤدي فرضها في إحدى الأركان وقد انتهت للتو، نهضت وهي تقول بهدوء يشوبه السخرية:
_ قومي يا رحاب اتوضي وصلي الضهر، وحصليني قبل ما مرات عمي تدخل ترمينا من الشباك.
هزت الأخري رأسها وهي تضحك على كلماتها فأجابت:
_ أنتي بتقولي فيها، أمي وأنا عارفها لما بتهب منها ممكن تعملها.
خرجت شمس وتتصنع البسمة تلقي التحية على زوجة عمها المتسلطة:
_ صباح الخير يا مرات عمي.
رفعت الأخري زاوية فمها بتهكم وأجابت:
_ قصدك مساء الخير يا عينيا، فين المزغودة التانية، ادخلي أندهيلها وروحوا حضروا الفطار زمان أعمامك خلصوا صلاة وطالعين على هنا.
أومأت إليها دون أي رد وذهبت إلى المطبخ، خرجت رحاب من الغرفة متجهة نحو المطبخ أيضاً فوجدتها تعد الطعام، فأخذت تتمتم بصوت لا يسمعه سواهما:
_ كل يوم جمعة الموال اللي ما بيخلصش ده، ومراتات أعمامي قاعدين هوانم في شققهم مابينزلوش غير لما أعمامي يطلعوا ويجوا ياكلوا على الجاهز.
قالت الأخري:
_ وفيها إيه يا رحاب؟، دول مهما كان ضيوف عندكم مش إلزام ولا فرض عليهم ينزلوا يعملوا الأكل، وبتكسبي ثواب في إكرامهم.
أجابت الأخري بسخرية:
_ اسكتي يا شمس أنتي ما تعرفيش حاجة، لولا بابا هو اللي مجمعهم وحاكم عليهم يوم الجمعه ده مقدس الكل بيتجمع عندنا، كان زمان كل واحد بقي في حاله وأنا ارتحت.
_ برضو ما فهمتش قصدك، يعني دي حاجة حلوة ولا وحشة، بس أنا شايفة لمة العيلة دي أجمل حاجة بتعمل ترابط وبتألف القلوب وتقربهم من بعض وبيفضل الود والحب مابين الأخوات وعيالهم.
أجابت الأخري وهي تقطع حبات الفلفل:
_ ده كان زمان يا شمس، أيام ما كنا في البيت القديم في البلد ولما كان جدو وتيتا الله يرحمهم عايشين، دلوقتي كل واحد فيهم يلا نفسي، ما أنكرش إن ماما أسلوبها يطفش مراتات أعمامي منها حبتين أو نقول أربع حبات بس قلبها أبيض.
رمقتها الأخري باستنكار وفي داخلها قالت:
_ أنتي هتقوليلي، ده أنا من ساعة ما جيت وهي عماله ترمي لي كلام زي الدبش.
أجفلهم صوت شوقية من الخلف:
_ خلصتم ولا عاملين ترغوا؟
أجابت شمس:
_ أنا عملت البيض والفول والجبنة فاضل الطعمية هقليها قبل الأكل على طول عشان ماتبردش.
وقالت ابنتها:
_ وأنا بعمل السلطة أهو، وهاحشي البتنجان بالتتبيلة.
أجابت عليهما وهي تلتقط مفرش حراري كان معلقاً على مشجب معدني في الحائط:
_ وأنا هاروح أفرش السفرة عقبال ماتخلصوا وتطلعوا الأطباق، شكلهم طالعين على السلم.
جلس الجميع حول المائدة ويترأسها الحاج محمود، فكان وجهه مكفهر ولم ينطق بحرف منذ أن عاد من المسجد، بينما أشقائه الآخرين يتبادلون الأحاديث مابين الأخبار والفكاهة، وزوجاتهم تتحدثن مع شمس التي تشعر بانقباضة في قلبها لا تعلم ماهية مصدرها لاسيما كلما تلاقت عينيها بعينين عمها محمود لن تجد سوى نظرات الغضب والتجهم.
نهضت باكراً بعد أن انتهت من طعامها:
_ الحمدلله.
قالت لها رشا زوجة عمها حجازي:
_ كملي أكلك يا شمس، ده أنتي مكملتيش ربع رغيف.
أجابت بخجل:
_ أكلت وشبعت الحمدلله دي أكلتي.
فقالت شوقية بأسلوبها الفظ:
_ ياختي البنات اليومين دول ماسكين في أبصر إيه اللي اسمه دايت، لحد ما بقوا شبه خلة السنان ويقولوا لك دي الموضة.
عقبت السيدة محاسن زوجة عمها الآخر يحيي:
_ هم بيحافظوا على جسمهم بس أهم حاجة يكون تحت إشراف دكتور تغذية عشان ميأثرش على الصحة.
عقبت رشا:
_ فعلاً صح، مفيش أحسن من الواحد ياخد باله من صحته.
فقالت شوقية عن عمد:
_ الكلام ده يا رشا ياختي لواحده زيك كده ولا وراها عيل ولا تيل، لكن ياختي إحنا ورانا عيال عايزين صحة من حديد فلازم تاكلي وتتغذي.
اكتسى الشحوب وجه الأخرى من كلمات سلفتها اللاذع، فنهضت تاركة ما بيدها من طعام وقالت:
_ عن إذنك يا شمس أنا طالعة فوق عشان حاسة بصداع، ابقي تعالي انتي ورحاب نقعد مع بعض شوية.
أومأت لها وقالت:
_ حاضر يا طنط.
غادرت رشا المنزل وزوجها يرمق شوقية بامتعاض ثم نظر إلى زوجها ليجده في عالم آخر، لكن محاسن لم تصمت لتقول:
_ عمرك ما هتبطلي كلامك الجارح ده يا شوقية، ده أنتي عيالك على وش جواز المفروض تعقلي كلامك قبل ما تطخي في وش اللي قدامك وتراعي شعورهم.
نهضت هي أيضاً وقبل أن تذهب قالت:
_ ابقي تعالي يا شمس أقعدي معانا بيت عمك يحيي مفتوح لك في أي وقت.
انفضت المائدة واحد تلو الآخر، وهم يحيي بالمغادرة قائلاً:
_ عن إذنك يا حاج محمود أنا نازل أقعد على القهوة شوية.
وتبعه حجازي بالقول أيضاً:
_ وأنا كمان نازل، خدني معاك.
وهنا تخلى محمود عن صمته الرهيب وأمرهم بحدة:
_ استنوا عندكم، عايزكم في موضوع مهم.
كانت شمس تشغل نفسها بجلي الصحون لتتجنب كلام زوجة عمها، وبينما هي شاردة صوت هذه الحيزبون شوقية أفزعها:
_ بت يا شمس.
انتفضت الأخري، فأردفت زوجة عمها:
_ عمامك عايزينك في أوضة الجلوس.
كانت دقات قلبها البائس تقرع كالطبول، تركت ما في يديها وقامت بغسلها من الصابون ثم تجفيفها بالمنشفة، وذهبت تخطو بحذر وتاركة شوقية التي يتآكلها الفضول خاصة بعدما حذرها زوجها من الوقوف والتصنت وأن تلتزم غرفتها ريثما ينتهي من هذا الاجتماع.
وقفت شمس على الباب باستحياء، فأشار لها عمها وقال:
_ ادخلي.
وقفت أمامهم وتنظر إلى أسفل، فنظرات ثلاثتهم لا توحي بخير أبداً، لماذا يريدونها، هل علموا ما حدث لها؟
قاطع حدسها صوت عمها الغليظ:
_ بصي يا بنت أخويا من غير لف ولا دوران هسألك سؤال واحد وتجاوبي عليه.
أزدردت لعابها بخوف وتوتر، فأجابت بخفوت:
_ اتفضل يا عمي.
_ ابن حماد السفوري غلط معاكي زي ما الكل بيحكي في البلد؟
صاحت دفاعاً عن نفسها عندما أدركت اتهامه لها بأن ما حدث كان بإرادتها وليس عنوة عنها:
_ لاء ماحصلش.
صمتت لثوان وهي تنظر ليديها وهي تفركهما في بعضهما البعض وأردفت:
_ وحصل.
أقترب منها عمها يحيي والغضب يسطو عليه، صاح بها:
_ هو إيه اللي حصل واللي ما حصلش يا بت؟!، ما تجاوبي على عمك عدل بدل ما أرزعك كف يعدلك.
أمسك حجازي به لتهدئته قائلاً:
_ أهدي يا يحيي، واسمعها للآخر.
ترقرق دموعها على وجنتيها وبصوت متحشرج أخبرتهم:
_ هو خدني بالقوة وعمل اللي عمله وصورني فيديو وبعته لخطيبي عشان يكسرني ويكسروا زي ما كان بيهددني ديماً.
لم تشفع لها عبراتها لدى قلوبهم القاسية، لطالما والدها عانى من صرامتهم وقسوتهم وعدم إنصافهم للمظلوم لذا أثر الابتعاد عنهم وفضل المكوث في القرية تجنباً للمشكلات، كما إنه لا يريد خسارتهم، فهما إن كان سيظلون أخوته إلى الأبد.
وبالعودة إلى التي تنتظر ردود أفعالهم حيث سوف يثأرون لشرفهم ويقتصون من الطاغية حمزة وأهله هكذا ظنت، ولا تعلم إنها ستتلقى العكس، وإذا بصفعة هاوية هبطت على وجنتها من كف عمها الغليظ، جعلها لم تر شيئاً سوى الظلام، فسقطت مغشياً عليها.
رواية كاليندا الفصل السابع 7 - بقلم ولاء رفعت
تتعالى الأصوات ما بين شد وجذب وتوبيخ يتساقط كزخات المطر على رأس أحمد الجالس على الكرسي، منكّس رأسه وكفّاه أعلاها، لا يريد أن يستمع لوصلة اللوم هذه.
"يا ميلة بختك يا سحر في ابنك اللي هايموتك بدري بدري."
ردّ زوجها ناهياً إياها:
"كفاية بقي يا سحر نواح وولولة، ابنك مش عيل صغير ولا ها يرضي إنه يكسر كلمة أبوه، ولا إيه يا أحمد؟"
تدخلت إسراء التي تعلم أن كلماتها لن تلقى لها بالاً، ولم يكترث إليها أحد بل ستنال نصيبها من التوبيخ:
"بابا، ماما، ممكن تبطلوا تضغطوا على آبيه أكتر من كده، أظن هو مسؤول عن حياته وعارف يعمل إيه، وما تنسوش إنكم اللي غصبتوا على مروة وأنتم متأكدين إنه لسه بيحب شمس."
زجرها والديها بنظرة تحذيرية وغاضبة في آن واحد، فصاحت بها والدتها:
"ادخلي أوضتك بدل ما أمسيكي بعلقة محترمة، الظاهر وحشك الخرطوم."
تأففت بضيق وسأم:
"أنا داخله، بس مش عشان أنا خايفة من تهديدك، عشان قرفت من التمثيلية اللي عايشين فيها وظلمكم لأخويا ولصاحبتي واللي بعتبرها أختي الوحيدة، وجنيتوا عليها زي حمزة وأهله، حسبي الله ونعم الوكيل."
قالتها وأسرعت إلى الداخل، صاحت والدتها بغضب:
"بتحسبني علينا يا بت، طب وربنا يا إسراء لأربيكي، وشوفي مين اللي هيخليكي تقدمي للكلية."
قاطعها زوجها ممسكاً بيدها حتى لا تذهب خلف ابنتها وتتهور في عقابها:
"سيبك من البت وخليكي في ابنك الكبير، اللي بقول عليه العاقل سندي وضهري، لكن يا خسارة لقيته زي النسوان بيبكي على واحدة لو كان كمل معاها كان زمانه مسخرة ومضحكة أهل البلد، رد عليا كنت هاتعمل أيه لما تمشوا وسط الناس ويطلع لك واحد ولا واحدة يلسنوا عليها ويعايروك؟!"
قالت سحر وأشاحت بيدها:
"خلاص يا كامل أهي راحت لحالها، إحنا في بنت أختك اللي الباشا بيستقوي عليها ورزعها قلم قدام الناس وكمان كان غلطان."
ألقى عليها والده أمره الحازم:
"هي كلمة ومش هاعيدها، تقوم تلبس وتاخد أمك معاك، تروحوا تجيبوا هدية وتعدي على عمتك تراضي مراتك."
وقبل أن يتركها أردف قائلاً بحسم:
"وتبلغيهم يا سحر إن في خلال الأسبوع ده إن شاء المولي ها تكون شقتهم جاهزة من مجاميعه والفرح الخميس الجاي."
***
بداخل عيادة النسا، حيث أمر الحاج محمود زوجته بأخذ ابنة أخيه إلى الطبيب كما أخذوا منها هاتفها عنوة، وفي ردهة الانتظار تجلس كل من شوقية على كرسي، ولم تبرح عيناها تلك المسكينة تجلس بين ابنة عمها رحاب وزوجة عمها رشا تربت عليها حتى تكف عن البكاء.
فقالت لها بهمس:
"كفاية يا شمس، الناس بتبص علينا واللي مش فاهم هيفهم غلط."
رفعت شوقية زاوية فمها بتهكم وقالت:
"يالهوي على كهنة البنات، يعملوا المصيبة ويقعدوا يعيطوا."
