تحميل رواية «قارب الموت» PDF
بقلم مريم الجنيدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
التفت إتجاه الباب وهو يخلع مريوله، ليقابل صديقه شهاب أمامه وهو يلهث آثر ركضه. "في إيه مالك؟" تحدث شهاب بتوتر مرتبك. "باهي ممكن طلب، أنا لازم أروح البيت، في مشكلة. صدقني مش هتأخر، تلت ساعات بالكتير أوي، تبقى مكانى في الشيفت." زفر باهي بحنق وهو يتمتم. "انت جاى وأنا مروح، دي الإجازة بتاعتي." نظر الآخر له برجاء. "معلش يا باهي، مش هتأخر والله، تلت ساعات بالكتير، هخلص المشكلة دي وأجي على طول." تنهد باهي بعدما رأى خوف الآخر يظهر بوضوح على وجهه، ليربط على كتفه بموافقة. "روح، لو اتأخرت دقيقة هزعلك، أنا ع...
رواية قارب الموت الفصل الأول 1 - بقلم مريم الجنيدي
التفت إتجاه الباب وهو يخلع مريوله، ليقابل صديقه شهاب أمامه وهو يلهث آثر ركضه.
"في إيه مالك؟"
تحدث شهاب بتوتر مرتبك.
"باهي ممكن طلب، أنا لازم أروح البيت، في مشكلة. صدقني مش هتأخر، تلت ساعات بالكتير أوي، تبقى مكانى في الشيفت."
زفر باهي بحنق وهو يتمتم.
"انت جاى وأنا مروح، دي الإجازة بتاعتي."
نظر الآخر له برجاء.
"معلش يا باهي، مش هتأخر والله، تلت ساعات بالكتير، هخلص المشكلة دي وأجي على طول."
تنهد باهي بعدما رأى خوف الآخر يظهر بوضوح على وجهه، ليربط على كتفه بموافقة.
"روح، لو اتأخرت دقيقة هزعلك، أنا عايز الحق الإجازة."
ضرب شهاب على صدر باهي بامتنان وهو يتحرك بسرعة للخارج.
"ليك واحدة عندي."
عاد باهي لربط المريول على خصره مرة أخرى، ثم أخرج هاتفه ليرسل رسالة سريعة بحروف مشتاقة وتهفو للطيران إلى بيته بكل سرعة.
"أسف مش هعرف أوصل دلوقتي، هوصل متأخر، أوعدك هعوضك."
وصله الرد بنفس الدقيقة بحروف حزينة خطت بأنامل رقيقة، وكأنه استمع لصوتها الحزين وليس مجرد قراءة كلمات.
"باهي أنت غايب بقالك أسبوعين، كمان عايز تتأخر عن كده كمان."
عقد حاجبيه بضيق وهو يرد بحزن.
"غصب عني، إن شاء الله مش هتأخر غير ساعتين تلاتة، هعوضك."
وصلته رسالة أخرى.
"أنا اللي عملالك مفاجأة، مش قادرة أصبر أكتر من كده، لازم تشوفها."
ابتسم بسعادة حالمة وفضول لم يستطيع أن يداريه.
"طب اديني نبذة عقبال ما أوصل."
"لا لازم تشوفها بنفسك مينفعش أقولها، مستنياك، متتأخرش."
رد على الرسالة بقلبين باللون الأحمر، ثم أغلق الهاتف وعاد لمكان صديقه شهاب ليشرع في بدء العمل.
يده تعمل بسرعة ومهارة عالية، بينما عقله في مكان آخر بعيد عن هذا العمل، يفكر بكل شيء حدث معه، بداية من أول عمل بدأ به، حتى الآن لا يستطيع حصر عدد الأعمال التي عمل بها، فهو يكاد يكون عمل بكل شيء. منذ الصغر وهو يعتمد على نفسه، يعمل بالعديد من الوظائف حتى بجانب الدراسة. يشعر بالمسؤولية تجاه كل شيء، فهو لم يكن يومًا شابًا هزليًا لعوبًا يعتمد على والده، بل إنه يحب العمل وكسب المال بجهده، حتى أنه استطاع الزواج في سن صغير. وبالتفكير عن الزواج ابتسم تلقائيًا وهو يتذكرها، وبمجرد تذكرها عاد للعمل بسرعة أكبر وهو ينظر لعقارب الساعة مرة أخرى، يتمنى أن تمر الثلاث ساعات بسرعة الريح، حتى يستطيع العودة.
بأحد الشقق البسيطة بمحافظة الشرقية.
كان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر وهو يتحدث بعصبية محدثًا رفيقه في اللعبة الإلكترونية التي استحوذت على عقول الشباب، وجعلتهم يعيشون في العالم الافتراضي أكثر من الواقع، جعلت الإدرينالين دائمًا عاليًا في دمهم متعصبين ومشتتين، العنف هو أسلوبهم في اللعبة مما جعل اللعبة تبهت على الواقع فيصبح أسلوبهم في العموم الهمجية والعنف.
"أنت يابني، روحت فين وسايبني أضرب عليهم بسرعة، هموت."
انفتح باب الغرفة بعنف وصوت والده يدوي في الغرفة.
"أنت يابني اطفي الزفت ده وقوم صلي."
التفاته سريعة منه ثم عودة تركيزه للشاشة وهو يردف بدون اهتمام.
"حاضر يا بابا، نخلص الجيم ده وأقوم."
نظر له والده بحدة وهو يقترب ليضربه على كتفه الأيسر.
"لأ قوم صلي الأول، أنت كل شوية تقول كده وبتنسى نفسك."
زفر وهو يقلب عينيه بملل، يتمنى أن ينتهي هذا الحوار بسرعة، فقط استاء لهذا المعتاد.
"يا بابا قولتلك هخلص الجيم ده وهقوم."
مد والده يده بكل سهولة مغلقًا الجهاز، لينظر الآخر بصدمة للشاشة السوداء، ثم انتفض يصرخ بغضب.
"ليه كده، أنا قولت هخلص وأقوم أصلي."
رفع والده إصبعه السبابة مشيرًا له بتحذير.
"وطي صوتك وأنت بتتكلم معايا، ولما أقولك قوم صلي تقوم تصلي على طول، لو مت وربنا سألك مصلتش ليه هتقول أصل كنت بلعب؟"
صرخ بغضب وهو يركل بقدمه الكرسي الذي يجلس عليه.
"أنا زهقت من الكلام ده بقى، إيه المشكلة يعني لما أخلص وأقوم أصلي، أنا أصلًا مش عايز أصلي."
شعر والده أن العالم يدور به ليردف بصدمة.
"أنت بتقول إيه! مش عايز تصلي! ليه كافر."
هز أكتافه بلامبالاة.
"أنا بحس إن الصلاة كأن ورايا واجب ولازم أعمله عشان أخلص منه، مش عشان أنا عايز أصلي، مش شايف إن برتاح أصلًا، ممكن بقا تفكك مني."
انقبض صدره من هذا الكلام الخطير، ابنه هو لا يرى في الصلاة فائدة يفعلها مجبرًا ليتخلص منها، هو بالكاد يفعلها أصلًا. هل ابتعد عن ابنه ليكون بهذا السوء؟ هل قصر في تربيته؟
أردف بتلعثم.
"أنت إزاي بقيت كده، أنت بتتكلم بجد، أنت أي فايدتك من الحياة أصلًا!!!"
"يوه مش هنخلص بقا من الكلام ده، أنا سايبالك و خارج."
خرج من الغرفة ضاربًا الباب بعنف، لينظر والده في أثره بصدمة غير مستوعب كلام ابنه، شعر بأنه نزل عليه كالصاعقة ضاربًا بكل معايير الواقع والخيال، ارتخت أعصابه وسقط جالسًا على الفراش بذهول.
همس بعدم تصديق.
"عمار!!"
بعد أربع ساعات عاد لبيته أخيرًا، فتح الباب بأصابع ملهوفة وهو ينادي بصوت سعيد.
"حبيبتي، أنا رجعت."
صمت باستغراب وهو يلتفت حوله بخيبة أمل بعدما وجد البيت يغوص في الظلمة.
لكن ما لفت نظره على منضدة السفرة كانت شمعة مشتعلة وبجانبها ورقة فوقها وردة وبجانبها شيء آخر لا يعلم ما هذا. اقترب بتعجب منها ليقرأ ما بها، ظل قليلًا يحاول استيعاب الحروف البسيطة المكتوبة غير مصدقًا لما قرأ، شعر برجفة تمر على جسده وطبقة شفافة تتجمع بأعينيه.
ليأتي صوت من خلفه يؤكد على الكلمات المكتوبة.
"مستعد يا بابا ليا!"
هل ما يعيشه واقع أم خيال لا يستطيع التحديد أو الحزم في هذا الشأن، هذا أكثر مما تمنى فقد وهبه الله بيتًا ثم شريكه حياة ثم سيرزقه بطفل أصبح الآن نطفة في رحمها.
في اليوم التالي كان يقف في المطبخ يعد الغداء بكل رحابة صدر ولا يسع البيت لأجنحته السعيدة.
فكرة أنه سيكون أبًا تجعله يكاد يطير فرحًا، يفكر بكل شيء، وأهمها كيف سيوفر له حياة كريمة.
اتسعت ابتسامته وهو يتخيل أن يكون له ابن يعلمه بنفسه كل شيء، يجعله رجلاً يشد أزره مثلما علمه والده. نفخ أوداجه بفخر من مجرد التخيل.
يريد العمل ليل نهار حتى يستطيع أن يوفر للصغير القادم حياة جيدة ولا ينقصه فيها شيء. رغم صعوبة المعيشة لكنه لن ييأس، فالكد والعمل هو أساسه الذي تربى عليه ولا يمل منه، فلن يكون باهي الشرقاوي إن لم يعمل بكفاح يدير عجلة الحياة بكل مهارة وذكاء، وكل هذا بثقته أن الله سيرزقه من حيث لا يحتسب.
تقدم باهي بخطوات هادئة للمقهى الذي يجلس به مع أصدقائه بملامح هادئة مستكينة.
ألقى السلام على أصدقائه ثم جلس معهم ليرتفع صوت أحدهم بنبرة مازحة لكن فاح منها الحقد بوضوح.
"معتش حد بيشوفك على طول في الشغل بقا، سمعت إنك هتترقى لاعبه."
ابتسم باهي بلا اهتمام لكلامه ورد بهدوء معقبًا.
"أكيد هكون في الشغل أنا ملزوم ببيت وورايا التزامات دلوقتي."
رد صديقه مرة أخرى بخبث.
"أيوه بقا يا عم ما أنت متجوز ومحدش قدك."
عقب صديق آخر له بسخرية مبطنة وهو يتعمد إحراجه.
"إيه يا جمال الواد هيموت من غلك عليه، صلي على النبي في قلبك."
رفع جمال إحدى حاجبيه بسخرية وهو يبتسم ابتسامة متجمدة ظهر زيفها بوضوح لأعينهم جميعًا.
"يا عم هحسده على إيه هو حد يروح للنكد برجله!!"
تجاهل باهي هذا الحديث العقيم منهم، ثم رفع صوته لصبّي المقهى كي يجلب له كوب شاي.
عرض صديقه الثالث الذي كان يجلس بصمت عقب سيجارة على باهي وهو ينغزه.
"خد روّق يا عم وسيبك من كلامه."
رفض باهي وهو ينظر للسيجارة باشمئزاز.
"شكرًا يا عم ما أنت عارف إني مش بدخن."
ضحك الآخر بابتذال وهو يشعل السيجارة بعدما وضعها بين شفتيه وتحدث بمهارة وعقب السيجارة يتحرك مع شفتيه دون أن تسقط.
"الحق عليا عايزك تروّق، عنك يا عم."
زفر باهي بعدم راحة وهو يشعر باختناق من هذه الجلسة، أراد الانسحاب والعودة لدفء منزله بدلًا من هؤلاء الحمقى غير المجديين.
ارتشف نصف كوب الشاي ثم وقف يردف بجدية.
"يلا أنا همشي بقا عشان ألحق أقعد مع الحاج شوية."
رفع صديقه الذي عرض عليه السجائر رأسه بدهشة.
"أنت لحقت يابني! اقعد معانا شوية إحنا مش بنلحق نشوفك."
ربت باهي على كتفه.
"هبقى أشوفكم بكرة بس عشان الحاج مجدي ميزعلش، يلا مع السلامه."
بعد رحيله أردف جمال بحسرة.
"بيضاله في القفص ابن المحظوظة."
نهره الآخر بحدة.
"إيه يا عم الكلام ده، ده إحنا أكتر ناس عارفين هو تعب قد إيه في حياته وبدأها من تحت، متولدش في بقه معلقة دهب يعني."
نظر له جمال بطرف عينيه بضيق.
"طب بص يا فالح هو بقا فين وإحنا فين، هو اتجوز وشغال في فندق كبير وهيترقى وعنده شقته الملك، إنما إحنا يا خيبتها معمرناش في شغلانة أسبوع، هي بتبقى حظوظ."
نظر الآخر له بدهشة مستنكرًا مدى حقده على الآخر ليحرك رأسه بذهول وهو يردف بضيق شديد.
"الشقة اللي بتتكلم عنها دي هو نحت في الصخر عشان يشطبها ويتجوز فيها، والشغلانة اللي عينك فيها دي برضه هو بدأها من تحت من شيف في مطعم صغير، مفيش حاجة اسمها حظ اسمه ربنا بيعوض صبره واجتهاده، الحظوظ دي شماعة للي زيك بيعلق عليها خيبته لما يبقى مناخيره في السما ومش راضي بنصيبه وعايزه أول ما يشتغل يبقى وزير. أنا ماشي أنا كمان سلام."
في طريق العودة كان شارداً في مستقبله، يرسم خططًا كثيرة لكي يصبح وضعه المادي والاجتماعي أفضل وما يشجعه على هذا هو النطفة الموجودة برحم زوجته والذي بين الليلة وضحاها سيكون في هذه الدنيا يملأ عليه حياته.
ارتد للخلف أثر دفعه من شخص يمر بعصبية من جواره ليلتفت الشخص صارخًا لكنه قطع كلامه بدهشة.
"مش تفتح... باهي إزيك عامل إيه!"
ابتسم باهي تلك الابتسامة الهادئة التي يتميز بها.
"عمار إيه الأخبار مالك ماشي مش طايق نفسك ليه كده!"
زفر عمار وهو يعبث برأسه.
"مفيش، شوية مشاكل متشغلش بالك، المهم أخبارك إيه."
أومأ باهي برضى.
"تمام الحمد لله."
رسم عمار بسمة مغتصبة بسبب ما يعانيه ثم أردف بنبرة صادقة.
"مضطر أمشي دلوقتي بس خلينا نشوفك وخلي بالك من نفسك."
رحل باهي وهو يفكر في عمار المعروف عنه في قريته أنها مشاغب سيء الخلق كثير المشاكل، عراكه مع والده لا ينتهي، يسمعه كل من في القرية من صراخ بينهم.
عاد باهي للبيت بخطوات تكاد تطير لكن قبل الصعود لمنزله الخاص دخل يجلس مع أهله وقد وجد زوجته كذلك بالداخل فجلس باستمتاع مستكين ينعم بهذه الأجواء قبل أن يعود للعمل والغرفة الباردة التي يقيم بها من أجل عمله.
بعد يومين.
وقف ينظر أمامه ينتظر مرور شاحنات النقل الضخمة لداخل المخازن. عقد ذراعيه يتابع دخولها وهو يكاد يغلي من معاملة والده السيئة فهو ينكر كل جهده المبذول في العمل، على الرغم أنه هو من يدير كل أعمال والده التجارية.
رفع عينيه يتابع دخول الشاحنات وتفريغ العمال ما بها.
اقترب المسؤول عن المخزن يحيه بصوت لطيف.
"عبد الرحمن إخبارك إيه!"
التفت له عبد الرحمن ببنيته الضخمة الرياضية يرد التحية.
"تمام يا حسين إيه أخبارك."
"بخير يا ريس والله، أخبار الحاج إيه!"
ابتسم عبد الله ابتسامة باهتة.
"بخير يا حسين."
وضع عين يده يربت على ساعد عبد الرحمن الذي مازال يقيده أمام صدره.
"ربنا يطولنا في عمره، عن إذنك هروح أتابع العمال."
أومأ له عبد الرحمن بهدوء ثم التفت مرة أخرى بعد رحيله يتابع العمل من بعيد وهو يزفر كل دقيقة والأخرى ثم يستغفر بعدها.
شرد في حياته المتداخلة لا يستطيع أن يحدد له وجهة محددة للمضي بها قدمًا، فلا منه استطاع بناء عمل خاص به، ومن جهة أخرى والده يقيده في هذا العمل الذي لا يترك فرصة إلا وذكره بمدى شقائه في بناءه ويرفض رفضًا قاطعًا على أن يترك عمله معه وبناء عمل خاص به.
تنهد باستياء بعد كل هذا والده لا يرضى على عمله ولا يعطيه ما يستحقه من أموال، يرفض حتى أن يمارس هوايته المفضلة وهي السباحة على الرغم من أنه ماهر بها لدرجة جعلته مطلوبًا في مسابقات عالمية لكن أيضًا والده رفض أن يدخل بها معللًا أنها تفاهات تضيع الوقت، والعمل أولى بجهده ووقته.
استفاق من شروده على خروج أول شاحنة من المخزن ليفرد ذراعه بجانبه ويتحرك اتجاه المكتب ملتقطًا الأوراق من فوقه ثم ألقى السلام على حسين وهو يردف بجدية.
"أول ما البضاعة كلها تروح على المحلات كلمني يا حسين، مش عايز تأخير على التجار."
أومأ له حسين وهو يؤكد عليه أن العمل سيسير بسلام ليتجه عبد الرحمن بعد ذلك إلى سيارته مغادرًا المكان.
دخل المكتب على والده وهو يلقي السلام باحترام من شيمه الحسن، نظر له والده بابتسامة بسيطة وهو يجلس على كرسيه بشموخ خلف المكتب العتيق الذي يرفض التفريط به مما زاده هيبة ووقار ارتسمت على ملامحه العميقة الصارمة.
"استلمت الشحنة يا عبد الرحمن!"
أومأ له بهدوء وهو يضع الورق أمامه على المكتب.
"آه يا حاج وده الورق بتاعه وهيّتوزع للتجار والمحلات متقلقش."
أومأ له والده بهدوء وهو يحرك حبات السبحة في يده ببطء.
"جدع يا عبد الرحمن، روح بقا يلا على المخزن التاني عشان الشحنة التانية هتوصل كمان ساعة يادوب تستلمها."
أغمض عبد الرحمن عينيه بضيق وهو يتمتم.
"طب هروح أستريح يا حاج شوية عقبال ما توصل."
عقد والده حاجبيه بجدية وحزم.
"استلم الشحنة الأول وتعالى استريح قبل ما تسافر شوية."
اتسعت عينيه بدهشة وهو يردف بضيق.
"أسافر فين! يا حاج أنا بقالي يومين منمتش أصلًا."
رد والده ببساطة مستفزة.
"هتروح تخلص المصلحة دي بسرعة وترجع، مش عايزها تروح من أيدينا وبعدين إسكندرية مش بعيدة يعني ساعتين تلاته بالكتير، وبعدين قولتلك ريح شوية قبل ما تسافر."
مسح عبد الرحمن على وجهه بحركات متشنجة يحاول فيها كبت غضبه.
"طب خلي حد يروح مكاني."
ضرب والده على المكتب بعصبية.
"مين هيروح مكانك!! أنت ابني الوحيد ولا عايزني يعني أروح أجيب حد من إخواتك البنات يروح مكانك، و متقوليش حد غريب، أنت عارف إن مستحيل هأمن لحد غريب يروح يخلص مصلحة زي دي، الكلام انتهى يا عبد الرحمن هتروح تستلم البضاعة دي وتيجي تسافر بالليل إسكندرية."
التفت يضرب الأرض بخطوات غاضبة تكاد ينفجر رأسه من الصداع وكتمه لغضبه بداخله يركب السيارة مغلقًا الباب بعنف خلفه ثم قبض على المقود يضغط عليه بحدة حتى ابيضت قبضتاه يتنفس بسرعة وغضب شديد حتى تحولت عيناه لحمراء، لكن كل هذا وفي النهاية لن يستطيع مخالفة أمر والده.
في أحد محلات الملابس النسائية.
وقف شاب في نهاية العشرينات يرتب الملابس مرة أخرى في مكانها بصبر بعد أن رحلت إحدى الزبائن.
التفت على نداء صاحب المحل.
"عبيدة تعالى عايزك."
تقدم عبيدة باحترام لصاحب المحل الكبير في السن يردف بلهجة مصرية يشوبها لهجته السورية الأصلية.
"تكرم عيونك، تؤمرني بإيه."
تنهد صاحب المحل بهم ثم نكس رأسه بقلة حيلة.
"زي ما أنت شايف يابني الحال واقف إزاي، والإيراد على القد خالص، والسوق نايم، فمعلش قبض الأسبوع ده هيبقى قليل مش زي كل مرة."
تجمد عبيدة مكانه ثم ابتسم بهدوء وربت على كتف الرجل بحنان.
"ولا يهمك معلم، الله يرزق، ما تحمل هم خير إن شاء الله."
ابتسم الرجل بإحراج.
"متزعلش يابني غصب عني، أنا مش هاين عليا أقولك أمشي والله ربنا يصلح الحال يارب."
رد عبيدة بإحراج.
"ولا يهمك معلم خير إن شاء الله، عن إذنك."
خرج عبيدة يقف على باب المحل ينظر للمارة وقد شعر بضيق صدره من سوء أحواله المادية لكنه مؤمن أن الفرج قريب. أخرج هاتفه يجيب على المتصل بعدما ارتفع الرنين يخرجه من شروده.
"إيه يا حبيبي وينك، ....ماشي يا بابا بستناك في المحل."
أغلق الهاتف وهو يمسد على وجهه يستغفر ربه لا يعلم من أين يأتي بأموال تعليم أخته الصغيرة والتي لم يتبقى سواها له في الحياة.
بعد نصف ساعة تقدمت فتاة بالتاسعة عشر وابتسامة مشرقة بخطوات واسعة لتقول بصوتها الصبوح.
"السلام عليكم عبيدة إيه أخبارك النهاردة ملحقتش أشوفك الصبح قبل ما أنزل."
ابتسم عبيدة لشقيقته الصغيرة التي أصبحت تتحدث اللهجة المصرية بطلاقة دون أن تخلطها مع السورية عكسه فهو لم يستطع حتى الآن التحدث بالمصرية فقط مازال يخلط الكلمات وإن كانت السورية هي الغالبة على كلامها.
"ولا يهمك يا بابا خلصتي المحاضرات!"
أومأت له ثم ابتسمت بخجل وهي تفرك أصابعها، ليربت على شعرها مشجعًا إياها لتتحدث.
"قولي يا بابا إيش بدك."
نظرت للأرض بخجل.
"بصراحة عايزة مصاريف الكلية الترم قرب يخلص ولسه مدفعتش المصاريف."
تنهد عبيدة وقد شعر برصاصة تصيب قلبه بعجز لا مثيل له لكنه لم يظهر هذا بل ربت على رأسها بحنان.
"ماشي يا بابا، راح أعطيكِ المصاري بيوم السبت لا تحملي هم شي."
احتضنت ذراعه بسعادة وهي تبتسم باتساع وقد ظهرت أسنانها المصفوفة وتنغلق عيناها العسلية بأهدابها الطويلة.
"ربنا يخليك ليا يارب."
أشار لها برأسه.
"يلا على البيت وأنا بخلص وأجي، يلا لا تتأخري."
ابتعدت تؤمئ في طاعة لتتحرك مبتعدة لينادي عليها يستوقفها وهو يردف بقلق لا يذهب عنه.
"سيلا طمنيني لما توصلي حبيبتي."
أشارت له بإصبع الإبهام بمعنى تمام بينما بقي هو يتطلع في أثرها وسنين عمره الماضية تدور في رأسه ما بين الحرب والهروب وحماية شقيقته في رحلته الشاقة حتى وصول الاثنين إلى مصر لتبدأ رحلة أخرى من الشقاء لا تنتهي.
نظر باهي لعيون زوجته الدامعة وهي تطالعه وهو يرتب أشياءه استعدادًا للعودة إلى العمل بعد ثلاثة أيام إجازة قضاها معها.
ليتقدم منها يمسح وجهها بحنان.
"طب بتعيطي ليه دلوقتي مش انتِ عارفة إن لازم أمشي!"
أومأت له ثم قالت وهي تحاول أن تبتسم رغم حزنها.
"أيوه بس مش عارفة حاسة المرة دي مش عايزك تمشي، مينفعش تاخد يوم إجازة كمان."
ابتسم لها وهو يردف بجدية رغم الحنان الظاهر بصوته.
"أنتِ ناسيه إن في باشا جاي في الطريق ولا إيه لازم مينفعش استهتار في الشغل خالص دلوقتي."
أومأت له بتفهم ثم تمسكت بيده وشعور بالخوف يلازمها.
"مش عارفة قلبي مقبوض ليه، خير يارب، خلي بالك من نفسك يا باهي، طمنيني عليك أول ما توصل."
قبل رأسها برفق.
"متخافيش خير بإذن الله، خلي بالك من نفسك، متتعبيش نفسك، أنا عملت أكل وسبته في التلاجة على التسخين بس، لو احتاجتي أي حاجة كلميني، ولو الفلوس خلصت قوليلى ماشى!"
أومأت له وهي تعانقه.
خرج من باب المنزل وهو يحمل حقيبته على ظهره يمضي في طريقه لكن هذه المرة لديه طاقة للعمل بكل جهده فقد تحقق حلمه وبعد بضعة أشهر سيأتي قطعة صغيرة منه لطالما حلم بهذا اليوم السعادة التي تغمر قلبه تجعله أكثر خفة وعلى استعداد للتحليق في السماء أو الصراخ بعلو صوته أنه سيصبح أبًا لكنه استمع لتحذيرات والدته بأن لا يخبر أحد الآن.
نظر لساعة يده لتتسع عينيه بصدمة فقد تأخر على موعد الحافلة التي سيذهب بها إلى القاهرة لم يكن أمامه حل سوى أن يستقل دراجته النارية للسفر بها فالقاهرة لا تبتعد كثيرًا عن قريته ساعة وسيصل، تنهد وهو يسمي بالله فعلى الرغم من رفضه السفر بالدراجة وخصوصًا في الليل لكن لم يعد هناك رفاهية اختيار أمامه.
ارتدى خوذة الأمان همس وهو يستعد.
"والله لو حد عرف أن سافرت بيكي ما هيحلوني، يلا بسم الله توكلنا على الله."
كان كل شيء جيدًا وكاد يقترب من القاهرة إلا ما حدث فجأة جعل قلبه يكاد يتوقف.
وهو يقود بكل ثبات شعر فجأة بالسيارة جانبه تصدمه بكل قوتها ليطيح من على الدراجة مسافة كبيرة ويطيح معه كل أحلامه لم يشعر بشيء سوى أنه يطير في الهواء ثم ارتد بكل قوته على شيء قاسٍ فتت عظامه ومن فوقه شيء ثقيل يقع على رأسه وبعدها لم يعد يشعر بشيء وقد ابتلعته الظلمة.
قبل نصف ساعة.
استقل عبد الرحمن السيارة بأعين حمراء وجسد مرهق مقدرته أبعد ما يكون عن السفر فجفنه تكاد تنغلق من شدة الإرهاق، لكن إصرار والده على السفر الآن لم يستطيع أن يعارضه فلبى طلبه واستعد للسفر.
وعلى الطريق الدولي تملكه رغبة شديدة في النوم وتداخلت أضواء السيارات أمامه ببعضها فاختلت عجلة القيادة بين يديه لم يستفق إلا على صدمة قوية بشيء أمامه جعلته يدعس الفرامل بسرعة مما جعل السيارة تنقلب عدة مرات ومن أمامه الشخص الذي صدمه وقد غرق الاثنان في دمائهما.
أغمض عبد الرحمن جفونه واستمع لصوت مشوش يأتي من بعيد.
"يا ساتر يا رب، حد يتصل بالإسعاف، شوفوا اللي طار من على المكنة ده بسرعة، استر يا رب ونجيهم."
رواية قارب الموت الفصل الثاني 2 - بقلم مريم الجنيدي
كلام كثير أراد قوله أسى يحتل قلبه لكن لا يعرف السبيل في التعبير عما يشعر به. فهو في النهاية الرجل الذي نشأ على الصرامة والعمل. العاطفة والكلام الطيب لا يعرفهما. حبه لابنه شيء مفروغ منه، لكنه لا يعبر عنه أبدًا. كل ما يعلمه أنه يريد أن ينشأ ابنه على ما نشأ هو عليه، الشدة والصرامة. ابنه ولي العهد في إمبراطورية عمله وحامي ثروته التي نحت في الصخر حتى تصبح ما هي عليه الآن.
اعتدل عبد الرحمن في الفراش ثم تحدث بضعف:
"الشاب اللي خبطته حصل له حاجة؟"
حمحم والده وهو يشيح بوجهه بعيدًا دون الاعتراف أنه كان أحد الأسباب الكبرى لما حدث، على الرغم من حدوثه رغم كل شيء، فالقدر مكتوب وما هو إلا أحد الأسباب.
"في العمليات، سمعت أن حالته خطيرة."
نهض عبد الرحمن من الفراش وهو يحاول التوازن والوقوف على قدمه وهو يردف بضيق شديد:
"عايز أروح أطمن عليه."
لم يستمع لنداء والده أو يبالي بمنعه، فضميره المعذب هو من يقوده. يشعر باختناق وأن العالم يدور من حوله. فإذا حدث لهذا الشاب شيء لن يسامح نفسه، فهو السبب. كان عليه ألا يرضخ لأمر والده، كان عليه تلبية نداء جسده والراحة قبل السفر.
بعد عناء من المشي غير المتزن والألم المتفرقة في أنحاء جسده، وصل أمام غرفة العمليات، وما رآه كان بمثابة لكمة له. فعائلة الشاب هي إحدى العائلات المعروفة في القرية المجاورة. انقبض صدره وهو يبعد الأفكار السوداء عن رأسه. فإن صح الأمر، كيف سينظر في أعينهم؟
أقترب بخطوات بطيئة ثم همس وشعور بالذنب يقتله:
"حاج مجدي."
التفت والد باهي برأسه على هذا النداء الخافت لتتسع عيناه بدهشة ليردف بعدم استيعاب:
"عبدالرحمن!!"
نكس عبد الرحمن رأسه بألم. أكمل والد باهي بعدما استوعب الأمر من هيئة عبد الرحمن الرثة ورأسه التي يلفها الشاش وذراعه المعلقة والخدوش التي تملئه:
"عبدالرحمن أنت يابني اللي عملت حادثة مع باهي!"
أغمض عبد الرحمن عينيه وقد صح تفكيره، الحادث كان مع باهي، ليومئ له بضعف ثم همس باستعطاف:
"صدقني يا حاج مجدي معرفش ده حصل إزاي، أنا كنت مسافر وفجأة حصل كل حاجة مرة واحدة، باهي ظهر قدامي وحاولت أتفاداه لكن معرفتش.."
تنهد والد باهي وهو يومئ ثم أردف بنبرة يغلقها الحزن والعجز:
"قدر الله وما شاء فعل، ادعيله يخرج بالسلامة."
استند عبد الرحمن بجسده على الحائط ونظره معلق على باب العمليات، وقلبه وعقله يتضرعان إلى الله كي يخرج باهي من الداخل بسلام. هذا كل ما يتمناه.
زاغت عيناه على أفراد أسرته التي تبكي بجزع مفزوع وألم قلبه. فباهي شاب صالح يحبه الجميع، بار بوالديه وذو مواقف رجولية مع الجميع. علاقته به سطحية، لكن سمعة الأخيار معروفة، وهو يعيش في بلد يعلم الجميع بعضهم، لذلك معرفته بباهي وأسرته ليس شيء صعب.
الصعب هو أن ما حدث حدث مع هذا الشاب الخلوق ذو المروءة الشديدة مع الجميع.
"يارب نجيه لعائلته وخرجه بالسلامة."