زجرتها رشا بنظرة نارية وقالت:
"عارفة يا أم محمد لو مسكتيش هاتصل بالحاج يطلع ياخدك، أبوها ساب لكم البنت أمانة عندكم وعاملين تبهدلوا فيها، زينب لو عرفت مش هاتسكت غير لما تيجي تخربها على دماغنا كلنا."
تشدقت الأخرى بنبرة ساخرة:
"ولما إحنا وحشين كده جيتي معانا ليه يا ست رشا؟"
"جيت أقف مع الطفلة الغلبانة بدل ما أسيبها لك تبهدلي فيها وبكلامك اللي زي السم."
رمقتها الأخرى بتوعد:
"ماشي يا رشا، أنا مش هرد عليكي، كلامي هايبقي مع جوزك، خليه يشوف مراته اللي ما بتحترمش مرات أخوه الكبير."
أشاحت رشا بيدها بعدم اكتراث لتلك الحية التي تبخ سمها كل حين وآخر، وأخذت تكمل مواساة شمس التي ما زالت تبكي بصمت وتخبئ وجهها بكفيها.
خرجت الممرضة من غرفة الطبيب وقامت بمناداتها:
"مدام شمس محمد نصار."
نظرت إليها رحاب بسخط وقالت:
"آنسة شمس لو سمحت."
أشارت الممرضة إلى ورقة التسجيل بيدها وقالت:
"المدام اللي مسجلها عندي كده في الدفتر."
كانت تشير إلى شوقية التي تهربت من نظرات ابنتها ورشا.
نهضت شمس بثقل وكأنها ذاهبة إلى غرفة الإعدام، مسكت رشا يدها لتطمئنها وكذلك رحاب، لكن شوقية أوقفت ابنتها ومنعتها من الدخول وهي تلكزها:
"داخلة فين يا عين أمك، خليكي استنينا بره مش ناقصين جُرس وفضايح."
وأمسكت بهاتفها لتبلغ زوجها بأنهم ولجوا إلى داخل غرفة الطبيب، فصعد ليحضر ما سيخبرهم به الطبيب بعد الفحص.
جلست شمس منهكة القوى ومسلوبة الإرادة أمام المكتب، فنظر إليها الطبيب ثم إلى رشا وشوقية وإلى عمها ذي الملامح الصارمة، بدأ في كتابة بياناتها يسألها:
"حضرتك مدام شمس؟"
كادت تجيب فقاطعها عمها وأجاب:
"أيوه يا دكتور، شمس تبقي مرات ابني وهم لسه عرسان جداد وزي ما حضرتك فاهم يعني…"
صمت لم يستطع أن يكمل كذبته، تفهم الطبيب ما يريد قوله وظن أنها عروس بالفعل فسأل موجهاً سؤاله إلى شمس:
"حصلت علاقة ما بينكم كام مرة؟"
اتسعت عيناها شديدة الحمرة من كثرة البكاء من جراءة هذا السؤال، فأجابت شوقية بتصنع وتمثيل متقن:
"ما قولنا لك يا دكتور عرسان جداد، يعني بالتأكيد حصل كذا مرة، إحنا بس عايزين زي ما حضرتك فهمت من الحاج كدة."
كانت رشا تحدق إليها بكراهية شديدة وودت أن تلتقط الخنجر الموضوع أعلى المكتب وتغرسه في لسان تلك الحرباء.
أشار الطبيب إلى الممرضة وقال:
"خدي مدام شمس على السرير ولما تجهز قوليلي."
ربتت رشا عليها وقالت بهمس:
"قومي يا حبيبتي ما تخافيش، هو بس هيتأكد إنك لسه بنت ولا لأ، مش هيعملك حاجة تأذيكي."
همست إليها الأخرى بصوت محشرج:
"بالله عليكي يا أبله رشا كلمي بابا، وقوليله يجي ياخدني، حرام عليكم اللي بتعملوه فيا."
عانقتها رشا وأسدلت عينيها عبرة، تشفق على هذه المسكينة، فقالت شوقية:
"ما تنجزي يا بت وبطلي دلع، ولا عايزة عمك يكمل عليكي ويفرج الناس وتتفضحي أكتر ما أنتي مفضوحة."
لكزها زوجها مزمجراً:
"شوقية، لمي لسانك بدل ما أخليكي تطلعي تقعدي مع بنتك بره."
صعدت على سرير الفحص واستعدت كما أمرتها الممرضة بوضعية التمدد ليتسنى للطبيب فحصها.
وقد مرت ثواني الفحص عليها كمرور الدهر على أهل الكهف، مع كم الشعور بالإهانة والخجل والطبيب يتفحص عذريتها، ودت لو جاء ملاك الموت وقبض روحها ويريحها من هذا العذاب القاتل للنفس وللجسد.
انتهى من الفحص وخلع من يده القفازات المطاطية وقام بتعقيم يده بالكحول المطهر، ثم ذهب إليهم قائلاً:
"واضح إن زوج مدام شمس بيتعامل معاها بتردد أو توتر وممكن يكون خايف عليها، غشاء البكارة موجود بنسبة 60% وما فيش داعي لتدخل جراحي لفضه لأن نوعه (Septate hymen) والنوع ده مش محتاج لأي عملية جراحية، فمع الممارسة كل شيء هيبقي تمام."
غادروا جميعهم العيادة وكل منهم في دائرة عاصفة من الأفكار، فشمس تدعو الله أن ينتشلها من براثن ظلم أعمامها، بينما رحاب كانت حزينة على حال ابنة عمها وساخطة على أفعال والديها، وكذلك رشا برغم إشفاقها على شمس لكن تخشى أن تخبر والدها ويعلم زوجها بهذا، وتمنت أن ما حدث يكون نهاية المطاف ويرسلون الفتاة لأهلها.
ولدى كلا من محمود وزوجته كانت تدابير أخرى ينسجها الشيطان لهما ويرسمها بدقة دون أدنى تفكير بأنهم هكذا يظلمون ويجيرون على ابنة شقيقه بغير وجه حق لهم.
***
في منزل العمة مجيدة، تجلس سحر في غرفة مروة محاولة تهدئتها بشتى الطرق.
"يابت يا عبيطة ماتنشفش دماغك، وخديه بالمسايسة، ده ابني وأنا اللي عرفاه، أحمد مابيجيش بالعند والند بالند."
نهضت الأخرى بضجر وقالت:
"يعني يرضيكي يا مرات خالي يضربني بالقلم عشان جبت سيرة البرنسيسة اللي كان خاطبها، معني كده إنه لسه عاشقها ومش قادر ينساها."
"ما ده بقي دورك أنتي، خليه ينساها، إشغليه بيكي، خليكي معاه في كل وقت حتى وهو في شغله أهريه تليفونات وأطمني عليه كل شوية، ما تخلهوش يشوف غيرك أنتي وبس."
زفرت بضيق وقالت بنفاذ صبر:
"حاضر، أمري لله ومابقاش مروة غير لما أخليه ينسي المخفية دي واسمه كمان."
ربتت الأخرى بابتسامة وفرحة:
"عفارم عليكي يابنت مجيدة، أيوه كده أتعلمي وخليكي ناصحة، ويلا بقي قومي ألبسي طقم حلو من اللي جابهم لك أحمد واطلعي له مستنيكي بره، عشان يعتذر لك، وجايب لك ورد وشوكولاتة والحاجات الهبلة اللي بتحبوها يابنات اليومين دول."
ضحكت مروة كالطفلة وقلبها يتطاير من الفرحة، ونظرة عينيها تخبئ أمرًا ما تعقد العزم عليه.
وبالخارج في الردهة ينتظرها وفي يده باقة زهور بيضاء. وضعت عمته أمامه طبق حلوى وكأس مياه غازية:
"ما دام مش عايز تتعشى معانا، فكُل حتة الجاتوه دي من عمايل إيدين مراتك وأشرب معاها الساقع."
أجاب ببرود:
"شكراً يا عمتي."
خرجت مروة من غرفتها متصنعة ملامح الحزن والآسي، فقالت والدتها:
"تعالي يا مروة أقعدي جمب جوزك."
ذهبت بالقرب منه لكنها جلست على الكرسي المقابل له ويبعد عنه بمسافة متر أو أكثر، رمقه الآخر كما وصاه والده وألقى عليه تعاليمه الصارمة، حدق إليها بابتسامة حالمة وسألها بود زائف:
"عاملة إيه؟"
أجابت دون النظر إليه:
"الحمد لله بخير."
نهض واقترب منها وجلس على الكرسي المجاور لها ثم انحنى بكامل جسده نحوها، يقدم الباقة إليها قائلاً:
"آسف حقك عليا، ما تزعليش مني، اليوم ده كنت مخنوق وعندي شوية مشاكل في الشغل."
وضع الباقة في يدها واليد الأخرى أمسك بها وقام بتقبيلها.
"لسه زعلانة مني؟"
وكأي فتاة قلبها يهوى ويعشق، تراقص فؤادها داخلها من السعادة، وقبلته على يدها جعلتها تمحو أي حزن كانت تشعر به.
دلفت سحر وسألتهما:
"ها يا ولاد خلاص، اتصالحوا."
فأجابت مجيدة:
"هما ليهم إلا بعض، ربنا يبعد عنهم الشيطان ويتمم لهم على خير."
قالت سحر:
"وبالمناسبة الحلوة دي أخوكي بيقولك في خلال الأسبوع ده الشقة هتبقى جاهزة من الإبرة للصاروخ وما تشليش أي هم، والفرح هيبقي الخميس الجاي، إيه رأيك؟"
"هو في رأي بعد رأي أخويا ربنا يبارك له ويخليه لينا، طبعاً موافقة وخير البر عاجله."
"بس على شرط."
قالتها مروة بعد أن نهضت وتعقد ساعديها أمام صدرها.
فسألها أحمد بترقب لإجابتها:
"إيه هو يا مروة؟"
ابتسمت بدهاء أنثى تريد أن تثأر لكرامتها، فقالت:
"الفرح يتعمل في البلد عندكم وفي الساحة الكبيرة اللي قدام بيتكم."
***
مرت ثلاثة أيام وهي سجينة غرفة ابنة عمها، ممنوع أن تخطو قدميها خارجها، هكذا أمر عمها حتى يفكر فيما سيفعله بها، فالذي حدث لم يمس سمعتها فقط بل سمعة العائلة بأكملها، كلما تذكر حديث الرجل الذي قابله في صلاة الجمعة، فهو من إحدى معارفهم في القرية أخبره بما حدث لشقيقه وابنته والأقوال المتداولة على الألسن وعائلة نصار قد تلطخ اسمها في الوحل، كما اقترح عليه هذا الرجل لإغلاق تلك الأفواه عليه بحل واجب النفاذ.
وفي مساء اليوم الرابع، أخبر زوجته بأنه سيأتي إليهم ضيوف وعليها أن تعد واجب الضيافة، وبالفعل كما أخبرها دوي رنين جرس المنزل وقام محمود بفتح الباب واستقبال ضيفيه وفي انتظارهما بالداخل أشقاؤه يحيى وحجازي.
قام بمناداة زوجته:
"يا أم محمد."
لبت ندائه وعيناها نحو غرفة الضيافة تنظر إلى الغرباء وأدركت من مظهر أحدهم هويتهم:
"أمرك يا حاج."
"ادخلي لبنت أخويا وخليها تلبس حجابها وتيجي عشان تمضي."
غرت فاهها وقالت:
"يعني اللي جوه دولـ…"
قاطعها بصرامة وأمر حاسم:
"ما تنجري روحي أعملي اللي قولت لك عليه من غير لت وعجن، أعوذ بالله منك وليه."
أخذت تتمتم بدون أن يسمعها وذهبت تفعل ما أمرها به.
وبداخل الغرفة كانت تبكي بين ذراعي ابنة عمها التي تقول لها:
"ماتخافيش يا شمس، بابا سمعته الصبح كان بيكلم أعمامي إنه خلاص لقى حل والله أعلم شكله هيرجعك لعمي البلد وممكن ياخد لك حقك من الكلب اللي عمل فيكي كده."
أجابت الأخرى ببكاء مرير:
"قلبي بيقولي عكس كده خالص، أنا حاسة إن عمي بيحضر لي مصيبة أكبر من المصيبة اللي أنا فيها، وأنا كل اللي طالباه منه هو وعمامي يسيبوني أروح لبابا وأوعدكم مش هحكيلهم على أي حاجة حصلت، أنا عايزة أمشي من هنا."
"تمشي تروحي فين يا حلوة؟"
سألتها شوقية ساخرة بعدما ولجت للتو، انتفضت شمس ونهضت قائلة إليها برجاء وتوسل:
"بالله عليكي يا مرات عمي خلي عمي محمود يكلم بابا يجي ياخدني أو أنا أروح لوحدي، أنا لو فضلت هنا يوم كمان ممكن أموت أو أنتحر."
أحست الأخرى بشعور الشفقة لأول مرة نحوها لاسيما بعد الذي عزم عليه زوجها وفي انتظار هذه المسكينة بالخارج، فقالت بتردد:
"بالله عليكي أنتي ما تعمليش مشاكل مع عمك، أنتي عرفاه طبعه صعب وممكن يخرب الدنيا، هو طلب مني إنك تلبسي وتطلعي له هو وأعمامك في أوضة الضيوف مستنينك."
نظرت إلى أسفل بخيبة أمل، فقالت رحاب كما ظنت:
"إيه ده بابا هيرجعها البلد، ولا عمي جاي ياخدها؟"
رمقتها والدتها بنظرة تحذيرية لكي تصمت وقالت:
"يلا يا شمس عشان قاعدين مستنينك."
وبعد أن اعتدلت من ثوبها وارتدت وشاحها وأمسكت بالمحرمة تجفف بقايا عبراتها، ذهبت خلف زوجة عمها، وحينما وصلت إلى باب الغرفة تسمرت في مكانها عندما سمعت صوت شخص غريب يردد:
"وأنا قبلت زواج موكلتك شمس محمد نصار."
توقف عقلها هنا يحاول إدراك ما يحدث، ولم تستوعب ما يجري، وحين دفعها عمها إلى المأذون الذي يعقد قرانها على رجل لا تعلم من هو، وضع القلم في يدها وأجبرها غصباً واقتداراً على إمضاء عقد الزواج، لكن أنقذها القدر تلك المرة وقد فقدت وعيها على الفور.
تتمدد على السرير بعد أن أصابها دوار وانخفاض في ضغط الدم كاد يودي بحياتها، لكن أسعفها إحضار زوجة عمها طبيبة تمكث في العمارة المقابلة لهم، جاءت وقامت بفحصها وقالت:
"لازم يتعلق لها محاليل فوراً، دي بتموت."
ذهب عمها وهو يشعر بخوف شديد، وبرغم ما اقترفه معها من ظلم وجبروت وعدم صون أمانة شقيقه لديه، أحضر كل ما قامت الطبيبة بطلبه من دواء وأدوات.
فسألها ويديه ترتجف خوفاً:
"أرجوكي يا دكتورة طمنينا عليها؟"
أجابت الطبيبة وهي تغرز إبرة المحلول في الوريد:
"أنا علقتلها المحاليل وكل شوية هتابعها، بس هي لازم تروح للمستشفى هناك التخصصات اللازمة عشان نحدد اللي عندها بالظبط ونعالجها صح."
قالت شوقية:
"جيب العواقب سليمة يارب، ربنا يقومك بالسلامة يابنتي، ويسامح اللي كان السبب."
وخارج الغرفة جاءت رشا وهي تصيح بغضب وتنهرهم جميعاً بما فعلوه، فهي كانت لا تعلم بل كانت في زيارة لدى والدتها وجاءت للتو:
"حرام عليكم، ربنا يمهل ولا يهمل، وذنب البنت دي في رقبتكم، ومش بعيد يترد لكم في بناتكم."
صاح بها زوجها حجازي:
"اتلمي يا رشا وملكش دعوة باللي بيحصل، دي بنت أخونا وإحنا أدري بمصلحتها."
دفعته في صدره ورمقته بازدراء وقد طفح الكيل بها من أفعاله وضعف شخصيته أمام شقيقه الكبير:
"ابعد عني، أنا خلاص قرفت منك ومن شخصيتك الضعيفة وماشي دلدول ورا أخواتك، يمين، يمين، شمال، شمال، يظلموا تظلم معاهم، وتيجوا على بنت لا حول ليها ولا قوة من غير حتى ترجعوا للراجل المسؤول عنها هو أبوها واللي له حق يتصرف معاها، لكن طبعاً إزاي ده يحصل والحاج محمود موجود، عينتم نفسكم القاضي والجلاد ونازلين سلخ في البنت زي الدبيحة، بس أنا خلاص مش هاسكت."
نظر إليها بتهديد وسألها:
"وناوية تعملي إيه يا رشا؟ شكلك عايزة تتطلقي لو اللي في بالي ده اللي عايزة تعمليه."
صاحت به وبكل قوة:
"أنا فعلاً مش هستنى معاك دقيقة واحدة لأنك سقطت من نظري."
هبط بكفه على وجهها، وكان الجميع يشاهدون ما يحدث، فاستغلت رحاب انشغالهم وأخذت هاتف والدتها وخبأته في طيات ثيابها وأسرعت تختبأ في المطبخ، قامت بمهاتفة رقم عمها محمد، أعطا لها رنيناً تنتظر إجابته بنفاذ صبر وقلة حيلة حتى كادت تغلق لكن صوت عمها المجيب بقلق:
"ألو، أزيك يا أم محمد، شمس بنتي بخير ولا؟"
أجابت رحاب وتتلفت من حولها قبل أن يراها أو يسمعها أحد:
"أنا رحاب يا عمي، تعالي ألحق شمس بسرعة……"
رواية كاليندا الفصل الثامن 8 - بقلم ولاء رفعت
أنتم إزاي جالكم قلب وتعملوا كده في بنتي يا محمود؟
صاحت بها زينب بحدة وغضب، فبادلها الآخر بنظرة تحذيرية ثم نظر إلي محمد شقيقه وقال:
جري إيه يا محمد جايب لي مراتك تعلي صوتها عليا في بيتي.
أجابت بنفس وتيرة غضبها المستطير:
ده أنا هعلي وهافضحكم وهاخد بنتي وهاروح أشتكيكم في القسم.
صاحت شوقية:
ما تهدي علي نفسك يا زينب، الحق علينا كنا عايزين نستر بنتك بعد ما حطت راس أبوها وأعمامها في الطين.
كادت تجيب لكن قاطعها محمد وقال:
بنتي ما غلطتش يا أم محمد، بنتي مجني عليها وكل اللي بيتقال في حقها ده كذب في كذب وحسبي الله ونعم الوكيل في كل اللي ظلمها سواء بقول أول فعل.
وأفترضنا إنه اللي حصلها غصب عنها زي ما بتقول، كان لازم نشوف حل للمصيبة دي وأنا وأخواتك ملقناش حل غير إننا نخلي واحد يكتب عليها ويطلقها بعد كام يوم عشان نسكت أي كلب يتكلم، وتبقي تقدر ترفع راسك قدام أي واحد يجي يطلبها منك وتقوله دي كانت متجوزه مش لا مؤاخذه…
قاطعته زينب بغضب ثائر:
قطع لسان أي حد يجيب سيرة بنتي بكلمة بطالة، وأنتم تقرروا علي أساس إيه؟، أنا وأبوها لسه عايشين مموتناش، بنتي أخوكم سابها عندكم أمانة وأنتم طلعتوا مش أهل للثقة، ولا طلعتم أهل أصلاً.
صاح محمود:
سامع مراتك يا محمد عماله تغلط في أخواتك وأنت واقف وساكت لها.
رمقه الأخر بنظرة خذلان وخيبة وندم قائلاً:
أخواتي!، يمكن الكلمة دي كانت قبل اللي تعملوه في بنتي، لكن بعد اللي حصل أنسوا إن ليكم أخ، اعتبروني مُت، ولولا أبوكم الله يرحمه كان زماني قدمت فيكم بلاغ.
هو ده اللي ربنا قدرك عليه يا أخويا؟
تفوه بها محمود، فأجاب شقيقه بنبرة جادة و يتخللها البرود:
ده لو كنت أخوك، كنت عملت حساب للكلمة دي من زمان، من وقت ما مراتك أذت مراتي، وقت ما كنت أنت عايزني أعيش تحت رحمتك وتمشيلي حياتي علي مزاجك، ودلوقتي بكل جبروت وظلم جنيت علي بنتي وحكمت عليها من غير رحمة ولا شفقة.
صاح به الأخر:
مش بنتك لوحدك، اللي يمسها يمسنا، يمس العيلة كلها.
وهي فين العيلة دي يا حاج محمود!
ألتفت الجميع إلي صاحب الجملة الأخيرة الساخرة، فقالت شوقية بذهول:
كريم؟
ولج من باب المنزل شاب في بداية الثلاثينات من عمره يشبه أخوته في الملامح لكن أكثر وسامةً وشباباً، وقف في مواجهتهم جميعاً وقال:
إيه؟، مش متوقعين إن ممكن أجي عشان أشوف المصيبة اللي دبروها ونفذوها أخواتي بقيادة الحاج محمود.
حدق محمود بتجهم نحوه و سأله:
مين اللي قالك؟
أجاب الأخر:
أومال مكنتش عايزني أعرف، عشان عارف إن أنا هعارضك وهارفض اللي عملتوا في بنت أخونا اللي كلنا عارفين تربيتها وأخلاقها، و عقلك وتفكيرك العقيم بدل ما يخليك تفكر تعاقب الجاني وتاخد لها حقها من اللي عمل فيها كده، رايح تظلمها أكتر وتجني عليها كأنها مُذنبة.
والله وجه اليوم يا كريم اللي تعلي فيه صوتك و واقف بكل بجاحة راس براس في وش أخوك الكبير اللي وقف جمبك و كان بيعملك إنك ابنه مش أخوه وبس.
رد كريم بحسم:
أنا اللي عملت نفسي، أنا اللي شقيت وسفيت التراب لحد ما خلصت بُنا شقتي و أتغربت في محافظة تانية عشان أقدر أتجوز وأفتح بيت من غير ما أستني إحسانك وعطفك عليا، بس ده مش موضوعنا دلوقت، أنا كل اللي يهمني من الليلة دي كلها بنت أخويا اللي يعلم ربنا معزتها في قلبي وكأنها بنتي اللي مخلفتهاش، أنا راجع وحالف إن مش هاسيب حقها.
سأله محمود بسخرية:
إيه ناوي تنتقم مني؟
أجاب بتهكم:
أنت و يحيي و حجازي بالنسبة لي أخوات بالاسم ليس إلا، لكن بالنسبة للانتقام مابقاش راجل لو ماخدتش حق شمس من الـ… اللي عمل فيها كده هو وعيلته.
قالت زينب والبكاء والشجن يتخللا نبرتها:
ودول حد يقدر عليهم يا كريم؟
أقترب منها ووقف أمامها وبكل ثقة قائلاً:
أنا أقدر، وكله بالقانون يا مرات أخويا.
في سيارة كريم، تجلس زينب برفقة ابنتها في المقاعد الخلفية و محمد يجلس بجوار شقيقه الذي يقود وينظر كل حين والآخر عبر المرآه علي وجه ابنته الشاحب ونظرتها المتبلدة، لا حياة في عينيها وكأنها جسد خاوي.
أراد أن يقطع هذا الصمت القاتل فقال:
أنا علي فكرة قبل ما أجي عرضت الموضوع علي محامي صاحبي، قالي ما تقلقش إحنا لو قدمنا بلاغ و رفعنا القضية فبالتأكيد هيطلبوا تقرير الطب الشرعي وبيه نثبت واقعة الاعتداء.
ربت محمد عليه بشكر وعرفان قائلاً:
تسلملي يا أخويا، بس أنا سابقتك قبل ما أعرف اللي حصل وكلت محامي معرفة تبع واحد صاحبي في الشغل، حتي لما قابلته وشرحت له ظروفي وهياخد أتعابه بعد ما نكسب القضية.
وأنا مش عايزك تقلق من ناحية الفلوس، اللي أنت هتطلبه تحت أمرك فيه، شمس بنتي زي ما هي بنتك، وحقك عليا علي اللي عملوه أخواتك، أقسم لك لو كنت موجود مكنش حد فيهم أتجرأ يقربلها.
تدخلت زينب قائلة:
عارفين والله يا كريم، يعلم ربنا معزتك وغلاوتك في قلوبنا مش مجرد عم بنتي بالعكس أنت غلاوتك من غلاوتها، كفاية وقوفك جمب محمد لما تعبت وفضلت تلف معاه في المستشفيات بيا وترجع تقعد مع شمس وتراعيها.
ابتسم بامتنان وقال:
ماتقوليش كده يا أم شمس، إحنا أهل ولو أنا ما وقفتش مع أخويا في وقت الشدة مين اللي هيوقف معاه، الغريب مثلاً.
رفعت جانب فمها بتهكم وقالت:
والله ما جت من إخواتك حتي السؤال كانوا مستخسرينوا.
أستدار محمد برأسه إليها موبخاً إياها:
ما خلاص بقي يا أم شمس، وفضيها سيرة، ربنا يسهلهم ويبعد عننا آذاهم.
رد كريم:
أحسن دعاء ليهم ربنا يديلهم علي قد نيتهم وحسبي الله ونعم الوكيل.
نظرت زينب نحوه وكأنها تذكرت أمراً ما وقالت:
ألا قولي، أنت عرفت إزاي اللي حصل، إحنا لولا البت رحاب اللي خسارة في أهلها أتصلت علي أخوك مكناش نعرف أي حاجة.
تنهد الأخر وأجاب:
رشا أتصلت بيا وحكتلي علي كل حاجة، بس اللي فهمته إنها عند أهلها، حجازي كالعادة عشان يراضي محمود أتخانق معاها ومد أيده عليها كل ده عشان اعترضت علي اللي بيعملوه.
زفر شقيقه بضيق وقال:
لا حول ولاقوه إلا بالله، طول عمرها حقانية ما بتحبش الظلم ولا الحال المايل، وبرغم كده استحملت حجازي سنين كفاية بعد ما عرفت إن تأخير الحمل من عنده كملت وصبرت معاه، وياريت بيقدر ده بالعكس بيجي عليها، و ممكن يبيعها في ثانية لو محمود قاله يعمل كده.
ألقت الأخرى نظرة علي ابنتها قبل أن تتحدث فوجدتها مغمضمة العينين، يبدو إنها تغط في نومٍ عميق.
و بعد ساعة وصلوا أمام المنزل، فقامت بإيقاظ ابنتها تربت عليها:
أصحي يا حبيبتي، خلاص وصلنا.
لا رد منها، وضعت يدها تتحسس وجنتها لتجد حرارتها منخفضة، صاحت بخوف:
شمس؟، يا شمس؟، ألحقني يا محمد بنتك ما بتصحاش، وجسمها متلج.