نظر عبد الرحمن للجهة الأخرى وتوقع أن يأتي والده خلفه للاطمئنان على باهي، لكنه لم يأتِ. تألم قلبه لقسوة والده، لكنه لم يشغل باله كثيرًا بهذا الأمر، فهو يعرف طباع والده خير معرفة ولم ينتظر منه المواساة على أي حال. فهذا ليس الحادث الأول الذي يسقط فيه، وكل هذا بسبب ضغط والده عليه في العمل. كل ما يهمه هو العمل، كأنه تزوج العمل وأنجب العمل، العمل وفقط.
***
جلس شاردًا بجانب شقيقته التي تقص عليه شيئًا يقسم أنه لا يعرف ما هو، فعقله شرد بعيدًا.
"عبيدة!! عبيدة أنت مش سامعني؟"
التفت منتبهًا لها:
"إيه يا بابا شو عم تقول لي؟"
نظرت له باستياء وهي تعقد ذراعيها:
"مالك يا عبيدة مش مركز معايا خالص ليه!"
نظر لها والحزن يحكي من بين عينيه قصصًا مسطورة بقلم المعاناة. من قال أن الخروج من الحروب نصر! نحن نخرج من الحروب بروح مفقودة، فقدناها بين الحطام ولا ندري مع أي عزيز فُقدت.
ربت على رأسها بحنان ورفق:
"ولا حاجة حبيبتي شو كنتِ تقولي!"
عقدت حاجبيها وهي تتمسك بيده الكبيرة:
"مالك يا عبيدة من ساعة ما رجعت وأنت مش مظبوط في حاجة ضايقتك، احكي لي مش إحنا اتفقنا نصارح بعض بكل حاجة."
أردف باختصار حتى لا يحملها فوق طاقتها:
"مشاكل في الشغل يا بابا، ماتحملي هم، ربك يهون بإذن الله. أنتِ انتبهي لدراستك."
اعتدلت في جلستها وهي تحمحم بارتباك وقد أثلجت يدها من التوتر لتقول بصوت خافت تحاول ألا تثير غضبه:
"عبيدة، عايزة أقولك حاجة بس احلف إنك مش هتتعصب."
ضاقت عيناه بتخمين من جملتها المريبة:
"قولي على طول سيلا، ما بحبش الطريقة دي."
ألقت جملتها بسرعة وكتمت أنفاسها بعدها، وكأنها ألقت قنبلة صنعتها يدويًا وتنتظر انفجارها، أو ربما حالفها الحظ ولا تنفجر.
"عايزة أنزل أشتغل."
أكملت بسرعة وهي تضرب على الحديد وهو ساخن مستغلة الصدمة الواقعة عليه:
"قبل ما تتعصب أنا لقيت فرصة شغل كويسة والله وتقدر تتأكد من المكان بنفسك."
نظر لها بتفحص غير مصدق ما تقول. هل صغيرته وطفلته التي كانت تحبو منذ سنوات قليلة كبرت لهذه الدرجة؟ متى!
بصوت متحشرج وأنفاس متقطعة وخوف قبض قلبه وقد ظهرت حبات العرق على جبينه وشعور بأنه مقصر في حقها تلبسه:
"أنتِ ناقصك حاجة، أنا أثرت معاكي!!"
قلبت عينيها بملل من هذا العقل الشرقي الذي يفكر به معظم الرجال.
"عبيدة أنت عمرك ما قصرت معايا في حاجة، وبلاش التفكير الشرقي البحت ده، الناس بتشتغل عشان عايزة تشتغل، مش عشان أهلهم قصروا معاهم."
وضع إصبعين على جسر أنفه وبين عينيه يحاول أن يكبح الرجل المتعصب بداخله والتعامل بشخصية المتعقل الهادئ الرزين حتى لا يخسر ثقة شقيقته به، فهذه وصية والديه له، وما بقي له من الدنيا.
"سيلا إيه رأيك تركز في دراستك، ولما تتخرجي نبقى نشوف الموضوع ده، ها إيه رأيك."
نظرت له بضجر وهي تقفز على الأريكة لتواجهه:
"عبيدة إيه المشكلة لما أشتغل وأنا بدرس، كتير من صحابي بيعملوا كده، على الأقل بياخدوا خبرة أكتر. أرجوك وافق، صدقني المكان كويس، والمواعيد كويسة."
اتسعت عيناه وتحدث بحدة طفيفة خرجت بغير إرادة منه:
"شو!! روحتِ تسألي من غير ما تقولي لي؟?"
عضت على شفتيها تبرر فعلتها بسرعة:
"ده كان في الطريق وأنا جيالك، وكنت بسأل عشان أقنعك، لأن لو ما كان مناسب ما كنت فتحت معاك الموضوع، وأنا كان بقالي شوية بحكي بحاول أمهد الموضوع معاك بس أنت كان رايح عقلك بشيء ثاني."
هدأ من انفعاله بعدما رأى الزعر ارتسم على معالم وجهها الرقيق:
"سيلا، أنا بخاف عليكي أكتر من نفسي، لهيك عصبت، أرجوكي لا تشغلي عقلي عليكي."
ابتسمت بحنان وهي تكوب وجهه الرجولي بين يديها:
"صدقني أنا بخلي بالي من نفسي كويس، كمان عمري ما هقلقك عليا، بس وافق على الشغل ده عشان خاطري."
زفر بغير ارتياح لكنه أعطاها إجابة مبهمة مختصرة:
"اتركيني أفكر الأول."
ابتسمت وهي تقبله على وجنته:
"لك يؤبرني أحلى أخ في العالم، هقوم أعملك أحلى أكل."
قبل أن تقوم قبض على يدها يسألها بجدية:
"سيلا أكيد ما نقصك شي!"
ابتسمت تخفي حزنها لتقول تطمئنه:
"الله يخليك ليا ما يحرمني منك أي حاجة."
تقدمت اتجاه المطبخ الصغير المطل على غرفة المعيشة، فهو يعيش مع أخته بشقة صغيرة مكونة من غرفة وصالة وجزء من الصالة يعتبر المطبخ وحمام صغير.
كانوا يتشاركون الغرفة لكن بعدما شبت أخته أصبح يفضل أن ينام على الأريكة في الصالة حتى يعطي لها الخصوصية المطلوبة ولا يشعرها بعدم الراحة، كما بالأساس يجب الفصل بينهم كما قال النبي.
استلقى عبيدة على الأريكة وهو يفكر أن عليه البحث عن عمل بجانب عمله هذا أو حتى عمل آخر بدونه. فالأجر الذي يتلقاه لا يكفي شيئًا، مع تقليله سيكون الأمر صعبًا للغاية، ورجولته لا تسمح له بأن تعمل أخته وحتى لو عملت لن يسمح لها بأن تصرف جنيهاً واحدًا على المنزل أو عليه، فهذا مالها الخاص وإن انقلبت الأرض على السماء لن يجعلها تصرف جنيهاً عليه.
همس بداخله: "اللهم فك الكرب، وارزق كل محتاج، اللهم فك كربي عاجلاً وليس آجلاً."
***
جلس على الفراش بعد أن تأكد من إغلاق الباب جيدًا ثم فتح هاتفه على إحدى المواقع المحجوبة والتي تحتوي على مقاطع غير أخلاقية تتعارض مع دينه الذي يعتنقه بالاسم فقط.
ظلت عيناه مثبتة على المقطع المعروض بكل تركيز وقد تسارعت أنفاسه ودقات قلبه. أصبح شيطانه مسيطرًا عليه ولا يعي شيئًا أو جبال الذنوب التي يرتكبها. تحركت شهواته المكبوته وألغت عقله عن كل شيء.
بعد أن انتهى زفر وهو يلقي رأسه ويتنهد بألم. أصبح الأمر خارج عن سيطرته، إدمانه لهذه المواقع، تحرك شهواته، عقله البعيد كل البعد عن الصواب والخطأ.
قطع أفكاره رنين على إحدى المواقع الاجتماعية. نظر للهاتف وقد كان صديقه الذي هاجر لخارج البلاد إلى إحدى الدول الأوروبية.
"إيه يا معلم نسيتنا لما سافرت ولا إيه!!"
ابتسم صديقه الذي ظهر على الشاشة:
"انساك إيه أنا اللي متصل بيك، أنت فايتك كتير أوي بجد."
ارتفع حاجباه عمار بفضول وهو يضحك ثم يسبه ببذاءة:
"آه يابن الـ*** لاعبة معاك، وريني فايتني إيه!!"
تعالت ضحكات صديقه الماكرة:
"فايتك مزز هنا ياض يا عمار إنما إيه، الستات هنا يلا على قفا من يشيل، كل حاجة متاحة، وأي آخر حلاوة، ناقصاك يا صاحبي."
لم يكن صديقه، بل كان شيطانه الذي يسحبه معه لقاع الجحيم بكل قوة والآخر منساق خلفه كالأعمى خلف الشهوات، يلهث كالكلب خلف العظام.
ابتسم عمار بحماس وهو يتمنى أن يكون معه يتمتع بكل ما لذ من نساء:
"نفسي أجلك والله، أنا اتخنقت من هنا ومعتش عايز أفضل."
غمز صديقه له وهو يبتسم ابتسامة ماجنة:
"تعالى وأهدلعك ياسطا، معتش هيبقى أفلام بس على الشاشة لا ياسطا هتبقى حقيقة قدامك للمس وكل اللي قلبك يحبه، العيشة هنا حاجة تانية خالص ياض، آخر دلع، محدش واخد باله من حد هنا، كل واحد يعمل اللي عايزه."
ابتلع عمار لعابه بشوق وقد عمل عقله على رسم الصور له هناك، وتشوق قلبه للسفر.
أكمل صديقه:
"أبوك عامل معاك إيه!"
زفر عمار بقنوط:
"مش سايبني في حالي وعلى طول خناق خناق، تعبت وعايز أسيب البيت وأطفش منهم."
ارتفع طرف شفتيه بسخرية:
"دي حاجة جديدة يعني ما على طول خانقك، فكك يا عم وتعالى، الموضوع بسيط خالص، كام ساعة وتبقى هنا، محتاجة قلب جامد بس، هتيجي هنا تدلع وتلعب بالفلوس لعب كده."
تنهد عمار وقد دخلت الأفكار الشيطانية عقله وبدأت باللهو بها، فهو يتمنى هذه الحياة المرفهة لا وجود لرقيب أو شخص يجلس بالمنظار على أفعاله. بات الأمر مخنقًا ووالده يحاصره بكل مكان.
"تمام هشوف الدنيا وأقولك، متنسناش بقى يا عم."
ضحك رفيق فساده بصخب وهو يغمز له:
"طب سلام أنت يا معلم لحسن فيه مزة بتشقطني وأنا بموت في الشقط."
أغلق المكالمة ونظر لانعكاس صورته ببؤس.
أنه يريد حياة صديقه هذا، وليست تلك الحياة المملة، يريد الانطلاق وإخراج كل الكبت المحبوس بداخله.
عاد لفتح أحد المقاطع الخارجة يتابع ما بها بتركيز.
انتفض على دقات الباب ليعتدل في جلسته دون أن يجيب، ليستمع صوت والدته تنادي بخفوت:
"عمار، عمار يا حبيبي أنت نمت! مش هتاكل!"
لم يجيب وقد علت دقات قلبه دون أن يعرف السبب.
ليسارع بإغلاق الهاتف والنظر لأسفل الباب لظل والدته.
شعر بالتوتر يكتسحه. راقب ابتعاد والدته وهي تقول بصوت وصله:
"ربنا يهديك يا بني."
اقشعر بدنه للحظات ثم انتظر حتى تأكد أن والدته دخلت غرفتها ليعود لفتح الهاتف ومتابعة ما يفعل.
لم ينتهِ إلا على أذان الفجر، نظر حوله وشعر بالاختناق فجأة لكنه تمدد على الفراش يسحب الغطاء عليه مغلقًا عينيه متجاهلاً نداء المؤذن لتأدية صلاة الفجر بكل جبروت وقلب متحجر.
***
بعد مرور شهر.
جلس باهي على الفراش وقد بدأ بالتعافي قليلاً بعد نجاح أول عملية له وتوصية الطبيب بضرورة إجراء الأخرى بعد ستة أشهر على الأقل والحرص على الراحة وعدم الإجهاد.
أقترب والده منه وربت على كتفه بحنان:
"عامل إيه دلوقتي يا حبيبي."
ابتسم باهي بجهد وهو ينظر لوالده بحب واحترام، فوالده لم يتركه طوال فترة مكثه في المستشفى، أو حتى بعد عودته إلى المنزل.
"بخير يا حاج ربنا يخليك لينا."
أردف والده بحنان حازم:
"أهم حاجة ترتاح ومتحملش هم أي حاجة."
ابتسم باهي ثم اعتدل في الفراش بجهد:
"أنا خلاص ارتحت كتير، لازم أنزل الشغل."
صاح والده بحنق:
"شغل إيه يابني دلوقتي، أنت لسه قايم من عملية خطيرة، وحادثة، والدكتور قال ترتاح."
رد باهي بعدم راحة:
"أيوه يا بابا بس لازم أنزل الشغل، أنا بقيت كويس الحمد لله، قعدتي مش هتزيد أو تأخر يعني."
ظهرت ملامح عدم الرضا على والده:
"طب اقعد أسبوع كمان ارتاح، وبعدين لو لقيتك كويس أبقى أنزل."
ضحك باهي بمشاغبة:
"أنا قاعد شهر بالعافية والله، أنت عارف إن مش بطيق القاعدة كده."
ربت والده على كتفه مبتسمًا:
"عارف إنك فراك، معلش تعالى على نفسك أنت لسه خارج من عملية."
"ينزل فين يا مجدي مفيش نزول دلوقتي خالص."
كان هذا صوت والدته الصارخ وهي تدخل الغرفة محملة بصنية طعام.
أرجع باهي رأسه للخلف بإرهاق وهو متأكد أن الحديث مع والدته لن يجدي نفعًا.
جلست بجانبه على الفراش:
"تنزل فين بس يابني ده أنت مدغدغ، أنت ناقص أصلاً."
أردف بحنق لم يخرج عن حدود الاحترام:
"يا ماما هفضل قاعد في السرير يعني، أنا بقيت كويس الحمد لله صدقوني."
أدمعت عيناه والدته وهي تردف بصوت باكي متأثر:
"أنت عايز توجع قلبي عليك، حرام عليك يابني مش كفاية كنت مسافر بالزفت ده ومسمعتش كلامنا، ارتاح الدكتور قال ترتاح اسمع كلامنا في دي بقى، مفيش نزول يعني مفيش نزول، عايز تروح تقعد في القاهرة مين هيخلي باله منك."
"يا ماما هو أنا عيل صغير، أنا بقيت كويس والله، وبعدين والله معتش هركبها بقى، أنا مش هقدر أعد كده كتير أنا اتخنقت من القاعدة دي، ولازم أنزل الشغل."
أشارت لزوجها بحنق وهي تبكي:
"شوف برضو قلة سمع الكلام شوف."
غمز والد باهي له حتى يصمت دون أن تراه زوجته:
"خلاص يا حاجة مش هينزل متزعليش نفسك، أنا مش هخليه ينزل."
نظرت له والدته لتتأكد ليومئ لها بقلة حيلة وقد ضعف أمام دموعها الغالية وقرر الانتظار أسبوع آخر.
اتجه ببصره صوب الباب ليبتسم وهو يتطلع لزوجته التي ترمقه بحنان مصحوب بالقلق وتذكر انهيارها عندما استيقظ.
أرسل لها ابتسامة مطمئنة.
***
جلست على الكاشير في إحدى الماركات الكبيرة تحسب مشتريات إحدى الزبائن أمامها. رفعت رأسها تردف بابتسامة عملية:
"الحساب 1550 يا فندم."
انكمشت ملامح الرجل ثم أردف بعبثية سمجة:
"ليه كده!! احسبي ثاني، أكيد غلطتي."
عقدت حاجبيها وهي تنظر للشاشة ثم رفعت رأسها له وما زالت محتفظة بابتسامتها العملية:
"لا يا فندم متأكدة مفيش أي غلط."
أقترب برأسه منها متجاوزًا حدودها الشخصية وهو يردف بخبث:
"طب خليني أتأكد."
ابتعدت هي بسرعة بضيق وهي ترد بسرعة دون أن تسيطر على لهجتها:
"ولك إيه فيه!"
ازدادت ابتسامة الشاب وهو يردف بسخف ساخرًا بعبث:
"الله وكمان سورية تؤبري قلبي."
اتسعت عيناها وكادت تصرخ به من وقاحته وقد ارتجفت يدها وأثلجت من التوتر، لكن قطع صرختها زميلها الذي وقف بجانبها يقول بجدية موجهاً الحديث للشاب الذي يضايقها:
"فيه حاجة حضرتك!"
نظر الشاب لزميلها باستخفاف:
"بكلم الآنسة أنت إيه دخلك."
ليرد الآخر بعملية:
"أنا واقف معاها هنا، حضرتك خلصت الحساب!"
نفت سيلا برأسها وهي تردف بتوتر:
"لا لسه."
نظر للشاشة ثم رفع رأسه يقول للشاب الذي يضايقها بعملية:
"الحساب 1550 يا فندم، هندفع كاش ولا فيزا."
أخرج الآخر البطاقة الائتمانية خاصته واعطاها لها وهو يبتسم نصف ابتسامة.
ليسحبها زميلها منه ويتعامل هو معه متجنبًا سيلا.
وبعد أن رحل التفت لسيلا التي قالت وهي تتنهد براحة:
"شكرًا يا علاء بجد مكنتش عارفة أتصرف معاه."
أومأ لها ثم قال بترحاب:
"ولا شكر ولا حاجة ده واجبي، لما تلاقي حد بيسخف عليكي انسحبي ونادي لحد من الشباب مكانك، هتواجهي لسه مواقف كتير من دي."
أومأت له مبتسمة، ليردف هو مستغربًا:
"بس انتِ سورية فعلاً مكنتش أعرف بتتكلمي مصري كويس."
ابتسمت بإحراج:
"آه سورية، عادي يعني، بفضل أتكلم بلهجة أهل البلد عشان محدش يسخف عليّ، زي اللي كان هنا ده."
ضحك وهو يومئ موافقًا:
"عندك حق، بس اللهجة جميلة أصلاً وبتتحب."
كادت ترد لكن قطع كلامها صوت تعرفه عن ظهر قلب وهو يردف اسمها بحدة:
"سيلا!!"
التفتت تبتلع لعابها بارتباك من مظهره الغاضب مرددة بخفوت وقد علمت جيدًا سبب غضبه:
"عبيدة!"
***
مرت الأيام وفي أحدهم.
جلس على مكتب والده يرجع شعره للخلف بحدة يكاد يسقط أرضًا من الإرهاق. إن كان لديه ولو ذرة أمل واحدة أن يعتقه والده أو يخفف الحمل عليه فقد تبخر. أنه يعمل عمل خمس رجال، يسافر لإنهاء الصفقات، يشرف على نزول وتحميل البضائع حتى في بعض الأوقات يساعد يدويًا مع العمال، يراجع على الحسابات، يعمل على إصلاح الشاحنات، كل شيء فوق رأسه والمغيظ أنه لا يرتاح ولا حتى يتلقى أجر ما يفعله، كل شيء لحساب والده وباسمه وهو عليه أن يطالب بأجره كأنه عامل غريب!
"السلام عليكم."
رفع عبد الرحمن رأسه ثم ابتسم بهدوء وهو يتطلع لتلك الفتاة الغريبة المبتسمة بارتباك وتجر حقيبة سفر كبيرة:
"وعليكم السلام."
أبعدت عيناها بخجل وهي تدور بهما في المحل تردد:
"الحاج عرفات مش هنا!!"
هز عبد الرحمن رأسه بالنفي والفضول يتلبسه لمعرفة هوية تلك الشابة التي تسأل على والده:
"لأ راح مشوار في حاجة ولا إيه؟"
رفعت عينيها له:
"خلاص هبقى أجيله وقت ثاني يكون موجود، سلام عليكم."
انتفض عبد الرحمن من مكانه بسرعة:
"استنى بس أنا ابنه تقدرِ تقوليلي عايزة إيه."
التفتت تطلع به ثم قالت بدون تفكير:
"أنت عبدالرحمن!"
أومأ له مستغربًا معرفته به:
"آه أنتِ مين بقى."
أردفت اسمها بسرعة واختصار:
"أنا نسيم، معلش ممكن تكلم الحاج عرفات تشوفه لو قريب استناه بدل ما أروح وأرجع ثاني، وكلمته مردش عليا."
استند عبد الرحمن على المكتب بطوله الفارع، وقد ازداد هيبة ووقارًا كوالده:
"طب مش تعرفيني نسيم مين طيب عشان أقوله."
قلبت عينيها بملل وهي تردف بضيق:
"هو عارفني قوله بس نسيم هنا، هتتصل بيه ولا لأ."
"السلام عليكم، أهلاً أهلاً يا نسيم إزيك."
كان هذا صوت عرفات والد عبد الرحمن وهو يدخل المحل بخطوات شامخة.
اعتدل عبد الرحمن باحترام:
"وعليكم السلام اتفضل يا حاج، كانت بتسأل عليك."
أومأ عرفات دون أن ينظر لابنه ثم قال بترحاب:
"اتأخرت عليكي! كنت في مشوار، ده عبدالرحمن ابني."
أومأت نسيم بارتباك:
"آه ربنا يخليهولك يا حاج، لا أنا لسه واصلة."
أومأ لها عرفات وهو يخرج من جيب جلبابه مفتاح يمده لها:
"ده مفتاح الشقة اللي هتقعدي فيها، ولو احتاجتي أي حاجة يا بنتي اتصلي بيا على طول، عبدالرحمن هيوصلك للشقة. وصلها الشقة الفاضية اللي تحتنا يا عبدالرحمن."
عقد عبد الرحمن حاجبيه باستغراب من تلك التي سكنها والده في الشقة السفلية لهم في بيتهم.
هل هي مستأجرة أم ماذا، لكن حتى لو مستأجرة لماذا يعاملها والده بهذا الود؟ شعور بعدم الارتياح شعر به وهو ينظر لها بارتياب، ثم نظر لوالده الذي أشار له أن ينفذ ما قال.
احترم كلمة والده ولم يستفسر عن الأمر أمامها بس أومأ له وهو يقول:
"آه طبعًا اتفضلي يا آنسة نسيم."
"ربنا يخليك يا حاج عرفات جميلك ده في رقبتي."
ابتسم والده وهو يرد:
"متقوليش كده يا نسيم ارتاحي دلوقتي من السفر وهنتكلم بعدين."
تقدم عبد الرحمن يحمل الحقيبة عنها وأشار لها لتتبعه.
أردف وهو يضع الحقيبة في شنطة السيارة الخلفية وفضوله يأكله ليسألها بطريقة غير مباشرة:
"شكلك تعرفي الحاج من زمان."
ردت باختصار:
"آه."
جلس خلف المقود وهو ينظر لها يتأمل:
"تعرفيه منين."
زفرت بارتباك ثم ردت وهي تنظر للنافذة:
"الحاج هيبقى يقولك."
اشتدت أصابع عبد الرحمن على المقود بضيق وهو يكتم غضبه ثم قاد السيارة إلى منزلهم.
صعد قبلها إلى الشقة التي ستجلس بها وترك الحقيبة أمام الباب وأردف بجفاف دون أن ينظر لها:
"اتفضلي هي دي الشقة عن إذنك."
أردفت بسرعة وهي تراه ينزل درجات السلم بسرعة:
"شكرًا يا أستاذ عبد الرحمن."
لم يرد عليها لتهز أكتافها بلا اهتمام وفتحت الشقة تجر الحقيبة للداخل.
دخل عبد الرحمن المحل ثم جلس مقابل مكتب والده وانتظره حتى انتهى من المكالمة التي يجريها ثم سأله مباشرة ودون مقدمات:
"مين نسيم دي يا حاج."
نظر له والده ببرود ثم ألقى بجملته التي أصابت عقل عبد الرحمن بصاعقة شلته كليًا:
"دي بنت مراتي الثانية الله يرحمها."
***
دخل باهي مطبخ الفندق الذي يعمل به وهو يتقبل سلام أصدقائه وزملائه وفرحتهم بعودته واستقبالهم الحافل به. ابتسم لهم بامتنان وهو يرد عليهم السلام والعناق.
تقدم شهاب منه وهو يعانقه بسعادة:
"أخيرًا حمد الله على السلامة يا معلم."
ربت باهي على كتفه:
"الله يسلمك يا صاحبي."
جاء مديره ليسلم عليه ومن خلفه شخص غريب أول مرة يراه باهي هنا هيئته وملامحه التي يعلوها الغرور والتكبر أشعرته بعدم الراحة.
"إزيك يا باهي حمد الله على السلامة."
ابتسم باهي ببهوت:
"الله يسلمك يا مستر."
ابتسم المدير له:
"افتقدناك والله خلي بالك من نفسك بعد كده."
أومأ له باهي بمجاملة ليلتفت المدير للشخص الذي خلفه يقدمه لباهي:
"ده رأفت الزيني ابن إسماعيل الزيني مساعد مدير الـ HR، ويبقى الشيف اللي مسك مكانك."
رواية قارب الموت الفصل الثالث 3 - بقلم مريم الجنيدي
"مراتك التانية!!" قالها عبدالرحمن بذهول وقد ظهرت عروق رقبته من شدة الإنفعال المكبوت بداخله.
بينما عرفات يحرك حبات السبحة بهدوء وهو ينظر له ثم أومأ.
"آه الله يرحمها."
أقترب عبدالرحمن منه وشرارات الغضب تخرج من أعينه تنذر أن القادم أسوأ.
"أنت بتتكلم جد؟ أنت كنت متجوز على أمي ومخبي علينا!؟"
رد عرفات بحده وهو ينظر له بصرامة.
"آه إيه الصعب في كدة، أنا اتجوزت ست محترمة على سنة الله ورسوله، إيه المشكلة بقى؟ عملت حاجة غلط!"
ضحك عبدالرحمن ضحكة فاقدة لمرح وهو يستند بيديه على المكتب وقد شعر بطعنة في قلبه والده يفعل هذا!
"لا أبداً بسيطة، روحت اتجوزت على الست اللي بدأت معاك من الصفر وكانت جنبك في كل خطوة بتدعمك بصحتها وفلوسها ونفسها، وعمرها ما زعلتك ولا قالت لا على حاجة، روحت اتجوزت عليها وغدرت بيها، نمت في حضن ست تانية غيرها، لا ومش كدا وبس، كمان جايب بنت الست دي تقعد في الشقة اللي تحتها؟!! قدرت تعمل كدا إزاي؟"
رفع عرفات رأسه لابنه يرد بنبرة تحذيرية صارمة.
"أنا معملتش حاجة غلط، اتجوزت على سنة الله ورسوله، مش أنت اللي هتحاسبني، خلي بالك من كلامك معايا يا عبدالرحمن، عشان مزعلكش، وأنا زعلي وحش."
أخرج عبدالرحمن صوت ساخر وهو لا يصدق مدى جبروت والده.
"تمام أنت اتجوزت أنت حر في حياتك، لكن أمي متأذيهاش، خرج البنت دي من البيت."
أتسعت أعين عرفات ثم أردف بنبرة باردة.
"البنت دي أمانة في رقبتي من بعد أمها ما ماتت، عايزينني أرميها في الشارع يعني!!"
ضرب عبدالرحمن المكتب بغضب وقد نفذ صبره، ومقدرته على التحكم بغضبه.
"وهي الأمانة دي ملهاش مكان غير في بيتنا قدام أمي!!"
صرخ والده وهو يستقيم بغضب مماثل وهو يشير بيده الملتفة حولها المسبحة.
"عبدالرحمن أنت اتجننت، إزاي تعلي صوتك عليا، أنت نسيت نفسك ولا إيه."
مسح عبدالرحمن على وجهه بحركات متشنجة ثم قال بعدما طفح به الكيل.
"حياتك أنت حر فيها، تتجوز أو لا طالما مش عامل قيمة أو اعتبار للست اللي فضلت جنبك، ده من ناحيتك، لكن من ناحيتي مش هسمح لأي حاجة تحزن أمي أو تزعلها، عشان كده يا تخرج البنت دي من البيت وتتصرف معاها براحتك وأنت قادر كويس تقعدها في أي مكان تاني والموضوع ده ميحصلش لأمي خالص، يا إما اعتبرني مش موجود في الشغل ده تاني أبداً."
جحظت أعين والده بشر.
"أنت بتهددني."
أبتسم عبد الرحمن ببرود وهو يقول بنبرة أول مرة يستخدمها مع والده منذ بداية الحديث.
"لا أنا بعرفك اللي هيحصل، سلام عليكم يا حاج عرفات."
ارتمى عرفات على المقعد وهو ينظر لأثر ابنه، قبض على يديه بغضب وهو يهمس بوعيد.
"ماشي يا عبد الرحمن هوريك."
"يعني إيه الشيف اللي جه مكاني!" قالها باهي وهو ينقل بصره بين مديره المباشر والشاب الذي خلفه.
أبتسم المدير بعملية.
"أنت إجازة مرضية شهر يا باهي، معقول هنسيب مكانك فاضي يعني، دلوقتي ممكن تشتغل مع رأفت أو، لو حابب تروح قسم تاني في المطبخ مفيش مشكلة."
أومأ باهي بذهول ثم أردف.
"أروح قسم تاني إيه يا مستر، أنا كان لسه لي ترقية وأبقى مساعد شيف أول، ده مكاني اللي شغال فيه بقالي تلات سنين، يعني أي حد يجي فجأة يمسكها من غير ما يمر بأي مرحلة."
رفع رأفت حاجبه بتكبر وهو يناظر باهي بتعالي.
ليتكلم المدير بعملية محاولاً إنهاء الحوار وعدم جلب الأنظار، لأنه هو الآخر يعلم شعور باهي بالظلم جيداً، شعور أن يوضع شخص في مكانه لا يستحقها والأكثر قهراً أن هذه مكانتك التي بنيتها بنفسك، هو شهد على باهي منذ أن عمل بهذا المكان، لقد بدأ من الصفر.
"باهي أنا مقولتش ياخد مكانك، أنا قولت هيشتغل معاك، متكبرش الموضوع، يلا يا رأفت على شغلك."
أقترب المدير برأسه يهمس بأسف.
"ده مش بإيدي، يا باهي."
أغمض باهي عينيه وشعور بالألم يستوحش قلبه، وأن جهده يضيع هباءً، لكن ما باليد حيلة، هو لا يستطيع أن يثور حالياً، يضع مستقبل أسرته نصب أعينه، عليه بالتحمل حتى يعبر بهم بر الأمان والاستقرار.
وقف باهي مكانه يعمل بسرعة ومهارة عكس الواقف بجانبه يدمر كل شيء حوله ببطء وفشل ذريع.
لم يستطع إنهاء طبق واحد عكس باهي الذي أنهى ثلاثة أطباق مميزين مزينين بحرفية.
نظر له بطرف عينيه وهو يشعر باختناق شديد من المنظر العشوائي الذي أمامه والمكونات المبعثرة بكل مكان، فإن كان يكره شيئًا في حياته فهو يكره العشوائية وعدم التنظيم، فلا يستطيع أن يعمل أو يجلس في مكان ليس منظم ومرتب، والآن يشعر أنه سينهار من هذا المنظر البشع الفوضوي أمامه.
"يا الله يا والي الصابرين ارحمني." همس بها وهو يحاول صب تركيزه على ما في يده فقط، حتى لا ينهال بالضرب على هذا الفاشل الفوضوي بجانبه.
أقترب منه شهاب صديقه والذي كان معه بنفس ساعات الدوام هذا اليوم.
"هو الواد ده خريج كلية كفتة ولا إيه، ده مش عارف يقطع بصل حتى."
هسهس باهي بضيق وهو ينظر له بطرف عينه.
"سيبني يا شهاب أنا مش طايق نفسي."
"حقك والله، يعني أنت طفحان في الشغل كل السنين دي، عشان يجي واحد ولا فاهم أي حاجة يتساوي بيك بالواسطة."
أشار باهي أمامه بحنق وغضب مشتعل.
"لا و يبهدل الشغل والدنيا كده، أنا لا طايق نفسي ولا طايقه، أنا مش مصدق إنهم بيعملوا كده."
لم يكمل كلامه وسكب رأفت بعض المحتويات على الرخامة وفقد السيطرة على الإمساك بالإناء فوقع مدويًا صوت عالٍ مزعج هو الآخر جعل أعصاب باهي تفلت وهو يصرخ به.