وبعد أن ترجل كريم من السيارة دلف إليها مرة أخري وصاح مسرعاً:
مستنين إيه، يلا ناخدها علي أقرب مستشفى.
وأنطلق بالسيارة علي أقصي سرعة، بينما والدتها تحاول أيقظها والأخرى كأنها كالموتى لم تستيقظ بعد.
و في المشفى التابع لمركز المحافظة، خرج الطبيب من غرفة الفحص بعدما قام بمنع دخول أي منهم حتي يتثنى له الفحص بدون إزعاج وكان معه ممرضة.
أسرع ثلاثتهم نحوه فسأله كريم بلهفة و قلق:
شمس مالها يا دكتور؟
أجاب الطبيب بجدية:
أطمنوا، هي بخير الحمدلله، الإغماء اللي عندها طبيعي جداً، وعملنلها فحص كامل زي ما حضرتك طلبت وهاكتب لكم تقرير بكده.
قالت زينب بحزن وآسي علي ابنتها:
طبعاً لازم يا عين أمها يغمي عليها من اللي حصلها والظلم اللي شفته، ومكنتش بتاكل، منهم لله.
أجاب الطبيب:
هي فعلاً شكلها مكنتش بتاكل و ده واضح عليها وممكن كمان عندها إنيميا، أنا علقتلها محاليل، لكن السبب الرئيسي للإغماء إنها حامل.
شهقت وهي تضرب بكفها علي صدرها، بينما كريم أبتلع غصته بصعوبة وهو يتلقي الكلمة غير مصدق، لكن محمد كان أسوأهم حالاً، أخذ يردد الكلمة علي طرف لسانه و بدأ يشعر بدوار ووخز في أطرافه اليمني يليه بخدر، يتراجع إلي الخلف حتي أرتمي علي المقاعد فاقداً وعيه، ألتفت جميعهم إليه، صرخت زوجته مسرعة نحوه:
محمد!
ولج حمزة إلي المنزل يجر حقيبة سفر صغيرة خلفه، فوجد والدته وشقيقته يجلسان أمام التلفاز، فقالت والدته بعدما تفاجأت:
أنت إيه اللي جابك؟
لم يجب عليها وأكمل سيره إلي غرفته، ذهبت خلفه والغضب ينبعث من عينيها، قامت باستدارته عنوة عنه لينظر لها مباشرة وصاحت به:
في إيه يالاه، أنت خلاص مابقاش يهمك حد، لما أكلمك ترد عليا.
نفض يديها بغلظة من علي عضديه وصاح بها:
ملكيش دعوة بيا، وأحسن لك تتجنبيني خالص، ولا أقولك اعتبرني هوا.
أنتفضت وتراجعت إلي الخلف لكن لم تظهر له خوفها من ما أدركته من مغزي كلماته وتهديده الصريح لها فقالت:
مش أبوك محذرك إنك تيجي هنا، لحد ما هايشوف عملتك الهباب دي هترسي علي إيه.
حمل الحقيبة وألقاها أعلي التخت بعنف وقام بفتح السحاب قائلاً:
والله مش المفروض أنا اللي أسيب بيتي، هم اللي يسيبوا بيتهم، ده لو أبوها راجل عنده كرامة و ذرة رجولة كان خد بنته و مراته وعزلوا من البلد.
رمقته بإزدراء وقالت:
يا بجاحتك يا أخي!، أنا لو مكان أمها وجه حتة عيل صايع شمام زيك وعمل في بنتي كده، ما كان يهمني حد وكلته بسناني حتت.
فتح الخزانة خاصته وقام بإلقاء ثيابه بداخلها، نظر إليها من أعلي إلي أسفل بازدراء وقال:
وكنتي فين لما سبتيني لعمي يعذب فيا بعد ما…
أسكتته بكتم فمه بكفها و قالت بصوت منخفض:
أخرس يا حيوان، أقسم بالله لولا إنك ابني كان زماني…
صمتت وهي تزجره بعينيها نظرة مرعبة، لكن لم تأثر به، بل دفع يدها وقال:
كنتي زمانك قتلتيني زي ما قتلتي جدي؟!
عم الصمت بينهما وكل منهما يرمق الآخر بنظرة عدائية قاطعها دخول حماد الذي جاء للتو من الخارج:
بتعمل إيه عندك ياض؟، مش قولتلك تغور علي إسكندرية و ماشوفش وشك غير لما الدنيا تهدي.
أجاب الآخر بسفاقة وعدم حياء:
والله أنا أقعد في أي حتة تعجبني، واللي مش عاجبه الحيطان كتير يروح ينقي الحيطه اللي تعجبه ويخبط راسه فيها.
زجره والده بغضب عارم، دفعه في صدره ثم أمسك تلابيبه بعنف:
مين ده يا ابن الـ… اللي يخبط راسه في الحيطة.
أمسكت هدي بيده وقالت:
بالتأكيد مش قصدك أنت يا حاج، هو يقصد محمد نصار و بنته.
نفض يده وهو يرمقه بتقزز وقال:
ماشي يا حمزة، لما هاشوف أخرتها معاك، بس لو الموضوع وصل لبوليس ومحاكم مش هارحمك، أي نعم هعمل كل حاجه عشان ماتتسجنش بس اللي هعملوا فيك ما يجيش واحد من مليون اللي كنت هاتشوفه في السجن، هخليك تتمني تسلم نفسك للقسم عشان يرحموك مني، كتك داهية فيك وفي أمك اللي بدل ما تربيلي راجل، ربتلي ست.
تركهما وغادر الغرفة، فتنفست هدي الصعداء وقالت وهي تلكزه في ذراعه:
عجبك كده، ماينوبنيش من وراك غير التهزيق، أبقي إستحمل وش أبوك التاني، وأجارك الله من قلبته.
قالتها ثم بصقت نحوه وذهبت تاركة الآخر في نيران غضبه، نهض وصفق الباب خلفها وأخذ يلقي بكل شيء أمامه.
و بالعودة إلي المشفى مرة أخري، يقف كل من كريم و زوجة أخيه أمام غرفة العناية المركزة.
فقالت زينب وهي تبكي:
كان مستخبي لنا فين ده يارب.
أوقفها الأخر ونهرها قائلاً:
أستغفري الله يا أم شمس، كل ده قضاء و قدر وفي نفس الوقت اختبار من ربنا وعليكم بالصبر وبإذن الرحمن هيقوم بالسلامة وهانتطمن عليها و هانجيب حقها كمان.
جلست علي المقعد الحديدي بقلة حيلة وبقوي منهكة:
أنا كل اللي يهمني دلوقت إنهم يقوموا بالسلامة، مش عايزة حاجة تاني.
خرجت الممرضة من العناية وقالت لهما:
لو سمحت يافندم أنت والمدام ممنوع التواجد قدام غرف العناية، أتفضلوا أنزلوا تحت في الاستقبال.
أخبرها الأخر:
إحنا عايزين نطمن علي أخويا الأول.
أجابت الأخرى:
لو قصدك الأستاذ محمد الدكتور معاه جوه، واللي عنده ده بسبب ضغطه أرتفع فجأة وكانت هتحصل جلطة بس الحمدلله لحقناه، والدكتور بعد ما يخلص مرور علي المرضي هيقابلكم، يعني في كل الحالات وجودكم هنا مش هايفيدوا أتفضلوا أستنوا تحت وأحنا هانبعت حد يبلغكم أول ما الدكتور يخلص.
أخذت زينب تردد وهي تحاول أن تستوعب ما قيل للتو:
يارب أنت الشافي، يارب قومه لي بالسلامه أحنا ملناش غيره.
أقترب منها كريم وربت عليها:
يلا يا أم شمس تعالي ننزل نستني قدام الأوضة اللي فيها شمس، خليكي معاها وأنا هابقي أطلع لما الدكتور يخلص.
و بعد مرور يومان…. استردت شمس عافيتها و أصبحت صحتها أفضل، بينما محمد أمر الطبيب بإبقائه في العناية تحت الملاحظة، ولأن من قوانين المشفى عدم المبيت لأكثر من مرافق، فأنتظر شقيقه بعدما أوصل زوجة أخيه و ابنتها إلي المنزل.
وفي اليوم الغير مناسب لما يحدث، كانت شمس تمكث في غرفتها وبعد أن علمت بخبر حملها لا تعلم ما تلك الحالة الغريبة التي أصابتها، تحاول إقناع نفسها إنها بداخل كابوس ولم تستيقظ منه بعد.
انتبهت إلي بعض الضجة في الخارج، ذهبت إلي النافذة، لتفاجئ بهذا المنظر، العديد من فروع المصابيح الملونة في كل مكان تتوسطها عدة ثريات متدلية من أوتاد خشبية وسرادق مزركشة، فُتات الخشب الملون يفترش أرض الشارع من أوله إلي آخره، والطاولات متراصة وحول كل منها كراسي موضوعة بشكل منظم، وإذا بعينيها تقع علي منصة مرتفعة مُزينة بأقمشة من الحرير والتول والورود يعلوها أريكة مخملية علي جانبيها إضاءة خافتة تكمل هذا الديكور المعروف في حفلات الأعراس، بدأت الموسيقي والزغاريد تعلو فتسمرت في مكانها، وقبل أن تتحرك قدميها إلي الداخل ظهرت لهما سحر تلك الحرباء و تعمدت أن تقول:
أزيك يا شمس، أبوكي عامل إيه دلوقت؟
رمقتها بتجهم وأجابت باقتضاب:
كويس الحمدلله.
فقالت بدهاء وخبث ونظرات تشفي في عينيها:
معلش بقي كنت أنا وعمك كامل هنيجي نزوره في المستشفي، بس أديكي شايفة عقبال ليلتك كده، أحمد ابني النهاردة فرحه علي مروة بنت عمته.
تصنعت شمس عدم اللامبالاة لكن بداخلها يعتصر ألماً وقهرا، ابتلعت غصة علقت في حلقها واكتفت برد مقتضب:
مبروك.
توالت الأيام وبعد أن أسترد محمد صحته وعافيته قرر أن يثأر لابنته عن طريق أخذ حقها بالقانون برفع دعوي قضائية ضد حمزة السفوري، وبالرغم نصيحة شقيقه كريم له إنه تحري عن المحامي المدعو رأفت متولي وجد إنه محامي لن يأخذ العدل مبدأه بل يبيع ضميره من أجل حفنة من المال، تعلل شقيقه بقلة حيلة هذا الوحيد الذي تقبل قضيته من المحيطين حيث كلما ذهب إلي محامي وسمع اسم حماد السفوري فيعتذر علي الفور ويتحجج بانشغاله في قضايا أخري، و هذا الرأفت تقبلها عن صدر رحب خاصة يربطهم معرفة وصلة قرابة بعيدة.
وقبل أن يذهب إليه أخذ ابنته وتوجها إلي قسم الشرطة وقدم بلاغاً رسمياً سردت فيه شمس للضابط كل ما حدث معها بالتفاصيل، و الذي جعل والدها يتخذ تلك الخطوة قبل أن يذهب إلي المحامي فهذا علي سبيل الاحتياط و ربما ولج الشك بداخل قلبه بعد كلام شقيقه.
و بداخل غرفة مكتب قديم و أثاثه الخشبي المهترئ و نافذة خشبية تآكل مقبضها الحديدي من الصدأ، يجلس خلف المكتب هذا المُدعو رأفت متولي كما مدون علي القطعة الرخامية المتآكلة، يمسك بين يديه ملف ورقي يتطلع علي أوراقه باهتمام زائف، قائلاً:
يا أستاذ محمد صورة البلاغ اللي قدمته في المُدعي عليه بتهمة الاعتداء علي الآنسة شمس بنت حضرتك ملهوش أي لازمة من غير أي دليل يثبت أن حمزة حماد السفوري أعتدي علي بنتك.
رمقه الأخر بامتعاض ثم سأله:
تقصد إيه يا متر، يعني هافضح بنتي ونروح نتبلى علي الناس من غير دليل!
ابتسم بسماجة وهو يجفف قطرات عرقه بمحرمته المنسوجة من القطن ،فقال :
لاء طبعاً ما أقصدش كده لاسمح الله، يعني اللي فهمته من كلام بنتك في المحضر إنها معاها دليل قوي يُدين إبن حماد السفوري.
نظرت شمس بتردد إلي والدها الجالس مقابلها، فأومأ لها بنظرة طمأنينة قائلاً:
معانا الدليل اللي يوديه هو وعيلته في ستين داهية.
و مع آخر حرف تفوه به محمد بكل طيبة و عفوية قابلها هذا الذئب الدنيء بابتسامة انتصار و زفر بأريحية، فميزان العدل الذي يُزين الجدار خلفه لا يمت لأعماله بصلة، ضميره في سُبات عميق لن يستيقظ منه بل هو قد باعه بثمن بخس لكل ظالم مُتجبر يعث في الأرض فساداً ويأتي له لكي يدافع عنه ويخرجه من أي كارثة أقترفها حيث يقوم باستغلال كل ثغرات القانون بكل الطرق الملتوية.
أخرجت من حقيبتها هاتف من الطراز الحديث و يديها مُرتجفة من التوتر، كاد يسقط منها لكن أنقذ والدها الموقف و أمسك به ووضعه أمامه فوق المكتب قائلاً:
أتفضل ساعدتك ده الموبايل بتاع المجرم اللي ربنا ياخده كان معاه في وقت اللي حصل.
أمسك به الآخر وأخذ يحدق به يقول:
هو ده اللي صور عليه اللي عمله فيكي؟
انتابتها حالة من القشعريرة من سؤاله الذي يدل علي حماقته، بدأت عبراتها بالتجمع في مقلتيها، فأجابت بصوت محشرج :
أيوه هو، لما فوقت من الإغماء اللي كنت فيه قعدت أدور علي موبايلي ملقتهوش، لاقيت موبايله واقع جمبى.
أنحني بجذعه جانباً ليلتقط حقيبته الجلدية، ووضع الهاتف بداخلها، ثم نظر إليهما وبدأ بالنفاق يتحدث:
أطمن يا أستاذ محمد إن شاء الله حق بنتك هايرجع وابن حماد السفوري مش هيطلع عليه نهار غير وهو مشرف علي البورش مع المجرمين اللي زيه، و ده بعد ما أقدم للنيابة الدليل ده و معاه التقرير الطبي اللي يثبت حالة الاعتداء.
و بعد مغادرتهما المكتب، كشر هذا الضبع عن أنيابه الكريهة، أمسك بهاتفه وقام بالاتصال علي رقم طالما يتمني أن يصل إلي صاحبه بشتي الطرق حتي يحظى علي سخائه الذي يفضي به علي كل من يقدمون إليه الخدمات الهامة ولا أهم من تلك الفرصة الذهبية ولابد من استغلالها.
أيوه، مين معايا؟
تحمحم وبزهو وفخر أجاب:
أنا رأفت متولي المحامي اللي ماسك قضية شمس محمد نصار رفعها أبوها ضد ابنك.
والمطلوب مني إيه إن شاء الله، بص يالاه أنا مابتهددش و روح قول للي إسمه محمد أعلي ما في خيلك أركبه وشوف حد تاني غير ابني يلبسه عملة بنته الفاجرة.
إهدي كده يا باشا وروق أعصابك، يعني أنا لو ضدك إيه اللي هيخليني أتصل بيك عشان أحدد معاك ميعاد نتقابل ده غير معايا حاجات تهمك أوي ممكن بسببها يروح المحروس ابنك في ستين مليون داهية ومهما عملت، القضية لبساه.
وإيه طلباتك بقي يا حضرة الأڤوكاتو؟
تهللت أساريره وقال:
كده بقي جبت من الآخر والمفيد، طلباتي دي مش عايزة مكالمة في تليفون، أنا أجي لك لحد عندك أشرب فنجان القهوة وتسلمني وأسلمك.
رواية كاليندا الفصل التاسع 9 - بقلم ولاء رفعت
ينتظر رأفت المحامي أمام مكتب المساعد، ينظر في ساعة هاتفه بزفاذ صبر حتى صدح رنين جرس التنبيه.
نهض ذلك المساعد قائلاً بابتسامة زائفة:
_ أتفضل يا متر، حماد بيه في انتظارك.
نهض هذا الخائن والسعادة تنبلج على ملامحه، يعلم ما سيغتنمه من تلك الفرصة الذهبية. على يقين بأن حماد السفوري على استعداد لدفع مبالغ طائلة من أجل نجله المتهور وألا يمكث في السجن لثانية واحدة.
طرق الباب ثم قام بفتحه وأرتسم على ثغره ابتسامة سمجة قائلاً:
_ مساء الخير يا حماد بيه.
أشار إليه الآخر بالدخول:
_ أتفضل يا متر.
جلس على الكرسي أمام مكتبه وقال:
_ أنا عارف وقت حضرتك ضيق، فمش هطول عليك كتير.
تنهد الآخر فأخبره:
_ يبقي أحسن، أتفضل هات اللي عندك.
تبدلت الابتسامة من السماجة إلى المكر والدهاء:
_ اللي عندي يساوي قيمة ولي عهدك، أو نقدر نقول حريته وسمعته وسمعة عيلة السفوري.
رجع الآخر بظهره إلى المسند الخلفي وقال:
_ مش لما أشوف اللي معاك يستحق ولا تكون اشتغاله وأبقى زي اللي بصطاد سمك في ميه.
وضع الآخر حقيبته أمامه على الطاولة الصغيرة وقام بفتحها وأخرج منها هاتف مُغلف بكيس بلاستيكي ذو سحاب ضاغط وظرف ورقي مُغلق ووضعهما على المكتب لكن في قبضة يده.
هز الآخر رأسه وسأله:
_ إيه ده؟
أجاب الآخر بثقة بالغة:
_ ده موبايل ابنك اللي نسيه في مكان اللي عمل فيه عملته وعليه فيديو باللي عمله، والتاني ده ظرف فيه تقرير الدكتور اللي بيأكد إن البنت اتعرضت لمحاولة اعتداء فقدت فيها جزء من عذريتها واللي يثبت التقرير ده الفيديو اللي في الموبايل، يعني أدلة بتكمل بعضها.
أطلق الآخر زفرة وكأن جبلاً قد انزاح من فوق صدره. نهض وذهب أمام خزانته الإلكترونية ووضع كفه فوق الشاشة حتى تطابقت البصمة وفُتحت الخزنة. أخذ من داخلها ظرف كبير ثم أغلقها وعاد إلى كرسيه مُلقياً أمام رأفت الظرف.
نظر الآخر إلى الظرف وسأله:
_ كام دول؟
أجاب حماد بعنجهية:
_ خمسين ألف جنيه وليك زيهم لما أتأكد إنك مش تكون ناسخ من الفيديو اللي على الموبايل نسخ تانية.
نصف ابتسامة على ثغر الآخر الذي قال:
_ أبقى مغفل ومجنون لو عملت حركة زي دي، لأن أنا مش عايز فلوس، أنا عايز أكون المحامي الخاص لسيادتك.
قهقه حماد حتى تردد صدى ضحكاته وتوقف لتتحول ملامحه إلى الجدية، قائلاً بتهكم:
_ وأنت بقى يا محامي بير السلم، عايزني أخليك المحامي بتاعي!
ابتلع الآخر الإهانة وأظهر عكس ما بداخله، رمقه بثقة يخالطها نبرة تهديد قائلاً:
_ أنا سامع إن حضرتك ناوي ترشح نفسك نائب في البرلمان، وموضوع زي موضوع المحروس ابن سعادتك لو وصل للجهات العليا هيحطوا على اسمك علامة إكس بالأحمر.
وأختتم كلماته ببسمة انتصار وتشفي، فأحتقن وجه الآخر ليكشر عن أنيابه وقال:
_ طيب واللي بلغك المعلومة دي مقالكش إن بنفوذي ممكن أخلي اسمك الجميل ده يتشطب من نقابة المحامين؟
نهض ووقف فوضع يديه في جيوب بنطاله قائلاً بزهو وفخر:
_ يبقى حضرتك متعرفش مين هو رأفت متولي.
أطلق الآخر زفرة كدليل على نفاذ صبره:
_ خلاصة الموضوع ده وكلمة وما فيهاش نقاش، تاخد مليون جنيه وما تسمعش صوتك تاني ولو عايز تكون محامي لحد واصل ممكن أعرفك على رجال أعمال وأنت وشطارتك بقى.
انشقت بسمة عارمة على وجه هذا الذي يشبه الثعلب في مكره ودهائه وكالعقرب في غدره، جلس على الكرسي بأريحية قائلاً:
_ يبقى كده متفقين، والموبايل والتقرير بين إيديك.
تناولهم الآخر بقبضة قوية وأتجه نحو المدفأة، فقام بسكب سائل على الحطب ثم أشعل عود ثقاب وألقاه لتندلع النيران رويداً رويداً، وبكل قوته دفع الهاتف والظرف لإحراقهم وابتسامة ظافر جائر تعلو شفتيه:
_ خلي محمد نصار يبقى يروح يدور على مين اللي عمل كده في بنته.
***
دوي رنين جرس المنزل وكانت زينب تقف أمام الموقد تطهو، فتركت ما بيدها وأدارت المقبض فانطفأت النار ثم مسحت يديها في منشفة جافة قائلة بصوت جهوري:
_ حاضر ياللي بترن الجرس.
ذهبت لترتدي خمارها وفتحت الباب فوجدته شقيق زوجها، قالت له بترحاب وحبور:
_ يا أهلاً وسهلاً، اتفضل يا كريم.
دلف وبيديه يحمل أكياساً مُعبئة بالفاكهة المختلفة:
_ السلام عليكم.
أجابت الأخرى:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ليه التعب ده، ده أنت جاي في بيتك مش عند حد غريب.
وضعهم على المنضدة المجاورة لباب المنزل وقال:
_ دي حاجة بسيطة عشان شمس.
_ أنت ابن حلال، لسه مخلصة الأكل، ادخل اغسل إيديك وبعدها ادخل صحي أخوك عقبال ما أغرف.
قالتها واتجهت نحو المطبخ، فسألها:
_ أومال فين شمس؟
تنهدت بحزن وأجابت:
_ كالعادة حابسة نفسها يا قلب أمها في أوضتها، الموضوع بقى صعب قوي خاصة بعد ما عرفت بحملها اللي ما كان على البال ولا الخاطر.
_ ده ابتلاء من ربنا وعليها بالصبر، أنا عارف الموضوع صعب جداً بس مش بإيدينا غير نقف معاها ونجيب حقها من ابن الـ… اللي عمل فيها كده، وعقبال ما ده يحصل معدش ينفع تقعدوا هنا في البلد.
_ قصدك نسيب بيتنا زي اللي عاملين عملة ونهرب!
كان صوت محمد الذي خرج للتو من غرفته. اقترب منه كريم وأوضح له:
_ مش هروب، بس ما ينفعش تفضلوا قاعدين هنا أولاً زمان المحامي اللي وكلته بدأ في الإجراءات وطبعاً زمان حماد عرف، فشيء طبيعي مش هيسيبك في حالك وتجنباً للمشاكل والأمر الثاني كلها شهرين ولا تلاتة وبطن شمس هاتظهر وأنت عارف أهل البلد ماورهمش حاجة غير الكلام وبنتك حالتها النفسية مش متحملة كلمة من حد ومحتاجة رعاية ودكتور يتابع حالتها، تقدر تقولي هاتخرج وتدخل إزاي والبلد كلها أوضة وصالة؟!
وقبل أن يجيب شقيقه، سبقته زوجته:
_ كريم عنده حق يا أبو شمس، أنا كنت لسه الصبح في السوق والنسوان كل ما تشوفني يغمزوا لبعض ويتكلموا وأنا لو رديت عليهم مش هخلص غير وإحنا في القسم، والواحد مش ناقص مشاكل ولا حرقة دم.
جلس محمد على أقرب كرسي بقلة حيلة ويأس قائلاً:
_ وأنا أجيب فلوس لسكن تاني منين، كل مرتبى يا دوب نصه أقساط والنص التاني أكل وشرب ومصاريف البيت.
ربت شقيقه عليه بمؤازرة وقال:
_ ماتشلش هم وأنا موجود.
ارتفعت زاوية فم الآخر بتهكم وقال:
_ عايزني أروح أقعد مع أخواتك اللي باعوا واشتروا في ضنايا كأني مت.
أخرج من جيب بنطاله سلسلة مفاتيح خاصته وقام بأخذ مفتاح منها قائلاً:
_ عندي شقة كنت شاريها السنة اللي فاتت في إسكندرية، بأجرها كل موسم صيف.
تفهم شقيقه مقصده فسأله:
_ و شغلي اللي هنا؟
أجاب الآخر:
_ خليك أنت هنا أيام الشغل وفي يومين الإجازة أطلع على إسكندرية أقعد معاهم.
تدخلت زينب قائلة:
_ وأنا موافقة.
رمقها زوجها بضيق فأردفت:
_ كلام أخوك كله صح، ولو عندك حل تاني شور علينا، وإسكندرية غير هنا على الأقل ما أصتبحش بوش العالم اللي هنا وأسمع تلسين من اللي يسوي واللي ما يسواش.
قال كريم:
_ ولما تجهزوا حالكم عرفوني وما تقلقوش الشقة مفروشة من كل حاجة وفيه سوق قريب، وأنا هابقى معاكم، بس ياريت يكون الكلام ده قبل ما الأسبوع ده يخلص عشان كلموني من الشغل ولازم أسافر.
نهض محمد وتوجه إلى المرحاض، أشار بيده بعدم اكتراث وقال:
_ أعملوا اللي تعملوه.
زفرت الأخرى بامتعاض وقالت:
_ شوفت يا كريم، أهو كده من ساعة لما قام بالسلامة وأنا مش عارفه هو عايز إيه بالظبط.
أجاب عليها:
_ ما تقلقيش أخويا وأنا عارفه، أعذريه الصدمة مشوشة على تفكيره ومع الوقت هايرجع أحسن، أنتي بس خليكي جمب بنتك هي محتاجة لك أنتي أكتر واحدة، وربنا يطمنا عليها ويقومها بالسلامة.
_ آمين يارب، وينصرها على الظالم ابن هدى ويحرق قلبهم زي ما قهروا بنتي وحرقوا دمنا كلنا.
***
وقبل أن يعدوا للرحيل، ذهب محمد إلى مكتب المحامي لمتابعة الإجراءات لكنه تفاجأ بالباب مُغلق. قام بالاتصال عليه فتلقى رسالة مسجلة بأن الهاتف مغلق أيضاً، تعجب لأن هذا الوقت هو موعد عمله في المكتب. أخذ يضغط على زر الجرس ويتبعه بطرق الباب عدة مرات حتى ظهر له من خلفه رجل ذو مظهر بسيط يقول له:
_ الأستاذ رأفت مش موجود.