"لما أنت مش عارف تمسك حلة ولا تقطع بصلة جاي تعمل إيه، مفيش شيف بيقف في المكان ويبقى المنظر قدامه كده، إيه القرف ده!"
نظر الآخر له بتكبر ثم أشار له بعنجهية.
"خليك في نفسك، وركز على شغلك، ملكش دعوة بيا."
أقترب باهي يقول بتحذير وهو يشير له.
"ده أنا هركز في وشك دلوقتي، لو منضفتش المكان اللي واقف فيه، أنت أول مرة تشتغل في مطبخ."
أبتسم رأفت ساخراً وهو يقول بثقة.
"أنت إزاي تتكلم معايا كده، أنت مش عارف أنا مين!!"
أقترب باهي بدون خوف وهو يردف بصرامة ساخرة.
"وأنت فاكر البوقين دول هيخوفوني، مش عيب عليك لما تبقى كبير كده وتتحامى في أهلك!"
رد رأفت بغرور.
"على الأقل ليا حد أتحامى فيه."
ضحك باهي وهو يحرك رأسه بيأس.
"وأنت فاكر الرجولة إنك تتحامى في حد أصلاً، اللي بيعمل كده ده بيبقى لمؤاخذة."
أردف شهاب من خلف باهي.
"معلش يا باهي شكله لسه بيتعلم."
رد رأفت بثقة وهو ينظر لهم بقرف.
"مين ده اللي بيتعلم، أنا خريج أكبر جامعات، وأخد أكبر دورات تدريبية."
رد شهاب ببساطة وهو يتحرك عائدًا لمكانه.
"لا يابا قصدي لسه بتتعلم الرجولة، أصلها مش بشهادات."
ضحك باهي وهو يضرب كف بكف شهاب.
ثم عاد للوقوف في مكانه وأردف بينما نظره مسلط على ما أمامه.
"وهما في الجامعات والدورات العالية دي معلموكش إن المكان النضيف المنظم اللي الشيف واقف فيه، بيعبر عن نضافة وشطارة الشيف نفسه!!"
كتم الآخر غيظه وهو يلقي بالمريول على الرخامة ويرحل بخطوات واسعة خارجاً من المطبخ.
أردف باهي بسخرية.
"رايح ينده لبابي ولا إيه."
علت الضحكات من الواقفين حوله والذين يتابعون الحوار من البداية لكنهم فضلوا عدم التدخل، عكس صديقه شهاب.
تهجمت ملامح باهي مرة أخرى وهو يتطلع للمكان حوله بنفور ثم بدأ بجمع الأشياء وتنضيف المكان، ومراجل الغضب تغلي بداخله.
"كلما زاد فعلك للمعاصي، زاد ضيق صدرك."
جلس أمام الحاسوب كالعادة، لكن تلك المرة كان يتحدث إلى إحدى الفتيات التي لا تعرف من الحياء والخجل شئ، تظهر أمامه على الشاشة بملابس فاضحة لا تستر شيئًا، بينما حديثهم لا يخلوا من البذائة والإباحية.
يشهد مراحل متقدمة من الفجور.
تعالت ضحكاته من حديثهم الماجن ليتحدث بحماس.
"ها بقى مش ناوية تاخدي خطوة جديدة!!"
شهقت الفتاة بسوقية تليق بها.
"خطوة إيه يا عنيا أكتر من كده، وبعدين أنت لسه صغير على الكلام ده."
تحدث ببذائة وهو يعتدل.
"صغير إيه يا بنت الـ **** ما تظبطي معايا."
تراجعت الفتاة ثم أردفت بدلال مقزز.
"جرا إيه يا عمار، متبقاش قفوش كده بهزر معاك، ده أنا هدلعك."
وبعد هذه الجملة بدأت وصلة من الإباحية والكلام الخادش لكل معايير الحياء، راكضين خلف شهواتهم ومفاتن الدنيا يقودهم الشيطان بخبث وهم منساقون خلفه بالرزيلة والفحش، غير مدركين عواقب ما يفعلون، تجرهم الفاحشة خلف الأخرى، حتى يفقدوا آدميتهم.
دخل والده فجأة الغرفة بدون إنذار بعد أن استمع لأصوات مريبة جعلت قلبه يسقط بين قدميه وما رآه جعل قلبه يتوقف لثوانٍ من الصدمة غير مستوعب لوضع ابنه العاري وتلك الأصوات القذرة التي تخرج من الحاسوب أمامه.
بينما انتفض عمار بصدمة يتطلع لوالده ببعض الخوف وأسرع بغلق الحاسوب بقوة وهو يتمتم بتلعثم.
"بابا!"
همس والده وهو جاحظ العينين يتطلع لابنه بنفور وكأنه يرى أمامه عاهر حقير زاني لا ولده عمار، مجرد مسخ فاقد للعقل والدين، أي دين هذا لقد شوه هذا القذر صورة الإسلام باعتناقه الإسلام بالاسم فقط.
"أنت.... أنت كنت بتعمل إيه!!"
سهام الخيبة أصابت قلبه، تمنى لو كان الله قبض روحه قبل أن يرى هذا المشهد أمامه، يتمنى لو أن عقله يخذله هذه المرة وأنه يتهيأ ما رأى لكن مع الأسف ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، بعض الصفعات المؤلمة تعطيها لنا الحياة لنفوق على كارثة، سأل نفسه هل أثر معه ابنه، هل غفل عنه! هل انشغل في تعليم أولاد غيره الدين والإيمان وحفظ القرآن ونسي ابنه فلذة كبده في غمرة الحياة، فأصبح ابنه الفاسد من ظهر العالم والذي أيضًا شق ظهره!!
لم يجد عمار أي كلمات تبرر الوضع الذي وجده والده فيه، وإن كان فاجرًا عاصيًا، لكن سوء الوضع الذي وجده به والده، عارياً يمارس الزنى ولو حتى إلكترونياً جعله يشعر بالخزي، وقد رفع ستار الستر من عليه ليصبح بهذا الوضع المخزي الحقير.
"أنت إزاي وصلت للدرجة دي من القرف وقلة الأدب، ياريتني اتعميت ولا إني شفتك في وضع زي ده! أنت بتزني يا عمار! بتعمل كبيرة من الكبائر."
اعتدل عمار بسرعة يستر جسده بالسروال ثم برر بتلعثم.
"زنا إيه يا بابا أنت يعني دخلت لقيت واحدة معايا بجد، ده على النت، لعب يعني."
ارتدت وجهه للجهة الأخرى أثر صفعة والده ليضع يده على وجنته بذهول.
صرخ والده وهو يمسك صدره الذي آلمه من كلام ابنه الفاسد الفاقد لكل تعاليم الإسلام.
"بتلعب!!! أنت مش داري بنفسك ولا إيه ده زنا يا عمار زنا، أنت كنت مع واحدة، أنا دخلت لقيتك مع واحدة يعني مش مقطع فيديو لا أنا سامع صوتها بتقولك يا عمار، أنت بتبرر إيه يا حقير بتبرر إيه، من ورا الشاشة، الشاشة يعني هي اللي هتمنع وقوع الذنب، أنت شايفها وسامعها وهي شايفاك وسامعاك وأنت قلع يا عديم المروءة والشرف هتبقى هي بالخمار يعني، أنت إزاي بالقرف ده، إزاي بتعمل كده ومش خايف من ربنا، طيب ماشي مش خايف مني عادي لكن مش خايف من ربنا يا جاحد!"
مسح عمار على وجهه بحركات متتالية ثم أردف باختصار.
"بابا أنت مكبر الموضوع، محصلش حاجة، هي أصلاً راضية وبعدين الموضوع عادي يعني."
صرخ والده بذهول.
"عادي!! الزنا والجهر بالمعاصي عادي! أنت يابني ملتك إيه حرام عليك."
زفر عمار باستياء من صوت والده العالي والفضائح التي تسببها.
"أنت مش مكسوف من نفسك بجد، افرض أمك ولا اختك هما اللي دخلوا عليك بالوضع ده يا فاجر كنت هتعمل إيه، أنت شيطان ولا إيه!!"
صرخ عمار بغير إدراك بما يتفوه به.
"أيوه أنا شيطان، أنا قرفت من العيشة دي أصلاً، تحكمات تحكمات على الفاضي، أنت ليه مش مقتنع إن الموضوع بسيط أنت مكبره لي!!"
صرخ والده بغضب.
"موضوع بسيط؟!! لا أكيد أنا بحلم مش حقيقي اللي بسمعه، عارف الأقبح من فعلتك إنك مش معترف بالغلط وبتبرره."
رد عمار باستخفاف وقد ذهب عنه أي شعور بالذنب بل تلبسه الوقاحة الصريحة.
"عشان هو بسيط فعلاً."
دفعه والده بحدة وهو يصرخ.
"أنت إزاي لك عين تبجح وتتكلم، أنت مسلم أنت؟?"
صرخ عمار بنفاذ صبر وجنون وقد تغلب شيطانه عليه للدرجة القصوى ليبعد يد والده عنه بعنف.
"مش عايز أبقى مسلم أبعد عني بقى."
وكأن دلو من ماء بارد انسكب فوق رأس والده برودة غريبة احتلت أطرافه، هزته في أصوله جعلته مرتعدًا، وترنح ضرب جسده لم يستوعب أي كارثة وقع بها ليهمس بصوت مبحوح ووجهه شاحب.
"امشي أطلع برا مش عايز أشوفك تاني طول حياتي."
"دخلت من الباب وخلفها شقيقها والتهجم يعلو ملامحه بعدما رأى شقيقته تتحدث بكل اريحية مع شاب غريب.
جلس على الأريكة ونظر لها بتفحص.
جلست أمامه بارتباك لكنها تحدثت بثقة.
"علاء كان بيقولي أتعامل إزاي لو حد ضايقني."
ضيق عبيدة عينيه وهو يقبض على يده ويسألها ببطء.
"هو في حد ضايقك."
زفرت سيلا باستياء وهي تردف.
"عبيدة إحنا عايشين في الدنيا مش في الجنة، عايشين مع بشر، أكيد حد هيضايقني، ده طبيعي وأنا لازم أتعلم إزاي أتعامل، مش معقول يعني هتفضل حابسني طول حياتي عشان خايف عليا."
أردف عبيدة وهو يستقيم متجهاً للمرحاض.
"منيح إنك عارفة إني بخاف عليكي."
شعرت بالذنب يقتحمها من نبرته الحزينة فجلست على الأريكة تتأكل حتى رأته يخرج انتفضت تقترب منه بسرعة تلقي نفسها بين أحضانه.
"عبيدة متزعلش أنا عارفة إنك بتخاف عليا، مش قصدي أزعلك."
أبتسم عبيدة وهو ينظر لرأسها المدفون في صدره ليربت على شعرها برفق.
"مش بقدر أزعل منك."
سحبها من يدها يجلسها بجانبه على الأريكة يتأمل وجهها المليح ثم أردف بحنان.
"أنتِ عارفة إن مليش غيرك في الدنيا بعد ما بابا وماما استشهدوا في الحرب، يمكن خوفي عليكي مبالغ شوية، بس ده غصب عني، بحس إني عايز أخبيكي في البيت وأقفل عليكي بـ 100 مفتاح."
أبتسمت له برقة والدموع تغشي عينيها بتأثر.
"ربنا يخليك ليا يارب، أنا عارفة إنك خايف عليا، بس أنا لازم أتعامل مع بشر يا عبيدة، لازم يكون عندي خبرة ومبقاش خايفة، أنا عارفة إن العالم بره بشع، بس أنا مش خايفة أنا عارفة إن ربنا معايا وأنت معايا."
ربت على وجنتها برفق.
"ربنا يحميكِ حبيبتي."
تطلعت في ملامحه الحزينة لتسأله.
"مالك يا عبيدة زعلان ليه، في حاجة حصلت؟!"
تنهد يمسح على وجهه بارهاق.
"ما في شي حبيبتي بس بدور على شغل بجانب المحل، وتعبت من التدوير طول اليوم."
عقدت حاجبيها باستفهام.
"بتدور على شغل تاني ليه؟!"
هز أكتافه بلامبالاة مصطنعة.
"عادي مصاريف الشغل قلت ومحتاج شغل تاني، لا تشغلي بالك أنا بتصرف، ركزي في دراستك."
حمحمت تعادل بجلستها تقول.
"عبيدة إحنا ممكن نقسم..."
صاح يقاطعها.
"لا تنطقيها سيلا، والله راح أزعل هذي المرة جد، ها الموضوع ما بنتناقش فيه أبداً."
تنهدت وهي تومئ له ثم لملمت أشياءها.
"هتفضل عنيد طول عمرك، هخش أغير هدومي وأعمل أكل."
أومأ لها بشرود ليضع رأسه على كفيه يحمل يزفر بضيق.
فأولاد الرجل الذي يعمل عنده أتوا اليوم وهددوه بترك العمل وتركوا له مهلة لنهاية الأسبوع فهم يريدون أخذ المحل لفتح مشروع آخر، رغم رفض الأب إلا أن نبرتهم المهددة لسعت كرامته بالسوط وشعر بالضعف، ألن تكف الحياة على صفعة، تدمر بيته واستشهدت عائلته، استطاع أن يهرب بأخته إلى هذه البلاد ليصبح لاجئ ومازالت الحياة تهين كرامته وتصفع رجولته، متى ينتهي هذا العذاب!!
"في المساء."
دخل عبد الرحمن المنزل بغضب بعدما استمع إلى حركة في الشقة السفلية، لم يذهب والده بهذه المصيبة بعيداً.
دخل المنزل ومراجل الغضب تشتعل بداخله.
ليجد والده يجلس مع والدته وملامح والدته ضاحكة بشوشة بشكل لا يصدق استغربه، هل مازالت تجهل ما يحدث ولم تشعر بهذه الفتاة في المنزل.
قطع تفكيره ركض والدته اتجاهه وهي تقول بسعادة تكاد تقفز من عينيها.
"عبدالرحمن حبيبي حمدًا على السلامة، كده يا عبدالرحمن تخبي عليا الخبر ده و خايف مني ليه إزاي تفكر إن ممكن أفكر كده أصلاً."
عقد حاجبيه وهو ينظر له بعدم فهم ثم نظر لوالده وارتاب لنظرات والده المتحدية.
"خبر إيه بس يا أمي مش فاهم حاجة."
ضحكت وهي تضربه على كتفه.
"شوف الواد عامل مش فاهم، أنا عرفت كل حاجة خلاص متستعبطش."
ضاقت أعينه وهو يسألها بريبة.
"كل حاجة اللي هي إيه معلش؟?"
ضحكت والدته وهي تسحبه من ذراعه ليجلس وهي تردف بثرثرة سعيدة.
"عرفت إنك بتحب واحدة وعايز تتجوزها، بس كنت مخبي علينا عشانها يتيمة وملهاش حد، وأبوك أصر عليك تجيبها تقعد في الشقة اللي تحت، آه يا شقي كل ده يطلع منك طلعت بتحب ومخبي علينا، أنا مستنياك بقالي ساعتين عشان أنزل معاك أشوف عروستك، عشان متتحرجش مني، بس إزاي تفكر إن ممكن أرفض عشانها يتيمة."
تصلب عبد الرحمن مكانه وكل كلمة تسقط كسوط على رأسه يحاول استيعاب الكلام، وهو ينظر لوالده بذهول بينما والده يحرك مسبحته وهو يبتسم بهدوء وكأنه لم يفعل كارثة الآن، هل والده يغدر به بهذا الشكل ليداري على أفعاله، فيضعه هو بوجه المدفع، لا والأحرى أنه يقيده بزواجه ما اللعنة التي تحدث؟؟
تحدث والده بهدوء وهو يبتسم بشماتة ونبرة ذات مغزى.
"شوفت فرحة أمك يابني، قولتلك هتفرح أوي لما تعرف، يلا خدها وأنزل خليها تتعرف على عروستك، مبروك يابني أخيراً هشوفك عريس."
"إن أعطتك الدنيا صفعة، لا تنتظر منها أن تعتذر بل ستنهال عليك بوابل من الصفعات."
جلس على الرصيف يقلب في هاتفه ببرود وكأنه لم يفعل كارثتين متتاليتين، يدخن سيجارة وروحه تحترق معها في كل نفس يخرجه يخرج معه ضميره، وإنسانيته لكن لحظة.
توقف وهو يعتدل بذهول ينظر للهاتف بصدمة.
على أحد الفيديوهات على برنامج "تيك توك".
كانت فتاة ترقص بملابس فاضحة تفسر جسدها كله، ما عدا وجهها المغطى بقماشة سوداء حتى لا تعرف هويتها ترقص بدلال يشعل الراهب ومهارة كأنها ولدت راقصة والتعليقات البذيئة الفاسقة تملأ الفيديو.
لكن ليس كل هذا ما صدمه، الكهرباء الذي مسته كان سببها أن هذه غرفة شقيقته، وهذه بالتأكيد ...... شقيقته الصغرى!
"هل الدخان الخارج من فمه سيخرج معه رجولته وشرفه؟!"
جلس باهي في فترة الاستراحة مع صديق شهاب يتابع شيئًا ما على الهاتف لكن قطع حديثهم وقوف رأفت أمامه الذي قال بت رفع.
"انتو قاعدين كده مش في شغل!!"
رد باهي باستخفاف وهيئة هذا الشخص تغضبه.
"وأنت مالك أنت."
"في أوردرات كتير مطلوبة، اتفضل قوم أعملها."
رفع باهي حاجبيه.
"النوغة مش عارف يعملها، ولا متعلمهاش في الجامعات والدورات؟!"
عقد الآخر ذراعيه يقول بسخرية.
"لا عشان الشغل ده مطلوب بإسمك وأنا مش هشتغل لك كمان يا حبيبي، أصلاً الحاجات دي تافهة ومش من مستوايا أعملها أنا يدوبك هشرف عليك."
أنتفض باهي واقفاً وقد نفذ صبره.
"اسمع بقولك إيه مش حتة عيل داخل المطبخ بالواسطة هيقولي أعمل إيه ومعملش إيه، أنا تلت سنين هنا بنحت في الصخر عشان أوصل للمكان ده، استغليت في كل الأقسام هنا، فمش هتيجي أنت وتؤمرني ألزم حدودك معايا وخلي وقتك معايا لطيف عشان مزعلكش هي مش ناقصاك."
تحرك باهي لمكانه وقد تعكر مزاجه مرة أخرى بعدما بذل شهاب مجهود ليخرجه من ضيقه.
مرت عدة ساعات لم تخلوا من المشاكل بين الاثنين حتى دخل عليهم مساعد مدير الـ HR والذي يكون والد رأفت.
أقترب من ابنه يربت على كتفه.
"إيه يا بطل عامل إيه في الشغل."
ألتفت له رأفت وقد شعر بالإحراج من مجيء والده لمكان عمله يطمئن عليه بهذه الطريقة الطفولية، مع نظرات المتواجدين المتهكمة المستصغرة.
"الحمد لله يا بابا إيه جابك هنا."
رد والده ببساطة.
"جاي أطمن عليك وأشوفك عامل إيه في الشغل."
أغمض رأفت عينيه وهمس لوالده.
"بابا لو سمحت أنا مش طفل بلاش الحركات دي، أنت كده بتحرجني."
تنهد والده وكان قاصداً أن يأتي اليوم بالذات بعد معرفته عودة باهي لعمله والذي احتل ابنه مكانه.
"كنت جاي أشوف حد بيضايقك." قال كلامه وهو ينظر لباهي الذي ابتسم بسخرية وأردف بجفاف ولم يستطع الصمت على هذه العجرفة والتلميحات المبطنة الوقحة.
"لو حد ضايقه هيبقى يقول للمدرسة بتاعته متقلقش، رأفت good boy (ولد جيد)."
أشار والد رأفت على نفسه بغضب.
"أنت بتستهزء بكلامي!!"
حرك باهي أكتافه بعدم اهتمام وهو يكمل أداء عمله.
"لا أنا بعرف حضرتك، عشان متشغلش بالك على رأفت."
شعر رأفت بالصغر والخزي من موقف والده والذي أكد كلام باهي وشهاب لكنه لم يظهر هذا بل قال لوالده.
"بابا محدش ضايقني ممكن تتفضل، الوضع هنا تمام."
تحرك والده ولكنه وهو يمر بجانب باهي تعمد ضرب كتفه بذراع باهي الممسك الطبق الذي أنهاه للتو ليسقط الطبق على الأرض متكسرًا لفتات وتنسكب المحتويات على الأرض اتسعت أعين باهي بذهول وهو يتطلع للفوضى التي حدثت.
ليقول والد رأفت بشماتة ساخرة.
"مش تخلي بالك، الطبق كده مش هيخرج للعميل في ميعاده، أنت مخصوم منك يومين."
رفع باهي وجهه يتطلع بنظرات حادة لوجه والد رأفت الباردة.
ليبتسم باهي ابتسامة ميتة رشت في وجه رأفت ووالده.
ألتفت يمسك بطبق نفس الذي انسكب وهو يقول.
"مش مضطر تخصم مني حاجة، الطبق جاهز ويخرج في ميعاده، اللي وقع ده كان طبق تجريبي."
مر من جانبهم وهو يقول ببرود.
"الحاجات دي مش بنحتاج نتعلمها في جامعات عالمية، دي مهارة شيف خبير، وشاب لفف وقارئ للناس."
رواية قارب الموت الفصل الرابع 4 - بقلم مريم الجنيدي
حرب النظرات المتبادلة كانت كفيلة لشرح كل شيء.
مراجل من لهب تغلي برأس عبدالرحمن، لقد ألقى والده الكرة بملعبه، لو نفى ما قاله سيحزن والدته.
عض على شفتيه وهو ينظر لوالده بغضب، بينما الآخر يبتسم ببرائة وكأنه لم يفعل شيئًا.
سحبته والدته من يده وهي تقول بحماس:
"يلا عشان ننزل تعرفيني عليها."
أردف عبدالرحمن يحاول إخراج نفسه من هذا المأزق بأقل الخسائر:
"استني بس يا ماما، مش وقته ده."
قلبت والدته شفتيها وهي تردف باستعجال وهي تحاول سحبه للخارج:
"مش وقته إيه بس ده أنا مستنياه من ساعة ما أبوك قال لي، يلا بس لازم نحسسها إننا جنبها عشان متضايقش."
مسح عبدالرحمن على وجهه بنفاذ صبر، وقد وقع بين شقي الرحى دون رحمة ولا يعلم ماذا يفعل، أيقول لها الحقيقة ويكون هو سبب صدمتها أم يكمل في هذه المسرحية الهزلية التي يتلاعب والده بها.
لكنه قرر قول نصف الحقيقة لإجراء السلامة وإمساك العصا من المنتصف.
"ماما أنتِ فهمتوا غلط، البنت دي مش اللي هتجوزها ولا حاجة، بابا بس بيحب يهزر. البنت دي... بابا بيعطف عليها عشان يتيمة وملهاش حد، وبعد ما صاحب العمارة اللي هي ساكنة فيها طردها بابا قال لها تقعد في الشقة اللي تحت، أكيد مش هيرميها في الشارع."
نظر لوالده بحاجب مرفوع يتحداه أن يكذب كذبته.
لكن والده أصر على موقفه محطماً آماله.
"بلاش تزعل أمك يابني."
عض عبدالرحمن على شفته السفلية ثم ابتسم بنزق وهو يحاوط كتفي والدته التي تطالعهم بعدم فهم.
ليقول عبدالرحمن بمزاح مزيف:
"بابا كان بيهزر معاكي يا ست الكل، مفيش جواز ولا أعرفها أصلاً."
أدمعت عينا والدته بقهر وهي تجلس على الأريكة:
"كدة يا عبدالرحمن وبتقولها في وشي بعد ما قلت خلاص هفرح بيك."
ابتسم بعدما استطاع إخراج نفسه من هذا الفخ بأقل الخسائر، فهو في النهاية ابن أبيه، وكما وضعه والده في هذا الفخ المفخخ استطاع النجاة والتسلل منه.
"يا ست الكل قلت لك لما ألاقي بنت الحلال اللي أرتحلها، الحاجات دي مش بتيجي في دقيقة يعني."
رفعت وجهها المستدير له تسأله بشك:
"طب وإيه رأيك في البنت اللي تحت دي طيب."
زفر عبدالرحمن باستياء وهو يضرب كفيه:
"يادي البنت اللي تحت معرفهاش والله معرفها، يا أمي انزل اطردها طيب عشان تستريحي."
عقدت ذراعيها وهي تدير وجهها للجهة الأخرى بضيق:
"ولا تطردها ولا حاجة، على العموم براحتك هعمل لك إيه يعني أكتر من كده."
انحنى على عقيبيه يمسك يدها ويقبلها:
"متعمليش حاجة يا ست الكل، إن شاء الله هتلاقيني في يوم داخل عليكي بواحدة وبقول لك هي دي."
عوجت شفتيها بحسرة تقول بسخرية:
"أنا لو استنيت اليوم ده طول عمري مش هيجي، هو أنا مش عارفاك، حياتك كلها شغل شغل، والشغل كله رجالة أصلاً يبقى هتشوف واحدة فين يا حبة عيني."
"آه يا ماما الشغل كله رجالة، بس البنات منقرضتش يعني، وبعدين خلاص من النهاردة مش هيبقى شغل شغل، هيبقى في حياتي المهدورة على الفاضي دي جزء وأهم جزء."
قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى وهو ينظر لعرفات بطرف عينيه.
"ممكن بقى تجيب لي حاجة آكلها هموت من الجوع."
نظرت له والدته بسرعة:
"لا هنزل أودي للمسكينة اللي تحت دي أكل وأتعرف عليها عشان متحسش إنها لوحدها، وأنت حط الأكل لنفسك."
جز على شفتيه غاضبًا وهو يهمس:
"برضو مصرة تروحي للمصيبة برجليكي."
***
وقف عمار أمام بيته يترقب نزول شقيقته ولا يجرؤ على الاقتراب من البيت حتى لا يلمحه والده، لكن دماءه تغلي بداخله، كيف لشقيقته أن تفعل هذا، إن كان هو حقير فليس عليه عيب، هو ولد يفعل ما يشاء، لكن ماذا عنها هي!!
ترصد لها أسفل البناية حتى وجدها تنزل وتتحرك بخطوات واسعة تكاد تطير فرحًا، ليتحرك خلفها دون أن تنتبه له، يراقبها بتحفز حتى يعلم ماذا تفعل، وبعد وقت وجدها تسحب فلوس من صرافة في أحد الشوارع، لم يصدق عينيه وهو يرى المبلغ الكبير الذي سحبته، وتحرك خلفها حتى كاد يوقفها، لكنها قد استقلت سيارة أجرة، ليتحرك هو بسرعة بسيارة أخرى خلفها، حتى وجدها تقف على أول شارعهم لتترجل من السيارة، تحرك خلفها بخطوات سريعة لينادي باسمها، صوته العالي لتلتفت للخلف ثم تبتسم له وهي تقول بلهفة:
"عمار وحشتني."
لم يترك لها الفرصة وهو ينقض عليها يقبض على ذراعها بقسوة:
"جبتي الفلوس دي منين، انطقي."
شحب وجهها وهي تتلعثم في الكلام بتوتر:
"فلوس إيه عمار سيب إيدي إحنا في الشارع."
أظلمت عيناه وهو يردف بحدة:
"آه ما أنتِ مش متعودة تظهري وتتفضحى في الشارع، لكن تتعري وتتفضحى في فوضتك عادي صح، فاكرني مغفل."
انقلبت عيناها من الخوف للقسوة وهي تهمس بفحيح:
"لا أنت اللي مفكر نفسك ذكي، أنت جاي تعمل راجل عليا!! روح شوف بتعمل إيه الأول ولا أنت مفكر نفسك إمام مسجد!"
شرست ملامحه ثم رفع كفه يصفعها في منتصف الطريق، وقد خرج جنونه وهو يسبها في الشارع ليتجمع الناس محاولًا الفصل بينهم.
"يلا يا ***** وكمان بتبجحي يا ***"
ابتسمت بسخرية وهي تنظر له:
"روح بص لنفسك في المراية الأول وبعدين اتكلم، أنت مفكر معرفش بابا طردك ليه من البيت."
صرخ بها وهو يحاول أن ينقض عليها مرة أخرى:
"ده أنا بقا هخليه يقتلك مش بس يطردك يا *****"
قطع سبابه البذيء صفعة والده على وجهه وهو ينظر له بذهول مما يحدث، ثم التفت إلى ابنته ينظر لها مصعوقًا مما يحدث، لتتبدل أحوالها وهي ترمي نفسها على والدها تبكي بانهيار:
"شايف يا بابا عمار بيعمل فيا إيه!"
كاد عمار أن يرد ليلتفت له والده وهو يصرخ به:
"اخرس مش عايز أسمع صوتك، أنت إيه يا أخي معندكش دم ولا نخوة!! مش كفاية اللي عملته!! امشي من وشي مش عايز أشوف وشك قدامي هقتلك لو شفتك أمشي بقولك من قدامي."
بهت عمار وهو ينظر لوالده وكاد يتحدث ويقول ما حدث، لكن والده قاطعه:
"مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك."
اقترب أحد الجيران وهو يحاول تهدئة الوضع:
"خلاص يا أبو عمار مينفعش كدة! استهدى بالله، تعالى يا عمار بوس راس اختك وأبوك يلا."
صرخ والد عمار:
"ميقربش مني أنا من النهاردة معتش عندي ولد اسمه عمار، معتش حد ينادي عليا بالكنية دي، اللي ينكر الإسلام أنكر وجوده من حياتي، من النهاردة مش عايز أشوف وشك بعد اللي عملته ومش هقول أنت عملت إيه تاني."
ذهل الجميع ومن بينهم شقيقته التي رفعت عينيها تنظر له بعدم تصديق، لينظر لها بحقد وغِل، وقد شعر ببرودة تجتاح جسده، وكل نظرات الناس من حوله المذهولة والمصدومة والهمسات المستنكرة أشعرته أنه عارٍ، وتم ضبطه أمام الجميع يفعل فاضحًا.
لا يعلم كيف تحركت قدماه، لكن قلبه وعقله كان أمام والده مع نظراته المحفورة به يُطعَن بتلك النظرة المخذولة من والده.
لقد أعلنها صراحة أمام الجميع أنه يتبراء منه.
وفي خضم الأحداث كان هي تنتفض بجذع بين يدي والدها تبكي بخوف مرعوب مشتت، لا تعلم ما تفعله وما فعلته، تتخيل نفسها مكان شقيقها ووالدها يلقيها بعدما يعلم جرمها هي الأخرى، لتشعر برعدة تتلبس أوصالها وتضرب بكهرباء في عقلها ليضيء بشيء واحد عزمت على تنفيذه فورًا.
***
مرت عدة شهور والوضع كما هو عليه يزداد ضغطًا واختناقًا.
وقف باهي يصنع طبقًا جديدًا لكن بوجه باهت يعمل بجمود على غير عادته.
اقترب شهاب رفيقه منه يسأله مستفسرًا:
"مالك بقالك فترة مش كويس."
نظر له باهي يبتسم ابتسامة ميتة:
"وهكون كويس إزاي وهو فوق دماغي، أنا على آخري."
ربت شهاب على كتفه مواسيًا وهو يشعر بحرقة صديقه على حلمه الذي تلاشى مع أمواج الحياة الغير منصفة.
"أهدى وسيبها على الله كله هيبقى تمام، وبعدين متتسرعش وتعمل حاجة عشان خاطر ابنك اللي جاي في الطريق ده."
ابتسم باهي ساخرًا:
"وأنت فاكر أنا لحد دلوقتي هنا عشان إيه غيره بجد."
اقترب رأفت بخطوات متهدلة وهو يردف باستفزاز أشعلهم غيظًا:
"انتوا واقفين تتكلموا في إيه ده مكان شغل، مش قهوة للحكاوي."
رفع شهاب حاجبه ورد نيابة عن صديقه الذي نال من التربية ما يكفي لعدم الرد بأسلوب يليق بهذا الأبله:
"ما تقول لنفسك، أنا شايفك واخد المطبخ رايح جاي، ومفكر نفسك على كورنيش الزمالك."
ابتسم باهي وهو ينظر له بطرف عينيه بسخرية عبثية.
بينما أردف رأفت بضيق:
"وأنت مالك خليك في شغلك."
اقترب منه شهاب يردف بتحدي:
"لما تخليك أنت في شغلك الأول، مع أن مش شايف لك لازمة معانا غير إنك بتعطلنا وبس."