عقد الآخر حاجبيه وسأله والقلق يساوره بداخله:
_ أومال هو هيجي إمتى؟
أجاب الرجل:
_ هو ساب المكتب لصاحب البيت وسافر بلاد برة.
أزدرد ريقه وهو يشعر بجفاف حلقه من ما يسمعه للتو:
_ إزاي؟
أجاب الرجل:
_ والله يا أستاذ كل اللي أعرفه قولتهولك.
ويشاء القدر وتأتيه مكالمة هاتفية من رقم غريب، أجاب على الفور:
_ ألو، مين معايا؟
أجاب المتصل:
_ مش مهم تعرف أنا أبقى مين بس حبيت أقولك أبقى فكر مليون مرة قبل ما تقف قدام حماد السفوري أنت وبنتك، والمحامي اللي أنت وكلته باعك والأدلة كلها خلاص بح.
صاح محمد بغضب:
_ أنت مين؟
لكن لم يتلق أي إجابة سوى إغلاق الخط في وجهه، فأطلق الآخر السباب والشتائم.
***
عاد خالي الوفاض يشعر وكأن الدنيا تهبط عليه بسوطها دون رحمة. ذهب إلى الطبيب الذي دون له التقرير فأنكر معرفته به وبابنته وكاد يجن جنون الآخر. تأكد أن يد حماد الفاسدة قد وصلت إلى الطبيب أيضاً. ما هذا يا الله. أراد أن يجلب حق ابنته بالقانون وها هو الذي ردد القسم بنصرة المظلوم وتحقيق العدل قد خالف وعده ونصف الظالم مقابل المال. فما أبشع أن ترتكب مثل هذا الذنب بل في حد ذاتها كبيرة من الكبائر فهي فتنة هذا العصر وآخر الزمان الذي نعيشه حالياً. قد انقلبت الموازين عبثاً فالظالم هو من صاحب الحق والمظلوم هو الجاني. الباطل من يمسك باللجام ويقود بلا هوادة لكن هيهات. رب الحق يترك ما يحدث ليرى مدى إيمان وصبر المؤمن اختبار دنيوي للظفر بالجائزة الكبرى وهي جنات الفردوس. فيا صاحب الحق لا تيأس ولا تكل ولا تمل. عدل الرحمن أقوى من جبروت أي ظالم كان على وجه الأرض والتاريخ يشهد على مر الزمان على نهاية كل جبار عتي وفاسد. لا تنس فرعون وكسرى والنمرود وكل ذي نفوذ وسلطة تجبر على الخلائق دون خوف من خالقه فكان مصيره محتوم، جزاؤه العذاب الأبدي دنيا وآخرة. فكن على ثقة بربك وأذكره دائماً وقت الشدائد. قم بمناداته من أعماق قلبك وسيهديك إلى طريق الحق والنور وتجد إنصافاً يجعلك تخر ساجداً باكياً من فرط سعادتك. الحق نور والنور صفة الرحمن فلا تخف.
***
وبعد يومان… عاد والد شمس من عمله بوجه مُكفهر وكأنه يحمل من الهموم جبالاً غير الكارثة التي حلت بابنته.
استقبلته زوجته وسألته عن حالته المُزرية:
_ خير يا محمد، حصل إيه تاني؟
جلس أمامها على الأريكة مجيباً بخزي:
_ وهيجي منين الخير طول ما أمثال حماد مالين البلد من ظلم وقرف.
جلست بجواره وهي تعقد وشاحها على رأسها قائلة:
_ هو المحامي قالك حاجة جديدة حصلت في قضية البنت؟
وضع كفيه على رأسه المُنكس إلى أسفل من الحزن والوهن، أجاب بحسرة أب يشعر بالظلم:
_ المحامي ربنا ينتقم منه أو يبتليه بمصيبة طلع بيضحك علينا وباعنا لحماد السفوري وأداله الدليل اللي كنا هنقدمه للنيابة عشان نجيبوا لنا حق بنتنا، حتى تقرير الطب الشرعي اللي قالي هيستلمه بنفسه روحت أسأل عليه لاقيت الدكتور بينكر كل حاجة، فهمت إن حماد والمحامي اشتروه بالفلوس هو كمان.
شهق بألم ليردف بصوت مختنق:
_ بنتنا ضاعت يا زينب، حق بنتي ضاع ومش عارف أعمل إيه، مش عارف ها أرفع راسي إزاي قدام الجيران ولا البلد ولا في الشغل.
ربتت على ظهره بمواساة قالت:
_ ما تقولش كده يا أبو شمس، ما عاش ولا كان اللي يخليك تحني راسك، بنتك مظلومة ومجني عليها، بنتي العالم كله يشهد بأخلاقها.
رفع رأسه وحدق بنظرة خذل وتقهقر قائلاً:
_ معدتش قادر أستحمل نظرات الناس ليا في الشارع ولا كلامهم اللي من تحت لتحت، اللي يقولي ربنا يقويك ويعينك يا محمد، واللي يقولي أنا عندي عريس لبنتك يستر عليها، و…
قاطعته بصياح وهي تبكي في آن واحد:
_ قطع لسان كل اللي يجيب سيرة بنتي بكلمة كده ولا كده، واللي يقولك حاجة أقف قدامه وأقوله اخرس بنتي أشرف بنت في البلد كلها، وبإذن الله هناخد حقنا من حمزة الكلب هو وأبوه وعيلته اللي فاكرين نفسهم بلطجية ومحدش قادر عليهم.
كان هذا الحوار الذي يقطع نياط القلوب تحت مرأى وسمع التي تقف خلف باب غرفتها الموارب، وبصيص من نور الردهة ينعكس على عبراتها المنسدلة، تمسك بمقبض الباب وكأنها تعتصره بقوة حتى أبيضت مفاصل أناملها الرقيقة.
كان المسيطر عليها أمر واحد، لابد عليها التخلص من الذي يكسر والدها.
صعدت فوق السرير ووثبت على الأرض، فعلت هكذا عدة مرات، وإذا يداهمها ألم لم يحتمل أسفل معدتها، أخذت تصرخ وتصرخ، شعرت بسائل دافئ ينسدل من بين ساقيها.
ولجت والدتها مُسرعة إليها، شهقت عندما رأتها في تلك الحالة صارخة:
_ ألحقني يا محمد البت شكلها بتسقط.
***
ولدي أحمد ومروة الذي مر على زواجهما أكثر من شهرين، كان الحال بينهما كالماء البارد تارة وتارة أخرى كنيران الآتون التي تصهر كل ما يقابلها.
كان صياحها يدوي في كل الأرجاء وهي تتحدث مع زوجة خالها:
_ بقولك يا مرات خالي كنت بروق الدولاب ولاقيت في هدوم المحروس ابنك شريط برشام منع الحمل، البيه كان يستغفلني بقاله شهور وبيحطهولي في اللبن أو العصير وأنا كنت زي الهبلة فكراه بيهتم بيا وبصحتي.
أجابت سحر عليها:
_ استهدي بالله يا مروة وما تتكلميش معاه لحد ما نطلع لكم دلوقت أنا وأبوه ونتأكد منه هو بيعمل كده ولا لأ.
صاحت بغضبٍ أكبر:
_ أنتي لسه هاتدفعي عنه وبتحامي له يا مرات خالي؟!، على أساس البرشام هو اللي بياخده، واضحة جداً، الباشا مش عايزني أخلف منه عشان لسه بيفكر في حبيبة القلب اللي مش قادر ينساها، كفاية عمري ما أنسى قهرة قلبي ليلة دخلتنا وأنا في حضنه يقولي بحبك يا شمس، كان هاين عليا أولع فيه وفي نفسي.
_ والله كنتي هاتريحيني.
كان هذا قول أحمد الذي عاد من عمله للتو، فاستشاطت الأخرى حنقاً:
_ سامعة ابنك؟
_ خلاص يا مروة، زي ماقولتلك روحي أقعدي بعيد عنه وملكيش دعوة بيه وأنا مستنية خالك بيصلي وطالعين لكم حالاً، يلا سلام.
قالتها وهي تزفر نيراناً كالتنين ثم ألقت بهاتفها على الأريكة ولم تكترث لنصيحة حماتها بل كادت تنفجر من الغيظ عندما دلف لغرفتهما بـ برود وأبدل ثيابه ثم خرج ممسكاً بالمنشفة القطنية وقال كأن لم يحدث شيء:
_ حضريلي الغدا عقبال ما أتوضى وأصلي.
صاحت به وركضت نحوه تسأله باستنكار ساخرة:
_ تصلي؟!، أنت اللي زيك يعرف ربنا؟
قبض على ذراعها بعنف وأمرها بتهديد:
_ بطلي غلط فيا بدل ما أمسح بكرامتك الأرض.
رفعت في وجهه شريط الحبوب وقالت:
_ لما ألاقي ده في دولابك وناقص منه نصه عايزني أقولك إيه؟!، لو أنت مكاني ولاقيتني باخد من وراك البرشام ده ومش عايزة أخلف منك ردة فعلك هاتكون إيه؟
ترك يدها وأراد أن يجعل الموقف في صالحه:
_ وأنتي مين سمحلك تفتشي في دولابي من ورايا؟
أجابت بقهر وغضب:
_ مكنتش بفتش، كنت بروق الدولاب وسبحان الله ربنا كان عايز يكشف خداعك ليا طول الشهرين اللي فاتوا، عماله أروح لدكتور للتاني ومهنش عليا أضايقك وأقولك تعالى حلل عشان نعرف المشكلة عند مين، أتاريك منيماني في العسل وبتحطلي الزفت ده، وكل ده عشان لسه عايش على ذكرى الهانم اللي لسه بتحبها، ولو مش قادر أوي كده على فراقها مطلعتش راجل ووقفت قدام أبوك ليه وأتجوزتها؟
وحين ألقت بإهانتها له في وجهه لم يشعر بنفسه سوى وهو يلقنها صفعة قوية على وجهها جعلتها تسقط على الأرض، وفي تلك اللحظة دخلت والدته ويتبعها والده بعد أن قاموا بفتح الباب بالمفتاح.
نهضت مروة لترتمي في حضن خالها تبكي بغزارة:
_ ابنك ضربني يا خالو.
ربت عليها خالها وينظر إلى ابنه بغضب مستطير، فقال لزوجته:
_ خدي مروة وأنزلوا تحت يا سحر.
وقبل أن تنطق الأخرى صاحت مروة:
_ أنا مش هقعد هنا لحظة واحدة أنا ها روح عند ماما.
ربتت عليها وقالت:
_ ده شيطان دخل ما بينكم يا بنتي وها يروح لحاله تعالي معايا تحت، وخالك ها ياخد لك حقك.
رضخت لكلمات زوجة خالها وذهبت معها وبمجرد مغادرتهما المكان، اقترب كامل من ابنه ونظراته لا تنبئ بخير وإذا به يهوي على وجهه بكفه قائلاً:
_ أخس عليك وعلى ربايتك، من أمتى وإحنا بنمد إيدينا على حريمنا؟، أنا وأمك متجوزيين أكتر من 25 سنة وعمري ما مديت إيدي عليها مهما حصل وكذلك أختك، ويوم ما أكون غلطان بعترف بغلطي وأتأسف لها وأخدها في حضني وأحابي عليها لأنها ملهاش غيري وأنا مليش غيرها.
أطلق تنهيدة واستطرد حديثه:
_ الست فيهم يا بني زي الإزازة بالظبط لو كسرتها مش هاتعرف تصلحها تاني ولو عرفت ها تفضل عايشة معاك وجواها شروخ منك مش هاتعرف تنساها، أنا مش هكلمك على موضوع حبوب منع الحمل اللي بتحطها لها، لكن اللي أقولهولك بلاش تظلمها، وإدي لنفسك فرصة معاها وابدأوا من أول وجديد، هي بتحبك واستحملت كتير منك ولو فاض بيها ها تسيبك وعمرها ما ها ترجع لك ويبقي لا طولت الماضي ولا الحاضر وها تعيش وحيد بين الذكريات اللي ها تاكلك لحد ما ها تموت من جواك وها تبقى عايش زي الميت.
وحين ذكر تلك الكلمة الأخيرة، ردد قائلاً:
_ ميت!، ما أنا فعلاً عايش ميت، أنتم اللي أجبرتوني على كل اللي حصل واللي بيحصل.
_ إحنا اخترنا لك الصح، مشينا بالعقل والمنطق اللي لو كنت خالفته وعملت اللي في دماغك وكملت معاها كنت مش هاتستحمل اللي حواليك وها تطلقها، مش هينوبك غير عذاب قلبك وأنت اللي بنفسك ها تسيبها، فبدل ما تشكرنا أنا وأمك إن اخترنا لك الأصلح ليك ولحياتك جاي بتلومنا!
_ بس دي حياتي وأنا حر فيها.
_ لاء مش حر، حياتنا كلنا مرتبطة ببعض، اللي هيصيبك هيصيبنا ولو مكنتش باصص لنفسك حط في دماغك إن عندك أختك اللي كان هيقف حالها لو كنت كملت جوازتك الأولانية، الناس يا بني ما بيبصوش للي جواك ملهمش غير الظاهر، كلامهم زي السهم بيرشق فيك واحد ورا التاني لحد ما يبقاش فيك حته تستحمل فيها كلمة كمان، خلاصة الكلام أعقل وعيش حياتك مع مراتك وحبها زي ما بتحبك يمكن لما تجيب منها حتة عيل يملي عليكم البيت حب وحياة جديدة تخليك تنسى أي حاجة وجعاك، وهتلاقي نفسك عايش عشان ابنك ولا بنتك اللي ربنا ها يرزقك بيهم.
وضع يده على كتف ابنه ثم أردف:
_ يلا روح اتوضى وصلي ركعتين واستغفر ربنا وتعالي معايا ننزل صالح مراتك وياريت مسمعش عنكم غير الخير وإلا هتلاقيني واحد تاني غير أبوك اللي تعرفه غير قلبي اللي هيغضب عليك.
تنهد أحمد وأومأ له في صمت مطبق، وقد حسم الأمر بداخله.
***
ها هي الآن قد عادت إلى قوتها وإرادتها الصلبة التي لا تنحني أو تنكسر، عزمت على أنه لابد من إرجاع حقها بنفسها. كل ما تحتاجه الآن أن تصبح قضيتها مُنتشرة في الربوع وفي جميع أنحاء المعمورة، بث مباشر زهيد يصل إلى الملايين وعلى رؤوسهم المسؤولين وجمعيات حقوق المرأة.
ضغطت على التطبيق الشهير لتجري هذا البث والذي جعلته بث للعامة وليس للأصدقاء فقط، جلست في هدوء وسكينة على الكرسي وأمام هاتفها:
– مساء الخير عليكم، أحب أعرفكم بنفسي شمس محمد نصار، مواليد محافظة الدقهلية، عندي ١٨ سنة، حكايتي بدأت تقريباً من كام شهر……
ظلت تسرد حكايتها، ولم تستطع منع عبراتها بالانهمار، انهالت عليها آلاف التعليقات ما بين مواساة وما بين عروض المساعدة. وفي آن الوقت لم يقف عمها كريم مكتوف الأيدي، بل قام بالفعل بتنفيذ وعيده لذلك الظالم حينما كان يرسل لهما رسائل التهديد. دائرة معارفه توصل إلى إحدى الصحفيين الشباب في جريدة شهيرة يتابعها الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعي، وليس هذا فقط بل قام بتوكيل محامي ذو صيت وجعل شمس تسرد له كل ما حدث معها من تعدي وتهديدات، طمأنهم وأعطاهم وعد لا رجعة فيه إنه لن يتخلى عن تلك القضية مهما حدث حتى لو تلقى تهديدات من المدعو حماد، وسيجعل بعض المحامين الذين يعملون لديه في مكتبه بالعمل عليها أيضاً والإسراع في الإجراءات حيث لا تأخذ القضية وقت كبير في المحكمة.
وجاء اليوم وقد أتى كريم وبرفقته الصحفي لمقابلة شمس وأخذت تسرد كل التفاصيل ويدونها الآخر كتابةً مع التسجيل الصوتي، وسرعان ما نُشر هذا الخبر في الجريدة تحت عنوان ” اعتداء نجل نائب البرلمان على فتاة الدقهلية ” وأسفل العنوان تفاصيل المقابلة والتي يقرأها الآن حماد وهو يجلس خلف مكتبه. كان يرتشف قهوته وعندما رأى ذلك الخبر قذف بالفنجان على الأرض وأخذ يصيح بالسباب والشتائم، فلم يتمهل استيعابه لما قام بقراءته ليأتيه اتصال هاتفي، أجاب عليه:
_ الو؟
……
_ لاء يا فندم بالتأكيد في سوء تفاهم ساعدتك، شكل الواد الصحفي اتلغبط في الحروف والـ………..
_ يا فندم أنا ابني أصلاً مش هنا بيكمل دراسته بره.
……
_ تحت أمرك يا فندم، حاضر، مع السلامة.
وبعد انتهاء المكالمة ألقى بالهاتف على الأرض ويجز على أسنانه التي أصتكت معاً.
رواية كاليندا الفصل العاشر 10 - بقلم ولاء رفعت
أخبرت والدها عن رغبتها في العمل، لم يستطع الرفض خاصة إنه يعلم حالتها النفسية، فتمنى أن يكون عملها يشغلها عن تلك الدائرة التي تحاوطها من بداية الحادثة وحتي هذا الوقت.
قدمت أوراقها الشخصية إلي صاحب المتجر، وكان رجل في بداية الأربعين عاماً. أخبرها أن كل ما يريده هو الإخلاص في العمل والأمانة، وأن هناك عدة كاميرات بداخل وخارج المحل تُسجل كل حركة للوافدين وللمغادرين. وأي مشكلة ما تعود إليه أولاً وتخبره.
وفي يوم ما عادت من العمل، وجدت عمها في إنتظارها وبرفقته فتاة يبدو من مظهرها تعمل في مجال الصحافة. بعد المصافحة وتبادل السلام، قالت الفتاة:
_ أزيك يا شمس، أنا بسمة عمار صحفية في جريدة المرأة، قريت من قريب مقال عن قضيتك وعملت بحث عنك وتقريباً وصلت لكل حاجة عنك وعن إبن النائب حماد السفوري. بصي يمكن طلبي هايكون صعب شوية بس ده الحل الوحيد عشان توصل قضيتك للناس كلها وهم أنهم يشوفوكي صوت وصورة.
أنا عارفة طبعاً أنك عملتي بث مباشر علي الفيس بوك قبل كده، بس بأكدلك دعم الجريدة هيكون أقوي وهيخلي الجهات الُعليا هتهتم بالموضوع بشكل أسرع.
حدجتها شمس بعدم فهم، ثم نظرت إلي عمها الذي قال:
_ أستاذة بسمة تقصد إنها ها تسجل معاكي لقاء بالصوت والصورة تحكي فيه كل حاجة وهي هتنزله علي قناة الجريدة اللي بتشتغل فيها وكمان هتشيرو علي عدة مواقع في السوشيال ميديا وبكدة ممكن صوتك يوصل لأكبر المسئولين وجمعية حقوق المرأة وبالتأكيد كل ده في صالحنا وهيدعم قضيتنا ضد حماد وإبنه.
وهنا تحدثت الصحفية بإبتسامة إليها قائلة:
_ بحيث كدة بقي نبدأ التصوير.
وأخرجت من حقيبتها كاميرا رقمية وقامت بوضعها فوق إرتفاع ثابت وبدأت بتشغيلها. أخذت تلقي عليها الأسئلة والأخرى تُجيب وتسرد كل ماحدث. وفي نهاية اللقاء قالت بسمة:
_ و في نهاية اللقاء يا شمس تحبي توجهي رسالة لمين؟
نظرت نحو الكاميرا وأجابت:
_ أحب أوجه رسالتي للقاضي اللي هيحكم في قضيتي، ياريت تعتبرني زي بنتك، وتحكم بالعدل وتجيبلي حقي من اللي ظلمني و ضيعني، و رسالة لأكتر إنسان حبيته برغم صدمتي فيه، موقفك قواني ما كسرنيش وشكراً.
فرت عبرة من عينيها، قامت سريعاً بمسحها، يكفيها ضعفاً وهوان.
***
أنتشر هذا اللقاء في خلال أيام علي جميع مواقع التواصل الإجتماعي و علي إحدي برامج التلفاز. ففي منزل السفوري، كانت هدي جالسة أمام التلفاز تشاهد إحدي المسلسلات، قاطع مشاهدتها صياح ابنتها:
_ ماما، إلحقي يا ماما.
ألتفت إليها والدتها وسألتها:
_ في إيه يا آخرة صبري؟
جلست الأخري بجوارها ثم وضعت شاشة الهاتف أمام ناظريها:
_ أتفرجي وأنتي هاتعرفي.
بدأ الفيديو بالعمل وكانت تري وتستمع ووجهها يشتد من حُمرة الغضب قائلة:
_ آه يا ولاد الـ…..، بقو عاملين تفضحونا وتفضحو ابني.
أخذت الهاتف بعنف من يد إبنتها ونهضت ذاهبة إلي زوجها النائم لتوقظه:
_ حماد، يا حماد، أنت يا للي نايم علي ودنك وشاطر تقولي أنا هددتهم ومش هيعملوا حاجة.
أستيقظ بفزع من صوتها الجهوري:
_ فيه إيه يا هدي علي الصبح، حد يصحي حد بالشكل ده؟
أعطته الهاتف وهي تصيح:
_ خد شوف المصيبة، البت البجحة بدل ما تداري علي مصيبتها رايحة تفضح نفسها وتجرسنا قدام العالم صوت وصورة.
وبعدما شاهد دقيقتين أوقف العرض وتناول هاتفه من فوق الكمود جواره، وقام بمهاتفة المحامي الخاص به:
_ أيوه يا محامي الغبرة، إيه اللي بيحصل ده؟
تفهم الآخر سبب غضب موكله فقال:
_ والله ياباشا أنا لسه متفاجئ النهاردة زيي زيك.
صاح الأخر وكأنه ثور هائج:
_ تتصرف وتوصل للجريدة اللي عملت اللقاء ده وتروح للبت الصحفية دي وتقولها تحذف الزفت ده من كل حته أتنشر فيها إلا وقسماً بالله أقفلهم الجريدة دي خالص.
أجاب الآخر:
_ أمرك يا حماد بيه، أعتبره حصل.
_ لما نشوف أخرتها.
أغلق المكالمه، وهو يزفر نيراناً فقال:
_ بدأت الحرب يا محمد أنت وبنتك، خليك راجل بقي وأستحمل، هخليك تعرف لما حماد يقول كلمة بيبقي قدها.
***
ولدي أحمد في عمله، كان منهمكاً. جاء إليه زميله الذي يقطن معه في نفس قريته و سأله:
_ أحمد ألحق، مش دي شمس جارتكم اللي كنت خاطبها؟
أمسك بهاتف الأخر، و أخذ يشاهد المقطع ويستمع إليها بقلبٍ مُدمي ومقهور، تساقطت عبراته رغماً عنه وهو يستمع لكلماتها التي ذبحته وهي تسرد ما حدث لها وتخليه عنها في أكثر الأوقات إحتياجاً له. همس من بين دموعه:
– سامحيني يا شمس، سامحيني يا حبيبتي.
***
أنتهت لتوها من البيع لإحدي الزبائن، نادي عليها صاحب المتجر فذهبت إليه. وجدته يحدجها بنظرات مُبهمة لكن قلبها أخبرها بماهية تلك النظرات الخبيثة.
قال لها بدهاء ثعلب ماكر:
_ مبسوطة معايا يا شمس، قصدي مبسوطة من الشغل هنا؟
أجابت بقليل من التوتر:
_ الحمدلله يافندم، هو فيه حاجه حصلت أو حد أشتكي لك مني؟
نهض من خلف المكتب ويحوم حولها كالذئب:
_ لاء، بس أنا شايف شغلانة البياعة في محل دي مش لايقه علي واحدة في جمالك وحلاوتك.
رمقته بإمتعاض من كلماته التي تفوه بها فقالت:
_ معلش حضرتك، تقصد إيه؟
وقف أمامها ومازال يرمقها بنظرات شهوة برغم مظهر ثيابها محتشم وحجابها الطويل، لكن كل هذا لن يؤثر علي مرضي القلوب أمثاله.
أقترب منها أكثر وتحدث بفحيح:
_ نتجوز عرفي و هاعيشك ملكة.
أبتعدت عنه و نظرت له بإزدراء قائلة:
_ إيه اللي أنت بتقوله ده؟ ، أنت شايفني إيه؟
جلس علي كرسي أمامها وأجاب:
_ أوعي تكوني فاكراني عبيط ومعرفش حكايتك، كل الناس شافت الفيديو بتاعك اللي بتحكي فيه عن الواد ابن النائب بتاع بلدكم اللي أغتصبك ، ولا عارفة تاخدي حقك منه، فالأحسن شوفي مصلحتك.
هزت رأسها يميناً ويساراً بالرفض:
_ وأنت فاكر إن هوافق علي المسخرة دي، أنا واحدة متربية واللي حصلي ده إبتلاء من ربنا وإن شاء الله هاخد حقي.
نهض مرة أخري وأمسك بعضديها قائلاً:
_ صحصحي معايا كدة وفكري بالعقل، أنا عارف إنك مش هترضي نقضيها كدة فأنا قولت تعالي يا واد علي نفسك وأكتب ورقتين عرفي، وكل اللي أنتي عايزاه هيكون عندك.
جذبت عضديها من قبضتيه، وصاحت في وجهه:
_ أنت واحد مش محترم وماعندكش أخلاق زيك زي اللي ظلموني ما تفرقش عنهم.
قهقه وتعالت ضحكاته فقال:
_ أنا لو زيهم كنت سمعت كلامهم لما بعتولي واحد كان بيديلي فلوس نظير إن ألبسك قضية سرقة أو أؤجرلك واحد يتهجم عليكي وأخد تسجيل بالمشهد ده من تسجيلات الكاميرا وأدهولهم وهم بقي هينشروه بمعرفتهم ولا يهددوكي بيه والله أعلم.
أنهارت باكيه وأخذت تصرخ:
_ أنتم عايزين مني إيه؟، حرام عليكم سيبوني في حالي.
شعر بالذنب نحوها وأستحقر ذاته كيف له يرفض عرض الطاغية و يطلب منها ما يسميه زواجاً بل هو زنا تحت مُسمي زواج عرفي.