نظر له رأفت بامتعاض ثم تركه ورحل، لتتسع ابتسامة شهاب وهو يخبط على كتف باهي:
"شوف خاف ومشي إزاي، أنت مبتردش عليه ليه تعرفه مقامه اللي مفكر نفسه سلطع برجر ده!"
هز باهي رأسه بفتور وهو ينهي العمل على الطبق الذي أمامه:
"مش ناقص أشغل دماغي معاه، فيا اللي مكفيني."
رد شهاب بمرح محاولًا التهوين على صديقه:
"يا عم طلع اللي فيك عليه حد واخد منها حاجة أنت مش شايف قاعد يتمشى إزاي في المطبخ ولا كأنه في بيت أبوه."
أومأ له باهي ليرحل شهاب، وبعد قليل أتى رأفت مرة أخرى وهو يسأل باهي بتكبر:
"خلصت الطلب ده!"
رد باهي دون أن يرفع وجهه عن ما يفعله:
"وأنت مالك!"
سأله رأفت بسخط:
"هو إيه اللي أنا مالي!! إحنا مش شغالين على نفس الحاجة؟"
لم يعره باهي اهتمامًا وهو يضع الطبق في مكان تقديمه، ثم التفت إلى رأفت يقول له بتحذير:
"اسمعني كويس أنا هقول إيه، أنا مش قادر لحوار قط وفار ده، أنا هنا لأسباب شخصية، وبعد اللي حصل ده مش طايق المكان أصلاً، وحقي هيرجع لي، وتعب السنين دي كلها مش هسيبها، فاقصر الشر معايا، وخليك في حالك، عشان مش عايز مشاكل، وخلي أيامك تعدي."
رفع رأفت حاجبه بعدم رضى وانتظر ابتعاد باهي لمكانه، ليقترب هو بخطوات حذرة ثم أمسك قنينة الملح ورفع يده ليفسد الطبق الذي صنعه باهي بكل غِل، لكنه تصنم مكانه على صوته خلفه:
"شكلك كنت بتتفرج على توم وجيري كتير، بس أنا مش فايق لشغل أولى أول ده والله، عشان كده شوف حد غيري تعمل الهبل ده معاه وأبعد عن الطبق أحسن لك."
ابتعد رأفت دون أن يتحدث بشيء، بينما تحرك باهي وهو يحرك رأسه بيأس.
كيف يتخلص من هذه الكارثة التي سقطت فوق رأسه!!
***
جلس باهي في وقت الاستراحة يحتسي القهوة وهو يحاول مراسلة زوجته لكن لا رد.
زفر باختناق، لكنه نظر للهاتف باهتمام عندما وجد شقيقته تهاتفه، رد بلهفة:
"حبيبة قلبي..."
انتفض من مكانه وهو يسمع من شقيقته الكلمات السريعة عن أن زوجته تلد!
لقد مرت سبعة أشهر، فقد كيف هذا!!
بدون تفكير كان يركض للخارج تحت نظرات رأفت المتعجبة.
***
دخل عبيدة البيت وعلى أكتافه تقع جبال من الهموم، لا يستطيع التفكير، عقله مشوش وكأن الدنيا مصممة على تلقيح روحه بالأسى.
نظر للبيت الصغير بحزن وعجز، لا يعلم ماذا يفعل، كيف يتصرف.
تنهد بقله حيلة وهو يلقي بجسده على الأريكة الصلبة التي احتوت جسده.
"يا ربي كيف بتصرف بهاد الموقف، ساعدني أنا عبدك الضعيف."
استمع لصوت فتح الباب ودخول شقيقته وهي تنادي عليه:
"عبيدة!! أنت جيت!"
"إي سيلا أنا هون."
دخلت إليه بابتسامة كبيرة لتعقد حاجبيها وهي تسأله بتوجس:
"مالك حصل حاجة!"
اعتدل في جلسته ليتيح لها مكان لتجلس ثم ربت على الأريكة بجانبه كي تجلس:
"لا حبيبتي أنتِ كيفك."
اقتربت منه تعانقه بشدة وهي تبتسم:
"آه اتوحشتك كتير عبيدة، بقالنا فترة مقعدناش مع بعض، إيه رأيك أعمل حاجة ناكلها ونشغل فيلم نشوفه مع بعض."
ابتسم لها ابتسامة باهتة ثم أومأ لها بالإيجاب.
"تمام يلا بساعدك وبندردش سوا."
وقف بجانبها في المطبخ الصغير يساعدها في عمل أكل سريع التحضير.
التفتت تتفحصه بدقة ثم اردفت بتساؤل:
"عبيدة مالك حاسك حزين ومهموم، فيه حاجة ولا إيه!"
ابتسم لها وهو يقول بهدوء:
"خلينا ناكل وبعدين بنشوف فيلم وبالأخير نتكلم، حاسس مو قادر أتكلم هالحين، محتاج أسرق من الحياة ساعتين أفرح فيهم شوية وأفصل من كل شيء ممكن."
اقتربت تعانق ذراعه وهي تردف بحماس:
"طبعًا ممكن بس كدة."
جلست بجانبه على الأريكة الصغيرة التي تحتوي جسديهما، نظر عبيدة لشقيقته بحنان وأعين شاردة.
ليقول بحنان يحتويها:
"لك اسمعي بقالنا مدة ما طلعنا مشوار سوا شو رأيك نطلع مشوار نشم هوا نغير جو هيك يعني."
نظرت له وهي ترمش بأهدابها الطويله وعيونها العسلية التي تشبهه إلى حد كبير:
"ده بجد! أنت فاضي أصلًا أنت شغال شغلتين."
ابتسم لها بحنو وهو يربت على شعرها:
"لا تشيلي هم أنا بظبط كل شيء."
عقدت حاجبيها باستفهام:
"عبيدة فيه حاجة حصلت، قولي حصل إيه أنا مش فاهمة حاجة."
تنهد بعمق وهو ينكس رأسه للأسفل يستمع شتات نفسه المبعثرة:
"الإقامة سيلا، أوراق الإقامة راح تنتهي كمان شهرين وما في مصاري نجددها، ما بعرف شو بنسوي."
اتسعت عيناها وهي تستوعب المشكلة التي سينزلقوا بها ورفعت عينيها له بصدمة ليبتسم هو لها ويقترب يضمها بين ذراعيه:
"لا تخافي الله معنا، كل شيء راح يكون تمام، لا تخافي."
فرت دمعة من عينيها وهي تسأله بصوت مبحوح:
"شو هنسوي!"
ابتسم لها وهو يردف بتحشرج:
"ثقي في الله ما بيتركنا أبداً، ولسه قدامنا وقت، راح نلاقي حل حبيبتي ما بيصير شي."
همست ببكاء وجسدها يرتجف خوفًا من غد:
"لي الدنيا مش سايبالنا فرصة ناخد نفسنا يا عبيدة، إحنا لسه ملحقناش نرتاح من أثر الحرب."
"لا تفكري في شيء حبيبتي، أنا بحلها، لا تخافي، ما راح يصير شيء بإذن الله أنا موجود، خيك موجود."
***
نزل على الدرج بخطوات واثقة لكنه مكفهر الوجه، كلما مر على باب الشقة المغلقة التي أسفلهم.
لكن هذه المرة لم تكن مغلقة، كانت صاحبتها تقف على عتبة الباب وكأنها تنتظر أحدًا.
تجاهل وجودها ولم ينظر لوجهها حتى وكاد أن يتجاوزها إلا أنها نادته بصوتها الهادئ:
"عبدالرحمن."
توقفت قدماه على الدرجات بتصلب واشتد ضغط فكيه بتصلب، ودون أن يلتفت رد بجمود:
"نعم."
فركت أصابعها بارتباك وهي تقول بتلعثم:
"عمو عرفات قال... قالي أنك هتوصلني."
اتسعت عيناه بخطورة وهو يلتفت لها ببطء ثم أردف بتشنج وخرج صوته حاد كالصرير:
"أوصلك!!! هو عمك عرفات مفكرني السواق بتاعك؟?"
امتقع وجهها بحمرة الإحراج واشتد خط شفتيها وهي تردف بتردد:
"لا... هو أنا مش قصدي، هو قلت له إن هخرج أجيب حاجات، قالي خلي عبدالرحمن يوصلك لو أنت مش فاضي أو مش عاوز ممكن أروح لوحدي عادي."
مسح على وجهه بنفاذ صبر وهو يستغفر.
لتخفي عيناها بأهدابها بحرج كاد يبتلعها وهي تتمنى لو تنشق الأرض بها وتخفيها، لكن صوته الأمر وصلها يقول بصرامة:
"اتفضلي قدامي أما أشوف آخرتها، وهبقى أتكلم مع الحاج عرفات في الموضوع ده، بعد سبع شهور قولت نسيت فيهم برضو مصمم يبتليني بيكي."
خرجت شهقة إخراج من بين شفتيها وتوقفت قدماها بتيبس بعدما رشقتها كلماته بسهام هشمت كبرياءها.
لتقول بكبرياء مجروح:
"آسفة لو هعطلك، أنا هروح لوحدي، مش هبقى عبء على حد."
ابتسم ساخرًا وهو ينظر لها من علو:
"والله عبء على حد، أنتِ مش واخدة بالك إنك عايشة في بيتنا بقالك سبع شهور ومستحملك إزاي الله أعلم، وأنا عارف أنتِ مين وبنت مين ولا مش واخدة بالك من النقطة دي!"
رفعت حاجبها بتمرد وهي تهتف وقد طفح بها الكيل من أسلوبه عديم الذوق:
"لا أنا قاعدة في بيت عمو عرفات وهو اللي جابني هنا وقعدني هنا مش قاعدة في بيتك ولا على دماغك، وبعدين أنت مضايق مني ليه هو أنا اللي قلت لعمو عرفات تعالى اتجوز مامتي، ما تطلع قرفك بعيد عني هو أنا ناقصاك!!"
اقترب منها خطوة وهو يحرك رأسه بذهول:
"أنا مش فاهم أنتِ إزاي وقحة كده أمك معرفتش تربيكي تحترمي الناس اللي مقعدينك في بيتهم ولا كانت مشغولة في اللف على أبويا!"
احمرت عيناها ومراجل الغضب تغلي بداخلها وقد أشعلتها الإهانة الفظة التي ألقاها بوجهها بدون رحمة وكأنه لطخها بوحل لا علاقة لها به، لتهسهس من بين شفتيها الحادتين:
"أنت قليل الأدب وعديم الإحساس، لأن اللي بتتكلم عنها دي ميتة دلوقتي وأنت محترمتش حرمة الميت، ورميتها في عرضها، وعلى فكرة عمو عرفات هو اللي فضل ورا ماما عشان يتجوزها ويحميها من الكلاب اللي عايزين ينهشوا فيها، ولو حد وقح هنا هيكون أنت."
نزلت السلم بخطوات شبه راكضة والدموع تغلف عينيها، بينما وقف هو متصنمًا من كلامها، لكنه استفاق على صوت فتح باب المنزل الخارجي ليقول بصوت عالٍ محاولًا اللحاق بها:
"نسيم استني."
تحركت بخطوات سريعة دون أن تعيره اهتمامًا، وعندما وقف أمامها قالت بصوت جاهدت ليخرج قويًا رغم هشاشة ملامحها التي تحاول أن تخفيها بالشراسة:
"مش عايزة منك حاجة، أنا هعرف أروح لوحدي وأوعدك أني هختفي من حياتكم أول ما تيجي الفرصة، أنا مستحيل أبقى عبء على حد، حتى لو الراجل اللي فتح لي بيته وعاملني زي بنته."
تركته ورحلت بخطوات سريعة غاضبة تحرق الأرض في مشيتها.
دخل المحل على والده بوجه مفكر، وعندما وجده بمفرده سأله ببغته دون أي مقدمات:
"أنت مش هتبطل ترمي البت دي عليا، مش كفاية إنك كنت عايز تدبسني فيها قدام أمي أنت مصمم!!"
رفع والده عينيه له بنظرات هادئة:
"وأنا يعني عرفت أدبسك ما أنت خلعت."
ارتسم تعبير ساخر على وجه عبدالرحمن وهو يزم شفتيه باستنكار:
"هذا الشبل آه بعد ما لغبطت خططك تقوم تلزقها فيا كل شوية، اللي في دماغك مش هيحصل، أنا ممكن أقلب الدنيا دي كلها على فكرة بس مش فارق معايا غير زعل أمي وقهرتها لما تعرف إنك اتجوزت عليها."
رد والده بصرامة مشيرًا له بيده اليمنى التي تحمل المسبحة:
"أنت بتحاسبني على إيه أنا معملتش حاجة غلط، ثانيًا يا عبدالرحمن نبرة التهديد اللي في صوتك وكلامك ده احذر كويس منها، عشان أنا اللي مزعلكش."
اقترب عبدالرحمن منه وقد اشتد ضغط فكيه بتصلب:
"أنت بتعمل معايا كده ليه!! إيه هدفك من اللي بتعمله ده يعني!! أنا ابنك!"
"ابني تبقى تسمع كلامي وأكون تحت طوعي لأن لو فكرت تخرج عنه أنا هسحب السجادة اللي تحت رجليك دي، أنت من غيري ولا حاجة."
احتدمت نظرات عبدالرحمن وأثلجت بوعيد وهو يهمس:
"هنشوف."
***
حمله بين ذراعيه وقلبه يتضخم بالحب، يتأمل وجهه بحنان يفيض أنهارًا.
ابتسم بعدم تصديق وهو يضم قطعة من قلبه بين يديه، أقسم أنه على استعداد أن يفعل أي شيء من أجل صغيرة.
رفع عينيه لزوجته وابتسم لها بأعين دامعة ثم اقترب وقبل رأسها بحنان:
"مبارك عليكي مجدي يا أم مجدي."
رفع باهي رأسه لوالده وهو يبتسم بعد أن نطق كلماته ليجد والده يبتسم له بفخر وقد امتلأ صدره بالحب:
"مبارك عليك يا ابني بس كنت سميه اسم تاني عشان مراتك..."
قاطعته زوجة ولده وهي تردف بحنان:
"متقولش كده يا بابا إحنا لينا بركة إلا أنت ربنا يبارك في عمرك وأشوف مجدي زيك."
ربت الحاج مجدي على كتف ولده وزوجته ثم قال بحنان:
"ربنا يبارك فيكم."
راقب باهي والده وهو يخرج من الغرفة ومن خلفه والدته التي تبكي بسعادة منذ مجيء الصغير للدنيا، وكأن قلبها الرقيق يجعل عينيها لا تتوقف عن ذرف الدموع في أي موقف.
اقترب باهي وهو يحمل الصغيرة وكنزه بين ذراعيه وجلس بجانب زوجته ليقول بصوت مبحوح متأثر:
"أنا مش مصدق نفسي، حاسس إني بحلم، ربنا حقق لي حلمي، وبقيتي ليا، ومراتي ورزقني بأجمل هدية حتة منك."
"ربنا يفرحك دائمًا ويحقق لك كل اللي نفسك فيه، بس ده مش حلم، ده حقيقة."
ابتسم وهو ينقل نظراته بينهم:
"ده أحلى حلم وأجمل حقيقة ربنا يخليكم لي يا رب."
نظر باهي للصغيرة وهمس لها:
"حبيب بابا، بابا مستعد يعمل كل حاجة عشان خاطرك."
***
أقترب عمار يجلس على المقهى بارهاق وقد أخذ الإرهاق منه مبتغاه، يومان يدور بهم على عمل وأخيرًا وجد عمل في ورشة ميكانيكا هو لا يعلم بها شيئًا لكنه مضطر بعدما ألقاه والده في الشارع بكل قسوة ودون أن يفكر به، يشعر بعروقه تنفر من كم الغضب المكبوت بداخله، ما مشكلة والده حقًا؟ حتى يطرده من البيت بهذا الشكل المهين، كل ما فعله هو التسلية فقط لم يحدث شيء حقيقي على أرض الواقع، ما ارتكبه كان من خلف شاشة في عالم افتراضي، لما يكبر الأمر بهذا الشكل.
ألقى جسده على الكرسي وهو يشعر بالنقمة على كل من حوله.
"مش أنت عمار!!"
التفت ببرود وقد توقع أن يكون تعرف عليه أحد بعد الفضيحة التي حدثت، لكنه تعرف على الوجه المألوف لمنطقته أنه جمال العاطل، أحد العلامات المميزة للمقهى والشارع يجلس هكذا ليل نهار دون فعل شيء سوى النميمة على كل شخص وأي شيء حتى لو كانت نملة تسعى على لقمة العيش لأولادها، الفراغ حقًا قاتل!!
"إزيك يا جمال."
ابتسم جمال وهو يشير له ليجلس على طاولته وهو يحرك ماسة الأرجيلة بيده:
"تعالى تعالى، مالك كده شكلك مبهدل، سمعت إن أبوك طردك! ليه كده حصل إيه."
ابتسم عمار ساخرًا وهو يردف:
"آه ده بقيت مشهور هنا بقى، إن أبويا طردني."
هز جمال كتفيه ببرود وهو يوسوس له كالشيطان متمثل في هيئة بشري:
"وإيه يعني يا عم ما كلنا أبونا طردنا، هو أنت أول واحد يعني!! الآباء أصلاً معقدين ودماغهم غير دماغنا، كبر دماغك بكرا يصفى ويصالحك."
عقد عمار ذراعيه وقال بشرود تائه:
"عندك حق بس مش عارف هنتصالح ولا إيه حسيت كلامه صادق إنه مش عايز يشوف وشي تاني، كان بيبص لي بقرف واشمئزاز كأنه بيقول إزاي ده ابني."
ضيقت عينا جمال بتوجس ثم مد له عصا الأرجيلة:
"ياا ده الموضوع كبير بقى، لا ده أنت تاخد نفس وتحكي لي."
لم تكن يد ممتدة له بل كانت أفعى تلتف حوله لتصطاد فريستها وتقبض عليها بإحكام ومهارة، وقد أجاد الاختيار، اختار بائسًا يتخبط هنا وهناك ولا يعلم الحياة مرسى.
أردف جمال بهدوء بعد أن انتهى عمار من سرد الخطوط العريضة لما حدث دون الدخول في تفاصيل:
"حلك عندي يا باشا."
حسنًا سيسدي له خدمة، سيظهر له مرسى وسيُجعل هذا المرسي يلمع بأعينيه وبعدها سيلقي به على قارب وهو عليه الإبحار للوصول للمرسي حتى لو كان هذا القارب... قارب الموت.
***
أخرج عبدالرحمن بطاقته الائتمانية كي يتمكن من دفع ما اشتراه وأعطاها للبائع بابتسامة بسيطة.
عقد البائع حاجبيه وهو يقول باستنكار:
"الفيزا مش شغالة يا فندم."
اتسعت عينا عبدالرحمن بدهشة ثم أردف بنبرة هادئة:
"جرب تاني كده، أكيد فيه عطل."
هز الرجل رأسه مرة أخرى بأسف:
"للأسف يا فندم مش شغالة."
أومأ عبدالرحمن برأسه بهدوء عكس فوران الغضب بداخله.
ثم أخرج المبلغ نقدًا والتقط الحقائب.
جلس في سيارته خلف المقود بملامح جامدة ليخرج هاتفه مجريًا اتصال وهو يضغط على فكيه وقد ابيض كفه الآخر الذي يضغط به على المقود.
وبمجرد فتح المكالمة من الجهة الأخرى:
"أنت كده بتلوي دراعي يعني!!"
رد والده ببرود:
"لا دي قرصة ودن صغيرة، تعرفك أنا ممكن أعمل إيه."
ابتسم عبدالرحمن بسخرية ثم أردف بنبرة باردة ترتجف لها من سقعتها منهيًا الحوار:
"افتكر إنك أنت بدأت يا حاج عرفات، وأنا مش بيتقرص ودني.."
أغلق الهاتف وهو يقبض على المقود وينطلق بالسيارة بعنف.
رواية قارب الموت الفصل الخامس 5 - بقلم مريم الجنيدي
وقف عرفات أمامه يقول بنفاذ صبر وقد تبخرت أخلاقه:
"يعني آخر اللي بتعمله ده إيه؟ عايز أفهم."
رفع عرفات وجهه بهدوء مستفز:
"عايزك تسمع كلامي لأنك بدأت تخرج عن طوعي."
أبتسم عبد الرحمن بسخرية:
"أخرج عن طوعك؟ أنا ما عملتش حاجة في حياتي كلها غير إني كنت بسمع كلامك، عمري ما رفضت لك طلب، ودلوقتي جاي تقولي بخرج عن طوعك! أنا ما عملتش أي حاجة لحياتي، ما عملتش حاجة أنا بحبها، ما اشتغلتش الشغل اللي بحبه، ودلوقتي بتلغي الفيزا بتاعتي، وبتلوي دراعي!! أنت غلطان."
رد عرفات ببرود وهو يقلب حبات سبحته:
"أنت لو كنت سمعت كلامي من الأول واتجوزت نسيم ما كانش كل ده حصل، دي أمانة في رقبتي."
ضحك عبدالرحمن ضحكة فاقدة للمرح:
"رقبتك أنت مش أنا، أمانتك أنت، أنا مالي؟ تدبسني في دي كمان، بعد ما بوظت كل حياتي باختياراتك أنت، دلوقتي كمان عايز تجوزني على مزاجك؟"
رد عرفات بدون اهتمام:
"خلاص طول ما أنت بتعند كده أنت حر، استحمل."
أبتسم عبد الرحمن ساخراً وهو يومئ بتصميم:
"لا المرة دي استحمل أنت بقى اللي هيحصل، وافتكر إنك أنت اللي خسرتني."
تركه وتحرك بخطوات سريعة تضرب الأرض بقسوة وهو يتحرك باتجاه المنزل، لكنه توقف وهو يراها تمشي في إحدى الشوارع الجانبية بخطوات تائهة.
اشتعلت عيناه بالغضب الذي لم يهدأ وتحرك خلفها ليرى أين تذهب.
تنهد بتعب وهو يتحرك خلفها منذ النصف ساعة على أقدامه بعدما ترك السيارة.
وأخيراً توقفت أمام أحد محلات الصاغة الذهبية، عقد حاجبيه باستغراب من أين أتت بالمال لتشتري حُلى!!
اقترب من المحل ليستطيع الرؤية وتفاجأ بأنها تقدم للصائغ خاتم، أهي من ستبيع!! شعر بنغصة أن تكون بحاجة للمال لشراء شيء وليس معها ولم تطلب من والده، أهي بهذا الخجل مثلاً!!
انتظر يراقبها حتى انتهت وأخذت المال وعادت مرة أخرى للبيت، كان هو خلفها في كل خطوة واندهش أكثر أنها لم تشتري أي شيء، إذا لماذا فعلت كل هذا؟
دخل خلفها من باب المنزل ثم استوقفها بسؤاله الحاد:
"أنتِ كنتِ فين!"
ألتفتت له بتوتر لكن رسمت الثبات على وجهها بحرفية وهي ترد:
"كنت في مشوار."
رد هو بتحفز وقد ارتفع إحدى حاجبيه:
"مشوار فين يعني!"
ردت بنفاذ صبر وهي تتنهد:
"مشوار بشتري حاجة عايز إيه يعني."
رد باستنكار ساخر وهو يستند على سور السلم:
"آه وفين الحاجة اللي اشتريتيها دي بقى؟ مش شايفك شايلة حاجة."
رمشت بأعينها وهي تنظر له بعدم استيعاب لتدخله السافر، ودون تفكير مراتين ردت بفظاظة:
"وأنت مالك أنت، أنت فاتح معايا تحقيق ليه يخصك في إيه أصلاً؟"
اتسعت أعينه ليشير لها بحدة لاذعة:
"أنتِ مفكراها وكالة من غير بواب، ولا زريبة من غير صاحب هتدخلي وتخرجي على مزاجك والله أعلم بتروحي فين وتعملي إيه!!"
ضحكت بذهول غير مصدقة:
"لما تبقي أنت صاحب الزريبة ولا بواب الوكالة ابقى تعالى اتكلم معايا وحاسبني، أنت شايف نفسك على إيه؟"
تركته بصدمته وصعدت الدرجات بخطوات سريعة، لكنه لم يترك لها الفرصة لتهرب وهو يصعد خلفها ثم قال بصوت عالٍ:
"كمان مش عاجبك النعمة اللي ربنا عطاها لك وبتتبجحي في الناس اللي معيشينك في بيتهم."
نظرت له قبل أن تغلق الباب ثم قالت بصوت حاد:
"بكرة أسيبها لك وأغور عشان تبطل ذل في حاجة مش بتاعتك أصلاً."
لم تعطيه فرصة للإجابة وأغلقت الباب بوجهه. وقف أمام الباب وهو يجز على أسنانه، هذه البلاء هي سبب المشاكل التي تحدث له منذ مجيئها المشؤوم والمشاكل لا تفارقه.
نزل مرة أخرى يعود لسيارته ثم تصفح هاتفه بفتور يحاول إشغال تفكيره في شيء بعيد عن النار المشتعلة بينه وبين والده.
لكن لفت نظره تلك الصفحة التي بها عدد مشاركين بالألاف وقد ظهر منشور أمامه عن وصول عدد كبير من المهاجرين هجرة غير شرعية لأراضي إحدى الدول الأوروبية الشهيرة. تملكه الفضول وهو يدخل على هذه الصفحة ويغوص بمنشوراتها التي تتحدث جميعها عن الهجرة غير الشرعية ومدى سهولتها والأعداد المهولة التي خاضت التجربة، وبساطة الطريقة ونجاحها.
وبدأ الشيطان يلعب لعبته بالعبث في رأسه....
لا يعلم كيف تحمل هذا الضغط في عمله، الحقيقة أن من بعد آخر واقعة وهو تحدث مع أخيه في الخارج ليجهز ورقه حتى يسافر له، فالعمل هنا أصبح مستحيل، ولكن مع أولاد زوجته انشغل عن تحضير باقي الأوراق.
لكن الآن يتمنى أن تنتهي بأسرع ما يمكن حتى يتخلص من هذا الكابوس المسمى رأفت بلاءه الأسود.
وعد نفسه أن يمرر الأيام بدون مشاكل حتى يستطيع إنجاز العمل بأسرع وقت.
لكن هذا اليوم لم يلتزم بوعده وانفجر كل شيء.
وقف يباشر عمله بهدوء لكن حركات يده السريعة المتقنة تدل على مهاراته العالية في هذا المجال، واكتساب خبرات عالية في سن صغير من الصعب حدوثه، لكنه تحدى كل الصعاب ليصبح ما هو عليه، لكنه مع ذلك يستحق الأفضل والذي سعى جاهداً الوصول إليه، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
اقترب رأفت منه وهو يردف بنبرة متعالية:
"اللي بتعمله ده غلط مش بتعمل كده."
أردف باهي ببساطة وكلمات مختصرة:
"روح شوف شغلك، مالكش دعوة أنا بعمل إيه."
أبتسم رأفت بسخرية وهو يعقد ذراعيه أمامه:
"أنت المساعد بتاعي ولازم تسمع اللي بقولك عليه."
انتفض باهي ينظر له بصدمة وهو يردف بذهول:
"إيه أنت بتقول إيه!! مساعد إيه إن شاء الله."
هز رأفت كتفه ببساطة:
"والله ده اللي حصل، أنا أخدت الترقية وأنت بقيت المساعد بتاعي، معلش بقى، المرة الجاية تعوضها، أنت عارف طبعًا لكل مجتهد نصيب."
ألقى باهي الملعقة من يده وهو يردف بعصبية:
"الكلام ده لا يمكن يحصل، هي سايبة، الكوسة مش للدرجة دي، أنت ما عملتش طبقين على بعض من ساعة ما جيت."
رد الآخر بعدم اكتراث استفزه أكثر:
"حظوظ."
أومأ له باهي ثم تقدم منه وبحركة غاضبة خلع المريول وألقاه بوجهه وهو يهمس:
"مبروك عليك."
ثم ضرب الصحن الذي يعمل على إنهائه ليسقط متهشماً وسط نظرات الصدمة من كل زملائه ليقول له باهي:
"بس أنا عمري مهكون جزء من المهزلة دي."
تركه وتحرك للخارج ليقابل مديره وهو يدخل المطبخ بملامح متجهمة ليقف مقابل باهي وقد ظهر التوتر على وجهه:
"باهي، أنت رايح فين."
نظر له باهي بشموخ وهو يردف بإصرار:
"أنا معاك هنا بقالي تلت سنين، شوفت إزاي تطورت وكنت باخد خطوة خطوة، لحد ما وصلت للي أنا فيه بسرعة مفيش شيف قدر يعملها، بس يوم ما يجي حد ياخد مكاني وهو لا يفقه شيئًا يبقى معلش أنا مش هبقى هنا، مش هسامح أبداً، اعتبرني مستقيل، لحد هنا وكفاية ومبروك عليكم الشيف الجديد."
تحرك بخطوات واثقة لا تظهر بها الضعف ولا الهواد، حاول مديره المباشر التحدث معه وإقناعه بالعدول عن رأيه لكنه لم يترك له الفرصة وتحرك للخارج بسرعة وهو يفكر بضرورة تسريع إجراءات السفر، لن يظل بهذا البلد الظالم أهلها.
يمشي بخطوات متخاذلة بطيئة يفكر في حل لما حدث، العالم أغلق عينيه بوجهه، كيف سيعول أسرته بعدما ترك العمل حتى يحين موعد السفر!!
"إيه يا معلم ماشي كده وعامل نفسك مش شايفنا."
انتبه باهي من شروده على هذا الصوت ليلتفت بتشتت وجد أصدقائه يجلسون على المقهى وكان هذا صوت جمال الساخر.
اقترب منهم يلقي السلام ثم سحب كرسيًا ليجلس، تعجب في بادئ الأمر من وجود عمار معهم لكنه لم يعلق.
تحدث جمال مرة أخرى:
"مالك يا عم متكبر علينا ليه."
نظر له باهي بابتسامة ساخرة:
"وهتكبر عليكم ليه!"
نظر أصدقاؤه لهم ليقول أحدهم:
"جمال بيهزر معاك يا باهي بس هزارة تقيل."
رد جمال بسخرية عبثية:
"يا عم سيبه هو حد قده دلوقتي ده بقى أبو مجدي وشيف كبير."
استند باهي على يده وهو يرد بجمود:
"لا بقيت أبو مجدي وعاطل، أنا سبت الشغل."
اتسعت أعينهم بصدمة ليسأله أحد أصدقائه بقلق:
"ليه بس كده، سبته ليه وهتعمل إيه!"
بينما أردف جمال بحسرة:
"حد يسيب شغلانة زي دي يا جماعة."
رد باهي بحنق:
"مشاكل حصلت وكان لازم أسيب الشغل يا جمال نصيب."
أبتسم بسخرية أومأ له ثم سأله باستفسار:
"وهتعمل إيه دلوقتي؟ متنساش إنك مسؤول عن عيلة وعندك طفل محتاج مصاريف يعني كان المفروض تستحمل."
أرجع شعره للخلف بتشنج ثم أردف باختصار:
"أنا بجهز الورق عشان أسافر لأخويا، بس لسه مش عارف هعمل إيه في الوقت ده لحد ما الأوراق تطلع."
لمعت عينا جمال وهو يردف بصوت منخفض:
"وأنت لسه هتستنى الورق لما يطلع!"
أردف باهي بعصبية:
"أعمل إيه مش قدامي حل غير كده."
نظر جمال لعمار بخبث ثم أردف:
"طب واللي يجيب لك الحل!"
أبتسم عمار متذكراً حديث جمال عندما قابله على المقهى (قبل شهرين):
"حلك عندي يا باشا."
عقد عمار حاجبيه بدهشة:
"حل!! حل إيه!"
اقترب منه جمال يردف بخفوت:
"نسافر على مركب، كام ساعة بس وتبقى بره البلد كلها، تعيش عيشة نضيفة في بلاد الحرية، تعمل اللي نفسك فيه، ولا حد يقولك بتعمل إيه ولا مبتعملش إيه."
بهت وجه عمار وأردف بخوف:
"بس الموضوع ده صعب، وفي خطر كبير."