أقترب منها وقال بنبرة شفقه:
_ حقك عليا يا شمس، أنا….
قاطعه لكمة قوية في فمه و أتبعها صياح مخيف:
– لو فكرت تقرب منها تاني مش هخلي فيك ولا إيدين و لا رجلين.
كانت تقف متسمرة تحاول إستيعاب وجود أحمد الذي ولج للتو وكأنه ظهر من العدم و في هذا التوقيت. لم يمهلها وقتاً للتفكير بل جذبها من يدها و خرج بها من المتجر مُتجهاً نحو إحدي سيارات الأجرة. توقفت فجاءةً و صاحت به:
– أنت بتعمل إيه؟!، و بأي حق تدخل و تعمل اللي عملته!
صاح بغضبٍ عارم:
– يعني كنتي عايزاني أسيبوا يقولك الكلام القذر ده و يلمسك كمان و أفضل أتفرج!
أشاحت بصرها حتي لايري نظرة الضعف و الإنكسار في عينيها، و أكسر ما ألمها و كان بمثابة السكين الذي أنغرز في قلبها، عندما وقعت عينيها علي خاتم الزواج في بنصره الأيسر. لاحظ هذا فخبئ يده في جيب بنطاله و قال:
– شمس إسمعيني أنا مش جاي أعملك مشاكل بالعكس، أنا جايلك ندمان و بقولك مش عارف ولاقادر أعيش من غيرك.
نظرة ساخرة حدجته بها ولم تنطق، فأستطرد:
– من حقك ماتصدقيش أي كلمة، و مش هلومك، أنا عارف اللي عملته معاكي صعب تسامحني، بس أنا طالب منك فرصة أخيرة، فرصة أكفر فيها عن كل أخطائي، فرصة واحدة بس لو ليا لسه خاطر عندك، أفتكريلي لو ذكري واحدة حلوة مابينا.
ليست أذانها هي من تسمع حروفه بل فؤادها هو المنصت. لما عليها مواجهة كل شئ!، لما تُضع دائماً في خانة الأختيار، هي الجاني و المجني عليه، الظالم و المظلوم.
أطلقت تنهيدة من أعماقها ودت لو كانت همومها مثل هذا الهواء التي زفرته لتوها. يا الله ألهمني الصبر و أهدي قلبي إلي ما تحب و ترضاه.
أفترقت مواطن كلماتها لتخبره كالآتي:
– حتي لو سامحتك يا أحمد، مقدرش أخدك من مراتك و أظلمها، و أنا جربت الظلم بمراره و ما أتمناش حد يعيشو، حاول أنساني عشان تقدر تعيش، و ما تقلقش مصيري في يوم أسامحك.
تركته في ذهول و حالة تعجب، أستقلت السيارة أمام عينيه و أغلقت الباب، أخبرت السائق بعنوان المنزل.
***
وبعد مرور أيام….
بداخل الأستوديو الخاص بإحدي البرامج الشهيرة والتي تبث عبر أهم القنوات الفضائية التي يشاهدها معظم شعوب الوطن العربي.
بدأت المُذيعة بالحديث بعدما عرضت اللقاء المُسجل سابقاً، و التي أجرته مع شمس قبل يوم:
_ أعزائي المشاهدين اللقاء اللي أنتم شوفتوه قبل الفاصل الإعلاني مكنش حكاية عادية، دي قضية بقالها أكتر من شهور تم التعتيم عليها في صالح الجاني و ده بسبب نفوذ والده اللي فاكر بسلطته أنه فوق الكل، وإحنا في برنامجنا زي ما متعودين بنجيب حق المظلوم والظالم ياخد جزاءه. شمس مش مجرد حالة أو حكاية دي قضية كل بنت بتتعرض للأغتصاب وللتحرش وللأسف القانون ما بيحكمش علي الجاني بعقوبة رادعه بالعكس أخره سنه، أتنين، تلاته، ويمكن مايتحكمش عليه بعد ما محامي المتهم يدور له علي الثغرات اللي تخرجه من القضيه، وفيه اللي بيزور للمغتصب إنه تحت سن القانون وماينفعش يتحكم عليه زي الشاب البالغ للسن القانوني، وما تنسوش قضية الطفلة زينة الله يرحمها ولا غيرها ولا غيرها من الضحايا من إغتصاب وقتل.
أنتقلت الإضاءة من المذيعة إلي شمس، فقالت الأخري:
_ أهلاً وسهلاً بيكي يا شمس.
أجابت ببعض من التوتر:
_ أهلاً بحضرتك.
و في خلال عرض الحلقة قد أتي إتصال هاتفي لحماد الذي يشاهد الحلقة و وجهه يشتعل من الغضب، وكان يقول:
_ يا ولاد الـ…، يا ولاد الـ….
رن الهاتف، فأجاب:
_ الو، مين؟
……
أعتدل فجاءة في جلسته وقال بنبرة جادة ورسمية:
_ أهلاً بسعادة الباشا.
_ أنا مش هو يا حماد، أنا مدير مكتبه وحبيت أبلغك إنه من بكره تعتبر نفسك مستقيل من نيابتك عن دايرتك في البرلمان، وهيتم ترشيح أعضاء تانين لمنصبك.
صاح حماد غير مصدق:
_ أنت بتقول إيه؟ معناه إيه الكلام ده؟
_ أفتح التليفزيون وأنت هاتعرف، إحنا عارفين اللي إبنك عمله من زمان وكنا بنحاول نغطي و نعتم علي الموضوع نظير خدماتك اللي بتقدمها، لكن الموضوع خرج من إيدينا ووصل للنائب العام وهو بيتفرج علي البرنامج دلوقتى، فياريت تقدم طلب بإستقالتك أكرملك وأحسن لك، سلام.
أغلق الهاتف ولم يصدق، أنتابته حالة من الإختناق وضيق في التنفس، يحاول فك ربطة عنقه بصعوبة، يريد مناداة مساعده لكنه لن يستطع، حاول النهوض والسير نحو الباب مستنداً علي حافة مكتبه، لكن خانه جسده وهوي علي الأرض.
***
عاد أحمد من عمله ليجد الهدوء يعُم أرجاء المنزل. ولج إلي غرفة النوم، وجدها تنتظره في أبهي زينتها، ترتدي ما يخطف الأنفس و يأسر قلوب أبناء آدم، و عطرها الفواح يخترق أنفه، تبتسم إليه بنظرة يقع من أجلها أعتي الرجال.
تقول له بدلال أنثوي:
– كل سنة و أنت طيب يا حبيبي.
لاحظ وجود قالب حلوي علي المنضدة المقابلة للسرير، تذكر إنه يوم ذكري مولده، و الميلاد الحقيقي بالنسبة إليه هو يوم عودته إلي شمسه، لذا عليه بتلك الخطوة و لارجعة في هذا القرار. أقترب منها بهدوء، أغمضت مروة عينيها ظنت إنه سيقبلها.
– و أنتي طيبة و بخير و سعادة، بس مش وأنتي معايا.
فتحت عينيها بإتساع و كادت تخرج من محجريهما حينما ألقي عليها تلك الكلمة:
– أنتي طالق.
***
تناولت العديد من البرامج قضية شمس في حلقاتها و الكل يطالب بسرعة القبض علي المغتصب والحكم عليه بأغلظ عقاب رادع حتي يكون عبرة لكل شاب تسول له نفسه ويتعدي علي ما هو ليس ملكه أو حق له.
وبالفعل بعدما أصدر قرار النائب العام بإلقاء القبض علي حمزة السفوري، وجدوه في إحدي القري النائية لدي إحدي معارف والده الذي لم يتحمل الصدمة و دخل المشفي بعد إصابته بذبحة صدرية حادة.
وها قد جاء اليوم المنشود، بداخل دار القضاء التابعة للمحافظة، و في قاعة محكمة الجنايات…
– مدام شمس، دلوقتي معاكي مايثبت إن حمزة حماد السفوري هو اللي أعتدي عليكي؟، دلوقتي مفيش تقرير طب شرعي قدامي يُدين المدعو حمزة أو حتي دليل الفيديو اللي ذكرتيه في الدعوة.
تدخل المحامي قائلاً:
– أرجو من هيئة المحكمة الإنتظار، فلدي الدليل الذي يُدين المدعو حمزة.
سأله القاضي:
– و أين هو الدليل؟
أخذ الأخر يتلفت نحو الباب و ينظر في ساعة يده، ينتظر أحدهم، بينما هي كانت تجلس في المقعد الأول، تغمض عينيها و تكبت عبراتها بصعوبة، تلفتت من حولها تنظر إلي عمها كريم ووالدها ووالدتها وثلاثتهم يرمقونها بقلة حيلة، فهي الآن في مأزق وحالة يرثي لها.
فُتح الباب ودلف شخص لم تكن تتوقع بأنه سيأتي. سار أحمد بخطي سريعة، وقف أمام منصة القضاة و قال:
– السلام عليكم، بعتذر عن التأخير، أنا أسمي أحمد كامل.
أخرج بطاقة الهوية خاصته وأعطاها للقاضي مُردفاً:
– أنا كنت خاطب شمس محمد نصار، و مكنش مجرد نسب، إحنا جيران من زمان، هي الوحيدة اللي قلبي دق لها، لاقيت فيها كل اللي أي راجل يتمناه في شريكة حياته، أدب و أخلاق و جمال، اللي زيها نادر في الزمن ده.
قال القاضي:
– أرجو يا أستاذ أحمد الإيجاز نظراً لضيق وقت هيئة المحكمة ولدينا قضايا أخري.
أخرج الأخر هاتفه وقرص تخزين (فلاشة)، قام بوضع كليهما علي المنصة قائلاً:
– ده موبايلي و عليه الفيديو اللي بعتهولي حمزة من علي تليفون شمس يوم الوقعة، و مرفق بيه رسالة تثبت إنه عمل كده، و دي فلاشة حبيت أحتفظ بالفيديو عليها، كان إحساس جوايا هاتنفع في يوم زي ده.
أستدار بزاوية و حدج محمد بإبتسامة ولم يغفل عن شمس التي تنظر له كالذي نجا من الغريق للتو.
و هذا الحمزة يقف خلف القضبان في حالة جمود علي غرار والدته المنهمرة عبراتها علي خديها، و لم يكن والده حاضراً بسبب عدم قدرته علي الحركة.
أمسك القاضي بالهاتف قام بتشغيل الفيديو و عرضه علي زملائه، فقال بصوته الرخيم المُجلجل:
– الحكم بعد المداولة.
و بعدما تأكدوا من صحة الفيديو عبر المختص المسئول عن كشف هذا المقطع صحيح أم مُركب، فكان التقرير صحيح.
و لأن القضية موصي بها من النائب العام، يجب الحكم فيها في أسرع وقت، لذا كان الحكم عادلاً و عبرة لكل من يسلك درب المغتصب.
– و بعد الإطلاع و المداولة و نظراً للمادة ٢٦٧ عقوبات، لقد حكمنا علي المتهم حمزة حماد السفوري بالسجن لمدة ١٥ عام مع الشغل و النفاذ، رُفعت الجلسة.
***
و قد عاد للشمس نورها الساطع ليملأ الأرض بالدفء و الوهج، تبتسم وتضحك وألقت كل ما حدث خلف ظهرها، يكفيها بأن أنتصرت و أخذت حقها، هذا كافياً لرفع رأسها بشموخ.
و هنا علي ضفاف النيل تقف برفقة والدها، سألته:
– حضرتك نزلتنا هنا ليه يا بابا؟
حدجها بإبتسامة، فأتاها صوت من خلفها:
– عشان نتقابل.
إستدارت إلي صاحب الصوت، أصابتها الدهشة، رددت بتعجب:
– أحمد!
مد يده بباقة زهور الچوري التي تعشقها:
– أيوه أحمد اللي بيحبك و جايلك النهاردة، قدام أهلي وأهلك يطلب إيدك و بيقولك نفسه تشاركيه حياته و تمليها بنورك يا شمسي.
هبط علي ركبتيه أمامها، و سألها:
وقبل أن تجيب، رأت والديه و صديقتها إسراء يقفون بمسافة، نظراتهم كافية بتوسلها للموافقة و يشوبها الندم من ما أقترفونه في حقها، لكن قلبها يُذكرها بموقفه في المحكمة و تقديم الدليل، فهذا كان إتفاق سابق بينه و بين والدها.
تدخل إحدهم في تلك اللحظة، فكان عمها كريم قائلاً:
– خلاص بقي يا شمس، الراجل ندم و كفر عن ذنبه، وافقي و لما تتلموا في بيت واحد أبقي علميه الأدب.
قهقه الجميع وعقبت سحر قائلة:
– حقك عليا يابنتي، أنا آسفة عن أي كلمة جرحتك بيها.
وأخيراً تفوهت بالكلمة التي بمثابة ماء المُحياة لأحمد:
– موافقة.
ركضت إسراء و عانقت صديقتها، و أطلقت سحر الزغاريد و تبعتها زينب.
أقترب أحمد من شمسه و أخرج من جيبه خاتمها الذي ظل محتفظاً به ووضعه في بنصرها قائلاً:
– بحبك يا شمسي.
وقفت إسراء بينهما قائلة بنبرة فكاهية:
– تعرف يا أبيه يعني إيه نور الشمس بالهندي؟
– ييي مش هنخلص من الهندي اللي فلقتينا بيه ليل و نهار، قولي ياختي.
ضحكت وأجابت:
– كاليندا.