"ولا خطر ولا حاجة يا عم، مش هيبقى أسوأ من عيشتك هنا، وبعدين ما نص شباب البلد سافروا كده، وبقوا معاهم فلوس قد كده، وعايشين عيشة نضيفة، في بلد بتحترم الإنسان، وتتجوزلك واحدة خوجاية تاخد الجنسية، وتعيش ملك يا معلم، وبعدين بقى من غير ورق وصداع، وروح وهات، ده هتدفع مبلغ بسيط، هوب على المركب، ساعتين وتبقى حر، شوفت أسهل من كده!؟"
نكس عمار وجهه بتفكير ثم رفع وجهه وهو يومئ وقد رسم له الشيطان حياة من جاه وسلطان ومال:
"طب هعمل الموضوع ده إزاي."
"سيبها عليا، بس الموضوع مفهوش رجعة، يعني متجيش ساعتها وتقول لأ مش رايح، لازم تكون قد كلمتك أمين!!"
أومأ عمار وهو يردف بارتباك:
"سيبني أفكر."
عاد الوقت الحاضر.
أردف جمال بعدما عرض الفكرة على باهي وترقب عمار الرد بتلهف، ليصدمه باهي:
"وإيه أرمي نفسي الرامية دي، ما أنا كده كده بجهز الورق قانوني، بدل البهدلة والمرمطة."
أردف أحد أصدقائه المستمعين:
"باهي عنده حق يا جمال، ما كده كده هو بيعمل الورق قانوني."
سخر جمال وهو ينفث دخان الأرجيلة:
"وعقبال ما الورق يخلص بقى هيصرف منين، ولا هيشحت يعني ده عنده مسؤولية وبيت، والله أعلم الورق هيخلص امتى! هيقعد كل ده إزاي، ده ممكن يسافر يبني نفسه، ويكون الورق لسه ما طلعش، دي طريقة مضمونة وأنا وعمار فكرنا فيها وهنروح، يعني مش هتبقى لوحدك."
تنهد باهي بإرهاق ثم نفى بإصرار:
"لا يا عم وبعدين أنت عايز تروح ليه يا عمار أبوك موافق على حاجة زي دي!"
احتل الجمود ملامح عمار وهو يردف بعدم اهتمام يشوبه الغل:
"أبويا مين، أبويا طردني من البيت بقاله شهرين ومش راضي يرجعني ده لما بيشوفني بيلف وشه الناحية التانية، أنا معتش عندي حاجة هنا أنا عايز أسافر أشوف حياتي هناك، فلوس وحريم ودلع يا عم، هقعد هنا ليه، عشان أشقى ليل نهار على شوية ملاليم، ولا أتعب عشان حد يجي أبوه جايبله واسطة ياخد حلمي، ولا أفضل، وياريتنا بنتعامل عدل، ده كرامتنا ممسوحة، أنت مش شايف اللي سافروا بقوا إيه وأهلهم عاملين إزاي!! ليه بقى أقعد في القرف اللي هنا ده؟!"
كان الكلام بلعب على وتر حساس بداخل باهي فهو ذلك الشخص الذي نحت في الصخر وبالنهاية انسحبت أحلامه بطرفة عين، كزهرة شقت طريقها بين الصخور لتتفتح برونقها الجذاب لكن فجأة انسحقت تحت أقدام شخص مستهتر لا يراها، لم يتمسك به أحد رغم مجهوده الذي يضرب به المثل في المهارة والالتزام، لكن عليك دائمًا تذكر أنك قطعة شطرنج يحركوها كما يريدون ومن الممكن الإطاحة بك في أي وقت.
عقله مشتت كخيوط متداخلة، بها الكثير من التشابك.
أراد جمال الضرب على الحديد وهو ساخن ليشجعه أكثر على الإقدام للهجرة ليردف بخبث:
"وبعدين إيه اللي خلاك تسيب الشغل اللي شقيت فيه فجأة كده أكيد في حاجة جامدة حصلت."
نكس باهي وجهه وقد هاج داخله بمرارة كالعلقم تذكره بحقيقة تخليهم عنه وخذلانهم له، فلم يتصل به أحد ليحثه على العودة:
"مشاكل في الشغل كبيرة قلت لك."
تحدث عمار بارتباك:
"طب ما تيجي معانا ونسافر مع بعض، وبعدين سهل أنك تعمل ورقك قانوني هناك، ده كمان أخوك هناك يعني الأمور هتكون تمام، إنما لو استنيت الورق بتاعك يخلص هنا مش هنخلص."
مسح باهي على وجهه وهو يقلب الأمر برأسه يحسب مدى الخسائر والفوائد، الغضب والضيق يملآن صدره يدفعه دفعاً لخوض التجربة والهروب من كل الألم الذي يحيط به ويذكره بالخيبات.
"بس الحاج أكيد هيرفض مستحيل يوافق على حاجة زي دي، الموضوع فيه خطورة جامدة أوي."
رد جمال ببديهية:
"وأنت لازم تقوله يعني! إحنا هنمشي من غير ما حد يعرف، واحد هياخدنا وأهلنا و محدش هيعرف غير لما نوصل ليبيا، قبل ما نطلع المركب."
هز أحد أصدقائه رأسه:
"أنت متأكد يا جمال أن الموضوع أمان!"
"يا عم أمان يا عم هو إحنا أول ناس هتروح، دول عاملين صفحة مخصصة للهجرة، وشفت ملايين سافروا عادي خالص، وكل الناس بتقول وصلوا بأمان وعادي خالص، هو أنا يعني هموت نفسي!!"
رد عمار بتحفز:
"وبعدين يا عم لو هنتعب شوية في الطريق إيه يعني، مش أحسن ما نفضل نتعب هنا طول عمرنا بدون مقابل."
نغز جمال باهي بذراعه:
"وهتأمن مستقبل ابنك، وهتعيشه عيشة تمام، وهتوصل أسرع، أنت خايف من إيه أصلاً، دي كل الحكاية يوم بليلة وإحنا التلاتة هنبقى مع بعض."
رد عمار محاولاً إقناعه بعدما سيطرت عليه شهوة المال والحريات:
"والموضوع مش مكلف يعني، ده ما يجيش حق تمن تذكرة طيران."
رد باهي بعدما دخل إليه الشيطان من ثغراته عابثاً بنقاط ضعفه، متقصد الضغط على غضبه ونقمته على كل ما حدث، يلعب بخبث ساحباً إياه لطريق لا يعرف نهايته.
"هتسافروا امتى!"
أبتسم جمال بخبث بعدما نال مراده، وزاد الاتفاق شخص سيعود بالنفع عليه:
"هو ده الكلام، اسمع بقى يا معلم، جهز نفسك بكرا الفجر."
"للأسف مش هينفع تكمل شغل طالما الإقامة انتهت، كان لازم تجددها، سلم حاجتك يا عبيدة، واتشرفنا بمعرفتك."
الجملة كانت تردد صداها بقلبه مهشمة إياه، مر الشهرين ولم يستطع تجديد إقامته في مصر لا هو ولا شقيقته، لكنه حاول بكل الطرق وفشل، والآن تم الاستغناء عنه من عمله.
حتى محل الملابس الذي كان يقف به مع الرجل العجوز استولى عليه أولاده، لم يعد له مكان، طرده وطنه والآن يطرده البلد الذي احتضنه، ماذا يفعل، من سيقبل أن يعمل عنده بدون إقامة قانونية، الأمر أشبه بأنك مطرود من كل البلدان، ولا تجد من يفتح لك ذراعيه، شريد ومشتت، وعلى كتفيه مسؤولية شقيقته، هي الأخرى تم الاستغناء عنها من عمله.
تنهد وهو يدخل البيت ليجد شقيقته تقفز أمامه:
"عبيدة عملت إيه؟?"
هز رأسه بيأس وهو يلقي بجسده المنهك على الأريكة، لا حل كان أمامه فرصة الزواج بفتاة مصرية، لكنه لا يستطيع حمل مسؤولية شخص إضافي براتب يكفيهم بالكاد، ومن أين يأتي بمصاريف الزواج من الأساس، وهو يعلم حرمانية الزواج المشروط، أي لا يستطيع الزواج بفتاة لفترة حتى يأخذ الجنسية.
"هنعمل إيه!!"
هز رأسه بيأس وقد ضاقت به الدنيا:
"ما بعرف يا سيلا اتركيني أفكر."
أومأت له والدموع تملأ عينيها، سألته بصوت متحشرج:
"أعملك حاجة تاكلها!"
هز رأسه بالنفي:
"بدي أكون لوحدي بعد إذنك."
أومأت له وهي تراقبه بحزن ثم تحركت لغرفتها تبكي بصمت على عجز بطلها الوحيد وحاميها، تشعر بالعالم ينهار من مجرد رؤية الحزن في عينيه، تقتل بنظرة العجز والتشتت التي تراها على وجهه في الأزمات، فهو ظهرها الصلب، و بيتها الذي لا يميل.
تصفح عبيدة هاتفه بتشتت لكن بعد ثلاثة ساعات من البحث والتصفح قفز وهو يصرخ بشقيقته:
"سيلا."
خرجت تركض بلهفة:
"في إيه يا عبيدة!"
أشار لها بالجلوس بجانبها بارتباك لتتقدم بقدم مرتعشة:
"في إيه يا عبيدة لقيت حل!"
أومأ لها ثم اقترب يمسك كفيها يحتويهم بحنان:
"أنتِ عارفة إنك حتة مني وما بقدر أبعد عنك لحظة صح."
أومأت له بعينين دامعتين وقلب خافق، ليكمل هو:
"أنا عارف إن اللي هقوله صعب، بس إحنا مع بعض في الحلوة والمرة عدينا حاجات كتير سوا، وهتعدي لسه باقي الأزمات سوا، أنا هفضل جنبك ما بدياكي تقلقي أو تشيلي هم."
قاطعته بخوف وقد انسحب الدم من عروقها:
"في إيه يا عبيدة خوفتني!"
تنهد يحاول تهدئة ضربات قلبه المذعورة ورسم القوة حتى يعطيها لها:
"إحنا راح نسافر سيلا."
عقدت حاجبيها باستفهام وهي تقول بصوت متقطع مشتت:
"إزاي والفلو..س و....هنروح فين أصلاً و..."
قاطعها وهو يشدد على يدها بقوة:
"راح نسافر على مركب يا سيلا."
اتسعت عيناها برعب وهي تهز رأسها بنفي مذعور وقد شحب وجهها تماماً:
"إيه!! إزاي قصدك هجرة غير شرعية! بس... أنا مش فاهمة، دي خطر و..."
أردف بهدوء وثقة استطاع رسمها حتى يبث بها الأمان:
"أهدي سيلا، خلينا نعرف نفكر سوا، خدي نفس كبير، أي هيك منيح، اسمعيني، في ملايين الناس بتسافر كل يوم على الدول الأوروبية، إحنا ليش جينا لهون، لأن ما كان في فرصة تانية، إحنا جينا لبلد قريبة و قولنا إخوانا وهما كانوا ناس كتير طيبين معانا، حاولنا نستقر، بس ما ظبط، وقتنا خلص هون سيلا، لازم نشوف حالنا بمكان تاني، وما في طريقة غير السفرة هيك، أنا عارف إن الموضوع صعب، بس أنا بشوف حاجة أمان."
بكت بخوف وهي تتشبث به:
"لكن أنا خايفة يا عبيدة، ليه كل ما نقول خلاص هنستقر تيجي حاجة تهدم بيتنا وتفرقنا بعد ما نكون اتعودنا."
مسح على رأسها بحنان ورقة:
"قدرنا هيك سيلا الحمد لله على كل حال، المهم إننا سوا، المهم إنك معي، بإذن الله كل شي هيكون منيح، أنا واثق إن ربنا هيكرمنا."
أومأت وهي تتشبث بأحضان تبحث عن الأمان بين أحضان وطنها الحقيقي، فأن لم يكن لها بيت ووطن، سيكون ذراعي شقيقها بيتها وأمانها وأرضها الصلبة الوتد الذي تستند عليه دون خوف.
"أنا معاك بأي حاجة هتعملها يا عبيدة، هنكمل المشوار سوا، هنعمل إيه دلوقتي، وهعمل إيه في الكلية هسحب ورقي!!"
فرت دمعة من عينيه وهو يقول:
"ما راح تكملي الدراسة هون سيلا، بوعدك أول ما نستقر هناك هتكملي دراسة."
أومأت له وهي تبكي على حلم بات فتات وأيام لن يبقى منها سوى ذكريات.
أردف بتحشرج وهو يضمها:
"سيلا بكرا بتودعي صحابك، بس أوعي تقولي أي حاجة لحد."
أومأت له دون أن تجد القدرة على الرد فالحزن ضرب بحنجرتها وأغلقها فلم تعد للكلمات فائدة أمام الحزن الظاهر، بعد فترة استطاعت أن تهمس:
"هنسافر امتى!"
قبل رأسها وهو ينظر لأرجاء المنزل الصغير الذي احتواهم طوال مدة إقامتهم، والذي أصبح جزء من روحه:
"بكرة بالليل."
انتفضت بفزع وهي تسأل:
"إيه بكرا بالليل؟!"
أومأ لها والحزن يأكله:
لت تقول بشرود وهي تتأمل ما حولها:
"يعني خلاص راح نترك كل حاجة هنا وبنمشي، معدناش هنرجع هنا تاني!!"
أردف بصوت عميق وهو ينظر لعيونها بتأثر:
"إحنا تركنا وطنا يا سيلا من فترة طويلة، تركنا ديارنا، تركنا أهلنا تحت التراب، تركنا كل شي ورانا لحتى ننجوا من دمار الحرب، جينا لهون واحنا ما بنعرف هل دي المحطة الأخيرة ولا فترة استراحة، بعرف إنك سويتي ذكريات ورفقات، وحياة هنا، بس هون ما آخر محطة، وما بنعرف هناك آخر محطة ولا لأ، إحنا بنبحث عن شقفة أرض تضمنا، بس ما بظن إن بعد وطنا نلاقي وطن، راح تكون كلها محطات مؤقتة، حتى نعود لديارنا في يوم من الأيام."
بكت بقوة وغير تصديق ليضمها بين ذراعيه وهو يعتذر بكلمات هامسة عن قساوة العالم ووحشيته، عن تشتت صغيرته، عن قلبها المنكسر، الحياة التي تذيقهم المُر مراراً وتكراراً.
دخل بخطوات يجر بها جبال من الخيبات ثم وقف أمامه يتأمل تجاعيد وجهه الذي حفرها الزمن، يتأمل كل تفصيلة.
وجهه، عباءته الثمينة، يده الممسكة بالسبحة، المكتب الفخم، كل شيء.
رفع والده الحاج عرفات وجهه يتطلع به بملامح مقتضبة:
"خير عايز إيه، عقلك رجع لراسك ولا لسه."
رد عبد الرحمن بجمود:
"أنا من الصبح وأنا بفكر، بشوف أنا قدمتلك إيه وأنت قدمتلي إيه."
سخر والده وهو يضع قدم فوق الأخرى ويعود بظهره للخلف بفخامة:
"قدمتلك إيه!! أنا اللي خليتك راجل مالك هدومك، خليت الناس تحترمك، خليتك راجل شايل مسؤولية، علمتك كل حاجة، بدل ما تكون عيل طري أبوه معاه فلوس، خليتك تتعلم الشغل والصنعة وتتتمرمط عشان تعرف قيمة القرش، عليتك وخليت ليك قيمة وشأن، وراجل بجد، أنت بقى عطتني إيه يا عبد الرحمن."
ضحك عبدالرحمن بعدم تصديق:
"عطيتك إيه!! أنت أخدت عمري، وصحتي، وكل حاجة بحبها، أنت ما خلتنيش أختار أي حاجة أنا عايزها، أنت ما خلتنيش أدرس الحاجة اللي عايزها، ودخلتني في شغلك أنت مرمطتني، شغلتني كل حاجة صبي وسواق وتباع ميكانيكي كل حاجة أنت مكنتش بتخليني أنام عاملتني أسوأ من أسوأ حد شغال عندك، كنت ضاغط عليا وعلى أعصابي، محيت أحلامي وشخصيتي، محيت عمري، أنا ما قدمتش حاجة معينة، أنت أخدت مني كل حاجة، أنت فعلاً عملتني، عملتني شخص أنا مش عارفه ومش عايزه، وفي الأخير عايز تغصبني اتجوز بنت مراتك كمان."
ضرب عرفات على المكتب وهو يقول بصرامة:
"آه أنت جاي تعمل فيها الضحية صح! اسمع كلامك ده وفره لنفسك، أنا عملت اللي اتربيت عليه، مش مهم بقى أحلامك والكلام الفاضي ده، المهم إن طلعتك راجل."
صرخ عبد الرحمن بغضب ممزق:
"راجل مش عارف نفسه."
رد عرفات بغير اهتمام:
"الكلام بتاع الأفلام والمسلسلات ده ما يخش عليا، أنت ما قدرتش تقعد من غير الفيزا بتاعتك عشان كده جاي تقول الكلمتين دول."
هز عبد الرحمن رأسه بيأس وقد فقد الأمل من والده وعزم على تنفيذ ما فكر به:
"لا أنا كنت جاي أتأكد من حاجة، واتأكدت منها خلاص، وأعرف إن أنت السبب في اللي هعمله، أنا قادر أعيش من غير الفيزا اللي بتذلني بيها اللي أصلاً أنا اللي جايب كل قرش فيها من عرق جبيني وشقيان فيهم، وضيعت عمري معاك وفي الآخر بتسحب مني الفلوس وأنا في العمر ده عشان تلوي دراعي، الطفل اللي كنت بتعاقبه كده كبر وقادر بتخلي عن أي حاجة، تغور الفلوس دي لو هي اللي هتعيشني مذلول ومضغوط وبتتلوي دراعي بيها، مع السلامة يا حاج عرفات، مع السلامة يا بابا."
صرخ عرفات بصوت عالٍ غاضب:
"هترجع تاني يا عبد الرحمن أنت مالكش مكان غير هنا، مفكر إن مش هعرف أشغل المصلحة من غيرك، بس افتكر إنك هترجع هنا تاني زي الكلب، بس هترجع على شروطي أنا."
تحرك عبد الرحمن بخطوات واسعة وهو يهز رأسه بتصميم ويشد على فكه همس بفحيح:
"هنشوف."
أخرج الرقم واتصل به ليقول بتصميم ونبرة قاطعة:
"أنا جاهز بكرا بالليل قابلني."
رواية قارب الموت الفصل السادس 6 - بقلم مريم الجنيدي
الغضب كالنار إن تركته يتحكم بك ستكون نهايتك.
حياتنا عبارة عن مجموعة من القرارات، وليست جميعها صحيحة.
كل شيء انقلب في أقل من ساعات.
الفرار من طريق مظلم هو أشد خطورة من مواجهة الخطر، وهذا ما حدث لهم جميعاً.
تحركوا جميعاً لمكان التجمع.
كان جسد باهي يشتعل من الغضب بعدما انفجرت أعصابه، مطيحاً بالأخضر واليابس، ملقياً قنبلته وقرار سفره دون أن يتخذ بعض الدقائق للتفكير أو مناقشة عائلته للأمر، بل ألقى كلماته محدثاً صاعقة ورحل دون الالتفات، وقد تحكم به غضبه وأعماه عن الصواب.
على الطريق الصحراوي في الظلام، وقف بجانب جمال وعمار بملامح مقتضبة وجسد متحفز.
أردف جمال بسخرية:
"أفرد وشك يا باهي، مالك مكشر ليه؟"
"فكك مني يا جمال، أنا مش طايق نفسي، وخلصني شوف الراجل ده فين، خلينا نخلص."
أومأ لهم ثم سألهم بصوت جشع:
"جبتوا الفلوس؟"
أومأ عمار له، بينما تجاهله باهي وهو يشعر بعدم الارتياح والضيق يصيب صدره.
بعد قليل، توقفت سيارة نصف نقل أمامهم بصندوق مغلق، ونزل منها رجل حاد الملامح ضخم البنية.
اقترب عمار يهمس لهم بقلق:
"هو ده يا جمال؟"
همس جمال ببرود:
"تقريباً."
أردف الرجل بصوته الخشن:
"جهزتوا الفلوس؟"
اومأوا له ليستلم منهم الفلوس ويعدها، ثم نظر لهم بتفحص وأشار لهم:
"تعالوا ورايا."
اقتربوا يسيرون خلفه لخلف السيارة أمام باب الصندوق.
فتح الرجل الضخم البوابة، كانت من الداخل معتمة لا يظهر ما بداخلها.
نظروا لبعضهم بريبة، ليستمعوا للرجل يقول بحده:
"خلص يا عم، أنت وهو، مش عايزين حد ياخد باله مننا."
صعد الثلاثة إلى السيارة، وأغلق الرجل باب الصندوق.
لم يرى أي منهم أي شيء، يغرق المكان في الظلام الدامس.
تقدم كل منهم ليجلسوا في أي مكان، ليدعس أحدهم على شيء ليأتيه صوت نسائي وهو يصرخ:
"آه، حاسب، دوست على رجلي."
اتسعت أعين عمار وهو يردف بخفوت:
"إيه ده؟ هو في حريم؟"
هذه المرة، أتاه صوت رجل حاد باللهجة المصرية الركيكة:
"وأنت مالك."
سكن عمار دون حديث، وهو يستشعر خطورة الخوض بهذا الأمر.
بعد دقائق، وقفت السيارة مرة أخرى، وصعد أحدهم دون أن يتبين أحد شكله بسبب الظلام.
وتكرر هذا الأمر ثلاثة مرات دون أن يتبين أي أحد وجه الآخر.
كان السكون يعم أرجاء المكان.
مرت أكثر من ثلاثة ساعات، لتعلو أصوات الهمسات في الصندوق.
"عبيدة عايزة أروح الحمام."
خرج هذا الصوت بهمس في أحد الأركان، ليضمها عبيدة أكثر إليه وهو يهمس لها بعجز:
"استحملي حبيبتي شوية لحد ما نوصل لأي مكان."
أومأت هي بارتباك وهي تلتصق به، لعلها تحصل على أي أمان.
بينما هو تمسك بيدها جيداً، وأعينه تخشى أن تنغلق، يشعر بحجر من المسؤولية متعلق بعنقه.
"ما تخافي حبيبتي، كل شيء هيكون بخير."
ألقت رأسها على صدره وهي تتنهد بخوف من القادم.
على بعد بعض الخطوات، كان يقبع عبد الرحمن.
يشعر بالقهر على نفسه، أنه لجأ لهذه الطريقة، مبعثراً هيبته.
هو عبد الرحمن عرفات، يفر من البلاد بهذه الطريقة.
وكل هذا بسبب تأكده أن والده سيعيق أي إجراءات سيتخذها للسفر.
حركت أنه أوقف حساباته البنكية وشهرته بالذل.
هو لن يتحمل أن يتحكم به بهذه الطريقة المهينة، لذلك اتخذ أقرب طريق بعيداً عن والده.
هو السفر بهجرة غير شرعية، لن يستطيع والده الوصول له.
سيفاجئه أنه وصل أوروبا دون أن يكون له يد لإيقافه.
لكن جلسته المهينة هذه الآن كأنه يهرب كالصوص، وسط أفراد لا يعلمهم، في الظلام الدامس.
كل هذا شعور يزيد من نقمته أن أقرب الأشخاص إليه هو السبب بكل هذا.
لكنه ترك كل شيء خلفه، لعله يجد حياة جديدة، يجد بها نفسه، ويعيش لأجل نفسه.
أما باهي، يضع رأسه بين يديه يشعر بأنه تسرع.
في خلال الساعات التي جلس بها الآن في السيارة، تخلى غضبه عنه وحل مكانه القلق.
لكن الهدوء والتفكير السليم أتيا بعدما سبق السيف العزل وانتهى الأمر.
لم يعد هناك رجعة.
شعر بقلبه يقفز بفزع عندما ظهرت صورة صغيره الذي تركه دون أن يودعه حتى.
هل فاق الآن؟
لكن غضبه بسبب القهر الذي تعرض له ما زال يحوم بداخله وينهش به.
جانب منه يذكره بهذا، والجانب الآخر يتصارع معه ليذكره بابنه.
في الحالتين، عليه أن يفيق على مرارة الواقع الذي اتخذه بنفسه.
أما عمار، حماسه هو المسيطر عليه.
لا يصدق أن بعض الساعات تفرقه على الحرية.
عليه أن يصبر بعد الساعات، وبعدها سيمحو كل ذكرياته، سيولد ببداية جديدة.
في بلد لا يعرفه بها أحد، بلد يستطيع أن يفعل بها أي شيء.
وأخيراً، سيخرج من سجن أبيه وكل تعقيداته.
الأفكار مختلفة.
كل فرد يركب بهذا الصندوق يشعر بشعور متضارب.
كلاً بحكاية وقصة مختلفة.
منهم من يسعى للنجاة، ومنهم من يسعى للمتعة، ومنهم من يسعى لمستقبل أفضل.
فهل سينالوا هذا المستقبل الأفضل؟
مرت الساعات ببطء يكاد يصيبهم بالجنون.
وأخيراً، توقفت السيارة عند طلوع الشمس، ليتنهد الجميع بإرهاق ويقفوا باستعداد.
سأل عمار بفضول:
"إحنا كده وصلنا فين؟!"
بعد سؤاله بدقيقتين، استمع لصوت فتح الأبواب.
أغلق الجميع أعينهم بسبب الضوء الذي وقع عليهم بعد ساعات في الظلام.
ونفس الرجل ضخم البنية يقول بخشونة:
"إحنا وصلنا على حدود مصر وليبيا. فيه عربيات هتتقسموا عليها عشان تعدوا الحدود تطلعوا الهضبة، لأن ما ينفعش أعدي بالعدد ده كله. هسيب الباب مفتوح لحد ما العربيات توصل، بس يا ريت محدش ينزل من العربيات، عشان دوريات الحدود."
التفت عبد الرحمن برأسه يتطلع حوله ويفك عضلات جسده المتشنج، ليلمح باهي على جهته اليسرى.
اتسعت أعينه بعدم تصديق.
بينما اقترب عبيدة وهو يسحب شقيقته من يدها ويخشى أن يتركها في أي مكان فيجعلها تلتصق به، يردف للرجل بنبرة هادئة حاول جعلها مصرية لكنه فشل، فخرجت مصرية ركيكة تظهر بوضوح أنها مصطنعة:
"لو سمحت، عايزين ننزل عشان فيه حريم بدها تقضي حاجاتها."
ضيق الرجل عينيه وهو ينظر له، ليأتي صوت بعض النساء الموجودات باستحياء:
"ياريت."
تعجب البعض من وجود النساء معهم، فلم يتخيلوا أنهم يهاجرون هكذا.
وبالنظر لبعضهم، اكتشفوا وجود أطفال وشباب من أعمار مختلفة، وبعضهم يظهر عليه اختلاف الجنسية، وبعض النساء.
أردف الرجل بحدة:
"ما ينفعش تنزلوا من العربية كده خطر، وبعدين أنتوا مش طالعين رحلة."
شعرت النساء بالإحراج.
أردف باهي يتعصب وقد اشتعلت مروءته:
"ما ينفعش كده، دول حريم، إحنا نستحمل، إنما هما لا."
بينما اقترح عبد الرحمن:
"ممكن اتنين اتنين ينزلوا، خلي عندك نخوة."
التفت باهي ينظر خلفه للصوت المتحدث، وتفاجأ بوجود عبد الرحمن، فهو يعرفه أنه من القرية المجاورة.
وأيضاً هو نفسه الشاب الذي اصطدم به بالحادث في البداية.
شعر بالإحراج، وكذلك عبد الرحمن، وذلك لمكانة الاثنين.
لكنهم فكروا بأنهم جميعاً في سفينة واحدة.
ابتسم باهي بتردد كتحية، ليردها عبد الرحمن وهو يهز رأسه بإيماءة صغيرة رداً عليه.
شعر الرجل ببداية الهجوم عليه، فقرر اتخاذ السلامة حتى لا ينقلبوا عليه قبل أن يجتازوا الحدود.
لذلك أردف بخشونة ونفاذ صبر وهو يشير:
"تمام خلاص خلاص، فيه شجرة قدام اهي ممكن تروحوا عندها، بس اتنين اتنين عشان محدش ياخد باله."
نظرت سيلا لشقيقها بخوف، ليومأ له لتقترب فتاة منها بخجل وهي تقول باستحياء:
"هاجي معاكي، تعالي."
التفت عبد الرحمن برأسه كالرصاصة بغير تصديق.
لا، مستحيل أن يكون قدره بهذا السوء.
كيف أتت لهنا!!
همس باسمها بأعين جاحظة، وهو يشدد على قبضته.
بينما هي أمسكت يد سيلا واتجهوا لينزلوا من الصندوق.
كاد الرجل أن يبتعد، ليردف عبيدة بتحفز:
"أنت رايح لفين؟ أنت هتفضل قاعد هنا لحد ما يرجعوا."
أومأ الرجل وهو يجلس على طرف الصندوق، بينما شيّع عبيدة شقيقته بنظرات قلقة.
حاول أن يطمئن، فهي معها أنثى مثلها.
همست سيلا بإحراج عندما وصلوا للشجرة:
"أنا هقف قدام الشجرة وأديكي ضهري لحد ما تخلصي، وبعدين تقفيلي."
أومأت لها الفتاة بوجه أحمر وأعين دامعة.
الشعور بالجزع والذعر يكون مضاعفاً لدى الفتيات في المخاطر.
انقشاع قشرة الأمان والخروج في منطقة الخطر، عليك أولاً عدم الثقة بأحد.
أغمضت الفتاة عينيها وفرت دمعات منها، بينما سيلا مسلطة ببصرها على السيارة تستمد منها الأمان وسط هذه الصحراء المرعبة.
"خلصت."
التفتت سيلا وهي تومأ لها، ثم سلموا أماكنهم لبعض دون أن تجد أي واحدة منهم القدرة على الكلام، فالموقف صعب وضغط على الأعصاب بشكل لا يصدق.
انتهت سيلا وقد شعرت أخيراً بالراحة بعد كتمانها كل هذه الساعات.
وكان تفكير مرعب أن تظل هكذا حتى يخرج الأمر عن سيطرتها، لكن الحمد لله لم يحدث أسوأ أول كوابيسها.
"يلا نرجع."
أومأت لها الأخرى، لتهمس بصوت منخفض:
"شكراً."
هزت سيلا رأسها بحنان:
"معملتش حاجة، دي حاجة خارجة عن سيطرتنا. أنتِ هنا لوحدك؟!"
شعرت الفتاة بالخواء لسؤالها، وبأنها عارية في الصحراء بلا مأوى أو ظهر، لتهز رأسها بالإيجاب.
أردفت سيلا بحنان:
"إحنا ممكن نكون مع بعض، أنا معايا أخويا، وكمان أنا وأنتِ بنات زي بعض، متخافيش."
صمتت الأخرى تفكر، ثم أومأت لها بخجل.
لن تخسر أكثر مما خسرت بالفعل، على الأقل تكون بجانب فتاة بدلاً من الوحدة أو من أن تجلس وسط الرجال.
اقتربوا من السيارة لتردف سيلا بهدوء:
"أنا سيلا، وأنتِ اسمك إيه؟!"
"نسيم؟!"
لم يكن هذا صوتها، بل صوت أتى من خلفها جعلها ترتعد خوفاً وهي تنظر لصندوق السيارة.
أبصرته أمامها بملامح غاضبة لتبتلع لعابها بخوف وهي تفكر، ما الذي يفعله هنا!!
بينما سألت سيلا بعدم فهم:
"مين ده؟ تعرفيه؟"
لم تنطق الأخرى وقد شحب وجهها.
ليردف الرجل صاحب السيارة:
"مش وقت صدمة، اطلعوا، والاتنين التانيين ينزلوا."
ساعد عبيدة شقيقته، وكاد يمد يده لنسيم ليساعدها، لكن اقتربت شقيقته تساعدها، فعاد للخلف بإحراج.
أما عبد الرحمن، فرنت أجراس الخطر بعقله، وهو يقترب منها يهسهس بفحيح مرعب:
"إنتِ حد راميّك عليا؟ بتعملي إيه هنا؟ أنا سبتلك البلد وطفشت، جاية ورايا!! عايزة إيه مني؟"
نظرت له بحنق محرج، وقد جذب أنظار كل من يجلس في السيارة، لترد بخفوت مبهوت من الصدمة:
"هكون جاية لي؟ أكيد لنفس السبب اللي جابك هنا، بس حظي الأسود رماني تاني في سكتك. أنا أصلاً سبتهالك خالص، أقوم سبحان الله ألاقيك في وشي."
كاد يرد عليها، لكن قاطعه الرجل بصوت حاد:
"ما تحلوا مشاكلكم في البيت، انتوا جاين هنا على الحدود تحلوها؟!"
أردف عبد الرحمن بجمود:
"اسمع، هي مش هتسافر، هترجع معاك تاني، مش هتعدي الحدود."
همس عمار وهو يجلس بجانب باهي:
"شكلها سفرية عسل، مكنتش متخيل إن معانا بنات، لا وكمان فيه أكشن، أيوة كده دلعني."
نظر له باهي بحدة وهو يردف بصرامة:
"تعرف تخرس، هي مش ناقصاك."
وكانت سيلا قريبة منه لترمقه بنظرة مشمئزة، انتبه لها لتتسع ابتسامته بسماجة.
بينما رد الرجل على عبد الرحمن بحدة وهو يخبط على السيارة:
"هو إيه أصله ده؟ انتوا فاكرينها رحلة بجد ولا إيه؟ الموضوع ده لو اتعكشنا فيه هنروح في داهية. دخول الحمام مش زي خروجة، وكل واحد هنا جه بمزاجه، مينفعش تقولي دلوقتي لا عايز أرجع، إحنا مش بنلعب."
أردفت نسيم بجدية وهي تنظر له بإصرار:
"بالظبط، وبعدين أنت مالكش دعوة بيا، ولا أنت وصي عليا، ولا من بقية أهلي، اعمل نفسك متعرفنيش، وكل واحد في طريقه."
ثم ولته ظهرها واقتربت تجلس بجانب سيلا، التي نالت تهمس لها بفضول:
"مين ده؟"
"سيلا!!"
أردف عبيدة بتأنيب، لتنظر له، ليحذرها بأعينها من عدم التحدث مع الغرباء، لتومأ له وهي تصمت، ثم أمسكت بيد نسيم تشد عليها وهي تهمس:
"متخافيش."
شد عبد الرحمن شعره للخلف وهو يكاد يقتلعه من جذوره.
من أي كارثة ألقيت عليه هذه الفتاة؟
هل يصعد للمريخ حتى لا يراها؟
بعدما فر منها ومن والده، يجدها ملتصقة به كالعلكة.
ما هذه الصدفة التي تكاد تصيبه بذبحة صدرية.
استوعب الآن لماذا ذهبت للصائغ، وباعت شيئاً لها.
الأمر ألمه.
لم يستحمل الجلوس مكتوف الأيدي، ليتقدم منها ويجلس مقابلاً لها.
رفعت أعينها له ببرود، ليردف هو بعصبية:
"إيه اللي خلاكي تعملي كده؟"
رفعت إحدى حاجبيها بتعجب وهي تردف بتألم:
"ما قلتلك مع أول فرصة همشي، مكنتش هستنى أبقى عبء عليك أو على باباك. باباك اللي غصبك عليا عشان يخلص ضميره من المسؤولية بعد ما ماما الله يرحمها وصّته عليا. أنا إنسانة، مش بضاعة في مخزنه عايز يخلص منها بأي شكل."
تنهد وقد أفحمه ردها.
حتى الغريبة فرت من تحكم والده بها.
نكس رأسه، ثم حاول إثنائها عن قرارها:
"طب اسمعي، أنتِ هتسافري لي؟ الطريق خطر، وبعدين صعب على الرجالة، أنتِ هتستحملي إزاي؟ هتروحي تعملي إيه أصلاً؟ ارجعي يا نسيم، أنا هسافر ومعتش هتشوفي وشي ومش هضايقك."
اقتربت بوجهها تردف بعناد جعله يريد ضرب رأسها في جانب الصندوق:
"مش هرجع يا عبد الرحمن، معتش ليك دعوة بيا، أنت مش ولي أمري. عايز ترجع أنت لحياتك اتفضل."
عض على شفتيه بغيظ وهو ينظر لها بحنق، ثم أردف بغضب:
"براحتك، أنا هشتال مسؤوليتك لي أصلاً، أنا مالي."
أومأت له بتأكيد:
"بالظبط، ملكش دعوة بيا."
استقام يبتعد عنها ليجلس بجانب باهي، الذي لم يعرهم اهتماماً وهو يطوف في عالمه الخاص.
سأله عمار بفضول:
"أنت مش متحمس لي يا باهي؟"
نظر له باهي بطرف عينيه بسخرية، ثم أردف بصوت يسكنه الحزن:
"هتحمس لأيه وأنا سايب بيتي وابني ومراتي وأهلي؟ أنا حاسس بخنقة وكأن بقطع حتة من قلبي."
قلب عمار عينيه بملل وهو يرد بحنق:
"إيه الدراما دي كلها يا باهي؟ اللي يشوفك يقول رايح السجن مش مسافر أوروبا، وبعدين أنت رايح تشتغل عشانهم."
أومأ باهي وهو ينظر له باستخفاف:
"ما أنت مش هتحس باللي بقوله، عشان أنت أصلاً رايح تتفسح وتعيش حياتك، أهدافنا مش زي بعض يا عمار، ودماغنا مش هتتلاقى."
أردف عبد الرحمن بتردد:
"ازيك يا باهي، مكنتش متخيل إننا ممكن نتقابل هنا."
ابتسم له باهي وهو يومأ:
"سبحان الله، قدارنا بس. أنت عامل إيه؟"
هز عبد الرحمن رأسه بإحراج وهو يبرر:
"اعذرني إن مسألتش عليك من بعد ما خرجت من المستشفى، أنا بس كنت مضغوط في الشغل."
ربت باهي على كتفه بتسامح:
"اللي حصل ده نصيب، وبعدين كلنا مشغولين في حياتنا، ما شتلتش هم، أنا مش زعلان."
حمحم عمار وهو يتدخل في الحوار ليسأل عبد الرحمن بفضول:
"مش أنت عبد الرحمن ابن الحاج عرفات؟!"
أومأ له الآخر بملامح جامدة، ليردف عمار باستغراب:
"أنا مستغرب أوي بجد إنك معانا هنا. معلش يعني، أنت مسافر كده ليه؟"
شعر عبد الرحمن بغصة بحلقه، شعور المرارة والمهانة من حديث عمار المستهين.
بالفعل، ماذا يفعل هنا؟
لكن بدلاً من أن يجيب هو، أجاب باهي وهو ينظر لعمار بجدية:
"وأنت مسافر كده ليه؟ وأنا مسافر كده ليه؟ كلنا مسافرين كده ليه؟ كلنا عندنا ظروف يا عمار، إحنا مش بنعمل مغامرة جديدة عشان نجدد حياتنا."
زم عمار شفتيه وهو يجيب بملل:
"لا انتوا مكلكعين أوي بجد، أنا رايح أقعد مع جمال."
سأل عبيدة الرجل الذي أتى بهم لهنا:
"معلم، هو الطريق آمن! والمركب كويسة!"
رد الرجل بتأكيد وبطريقة مبتذلة:
"طبعاً، ناس ياما سافرت كده، الموضوع سهل وآمن جداً، مفهوش أي خطورة، أنت مشفتوش الناس اللي سافرت ولا إيه!"
أومأ عبيدة وهو ينظر لشقيقته باطمئنان.
بينما هي ابتسمت له وهي تشدد على قبضة يده.
التفتت لنسيم التي تختلس النظرات لعبد الرحمن الذي يتجاهلها، لتقول لها بصوت حنون:
"اسمك حلو أوي يا نسيم."
التفتت نسيم لها وهي تبتسم بخجل، ثم أردفت:
"شكراً، أنتِ كمان اسمك حلو. انتوا مش مصريين صح؟"
ارتجفت سيلا بقلق وهي تنظر لأخيها، لتسألها بتردد:
"ليه؟"
هزت نسيم كتفها بلا اهتمام:
"عشان المصري بتاعكم مكسر، واضح إنكم مش مصريين. أخوكي كلامه واضح إن دي مش لهجته، وكمان شكلكم كده مش مصري."
عضت سيلا على شفتيها وهي تهمس لها:
"آه، محناش مصريين، بس عبيدة قالي مقولش لحد، عشان محدش ياخد باله مننا."
ردت نسيم بسخرية تمازحها لتخفف توترها:
"لا متخافيش، محدش أخد باله خالص. أخوكي أصلاً نص الكلام اللي نطقه مش مصري، و أصلاً هو كل ما حد يعرف إن اسمه عبيدة، هيتأكدوا إنكم مش مصريين. وبعدين إيه الخطر في إن حد يعرف إنكم مش مصريين؟ ما إحنا مسافرين معاكم، هو إحنا يعني طالعين دريم بارك."
ابتسمت لها سيلا جراء مزاحها لتطمئن قليلاً.
ربتت نسيم على يدها:
"إحنا واحد يا سيلا، والله كان نفسي أقولك نورتي مصر، بس إحنا خلاص طالعين منها، نورتي الحدود."
سأل عمار بصوت ملول:
"هو إحنا هنفضل هنا كتير؟"
رد الرجل ببرود:
"إحنا بنستنى العربيات اللي هتعديكم الحدود وتطلعكم الهضبة."
زم عمار شفتيه وهو يسأل بغباء:
"مش ممكن يكونوا ضاعوا في الصحراء! ولا انتوا معلمين المكان بالشجرة دي!"
نظروا له الجميع بصدمة، ليسخر الرجل:
"شجرة!! لا الناس دول عرب، حافظين الصحراء زي اسمهم، متخافش، شكلك متحمس أنت."
سألت نسيم سيلا بخفوت وهي تبعد نظرها عن مكان جلوس عبد الرحمن:
"انتوا إيه خلاكم تسافروا؟"
تنهدت سيلا بتعب وهي تقول بخفوت وقد أخذ منها الإرهاق:
"الإقامة بتاعتنا خلصت ومعرفناش نجددها، كانوا هيخلونا نعود لبلادنا، بس هنروح نعمل إيه؟ بيتنا اتدمر وأهلنا ماتوا، ومعناش فلوس، مكنش في قدامنا طريقة غير دي."
سألتها نسيم بتلقائية:
"ليه مفكرتيش تتجوزي حد مصري، أو أخوكي يتجوز مصرية؟"
ردت عليها سيلا بهدوء مقتضب لصعوبة هذا الأمر على نفسيتهم، وكأنهم يعرضون أنفسهم لأجل الإقامة:
"ما حبينا نتجوز عشان كده، الجواز ده ليه قدسية وليه أصول، مش معقول أروح أتجاوز أي حد للإقامة، عبيدة عصب جداً من الموضوع ده لما حد اقترحه عليه، حس بالإهانة، إحنا بشر ولينا مشاعر، حتى هو مرضاش يتجوز واحدة ويظلمها معاه لأن الظروف وحشة ومش مضمونة."
أومأت لها نسيم وهي تشعر بنفس المعاناة:
"عندك حق، أنا حاسة بيكي عشان مريت بنفس الحاجة، أنا آسفة مش قصدي."
ردت سيلا بتفاهم:
"ولا يهمك عادي، أنتِ حصل معاكي إيه؟"
كادت نسيم أن تجيب، ليقطعها صوت الرجل الغليظ:
"العربيات وصلت، جهزوا نفسكوا عشان هتتقسموا على العربيات."
استقام الجميع ليتجهزوا للرحيل، لتمسك سيلا بيد شقيقها ويد نسيم.
نظر عبد الرحمن لها، ثم وقف بجانب باهي، الذي همس له بتردد:
"جاهز؟"
تنهد عبد الرحمن بقلب خافق:
"مش عارف، أنت جاهز؟"
هز باهي رأسه:
"زيك، مش عارف، مش عارف أنا لي هنا!"
قال الرجل بصوت عالٍ نسبياً:
"هتنزلوا واحدة واحدة من العربية، وهتركبوا العربيات بهدوء، مش عايزين شوشرة."
ركب عبيدة وشقيقته ونسيم إحدى السيارات.
نظرت نسيم لعبد الرحمن لترى أين ركب، وشعرت بالارتجاف وهي تراه يركب سيارة أخرى.
لكن ما جعلها تزفر براحة هو عودته وصعوده للسيارة التي هي بها، ومن خلفه صديقه الذي لا تعلمه.
همس عبد الرحمن لباهي وهو يراه يتجه للسيارة الأخرى غير التي ركبتها نسيم، ليشير للسيارة التي تجلس بها:
"تعالى نركب العربية التانية دي، اتملت."
ابتسم باهي بخبث له وهو يشير له بالموافقة، ليزفر عبد الرحمن بسبب هذا الشعور اللعين بالحماية القسرية لها.
قال عمار لجمال:
"بقولك يا اسطا، تعالى نركب العربية اللي فيها المزتين دول."
رد جمال بسخرية:
"وماله يلا يا خويا، أهو نستمتع شوية، بدل الملل ده."
صعدوا جميعاً بسيارة واحدة، وقد كتب عليهم أن يجتمعوا من الآن وحتى النهاية التي لا يعلم أحد متى هي.
تحركت السيارات بالتزامن، لينظر باهي خلفه ونفسه يضيق مودعاً أراضي الوطن، وتاركاً قلبه هنا حيث عائلته التي تسكنه، وآخر ما رآه في أرضه كانت أثر الشجرة التي توقفوا عندها، وبعدها كل شيء اختفى.
ولا يعلم متى العودة مرة أخرى، ومتى سيرى أهله مرة أخرى.
جزء منه ينازع لكي يقفز ويعود لداره وينتظر، لكن من فاز كان الجزء الأسوأ الذي سحبه لطريق مظلم لا يعلم هل سينجو منه أم لا.
الغضب كالنار إن تركته يتحكم بك ستكون نهايتك.
حياتنا عبارة عن مجموعة من القرارات، وليست جميعها صحيحة.
كل شيء انقلب في أقل من ساعات.
الفرار من طريق مظلم هو أشد خطورة من مواجهة الخطر، وهذا ما حدث لهم جميعاً.
تحركوا جميعاً لمكان التجمع.
كان جسد باهي يشتعل من الغضب بعدما انفجرت أعصابه، مطيحاً بالأخضر واليابس، ملقياً قنبلته وقرار سفره دون أن يتخذ بعض الدقائق للتفكير أو مناقشة عائلته للأمر، بل ألقى كلماته محدثاً صاعقة ورحل دون الالتفات، وقد تحكم به غضبه وأعماه عن الصواب.
على الطريق الصحراوي في الظلام، وقف بجانب جمال وعمار بملامح مقتضبة وجسد متحفز.
أردف جمال بسخرية:
"أفرد وشك يا باهي، مالك مكشر ليه؟"
"فكك مني يا جمال، أنا مش طايق نفسي، وخلصني شوف الراجل ده فين، خلينا نخلص."
أومأ لهم ثم سألهم بصوت جشع:
"جبتوا الفلوس؟"
أومأ عمار له، بينما تجاهله باهي وهو يشعر بعدم الارتياح والضيق يصيب صدره.
بعد قليل، توقفت سيارة نصف نقل أمامهم بصندوق مغلق، ونزل منها رجل حاد الملامح ضخم البنية.
اقترب عمار يهمس لهم بقلق:
"هو ده يا جمال؟"
همس جمال ببرود:
"تقريباً."
أردف الرجل بصوته الخشن:
"جهزتوا الفلوس؟"
اومأوا له ليستلم منهم الفلوس ويعدها، ثم نظر لهم بتفحص وأشار لهم:
"تعالوا ورايا."
اقتربوا يسيرون خلفه لخلف السيارة أمام باب الصندوق.
فتح الرجل الضخم البوابة، كانت من الداخل معتمة لا يظهر ما بداخلها.
نظروا لبعضهم بريبة، ليستمعوا للرجل يقول بحده:
"خلص يا عم، أنت وهو، مش عايزين حد ياخد باله مننا."
صعد الثلاثة إلى السيارة، وأغلق الرجل باب الصندوق.
لم يرى أي منهم أي شيء، يغرق المكان في الظلام الدامس.
تقدم كل منهم ليجلسوا في أي مكان، ليدعس أحدهم على شيء ليأتيه صوت نسائي وهو يصرخ:
"آه، حاسب، دوست على رجلي."
اتسعت أعين عمار وهو يردف بخفوت:
"إيه ده؟ هو في حريم؟"
هذه المرة، أتاه صوت رجل حاد باللهجة المصرية الركيكة:
"وأنت مالك."
سكن عمار دون حديث، وهو يستشعر خطورة الخوض بهذا الأمر.
بعد دقائق، وقفت السيارة مرة أخرى، وصعد أحدهم دون أن يتبين أحد شكله بسبب الظلام.
وتكرر هذا الأمر ثلاثة مرات دون أن يتبين أي أحد وجه الآخر.
كان السكون يعم أرجاء المكان.
مرت أكثر من ثلاثة ساعات، لتعلو أصوات الهمسات في الصندوق.
"عبيدة عايزة أروح الحمام."
خرج هذا الصوت بهمس في أحد الأركان، ليضمها عبيدة أكثر إليه وهو يهمس لها بعجز:
"استحملي حبيبتي شوية لحد ما نوصل لأي مكان."
أومأت هي بارتباك وهي تلتصق به، لعلها تحصل على أي أمان.
بينما هو تمسك بيدها جيداً، وأعينه تخشى أن تنغلق، يشعر بحجر من المسؤولية متعلق بعنقه.
"ما تخافي حبيبتي، كل شيء هيكون بخير."
ألقت رأسها على صدره وهي تتنهد بخوف من القادم.
على بعد بعض الخطوات، كان يقبع عبد الرحمن.
يشعر بالقهر على نفسه، أنه لجأ لهذه الطريقة، مبعثراً هيبته.
هو عبد الرحمن عرفات، يفر من البلاد بهذه الطريقة.
وكل هذا بسبب تأكده أن والده سيعيق أي إجراءات سيتخذها للسفر.
حركت أنه أوقف حساباته البنكية وشهرته بالذل.
هو لن يتحمل أن يتحكم به بهذه الطريقة المهينة، لذلك اتخذ أقرب طريق بعيداً عن والده.
هو السفر بهجرة غير شرعية، لن يستطيع والده الوصول له.
سيفاجئه أنه وصل أوروبا دون أن يكون له يد لإيقافه.
لكن جلسته المهينة هذه الآن كأنه يهرب كالصوص، وسط أفراد لا يعلمهم، في الظلام الدامس.
كل هذا شعور يزيد من نقمته أن أقرب الأشخاص إليه هو السبب بكل هذا.
لكنه ترك كل شيء خلفه، لعله يجد حياة جديدة، يجد بها نفسه، ويعيش لأجل نفسه.
أما باهي، يضع رأسه بين يديه يشعر بأنه تسرع.
في خلال الساعات التي جلس بها الآن في السيارة، تخلى غضبه عنه وحل مكانه القلق.
لكن الهدوء والتفكير السليم أتيا بعدما سبق السيف العزل وانتهى الأمر.
لم يعد هناك رجعة.
شعر بقلبه يقفز بفزع عندما ظهرت صورة صغيره الذي تركه دون أن يودعه حتى.
هل فاق الآن؟
لكن غضبه بسبب القهر الذي تعرض له ما زال يحوم بداخله وينهش به.
جانب منه يذكره بهذا، والجانب الآخر يتصارع معه ليذكره بابنه.
في الحالتين، عليه أن يفيق على مرارة الواقع الذي اتخذه بنفسه.
أما عمار، حماسه هو المسيطر عليه.
لا يصدق أن بعض الساعات تفرقه على الحرية.
عليه أن يصبر بعد الساعات، وبعدها سيمحو كل ذكرياته، سيولد ببداية جديدة.
في بلد لا يعرفه بها أحد، بلد يستطيع أن يفعل بها أي شيء.
وأخيراً، سيخرج من سجن أبيه وكل تعقيداته.
الأفكار مختلفة.
كل فرد يركب بهذا الصندوق يشعر بشعور متضارب.
كلاً بحكاية وقصة مختلفة.
منهم من يسعى للنجاة، ومنهم من يسعى للمتعة، ومنهم من يسعى لمستقبل أفضل.
فهل سينالوا هذا المستقبل الأفضل؟
مرت الساعات ببطء يكاد يصيبهم بالجنون.
وأخيراً، توقفت السيارة عند طلوع الشمس، ليتنهد الجميع بإرهاق ويقفوا باستعداد.
سأل عمار بفضول:
"إحنا كده وصلنا فين؟!"
بعد سؤاله بدقيقتين، استمع لصوت فتح الأبواب.
أغلق الجميع أعينهم بسبب الضوء الذي وقع عليهم بعد ساعات في الظلام.
ونفس الرجل ضخم البنية يقول بخشونة:
"إحنا وصلنا على حدود مصر وليبيا. فيه عربيات هتتقسموا عليها عشان تعدوا الحدود تطلعوا الهضبة، لأن ما ينفعش أعدي بالعدد ده كله. هسيب الباب مفتوح لحد ما العربيات توصل، بس يا ريت محدش ينزل من العربيات، عشان دوريات الحدود."
التفت عبد الرحمن برأسه يتطلع حوله ويفك عضلات جسده المتشنج، ليلمح باهي على جهته اليسرى.
اتسعت أعينه بعدم تصديق.
بينما اقترب عبيدة وهو يسحب شقيقته من يدها ويخشى أن يتركها في أي مكان فيجعلها تلتصق به، يردف للرجل بنبرة هادئة حاول جعلها مصرية لكنه فشل، فخرجت مصرية ركيكة تظهر بوضوح أنها مصطنعة:
"لو سمحت، عايزين ننزل عشان فيه حريم بدها تقضي حاجاتها."
ضيق الرجل عينيه وهو ينظر له، ليأتي صوت بعض النساء الموجودات باستحياء:
"ياريت."
تعجب البعض من وجود النساء معهم، فلم يتخيلوا أنهم يهاجرون هكذا.
وبالنظر لبعضهم، اكتشفوا وجود أطفال وشباب من أعمار مختلفة، وبعضهم يظهر عليه اختلاف الجنسية، وبعض النساء.
أردف الرجل بحدة:
"ما ينفعش تنزلوا من العربية كده خطر، وبعدين أنتوا مش طالعين رحلة."
شعرت النساء بالإحراج.
أردف باهي يتعصب وقد اشتعلت مروءته:
"ما ينفعش كده، دول حريم، إحنا نستحمل، إنما هما لا."
بينما اقترح عبد الرحمن:
"ممكن اتنين اتنين ينزلوا، خلي عندك نخوة."
التفت باهي ينظر خلفه للصوت المتحدث، وتفاجأ بوجود عبد الرحمن، فهو يعرفه أنه من القرية المجاورة.
وأيضاً هو نفسه الشاب الذي اصطدم به بالحادث في البداية.
شعر بالإحراج، وكذلك عبد الرحمن، وذلك لمكانة الاثنين.
لكنهم فكروا بأنهم جميعاً في سفينة واحدة.
ابتسم باهي بتردد كتحية، ليردها عبد الرحمن وهو يهز رأسه بإيماءة صغيرة رداً عليه.
شعر الرجل ببداية الهجوم عليه، فقرر اتخاذ السلامة حتى لا ينقلبوا عليه قبل أن يجتازوا الحدود.
لذلك أردف بخشونة ونفاذ صبر وهو يشير:
"تمام خلاص خلاص، فيه شجرة قدام اهي ممكن تروحوا عندها، بس اتنين اتنين عشان محدش ياخد باله."
نظرت سيلا لشقيقها بخوف، ليومأ له لتقترب فتاة منها بخجل وهي تقول باستحياء:
"هاجي معاكي، تعالي."
التفت عبد الرحمن برأسه كالرصاصة بغير تصديق.
لا، مستحيل أن يكون قدره بهذا السوء.
كيف أتت لهنا!!
همس باسمها بأعين جاحظة، وهو يشدد على قبضته.
بينما هي أمسكت يد سيلا واتجهوا لينزلوا من الصندوق.
كاد الرجل أن يبتعد، ليردف عبيدة بتحفز:
"أنت رايح لفين؟ أنت هتفضل قاعد هنا لحد ما يرجعوا."
أومأ الرجل وهو يجلس على طرف الصندوق، بينما شيّع عبيدة شقيقته بنظرات قلقة.
حاول أن يطمئن، فهي معها أنثى مثلها.
همست سيلا بإحراج عندما وصلوا للشجرة:
"أنا هقف قدام الشجرة وأديكي ضهري لحد ما تخلصي، وبعدين تقفيلي."
أومأت لها الفتاة بوجه أحمر وأعين دامعة.
الشعور بالجزع والذعر يكون مضاعفاً لدى الفتيات في المخاطر.
انقشاع قشرة الأمان والخروج في منطقة الخطر، عليك أولاً عدم الثقة بأحد.
أغمضت الفتاة عينيها وفرت دمعات منها، بينما سيلا مسلطة ببصرها على السيارة تستمد منها الأمان وسط هذه الصحراء المرعبة.
"خلصت."
التفتت سيلا وهي تومأ لها، ثم سلموا أماكنهم لبعض دون أن تجد أي واحدة منهم القدرة على الكلام، فالموقف صعب وضغط على الأعصاب بشكل لا يصدق.
انتهت سيلا وقد شعرت أخيراً بالراحة بعد كتمانها كل هذه الساعات.
وكان تفكير مرعب أن تظل هكذا حتى يخرج الأمر عن سيطرتها، لكن الحمد لله لم يحدث أسوأ أول كوابيسها.
"يلا نرجع."
أومأت لها الأخرى، لتهمس بصوت منخفض:
"شكراً."
هزت سيلا رأسها بحنان:
"معملتش حاجة، دي حاجة خارجة عن سيطرتنا. أنتِ هنا لوحدك؟!"
شعرت الفتاة بالخواء لسؤالها، وبأنها عارية في الصحراء بلا مأوى أو ظهر، لتهز رأسها بالإيجاب.
أردفت سيلا بحنان:
"إحنا ممكن نكون مع بعض، أنا معايا أخويا، وكمان أنا وأنتِ بنات زي بعض، متخافيش."
صمتت الأخرى تفكر، ثم أومأت لها بخجل.
لن تخسر أكثر مما خسرت بالفعل، على الأقل تكون بجانب فتاة بدلاً من الوحدة أو من أن تجلس وسط الرجال.
اقتربوا من السيارة لتردف سيلا بهدوء:
"أنا سيلا، وأنتِ اسمك إيه؟!"
"نسيم؟!"
لم يكن هذا صوتها، بل صوت أتى من خلفها جعلها ترتعد خوفاً وهي تنظر لصندوق السيارة.
أبصرته أمامها بملامح غاضبة لتبتلع لعابها بخوف وهي تفكر، ما الذي يفعله هنا!!
بينما سألت سيلا بعدم فهم:
"مين ده؟ تعرفيه؟"
لم تنطق الأخرى وقد شحب وجهها.
ليردف الرجل صاحب السيارة:
"مش وقت صدمة، اطلعوا، والاتنين التانيين ينزلوا."
ساعد عبيدة شقيقته، وكاد يمد يده لنسيم ليساعدها، لكن اقتربت شقيقته تساعدها، فعاد للخلف بإحراج.
أما عبد الرحمن، فرنت أجراس الخطر بعقله، وهو يقترب منها يهسهس بفحيح مرعب:
"إنتِ حد راميّك عليا؟ بتعملي إيه هنا؟ أنا سبتلك البلد وطفشت، جاية ورايا!! عايزة إيه مني؟"
نظرت له بحنق محرج، وقد جذب أنظار كل من يجلس في السيارة، لترد بخفوت مبهوت من الصدمة:
"هكون جاية لي؟ أكيد لنفس السبب اللي جابك هنا، بس حظي الأسود رماني تاني في سكتك. أنا أصلاً سبتهالك خالص، أقوم سبحان الله ألاقيك في وشي."
كاد يرد عليها، لكن قاطعه الرجل بصوت حاد:
"ما تحلوا مشاكلكم في البيت، انتوا جاين هنا على الحدود تحلوها؟!"
أردف عبد الرحمن بجمود:
"اسمع، هي مش هتسافر، هترجع معاك تاني، مش هتعدي الحدود."
همس عمار وهو يجلس بجانب باهي:
"شكلها سفرية عسل، مكنتش متخيل إن معانا بنات، لا وكمان فيه أكشن، أيوة كده دلعني."
نظر له باهي بحدة وهو يردف بصرامة:
"تعرف تخرس، هي مش ناقصاك."
وكانت سيلا قريبة منه لترمقه بنظرة مشمئزة، انتبه لها لتتسع ابتسامته بسماجة.
بينما رد الرجل على عبد الرحمن بحدة وهو يخبط على السيارة:
"هو إيه أصله ده؟ انتوا فاكرينها رحلة بجد ولا إيه؟ الموضوع ده لو اتعكشنا فيه هنروح في داهية. دخول الحمام مش زي خروجة، وكل واحد هنا جه بمزاجه، مينفعش تقولي دلوقتي لا عايز أرجع، إحنا مش بنلعب."
أردفت نسيم بجدية وهي تنظر له بإصرار:
"بالظبط، وبعدين أنت مالكش دعوة بيا، ولا أنت وصي عليا، ولا من بقية أهلي، اعمل نفسك متعرفنيش، وكل واحد في طريقه."
ثم ولته ظهرها واقتربت تجلس بجانب سيلا، التي نالت تهمس لها بفضول:
"مين ده؟"
"سيلا!!"
أردف عبيدة بتأنيب، لتنظر له، ليحذرها بأعينها من عدم التحدث مع الغرباء، لتومأ له وهي تصمت، ثم أمسكت بيد نسيم تشد عليها وهي تهمس:
"متخافيش."
شد عبد الرحمن شعره للخلف وهو يكاد يقتلعه من جذوره.
من أي كارثة ألقيت عليه هذه الفتاة؟
هل يصعد للمريخ حتى لا يراها؟
بعدما فر منها ومن والده، يجدها ملتصقة به كالعلكة.
ما هذه الصدفة التي تكاد تصيبه بذبحة صدرية.
استوعب الآن لماذا ذهبت للصائغ، وباعت شيئاً لها.
الأمر ألمه.
لم يستحمل الجلوس مكتوف الأيدي، ليتقدم منها ويجلس مقابلاً لها.
رفعت أعينها له ببرود، ليردف هو بعصبية:
"إيه اللي خلاكي تعملي كده؟"
رفعت إحدى حاجبيها بتعجب وهي تردف بتألم:
"ما قلتلك مع أول فرصة همشي، مكنتش هستنى أبقى عبء عليك أو على باباك. باباك اللي غصبك عليا عشان يخلص ضميره من المسؤولية بعد ما ماما الله يرحمها وصّته عليا. أنا إنسانة، مش بضاعة في مخزنه عايز يخلص منها بأي شكل."
تنهد وقد أفحمه ردها.
حتى الغريبة فرت من تحكم والده بها.
نكس رأسه، ثم حاول إثنائها عن قرارها:
"طب اسمعي، أنتِ هتسافري لي؟ الطريق خطر، وبعدين صعب على الرجالة، أنتِ هتستحملي إزاي؟ هتروحي تعملي إيه أصلاً؟ ارجعي يا نسيم، أنا هسافر ومعتش هتشوفي وشي ومش هضايقك."
اقتربت بوجهها تردف بعناد جعله يريد ضرب رأسها في جانب الصندوق:
"مش هرجع يا عبد الرحمن، معتش ليك دعوة بيا، أنت مش ولي أمري. عايز ترجع أنت لحياتك اتفضل."
عض على شفتيه بغيظ وهو ينظر لها بحنق، ثم أردف بغضب:
"براحتك، أنا هشتال مسؤوليتك لي أصلاً، أنا مالي."
أومأت له بتأكيد:
"بالظبط، ملكش دعوة بيا."
استقام يبتعد عنها ليجلس بجانب باهي، الذي لم يعرهم اهتماماً وهو يطوف في عالمه الخاص.
سأله عمار بفضول:
"أنت مش متحمس لي يا باهي؟"
نظر له باهي بطرف عينيه بسخرية، ثم أردف بصوت يسكنه الحزن:
"هتحمس لأيه وأنا سايب بيتي وابني ومراتي وأهلي؟ أنا حاسس بخنقة وكأن بقطع حتة من قلبي."
قلب عمار عينيه بملل وهو يرد بحنق:
"إيه الدراما دي كلها يا باهي؟ اللي يشوفك يقول رايح السجن مش مسافر أوروبا، وبعدين أنت رايح تشتغل عشانهم."
أومأ باهي وهو ينظر له باستخفاف:
"ما أنت مش هتحس باللي بقوله، عشان أنت أصلاً رايح تتفسح وتعيش حياتك، أهدافنا مش زي بعض يا عمار، ودماغنا مش هتتلاقى."
أردف عبد الرحمن بتردد:
"ازيك يا باهي، مكنتش متخيل إننا ممكن نتقابل هنا."
ابتسم له باهي وهو يومأ:
"سبحان الله، قدارنا بس. أنت عامل إيه؟"
هز عبد الرحمن رأسه بإحراج وهو يبرر:
"اعذرني إن مسألتش عليك من بعد ما خرجت من المستشفى، أنا بس كنت مضغوط في الشغل."
ربت باهي على كتفه بتسامح:
"اللي حصل ده نصيب، وبعدين كلنا مشغولين في حياتنا، ما شتلتش هم، أنا مش زعلان."
حمحم عمار وهو يتدخل في الحوار ليسأل عبد الرحمن بفضول:
"مش أنت عبد الرحمن ابن الحاج عرفات؟!"
أومأ له الآخر بملامح جامدة، ليردف عمار باستغراب:
"أنا مستغرب أوي بجد إنك معانا هنا. معلش يعني، أنت مسافر كده ليه؟"
شعر عبد الرحمن بغصة بحلقه، شعور المرارة والمهانة من حديث عمار المستهين.
بالفعل، ماذا يفعل هنا؟
لكن بدلاً من أن يجيب هو، أجاب باهي وهو ينظر لعمار بجدية:
"وأنت مسافر كده ليه؟ وأنا مسافر كده ليه؟ كلنا مسافرين كده ليه؟ كلنا عندنا ظروف يا عمار، إحنا مش بنعمل مغامرة جديدة عشان نجدد حياتنا."
زم عمار شفتيه وهو يجيب بملل:
"لا انتوا مكلكعين أوي بجد، أنا رايح أقعد مع جمال."
سأل عبيدة الرجل الذي أتى بهم لهنا:
"معلم، هو الطريق آمن! والمركب كويسة!"
رد الرجل بتأكيد وبطريقة مبتذلة:
"طبعاً، ناس ياما سافرت كده، الموضوع سهل وآمن جداً، مفهوش أي خطورة، أنت مشفتوش الناس اللي سافرت ولا إيه!"
أومأ عبيدة وهو ينظر لشقيقته باطمئنان.
بينما هي ابتسمت له وهي تشدد على قبضة يده.
التفتت لنسيم التي تختلس النظرات لعبد الرحمن الذي يتجاهلها، لتقول لها بصوت حنون:
"اسمك حلو أوي يا نسيم."
التفتت نسيم لها وهي تبتسم بخجل، ثم أردفت:
"شكراً، أنتِ كمان اسمك حلو. انتوا مش مصريين صح؟"
ارتجفت سيلا بقلق وهي تنظر لأخيها، لتسألها بتردد:
"ليه؟"
هزت نسيم كتفها بلا اهتمام:
"عشان المصري بتاعكم مكسر، واضح إنكم مش مصريين. أخوكي كلامه واضح إن دي مش لهجته، وكمان شكلكم كده مش مصري."
عضت سيلا على شفتيها وهي تهمس لها:
"آه، محناش مصريين، بس عبيدة قالي مقولش لحد، عشان محدش ياخد باله مننا."
ردت نسيم بسخرية تمازحها لتخفف توترها:
"لا متخافيش، محدش أخد باله خالص. أخوكي أصلاً نص الكلام اللي نطقه مش مصري، و أصلاً هو كل ما حد يعرف إن اسمه عبيدة، هيتأكدوا إنكم مش مصريين. وبعدين إيه الخطر في إن حد يعرف إنكم مش مصريين؟ ما إحنا مسافرين معاكم، هو إحنا يعني طالعين دريم بارك."
ابتسمت لها سيلا جراء مزاحها لتطمئن قليلاً.
ربتت نسيم على يدها:
"إحنا واحد يا سيلا، والله كان نفسي أقولك نورتي مصر، بس إحنا خلاص طالعين منها، نورتي الحدود."
سأل عمار بصوت ملول:
"هو إحنا هنفضل هنا كتير؟"
رد الرجل ببرود:
"إحنا بنستنى العربيات اللي هتعديكم الحدود وتطلعكم الهضبة."
زم عمار شفتيه وهو يسأل بغباء:
"مش ممكن يكونوا ضاعوا في الصحراء! ولا انتوا معلمين المكان بالشجرة دي!"
نظروا له الجميع بصدمة، ليسخر الرجل:
"شجرة!! لا الناس دول عرب، حافظين الصحراء زي اسمهم، متخافش، شكلك متحمس أنت."
سألت نسيم سيلا بخفوت وهي تبعد نظرها عن مكان جلوس عبد الرحمن:
"انتوا إيه خلاكم تسافروا!"
تنهدت سيلا بتعب وهي تقول بخفوت وقد أخذ منها الإرهاق:
"الإقامة بتاعتنا خلصت ومعرفناش نجددها، كانوا هيخلونا نعود لبلادنا، بس هنروح نعمل إيه؟ بيتنا اتدمر وأهلنا ماتوا، ومعناش فلوس، مكنش في قدامنا طريقة غير دي."
سألتها نسيم بتلقائية:
"ليه مفكرتيش تتجوزي حد مصري، أو أخوكي يتجوز مصرية!"
ردت عليها سيلا بهدوء مقتضب لصعوبة هذا الأمر على نفسيتهم، وكأنهم يعرضون أنفسهم لأجل الإقامة:
"ما حبينا نتجوز عشان كده، الجواز ده ليه قدسية وليه أصول، مش معقول أروح أتجاوز أي حد للإقامة، عبيدة عصب جداً من الموضوع ده لما حد اقترحه عليه، حس بالإهانة، إحنا بشر ولينا مشاعر، حتى هو مرضاش يتجوز واحدة ويظلمها معاه لأن الظروف وحشة ومش مضمونة."
أومأت لها نسيم وهي تشعر بنفس المعاناة:
"عندك حق، أنا حاسة بيكي عشان مريت بنفس الحاجة، أنا آسفة مش قصدي."
ردت سيلا بتفاهم:
"ولا يهمك عادي، أنتِ حصل معاكي إيه؟"
كادت نسيم أن تجيب، ليقطعها صوت الرجل الغليظ:
"العربيات وصلت، جهزوا نفسكوا عشان هتتقسموا على العربيات."
استقام الجميع ليتجهزوا للرحيل، لتمسك سيلا بيد شقيقها ويد نسيم.
نظر عبد الرحمن لها، ثم وقف بجانب باهي، الذي همس له بتردد:
"جاهز؟"
تنهد عبد الرحمن بقلب خافق:
"مش عارف، أنت جاهز؟"
هز باهي رأسه:
"زيك، مش عارف، مش عارف أنا لي هنا!"
قال الرجل بصوت عالٍ نسبياً:
"هتنزلوا واحدة واحدة من العربية، وهتركبوا العربيات بهدوء، مش عايزين شوشرة."
ركب عبيدة وشقيقته ونسيم إحدى السيارات.
نظرت نسيم لعبد الرحمن لترى أين ركب، وشعرت بالارتجاف وهي تراه يركب سيارة أخرى.
لكن ما جعلها تزفر براحة هو عودته وصعوده للسيارة التي هي بها، ومن خلفه صديقه الذي لا تعلمه.
همس عبد الرحمن لباهي وهو يراه يتجه للسيارة الأخرى غير التي ركبتها نسيم، ليشير للسيارة التي تجلس بها:
"تعالى نركب العربية التانية دي، اتملت."
ابتسم باهي بخبث له وهو يشير له بالموافقة، ليزفر عبد الرحمن بسبب هذا الشعور اللعين بالحماية القسرية لها.
قال عمار لجمال:
"بقولك يا اسطا، تعالى نركب العربية اللي فيها المزتين دول."
رد جمال بسخرية:
"وماله يلا يا خويا، أهو نستمتع شوية، بدل الملل ده."
صعدوا جميعاً بسيارة واحدة، وقد كتب عليهم أن يجتمعوا من الآن وحتى النهاية التي لا يعلم أحد متى هي.
تحركت السيارات بالتزامن، لينظر باهي خلفه ونفسه يضيق مودعاً أراضي الوطن، وتاركاً قلبه هنا حيث عائلته التي تسكنه، وآخر ما رآه في أرضه كانت أثر الشجرة التي توقفوا عندها، وبعدها كل شيء اختفى.
ولا يعلم متى العودة مرة أخرى، ومتى سيرى أهله مرة أخرى.
جزء منه ينازع لكي يقفز ويعود لداره وينتظر، لكن من فاز كان الجزء الأسوأ الذي سحبه لطريق مظلم لا يعلم هل سينجو منه أم لا.
رواية قارب الموت الفصل السابع 7 - بقلم مريم الجنيدي
همست سيلا وهي تحاول التخفيف من توتر الطريق وتعبها على نسيم، الذي ظهر التعب والإرهاق بوضوح على وجهها:
"مقولتليش، إنتِ ليه سافرتي؟ والشاب ده يبقالك إيه؟"
نظرت لها نسيم قليلاً باضطراب، لتومئ لها سيلا مطمئنة:
"لو مش عايزة تقولي عادي."
هزت نسيم كتفيها بقله حيلة وهي تردف بخفوت هامس:
"يبقى ابن جوز أمي الله يرحمها."
أومأت لها سيلا وهي تستفسر:
"يعني مش أخوكي صح؟"
هزت الأخرى رأسها بتأكيد:
"لأ لأ، مش أخويا أكيد."
ابتسمت سيلا وهي تمزح لتخفف من إحراج الأخرى:
"وإنتِ مشيتي وسبتيهم؟ لقيته هنا؟ شوف الصدف سبحان الله."
أومأت لها نسيم وهي تردف بتذمر حانق:
"أنا هربانة منه ومن كلامه أصلاً، متمرمطة كل ده عشان في الآخر ألاقيه هنا!!"
اقتربت سيلا بفضول، تحت نظرات عبيدة المحذرة ألا تتطفل على هذه الشابة المسكينة، ولكن كالعادة تجاهلته وهي تقول بهمس:
"ليه هو عملك إيه؟"
تنهدت نسيم وهي تمسد على جبهتها بتعب:
"أبوه كان عايزه يتجوزني، غاصبني عليا، وهو مفكر إني موافقة، بس أنا أصلاً مش عايزة، أنا راحة بالعافية، أنا مستحيل أقبل أتعامل بالطريقة المهينة دي، صعب على أي بنت إنها تتعرض على حد رافضها كده، عشان كده اضطريت أسيب الدنيا كلها وأهرب."
أومأت لها سيلا بتفهم وهي تربت على يدها:
"عندك حق، بس إنتِ أصلاً ليه روحتي عيشي معاهم؟"
ابتسمت نسيم بألم وأعينها دامعة، شعرت بغصة بقلبها تؤلمها.
همس عمار لباهي بتساؤل:
"بقولك معرفتش مين المزة اللي كانت بتكلم صاحبك دي، تخصه يعني؟"
احمرت عينا باهي بغضب وهو ينظر له، هسهس من بين أسنانه:
"ارحمني، ابعد عني أنا مش طايق نفسي."
ذم عمار شفتيه:
"إنت قفيل كده ليه، اللي يشوفك يقول رايح جنازة، مش رايح لأوروبا."
تنهد باهي وهو يضع يده على رأسه بتعب دون أن يكلف نفسه عناء الرد عليه.
توقفت السيارات على حين غرة، مما أدى إلى ارتداد الجميع وتخبطهم في هذه المساحة الصغيرة.
نظروا لبعضهم جميعًا بعدم فهم، والنظرات المذعورة من الفتيات اختلطت مع النظرات المترقبة من الرجال.
أمسك عبيدة يد شقيقته وهو يشد عليها، وتعالت دقات قلبهم جميعًا.
فجأة انسحب الغطاء من فوقهم وصوت الرجل يقول ببرود:
"عدينا الحدود، إحنا وصلنا ليبيا."
تنفس الجميع الصعداء، منهم من انفجرت أساريره، ومنهم من تعالت دقات قلبه بخوف من القادم، وندم بعض الشيء.
سأل عمار بصوت متحمس:
"هنروح فين دلوقتي؟"
رد الرجل ببرود:
"دلوقتي كان المفروض نروح على المينا على طول، عشان المراكب مستنية هناك، بس حصل حاجات، فمش هينفع تسافروا النهاردة، عشان كده هنوديكم هنجر لحد ما الدنيا تهدى."
اتسعت أعينهم بصدمة، ليردف عبيدة بتوتر:
"كيف يعني؟ ما بيصير!"
تطلعت نسيم لهم وعلى ملامحها ارتسم الرعب، بينما قال عبد الرحمن:
"يعني إيه مش هنروح النهاردة؟ وبعدين هنجر إيه اللي هنروحه؟ ده مكانش اتفاقنا والكلام اللي اتقالنا."
عقد الرجل ذراعيه يقول ببرود ولا مبالاة:
"والله ده اللي عندي، وده الكلام اللي جالي، أوديكم المينا وتتقفشوا هناك؟ الشرطة هناك وبتفتش المراكب وفي قلق."
مسح عبد الرحمن على وجهه بغضب، ليردف باهي بتساؤل:
"وإحنا المفروض نقعد هناك قد إيه؟"
هز الرجل كتفه:
"لحد ما القلق يخف، يعني على بكرة مثلاً."
تنهد الجميع باستياء، وقد ظهر القلق على عمار، لكنه قال:
"وأحنا هنروح الهنجر ده نعمل إيه، أو هنقعد إزاي!"
رد الرجل بحده:
"هتقعدوا زي الناس، إحنا مش عايزين المصلحة تبوظ، فخليكوا حلوين كده واسمعوا الكلام، دلوقتي كله يقفل التليفونات ويجيبها هنا عشان نتحرك."
شعور غير مريح أصاب باهي، ليردف بعصبية:
"وإحنا نجيبلك الموبايلات ليه إن شاء الله؟ الموضوع ده مش مظبوط، الكلام ده مش اللي متفقين عليه، ولا اللي شايفينه."
رد الرجل بنفاذ صبر:
"هتقفلوهم عشان محدش يتعقبهم ويعرف مكاننا، وهتجيبوهم هنا عشان أضمن ده."
رد عبيدة وقد عم التوتر السيارة وهم ينظرون لبعضهم:
"إحنا أكيد ما بنودي حالنا بشيء مصيبة، راح نسكرهم، بس ما راح نعطيك شيء."
مسح الرجل على وجهه وهو ينظر لهم:
"اقفلوا الموبايلات، ولما نروح هناك هما هيتصرفوا."
ثم تركهم وصعد مكانه خلف عجلة القيادة.
مال عبد الرحمن لباهي بنظرات شك:
"أنا مش مطمن، الموضوع مريب."
أومأ باهي له بتأكيد على حديثه:
"فيه حاجة مش مظبوطة بتحصل!! بس للأسف معادش ينفع نرجع ولا نعترض."
الشك والتوتر هو سيد المكان، ما قال لهم لم يكن كما شاهدوا وما اتفقوا عليه.
شعر باهي بأن الأمر يتلاعب به، لكن لم يكن بيده شيء ليفعله، عليه أن ينتظر ويرى نهاية الطريق.
سألت سيلا عبيدة شقيقها الذي يجلس بصمت وقد حفر الهم والكدر معالمه على وجهه المليح:
"هو ده طبيعي يحصل يا عبيدة!! أنا قلقانة."
ربت على يدها وهو يقول بهدوء عكس فورانه الداخلي:
"آه أكيد حبيبتي، ما تقلقيش، دي أكيد إجراءات أمنية بيعملوها، كل شيء هيكون كويس."
أومأت له وهي تستند على كتفه بإرهاق.
نظر عمار لجمال بشك:
"إيه يا عم جمال الحوار ده بقى، اتفقناش على كده!"
نظر له جمال بعدم اهتمام:
"حوار إيه يا عم وأنا مالي؟ وبعدين الراجل قالك إنهم بيفتشوا المراكب، أهدى على نفسك عشان تغور من هنا من غير شوشرة، اصبرلك كام ساعة مش هتموت يعني."
زفر عمار باستياء وقد انسحب حماسه بعض الشيء.
بعد ساعتين توقفت السيارات في منطقة مهجورة على البحر وأمامهم مستودع كبير مهجور لا يظهر وجود أي شخص حول المكان.
نزل الرجل من السيارة وهو يقول لهم:
"يلا يا جماعة وصلنا، هنقعد هنا لحد ما يجي الخبر إن كله تمام."
نزل الجميع من السيارات وهم يتطلعون حولهم.
شدد عبيدة يده على يد شقيقته وهو يردف بجدية:
"متبعديش عني نهائي."
سأل عبد الرحمن وهو يسير خلف الرجل الذي اتجه صوب المستودع:
"إحنا هنقعد هنا لوحدنا! إحنا عايزين نشوف الراجل اللي هيسفرنا ونتكلم معاه نعرف هنقعد هنا قد إيه."
فتح الرجل باب المستودع وهو يردف بسخرية:
"يا أستاذ خش هو أنا هخطفكوا، الباشا مش فاضي يجي يكلمكوا دلوقتي، لما الأمور تستقر هيجي متقلقش."
دخلوا بخطوات مترددة، لترتسم الصدمة على وجوههم.
كان الأمر صادمًا لهم، كونهم لم يكونوا الوحيدين في هذا المستودع المهجور، بل كان في الداخل عدد مهول من الأشخاص، من جميع الأعمار، من الجنسين.
كان المستودع يعج بالأشخاص الواضح عليهم عناء الطريق وطول الانتظار!!
كان المنظر مربكًا، وقابضًا للقلب، شيء غير طبيعي.
أردف باهي بصوت هارب ووجه شاحب:
"إيه ده مين كل دول، إيه اللي بيحصل هنا؟"
تمسك عبيدة بشقيقته وكأن المنظر أمامه عبث بقلبه وفعل خاصية الحماية القصوى.
أردف الرجل بسخرية:
"إنتوا فاكرين إنكم لوحدكم عايزين تسافروا!! كل الناس دي عايزة تسافر، بس مستنية زيكم، ادخلوا يلا مينفعش تقفوا برا."
أردف عبد الرحمن بعصبية وهو يقترب من الرجل وقد طفح الكيل من هذا الأسلوب المتعسف المهين:
"بقولك إيه أنا ساكتلك من الصبح، اتكلم معانا عدل، وبعدين إحنا هنستنى هنا لحد امتى، الناس دي شكلها هنا بقالها كتير، كلامك فيه حاجة غلط."
أردف أحد الأشخاص الموجودين بغضب وهو يتقدم منهم ليقف بتحفز أمام الرجل:
"إحنا هنا بقالنا يومين والراجل ده قالنا فيه قلق في المينا، وسابنا هنا لحد دلوقتي، إنتوا نصابين ولا إيه انطق."
نظر لهم الرجل ببعض الارتباك ثم قال بصوت عالٍ وبحدة كي يفلت من أسئلتهم:
"فيه إيه يا جماعة هو أنا يعني هقعدكم هنا مش عشان الدنيا مش أمان! وبعدين الريس هيجي يكلمكوا."
أردف باهي وهو يضع يده على كتف الرجل:
"لأ إنت مش هتمشي من هنا غير لما الريس بتاعك ده يجي يكلمنا."
نظر عمار لجمال وهو يسأله بقلق:
"فيه إيه يا عم جمال إيه اللي بيحصل، ومالك هادي كده ليه!"
هز جمال كتفيه بعدم اهتمام:
"هعمل إيه يعني!! هما قايمين بالواجب، أحرق بنزين على الفاضي ليه!"
مسح عمار على وجهه بتشتت:
"إنت عارف حاجة طيب على الموضوع ده!"
"هعرف منين يا عم يعني ما أنا متنيل معاكم أهو!"
صاح الرجل بغضب وهو يبعد يد باهي بعنف:
"هو فيه إيه، ما قولنا فيه تفتيش، إنتوا مش أول ناس تسافر، نرميكوا للحكومة يعني!"
نظرت سيلا لعبيدة بخوف:
"هنعمل إيه! هنفضل قاعدين هنا!!"
أومأ عبد الرحمن بإصرار:
"تمام برضو مش هتمشي من هنا غير لما تخلي الريس بتاعك يكلمنا، إحنا والناس دي عايزين نعرف راسنا من رجلينا."
ضحك الرجل بسخرية وهو ينظر له بلامبالاة:
"والله قولتلك لما الريس يفضى هيكلمكوا، وبعدين مش عاجبك كنت سافرت على طيارة ليه رامي نفسك هنا."
نظرت نسيم لعبد الرحمن بغير رضا، وقد غزا شعور المهانة داخلها ونفس السؤال يتردد، لماذا يسافر عبد الرحمن بهذه الطريقة الصعبة المهينة! هل هو فار من العدالة مثلاً؟
انقلب وجه عبد الرحمن وشعر بأن أحدًا يصفعه على وجهه، لم تتحمل كرامته هذا الأسلوب، لينقض على الرجل ممسكًا بملابسه وقد ساعدته بنيته القوية لإرهاب الرجل:
"إنت هتعرفني أعمل إيه ومعملتش إيه!! اتصل باللي مشغلك دلوقتي حالًا، عشان قسماً بربي ما هخلي فيك حتة سليمة."
"فيه إيه، إيه اللي بيحصل هنا!"
التفتوا جميعًا صوب الصوت الوقور الذي آتاهم من عند باب المستودع.
كان صوت لرجل كبير بالسن تظهر الحِدة والصرامة على وجهه، يستند على عكاز مهيب برأس من الذهب على شكل أسد ويقف خلفه أربع رجال ضخام البنية.
أسرع الرجل الآخر الذي يقع تحت قبضة عبد الرحمن بالتبرير:
"والله يا ريس قولت لهم إنك هتكلمهم بس هما قعدوا يتشاكلوا معايا."
علت الأصوات المعترضة من الجميع لتتداخل ببعضها وتتصاعد الغضب من الذين يجلسون منذ يومين هنا.
ترك عبد الرحمن ملابس الرجل ونظر حوله في الزحام بعد أن وقف الجميع، فتوارت هي بين الناس، ليمر بأعينها سريعًا حتى توصل لموقعها، تقف بجانب الفتاة الأخرى.
لا يعلم لماذا يفعل هذا، لكن رجولته لا تسمح له بأن يترك فتاة يعرفها وحدها في موقف مثل هذا، لكن كرامته تأبى إظهار هذا.
انتفض من أفكاره على دوي طلقتين ناريتين في الهواء، تعالت الصرخات تليها الصمت المقبض، والجميع يقف مذهولًا.
بينما احتضن عبيدة شقيقته يحميها بين أضلعه، رغم ذلك لم تترك هي يد نسيم التي استشعرت برودتها المفاجأة.
ليقول الريس بصوت عالٍ صارم:
"مش عايز أسمع صوت هنا!!"
نظر الريس لهم وهو يتأكد من ترهيبهم ثم أردف:
"إحنا مش جايين نلعب ولا نتشاكل، كله يقعد على الأرض، خلاص أنتم بقيتوا في أرضنا، يعني معادش في طريق عودة، كلامنا يتسمع عشان تعرفوا تسافروا."
قبض باهي على يده بغضب وكل الشعور السيء بداخله يتصاعد، بدأً من ما حدث في العمل وشعوره بالقهر ثم بعدها ما حدث في البيت وخروجه عن السيطرة وصوته العالي وصراخه في وجه عائلته، هروبه خلف السراب متخيلًا أنه طريق النجاة، تعب الطريق ووجع الفراق، وصولًا الآن من تهديدهم ومعاملتهم بهذا الأسلوب المتعسف الدنيوي.
"إنتوا بتهددونا ولا إيه! ده مش أسلوب تتعاملوا بيه معانا، ولا الكلام والحاجات اللي على النت ده كله كان كدبة!"
أقترب الرجل منه وخلفه رجاله المسلحون:
"إنت فاكر نفسك في طيارة!! أنت مسافر هجرة غير شرعية، وخلاص خرجت من بلدك، يعني مفيش قدامك حل تاني غير الهدوء وأنك تسمع الكلام، أول حاجة هتقعدوا هنا لبكرة الصبح، لحد ما التفتيش يخلص، ونعرف مين الخونة اللي بلغوا علينا، تاني حاجة كل واحد هيتصل بأهله وهيطلب ٢٥٠ ألف جنيه هيتحول على الرقم اللي هنقول عليه."
اتسعت أعين عبيدة بصدمة ليردف بصوت مبحوح:
"شو! ٢٥٠ ألف ليه ما كان هاد الكلام، إنتوا اختوا فلوس منا قبل ما نطلع من مصر!!"
ابتسم الريس بسخرية وهو يردف بنبرة قاتلة:
"ولهو أنت فاكر إن الكام ألف دول هما اللي هيسفروك! لأ إحنا بناخد دفعة تانية قبل ما تطلعوا المركب."
صاحت نسيم بغضب:
"ده مش الكلام اللي اتقالنا، حتى المندوب اللي أخد الفلوس مقلناش حاجة زي كده!"
رد الآخر ببرود:
"والله ده اللي عندنا!"
قال عبد الرحمن بغضب وهو يقترب من الرجل بتحفز:
"ولو مدفعناش هيحصل إيه هترجعونا!"
وقف الريس أمامه ينظر لعينيه بتحدي وهو يشير بعصاه:
"لأ هتموتوا... روحكم قصاد الفلوس."
رواية قارب الموت الفصل الثامن 8 - بقلم مريم الجنيدي
"لا هتموتوا... روحكوا قصاد الفلوس"
لا نعرف إن كانت مجرد كلمات، أم رصاصات أصابت العقول قبل القلوب.
الصمت المطبق عم المكان والنظرات المذعورة ترتسم على الوجوه.
أردف باهي بصوت مبحوح وقد دارت به الدنيا:
"أنت بتقول إى!"
رد الريس بصوت بارد نحر عظامهم من برودته:
"زي ما سمعتوا، إحنا مش مشغلنها سبيل."
أردف عبيدة بصدمة:
"بس دة مكنش اتفاقنا، إحنا معملناش حسابنا."
هز الريس كتفه بلا مبالاة وهو يضرب الأرض بعصاه:
"دة بيبقا بعد ما توصلوا، دلوقتي حالاً بكل هدوء واحد واحد هيتصل بأهله، يقولهم على الفلوس، و إللي مش هينفذ هيزعل، هيزعل أوي."
نظر عبيدة لشقيقته، ليبصر بأعينها الهلع الجلي، مما دفعه ليردف بارتباك:
"إحنا ما إلنا أى حد ولا أهل."
التفت الرجل يتطلع له باشمئزاز:
"لا ما أنت دفعت مقدم أصلاً خلاص، اللاجئين بندفعهم مقدم عشان عارفين إن ملهمش أهل نتصل بيهم عشان يدفعوا، عشان كدا بنطلب في الأول مبلغ كبير، يلا الباقي يتصرف حالاً."
نظر عمار بذعر حوله حتى وقعت أعينه على جمال ليقول له بخوف: هل عالمه وأحلامه على وشك الإنهيار مره أخرى! هل كل طموحاته ستتحطم قبل أن ينال منها أي شئ هو حتى لم يصل للشواطئ الأوروبية!
"في اى يا جمال، أنت مقولتليش على الحوار دة، أجيب فلوس منين أنا دلوقتي!"
هز جمال كتفيه بحنق:
"وأنا هعرف منين ما أنا زي زيك يا عمار، وبعدين ما تتصل بأبوك يجيبلك وأنتم يعني فقراء!!"
زفر عمار وهو يهمس بغضب:
"أبويا اى اللي هيجبلي فلوس، أبويا متبري مني، ولو عرف إن سافرت بالطريقه دي هيقفل في وشي و يعملي بلوك، هو مش طايقني خلقة."
نظر له جمال بخبث ثم أردف بمكر:
"طب ما تكلم أختك ياسطا، مش قولت بتاخد فلوس من التيك توك."
نظر عمار له بغضب وهو يهمس بنفور:
"أنت مجنون، يعني بعد ما ضربتها في الشارع عشان اللي عملته، أروح أقولها هاتي فلوس من الرقص بتاعك! أبقي راجل أنا كدا ازاي يعني."
ضحك جمال باستهزاء:
"والله دة حل عشان تنقذ نفسك، وبعدين ما أختك كانت بترقص، و ممكن تكون بترقص لحد دلوقتي، أى يعني لما تطلب منها فلوس، ولا الرجولة أخداك أوى دلوقتي."
ألتفت له عمار بغضب وهو يضربه في كتفه:
"احترم نفسك يا جمال عشان مزعلكش."
"وأنت متعصب أوي ليه مش دي الحقيقة، أختك بترقص على التيك توك عشان الفلوس يا عمار، متعملش فيها شريف."
لم يتحمل عمار أن يقال له حقيقته المخجله بوجهه بهذا الشكل، شعر برجولته تنزف بعدما طعنه من اعتقده صديقه بوجهه بهذه الطريقة، صرخ بغضب وهو ينقض عليه يلكمه بقسوة:
"اخرس يا حيوان."
جز جمال على أسنانه وهو يرد له اللكمه، تعالت صرخاتهم وهم يشتبكون في عراك ويتراشقون بالكلمات البذيئة المهينة.
التفت الريس لهم بغضب ثم أشار لأحد الحراس ليفصل بينهم، بينما اقترب باهي وعبد الرحمن يفصلون بينهم.
أخرج الحارس سلاحه وضرب طلقة في الهواء ارتد صوتها بينهم جعل النساء تصرخ بهلع، وتوقف عمار وجمال عن ضرب بعضهم.
ليردف جمال بحقد دفين:
"بقا أنا تمد ايدك عليا يا*** والله مهسيبك."
أردف باهي وهو يسحب عمار بعيداً:
"بس خلاص يا عمار أسكت خلاص، مش وقته، إحنا في مصيبة."
حاول عمار تخليص نفسه من بين يدي باهي بجنون لكنه تصنم مكانه عندما توقف الريس أمامه بملامحه المرعبة المهيبة ثم أشار له بعصاه:
"أنت جاي من بيتكم وسايب بلادكم عشان تعملي دوشة هنا!!"
هز الريس رأسه لأحد حراسه، ليتقدم من عمار ثم ضربه على ركبته من الخلف، ليجثو عمار على الأرض بألم وهو ينظر للريس برهبة.
تكلم باهي مدافعاً عنه وهو يقف أمامه:
"خلاص سيبوه، خلاص."
أشار الريس بصرامه له وهو يقترب منه:
"أنا اللي أقول يسيبوه ولا لا، طالاطما أنت شهم اوي كدا، أنا كنت هبدأ بيه بس يلا هنبدأ بيك، أتصل بأهلك عشان يحولوا الفلوس."
تبادلوا النظرات المترقبة وشعر باهي وقتها أن العالم ينهار به، بأى وجه سيتحدث إلى والده يطلب منه أموال بعد ما فعله، العالم غادر وكل الأفكار انتحارية، طريق مظلم ونهايته هاوية.
الغضب كوحش ينتهكك من الداخل، وهو الغضب تحكم به جعله يفقد كل ملاذ حياته، سحبه من منزله الدافئ ووسائل الراحة، جعله يلقي بنفسه بين أمواج الهجرة المدمرة، ولا يعلم لأي شط ستلقي به، لا يعلم ماذا يقول، هو لأول مره بحياته، يصرخ في وجه والديه، ويخرج أسوأ ما به، أول مره يترك عائلته بعد أن كان هو المسؤول، بعد أن كان هو الملاذ، ماذا فعل أعطاهم ظهره وفر هارباً من قساوة الدنيا، لتصفعه الحياة بالقسوة الحقيقية.
بأى صوت هارب سيقول لوالده المريض بأنه يحتاج لكل هذه الأموال لينجو بحياته... ماذا فعل؟؟
أشار الريس لأحد رجاله ليقبض على ملابس باهي ويلكمه بقسوة جعلته يرتد للخلف.
أردف الريس بابتسامه قاسية:
"دي هتخليك تتصل منغير تفكير."
قبض عبد الرحمن يده وهو يحاول التقدم بسرعة من باهي لكنهم قيدوه ليصرخ بهم بهياج منصدم:
"سيبوه يا ولا ال*** يا كلاب يا****."
احتضنت نسيم نفسها بذراعيها بخوف وصوت ضربات قلبها تتعالى مع صوت عبد الرحمن الصارخ بخوف.
لم تتخيل أن يكون السفر بهذا الشكل المهين السئ.
صاح الريس بصوت عالي ووجه مرعب:
"يلا مش هنضيع وقت اكتر من كدا."
أمسك باهي الهاتف من يد الحارس الممدوده إليه.
ثم بأنامل منفصله عن إشارات العقل كتب رقم والده، الرجل الوحيد الذي ستنقذه من ورطته، والرجل الوحيد الذي تسبب هو بخذله.
تعالت صوت الرنات تدوي وحولها نظرات الترقب والخوف.
نظرت سيلا لشقيقها ولأول لحظة لاحظت وجهه الذي شاب في الشباب، ملامح الألم حفرت بين أعينه، ولكن الصمود يخفيها، ولكنها تستطيع أن تراها، ومع ذلك لم يسقط من نظرها أبدا، سيظل هو بطلها الوحيد في العالم، سيظل السند والظهر الذي يخوض في المجهول لأجلها فقط.
ابتلع باهي لعابه وهو ينظر للأرقام على شاشة الهاتف القديم الذي أعطاه له ليشفر المكالمة فلا يستطيع أحد تعقبها أو معرفة مكانهم.
انكتمت أنفاسه بداخل صدره مع سماع صوت والده الحزين المنكسر والمقبض أنه هو سبب هذا الحزن والانكسار.
"السلام عليكم، مين!!"
لم تكن الكلمات هي ما زلزلت باهي بهذه الطريقة بل صوت والده، صوته وصوت بكاء طفله بجانبه.
أدمعت أعينه وهو يتنفس بسرعة ليقول والده بلهفة:
"باهي!! باهي يا حبيبي رد عليا، ريح قلبي."
عض على شفتيه يمنع غصته وهو يمسح على وجهه.
أردف بهمس متحشرج تخرج الكلمات من قلبه بدلًا من فمه:
"أنا آسف."
شعر باهي أن الكلمات باهته، لا معنى لها، لا تشفي الجراح، ولا تداوي قبح الخذلان.
لكن والده كان الدواء والشفاء، لم يعقب ولم يعاتب بل طلب بصوت راجي هشّم أي تماسك بداخل باهي:
"عشان خاطري يا بني أرجع، متوجعش قلبي عليك، أرجع وهعملك اللي أنت عايزه، أنت كدا كدا كنت هتسافر، وورقك كلمونا وقالوا خلص انهاردة الصبح، أرجع يابني عشان خاطر ابنك."
أغمض أعينه بألم وأراد أن يصفع نفسه مئات المرات على تهوره، خرج صوته ميت بعد أن انتصرت الحياة وهزمته:
"معتش ينفع أنا آسف، أنا عديت الحدود، سامحني."
وصله صوت تهدل أنفاس والده ثم صوته المتحشرج الباكي:
"لي كدا يابني لي تعمل فيا كدا!!"
لم يتحمل باهي صوت والده المخذول الباكي لتفر دمعة من أعينه جعلته ينكس رأسه سريعاً يخفيها.
"أنا هبقى كويس، اسمعني الأول عشان مفيش وقت، عايزك تسامحني أنا مكنتش أعرف أن كل دة هيحصل، بس أنا..... أنا محتاج تحول فلوس على الرقم اللي هقولهولك دة."
رد والده بلهفة سريعاً:
"هحولك الفلوس اللي عايزها بس أرجع، أرجع وهعملك اللي عايزة."
كيف للقلب أن يتعذب من كلمات، تنحره بخناجر مسنونة.
"كان نفسي أكون عند حسن ظنك، بس معتش ينفع، سامحني، الفلوس دي عشان أعرف أسافر، معتش هينفع أرجع، خلاص فات الأوان."
رد والده بحزن يكسر الروح:
"لي عملت كدا يا باهي يابني لي، ما إحنا كنا هنسفرك برضو لي تكسر قلبنا كدا!!"
لا يعلم بما يرد أو يبرر لسانه عاجز عن الشرح أو قول شئ، هو نفسه لا يعلم السبب، كأنه كان مغيب واستفاق.
"شيطان، الغضب عمى عيني، سامحني."
ارتفعت نظرات باهي على صوت الريس وهو يقول بصرامة بعد أن ضرب بعصاه الأرض بحده:
"مش هنقضيها عواطف اديله الرقم عشان يحول عليه الفلوس."
قبض باهي على يده يمنع بركان الغضب الثائر من الانفجار.
"مين اللي بيتكلم دة يا باهي، في إى يابنى اى اللي بيحصل، قلبي مش مستريح."
"بابا اسمعني كويس لأن مفيش وقت، هديك رقم تحول ٢٥٠ ألف جنية عليه أكتب عندك ********٠١٠، أنا آسف أن حطيتك في موقف زي دة، بس لازم أدفع يا إما......"
لم يجد باهي الكلمات لشرح الموقف، لا يريد أن يخيف والده عليه أكثر أو يسبب له المتاعب أكثر، يكفيه أن والده مصاب بالسرطان والحزن خطر عليه، يكفيه أن وضعه بهذا الموقف، يكفي أنه يطلب منه هذا المبلغ الضخم وهو متأكد أنه سيؤثر على جلسات علاج الكيماوي الخاصة بوالده.
انسحب الهاتف من يده فجأة وهو يسمع صوت والده المرعوب يهتف:
"يا إما أى، في أى يا باهي رد عليا."
انتفض باهي وهو يرى الريس يضع الهاتف على أذنه يقول ببرود:
"يا إما هيموت الفلوس توصل على الرقم دة خلال تلت ساعات."
ثم أغلق الهاتف دون تردد أو يرف له جفن، انتزعت الرحمة من قلبه ولم يأبى بصراخ باهي الغاضب والذي حاول الوصول إليه لكنه لم ينجح بعد أن لكمه أحد الحراس دون شفقة بكل عنف ليرتد على الأرض بعد أن خارت قواه.
اقترب عبد الله وعمار منه سريعاً ليطمئنوا عليه.
بينما قال الريس بجمود وهو يشير بالهاتف:
"اللي بعده."
الوضع كان مدمر للأعصاب، كوضعك بين شقي الرحى، لا خيار لك للنجاة.
كالوضع مع نسيم وعمار.
أقترب عبد الرحمن بكل هدوء وهو يمسك بالهاتف بثبات ينظر له للحظات، لا يشعر بالخوف ولا الشفقة فيما سيفعله، بل هو متشوق ليرى رد الفعل، وصل به تبلد المشاعر لعدم الخوف من رد فعل والده، سيجازف ويرى.
كتب الأرقام بأنامل ثابته ووضع الهاتف على أذنه ورفع أعينه بثبات له، بادلتة النظر بخوف وهي تهز رأسها بلا بينما هو يومأ لها ولا يعلم كيف نظر لها كي يطمئنها.
جاءه الصوت الصارم المهيب الذي قضى عمره يحترمه ويلبي له ما يريد:
"مين؟؟؟"
أبتسم عبد الرحمن ببرود وهو يردف بثبات يحسد عليه:
"أنا عبد الرحمن."
عقد عرفات حاجبيه بعدم فهم وهو يبعد أعينه لينظر للرقم بعدم فهم:
"أنت بتكلمني برقم دولي، أنت فين؟؟"
أخفض عبد الرحمن وجهه بسخرية، والده لم يكتشف حتى الآن سفره!
"أنا سافرت.."
أتسعت أعين والده وهو يعقب على كلمته بذهول:
"سافرت !! سافرت فين وازاي من غير ما تقولي، واخد الفلوس بتاعت السفر منين أصلاً أنت اتجننت هترجع امتى!"
لم ينتظر عبد الرحمن أن يستوعب والده صدمته الأولى ليضرب على رأسه بالصدمة الثانية وهو يردف بهدوء وكأنه يخبره عن أحوال الطقس:
"أنا هاجرت يا حاج... هاجرت هجرة غير شرعية."
الصمت المريب وتحشرج أنفاس والده كان الرد على كلامه، لكن عبد الرحمن لم يرأف بحاله وهو يتابع:
"ودلوقتي محتاجك تحولي ٥٠٠ ألف على الرقم اللى هدهولك دة."
عقد الريس حاجبيه وهو ينظر له بأستغراب مستفهماً عن مضاعفاته للرقم المطلوب، لكن عبد الرحمن تجاهله وتابع الكلام مع والده باستفزاز:
"لأنهم بيهددوني لو مدفعتش الفلوس هيخلصوا مني."
"أنت.... أنت بتقول إى!! أنت بتعمل كدا عشان تاخد مني الفلوس صح، بس دي خدعة عبيطة يا عبد الرحمن، و أياً كان اللي بتعملة، مش هسمحلك تكمله أنا مش مغفل."
اشتدت قساوة ملامحه وتجمدت أعينه ببرود قارس:
"أنا لو عايز أخد فلوس هاخد ومش هخاف لأن دة حقي، انزل من برجك العالي يا حاج عرفات، أنا مش محتاج أعمل حاجة عشان أخدعك، أنا فعلاً سافرت خلاص، وفعلاً محجوز وعايزين الفلوس عشان أطلع المركب، يا إما هيقتلوني ويخلصوا مني عشان مبقاش عائق ليهم، الكرة في ملعبك هتنقذ ابنك ولا لا."
كلماته لسعته أكثر من جلد السوط على الجلد، عبد الرحمن محق هو ليس بالتافه الهزلي ليفتعل خدعة مثل هذه ليساومه، إن كان مميز بشيء فهو الصدق، عبد الرحمن ليس مضطر لأن يخدعه لأخذ المال لأن جميع حساباتهم البنكية مشتركة ويستطيع سحب المال في أي وقت، لكنه هو من بدأ وأوقف قدرته على السحب من هذه الحسابات للضغط عليه، لكنه لم يتخيل في أسوأ كوابيسه أن يهاجر وبهذه الطريقة....
اشتدت قبضه عرفات على السبحة بيده ورد بجمود:
"حسابك تقل معايا اوي يا عبد الرحمن وهوصلك مهما كنت فين، لو فاكر إنك كدا بعيد عني تبقى غلطان حتى لو بنا قارات ومحيطات، مجرد ما توصل أي بلد هتلاقيني قدامك وساعتها هتندم على اللي عملته دة.......الرقم أى!!"
بعد قليل ألقى الهاتف للريس وهو يقول ببرود:
"المبلغ اللي هيوصل دة ليا وليها."
أنهى كلامه وهو يشير على نسيم المنكمشة على نفسها متسعة الأعين بذهول لا تصدق ما حدث، لا تصدق أن عبد الرحمن أنقذها، اعتقدت أنها قاب قوسين من الموت أو أي مصير أسود، لكنه لم يتخلى عنها.
نظرت له ولا تعلم لما غزا الاطمئنان نفسها المذعورة، ليومأ لها بتأكيد مطمئن، ولم تجد إجابة لسؤالها لماذا فعل عبد الرحمن هذا!!
جسده يرتعد بخوف وهو يضع الهاتف على أذنه:
"بابا."
خرجت الكلمة بصوت مرتعش لا يعرف ماذا يقول لكن أليس والده!!!
وصله الصوت الساخر النافر كناقوس خطر يضرب رأسه:
"بابا!! أنا مش قولت إن مش عايز اعرفك تاني."
أردف عمار بتوتر:
"بابا اسمعني أنا محتاجك."
"أنت مفكر إنك كدا هتصعب عليا!! أنا مش عايز أسمع صوتك يا عمار ولا أشوف وشك انسى إنك ليك أب."
كاد والده أن يغلق الهاتف لكنه تسمر وهو يسمع ابنه يقول بخوف:
"بابا أنا واقع في مشكلة كبيرة وهيموتوني."
صرخ والده بغضب:
"عملت أى تاني، عملت أى اوحش من اللي عملته، أهل البنت جابوك صح، تستاهل يا عمار تستاهل."
مسح عمار وجهه بحنق وهو ينظر حوله بإحراج:
"أهل بنت مين بس يا بابا، بقولك مشكلة كبيرة تقولي أهل البنت، هي دي حد يعرفلها أهل أصلاً!"
رد والده باشمئزاز:
"أومال عملت أى تاني ربنا يريحني من مصايبك."
حمحم عمار يجلي صوته بخوف ثم همس بسرعة دفعة واحدة:
"سافرت هجرة غير شرعية، والناس هنا مش راضين يطلعوني المركب غير لما أدفع ٢٥٠ ألف جنية، يا إما هيخلصوا مني."
أتسعت أعين والده برهبة وهو يردف بتلعثم:
"هجرة غير شرعية!!!! أنت أنت بتقول إي هجرة إي، أنت ازاى تعمل كدا، انت بترمي نفسك في أي مصايب؟؟"
"يا بابا مش وقته اللي حصل حصل أعمل اى دلوقتي عايز الفلوس."
انشطر قلب والده لكنه لم يجد أي كلمات يعبر بها عن مدى خيبة أمله بابنه الوحيد ليردف بلسان حاد عكس قلبه المرتجف:
"عارف يا عمار، أنا مش هساعدك هسيبك زي ما رميت نفسك في المصيبة دي تطلع نفسك، عشان تعرف إن الله حق، لا وأنت أصلاً مش معترف بده، أنت عمار تعيش في الأرض الفساد، وأنا متأكد إنك مسافر عشان برضو تعمل حاجات حرام، عشان كدة اتصرف لوحدك يا عمار، أنا خلاص عوضي على الله فيك، سلام."
نظر للهاتف بعدم تصديق، الكلمات كانت كالبرق يضرب أذنه.
هل والده تخلى عنه وألقى به في عرض البحر دون حتى أن يلتفت له، اعتقد أنه سيغضب يومين أو حتى شهرين ثم يعود كل شيء لما كان.
لكن تخلي والده عنه وهو بهذا المأزق كان كالصفعة التي أفاقته على واقع مرير، هو وحده دون سند مع شياطين الإنس..... في بلد غريب.
رواية قارب الموت الفصل التاسع 9 - بقلم مريم الجنيدي
هل تعلم شعور أنك في فقاعة من الهواء ألوانها تسحر العين تطير بك فوق أرض الأحلام تجعل عينك تتسع انبهارًا، لكن بدون سابق إنذار تتلاشى الفقاعة وتسقطك بدلاً من أرض الأحلام إلى أرض الأشواك والسراب، ويتحول لونها المبهج إلى رمادي لا معنى له، باهت وأسود كئيب. هذا ما حدث بكل اختصار، هذا هو شعوري.
أغمض عينيه بألم وقد تهدلت كتفاه بخيبة. على الرغم من توقعه بأن هذا ما سيحدث، لكن تظل صفعة الحقيقة مؤلمة أكثر من ألف فكرة في الخيال. نظر للريس أمامه بألم وحاول إخراج الكلمات من فمه، لكنها تخرج كأنصال حادة تذبح حلقه.
"مش هعرف أجيب فلوس."
ابتسم الريس ببرود وهو يردف: "يبقى نرميك في البحر للقروش ونفضي مكان لغيرك."
ترتجف جسد عمار من مجرد التخيل. هل ينتهي به الطريق طعامًا للقروش؟ انتفض يقول بارتجاف: "لا استنى ثواني. هعمل مكالمة تانية هتصرف، أرجوك."
شعر بالذل من الترجي وانكسار كرامته فقط ليعيش!
أردف الريس ببرود: "معاك دقيقتين وبس."
ابتلع عمار لعابه بوجل وأطرافه ترتجف بخوف. يرتعد بداخله. ضغط الأرقام، وكل رقم ينحر قلبه دون رحمة. وأخيرًا بعد عذاب كتابة الأرقام، ضغط اتصال وانتظر. الثواني التي مرت كانت بالنسبة له كالقطار الذي يدهش خلاياها، حتى أستمع لصوتها الحذر.
"الو مين؟"
أين صوته؟ هل هرب صوته؟ مفار جبان! حاول بكل جهده أن يخرج الكلمات من فمه، لتخرج متقطعة متلعثمة.
"أنا عمار يا سحر."
"أنت ليك عين تتصل بيا يا بجح بعد اللي عملته!"
أسرع يقول بارتباك مرتجف: "سحر سحر اسمعيني ارجوكي، مفيش وقت. أنا هموت."
"موت ولا غور في ستين داهية! عايز إيه بعد ما فضحتني في الشارع وفرجت الناس عليا ووقفت حالي؟ منك لله يا عمار، منك لله."
مسح على وجهه بنفاذ صبر وهو يدور حول نفسه.
"سحر أنا أخوكي، هتسبيني أموت؟ افتكري حاجة حلوة عملتهالك. وبعدين أنا عملت كدا لما شوفت اللي بتعمليه، دمي حمى ومقدرتش اسكت. أنتِ شيفاني بقرون؟!"
"دة على أساس إنك شريف أوي؟ أنت مطرود من البيت بفضيحة وكله عارف أنت كنت بتعمل إيه."
"سحر ممكن تسمعيني من فضلك؟ أنا في مشكلة كبيرة والله، محتاج فلوس يا إما هموت. ساعديني."
ضحكت ساخرة: "والله وأنا المفروض أصدق؟ حتى لو حقيقي، أجيبلك فلوس منين أساسًا؟!"
يكره نفسه لقول ذلك، يشعر بالعار والرخص، لكنه مضطر لقول ذلك لإنقاذ حياته.
"من فلوس التيك توك اللي بتاخديها."
رددت الكلمات بسخرية أصابته كأسهم قاتلة هشمت المتبقي من كرامته المبعثرة.
"دلوقتي دمك بقا بارد ولا طلعلك قرون؟!"
لم يسمع بعدها شيء، ولا يريد أن يسمع أي شيء.
سقط الهاتف كما سقطت رجولته ونخوته. آخر ذرات احترام لنفسه تبخرت. ليبتسم الريس بسخرية باردة وهو يردف بصوته العالي:
"اللي بعده."
كان الحال سيء، بل هو في غاية السوء.
جلس باهي في أحد الأركان وهو يشعر بالانهزام. ليشعر بجسد يرتمي بجانبه، لكنه لم يبالي. رفع رأسه ليرى من، حتى أسمع لصوت بجانبه وشعر بتربيت على كتفه بمواساة.
"هتعدي بإذن الله، متخافش."
حرك رأسه بالنفي وهو يردف بيأس: "مش خايف، أنا مش مصدق. حاسس إني في كابوس، مش عارف هفوق منه إمتى!"
ابتسم عبد الرحمن بسخرية: "المشكلة إن إحنا اللي رمينا نفسنا في الكابوس ده."
رفع باهي وجهه ينظر له بحزن، ليربت الآخر على كتفه: "أنا عارف إنك مقهور من اللي حصل، وخصوصًا إنك عندك بيت وابن. يمكن أنا مش فارق معايا لأن معنديش حاجة أخاف عليها، بس أنت لازم تقاوم وتعافر، متستسلمش."
"أنا مقهور إن المفروض أنا اللي أسافر وأبعتلهم فلوس. بقيت أنا الحمل الكبير عليهم، والمفروض يدفعوا فلوس عشان ينقذوني، وده مش ذنبهم، ده ذنبي أنا."
استند عبد الرحمن برأسه على الحائط وهو ينظر في اتجاه نسيم: "حاسس بيك، أنا كنت بهرب من حاجة، لقيت الحاجة هربانة معايا، بس ده نصيب."
رفع باهي أنظاره على صوت العراك الذي نشب بين جمال وعمار. انتفض يخلص بينهم. بينما عمار أعماه الغضب وهو ينقض على جمال بصراخ:
"أنت السبب، أنت كنت عارف، ما أنت اللي قايل لي على الموضوع ده!"
دفعه جمال بحدة وهو يردف: "وأنا مالي؟ هو أنا ضربتك على إيدك؟ أنت قولتلي عايز تمشي وأبوك طاردك ومش طايقك وأنت كنت متمرمط في الشوارع. الحق عليا إن قولتلك الحل؟"
صرخ عمار بقهر: "أنت أكيد كنت عارف اللي هيحصل، مستحيل تكون مش عارف وقاعد هادي كدا. أنت مليت دماغي بالكلام وقولتلي سهلة وهنقعد يوم ومركب كويسة. عملتلي البحر طحينة وأنا صدقتك. منك لله يا أخي!"
رد جمال بسخرية: "وأنت أصلاً تعرف ربنا!! وبعدين أنا مالي؟ أنا قولت اللي شوفته على النت، شايفني رايح جاي بمركب!"
دفعه باهي وهو يقول: "خلاص يا جماعة اللي حصل حصل، اهدوا بقا."
انتفض عمار يصرخ: "لا يا باهي مش ههدى لأن البتاع ده كان عارف اللي بيحصل. أنا عايز حقي، وبعدين مهو ورطك أنت كمان ولف عليك ولعب في دماغك."
رد جمال بلامبالاة: "وأنت صغير عشان تسمع كلامي!! معندكش مخ تفكر، وبعدين ما أنا متنيل محبوس معاكوا أهو."
مسح باهي وجهه بنفاذ صبر وهو يصرخ بهم ليصمتوا: "اسكتوا بقا، خلونا نشوف هنعمل إيه في المصيبة دي. اهدى يا عمار إحنا كلنا متورطين."
زفر عمار بغضب وهو ينظر لجمال بحده: "أنا لو حصلي حاجة مش هيحصلي لواحده يا جمال، خليك عارف ده."
جلست بجانب شقيقها تنتفض بخوف بعدما تشابكت أحداث الماضي مع الحاضر.
"عبيدة امتى هنمشي من هنا!"
ضمه إليها أكثر بحماية وهو يردف بقنوط: "ما بعرف حبيبتي، لكن لا تخافي. الله بيحمينا وبنخرج سالمين."
مالت برأسها تستند على صدره بارهاق: "تعبت أوي يا عبيدة، معتش قادرة."
"هانت حبيبتي، استريحي وما تحملي هم، أنا هون جنبك."
جلس الجميع بارهاق بعد أن استنزفت قوتهم. مرت الساعات دون أي خبر بعد خروج الريس وحراسه من المكان. الخوف يظهر بوضوح على ملامح معظمهم، أما البعض الآخر كانت الامبالاة هي المسيطرة عليهم وكأن ما يمروا به ليس أسوأ ما مروا به من قبل.
في صباح اليوم التالي، انفتح باب المستودع ودخل منه بعض الشباب الآخرين ومعهم الحراس بصناديق مياه. ألقوها وخرجوا دون التفوه بحرف، بينما جلس الشباب في ركن بصمت.
رفعت سيلا رأسها بخوف: "عبيدة شو بيصير؟"
"ما بعرف. خير بإذن الله، لا تخافي."
اقتربت نسيم من سيلا بتردد بعد أن شعرت بالوحدة والخوف. عندما أغمض عبد الرحمن عينيه لينال قسط من الراحة، شعرت بعدها أنها وحدها دون حماية أو درع. أمسكت بيد سيلا تستمد منها القوة. التفتت إليها سيلا بتساؤل، لكن عندما وجدت ملامحها الشاحبة اقتربت تندس بجانبها لتعطيها بعض من الأمان، فشعور أنها وحيدة هنا شعور مرعب.
وقف باهي وعبد الرحمن واقتربوا من صناديق المياه وأخرجوا زجاجات. أخذ عبد الرحمن زجاجتين بعدما تجرع من زجاجة أخرى الماء واقترب من نسيم، ودون حديث مد يده لها بواحدة والأخرى لسيلا دون حديث. رفعت نسيم عينيها له بخجل وسحبتها من يده وهي تمتم بالشكر وتتلاشى النظر له مباشرة.
نظر عبد الرحمن لعبيدة يقول له بهدوء: "قوم خد ميه، دقيقتين ومش هتلاقي حاجة."
انتقل عبيدة بأعينه بينه وبين شقيقته بتردد، يخشى تركها أو حتى البعد عنها لدقائق. ليردف عبد الرحمن بطمئنة: "أنا واقف، مش هتحرك لحد ما ترجع."
أومأت له سيلا تطمئنه وهي تربت على يده ليتحرك. سكن عبد الرحمن ثواني بعد رحيل عبيدة، ثم أردف بخفوت ونبرته يشوبها الندم: "أنا آسف إن كنت سبب في إني أخليكي في الموقف ده، أو أخليكي تهربي بالشكل ده."
رفعت أعينها له بسخرية: "وأنا كمان آسفة لو خليتك تهرب بالشكل ده."
رفع حاجبه على سخريتها ليقول بحنق: "أكيد مهربتش عشانك، أنا مهربتش أصلاً."
سخرت وهي تلتفت بوجهها للجهة الأخرى: "أومال أنت هنا بتغير جو!"
اعتدل في وقفته بتبرم: "تصدقي أنا غلطان إن كلمتك أصلاً."
تركها وابتعد دون التفوه بأي كلمة أخرى واتجه لباهي الجالس ينظر له باستفهام، ليقول عبد الرحمن وهو يجلس: "مش عايز أتكلم."
أومأ له باهي، ثم نظر لعمار المنعزل عنهم ينظر للأعلى بشرود. تنهد باهي وهي يستغفر الله ويضع رأسه بين يديه بعجز.
مرت ثلاثة أيام دون جديد يذكر، يدخلون يلقون صناديق المياه وبعض الخبز الذي يتعاركون عليه، ولا يخرج واحد منهم إلا بلقيمات صغير لا تشبع ولا تثمن من جوع، متعرضين لكل أنواع المهانة وخصوصًا الفتيات في قضاء حوائجهم في غرفة لا يصلح أن يقال عليها مرحاض، لا تجوز الاستعمال الآدمي، لكنهم مضطرين لذلك.
في اليوم الرابع، خرجت سيلا من المرحاض تبكي بقهر، ليعانقها شقيقها الذي يقف أمام الباب ينتظرها، لتهمس له بتألم وهي تبكي: "مش عارفه يا عبيدة، ياريتنا ما قررنا نسافر، ياريتنا فضلنا في بيتنا."
ربت على ظهرها بحنان وهو يتمزق من بكائها، ليسحبها لأحد الأركان ويجلسها بهدوء: "ربنا هيفرجها علينا يا سيلا، ما تعيطي والله دموعك بتألمني وتزيد من عجزي."
همست بخفوت: "أنا تعبت أوي يا عبيدة، امتى هنرتاح!"
ربت على رأسها كطفلة صغيرة يهدهدها: "عسى الله أن يشقينا في الدنيا، ليجازينا بالجنة في الآخر."
مالت برأسها على كتفه لعها تستريح ولو قليلاً.
وقفت نسيم بعيداً وهي تنظر لهم بحسرة. شعرت بالخوف يلفحها كأنها عارية في مهب الريح. وحيدة في بلاد غريبة، لا تعرف مصيرها ولا متى ستتحرر؟ هل ستحرر لو سافرت أم ماذا سيكون مصيرها! هل ستكون متشردة في الطرقات، لا تعرف البلد ولا اللغة؟ لما فكرت بالهجرة وهي لا تعرف أي شيء عن البلد التي ستذهب لها!! فرت الدمعات من وجهها الذي هزل واصفر من الضعف وقلة الطعام.
لم يتحمل عمار الجلوس كل هذا وكأنه ينتظر إعدامه. استقام يصرخ ويضرب الباب بهستيرية وقد فقد صوابه. انتفض باهي يكتف حركته ويمنعه من ضرب الباب والصراخ حتى لا يدخل الحراس ويقوموا بأذيته، يكفي ما بهم من مشاكل وتعب.
"اسكت يا عمار بقا، مش ناقصين مشاكل."
"أنا مش هموت هنا يا باهي، مش بعد كل ده هموت هنا. أنا مصدقت أمشي من البيت ومن البلد عشان أعيش عيشة نضيفة، مش هموت هنا."
أفاقه باهي وهو يدفعه بعنف وصرخ به بغضب: "طالما مش عايز تموت هنا يبقى تسترجل، أنت اللي جيت هنا برجليك وموافقتك ومحدش ضربك على إيدك."
مسح عمار وجهه بغضب وهو يصرخ به: "مكنتش أعرف إن ده هيحصل، محدش قال إن ده هيحصل، هو اللي ضحك عليا."
ابتسم جمال ساخراً بعد أن أشار عليه عمار: "وأنا لو كنت أعرف كنت هبقى مرمي الرمية السودا دي!"
أشار له باهي بصرامة: "اسمعني كويس، طالما جيت هنا برضاك مش قدامك حل تاني غير إنك تقعد لحد ما ربنا يفرجها علينا، مسمعش صوتك، متوترناش أكتر من كدا."
مرت ثلاثة أيام أخرى، كل يوم يحدث نفس الشيء دون حديث. لا أحد يجيب على أي سؤال سوى بعبارة واحدة: الطريق غير آمن.
ظهر التعب والإجهاد عليهم جميعاً. الجلوس والنوم على الأرض الصلبة كسرت عظامهم، الأكل القليل الذي يدخل جوفهم، عدم النظافة مع تعرقهم وقلة حيلتهم، كان عذاب حقيقي لأكثر من مئتي شخص في مستودع صغير في هذا الحر. كان الوضع كأنك تجلس على فوهة بركان ثائر تنتظر انفجاره.
أعتقد البعض منهم أن الهجرة ستكون أسهل من شرب ماء، بعد أن امتلئت عقولهم بصور وكلام كاذب على صفحات الهجرة غير الشرعية، أوهموهم أن الأمر بسيط لن يأخذ طرفة عين. لكن ما وجدوه على أرض الواقع كان الجحيم.
في صباح اليوم العاشر، دخل الحراس ومعهم رئيسهم بملامح جامدة يردف الكلمات كسهام مريحة لبعضهم و لبعضهم قاتلة: "أجهزوا عشان هنتحرك على المركب."
رواية قارب الموت الفصل العاشر 10 - بقلم مريم الجنيدي
تحرك الجميع للخارج وعمار من بينهم، لا يعرف مصيره. دب الأمل فيهم مرة أخرى بعد الكثير من اليأس والتعب.
كانت عينا عبد الرحمن لا تفارق نسيم التي تتحرك بجانب صديقتها الجديدة. لم يرتاح أن تظل معهم وبجانبهم شاب غريب، لكنه تفهم أنها بحاجة لوجود فتاة مثلها معها. لذلك كانت عيناه تتابعها من بعيد، ليس لأي شيء سوى إراحة ضميره.
لقد تعرف على عبيدة في الأيام الماضية ليعرف سلوكه. علم أنه سوري، رغم أن الآخر بذل جهدًا كبيرًا ليتحدث باللهجة المصرية، لكنه للأسف لم ينجح. طمأنه وقتها أنه ليس عليه أن يخشى شيئًا، ولا يخشى من معرفة أحد جنسيته. وللأمانة، وجده شابًا ذا خلق كريم واحترام ونبل كبير. فطمأن قلبه قليلاً، وما طمأنه أكثر أنه خلال الأيام العشر الماضية لم يوجه كلمة واحدة لنسيم واحتفظ بحدوده جيدًا.
أقترب عبد الرحمن من باهي الشارد وهو يسأله:
"مالك! سرحان في إيه؟"
تنهد باهي بحزن، والهم يظهر على وجهه كأن الأيام العشر التي مرت كانت عشر سنوات، فملامح الكبر رسمت خطوطها على وجهه.
"قلبي مقبوض، ربنا يستر."
ارتجف عمار وهو يمر ليصعد للسيارة دون أن يعرف مصيره.
صعدوا جميعًا للسيارات، تمسكت عبيدة بيد شقيقته وهي تبتسم لها كي تطمئن.
بعد ساعتين في الطريق، توقفت السيارات ونزل الجميع منها.
قال باهي بصدمة وهو ينظر لقارب الصيد المتهالك القديم، ولعدد الناس المهاجرين الذين ينتظرون في المكان.
"هناك المئات من البشر المتواجدين في المكان، ومن المستحيل أن يصعدوا جميعًا على هذا المركب المتهالك."
أقترب الحراس منهم لكي يجبروهم على الصعود.
اعترض باهي وتعالى صراخ الجميع.
"المركب دي مش هتستحمل، مستحيل تاخد العدد ده كله."
رد عليه أحد الحراس الممسك بعصا غليظة:
"يلا خلصونا، لو مش عاجبك ابقى انط في البحر."
اعترض باهي وعبد الرحمن. عدد كبير من الشباب على الصعود. تعالت الأصوات والصراخ والتخبط بين الجميع عندما بدأ الضرب العشوائي من الحراس للمهاجرين.
صرخ باهي وهو ينحني يمسك قدمه بعدما طالتها إحدى ضربات العصا.
هجم عبد الرحمن يضرب أحد الحراس الذي يحاول تكبيله.
وقف عمار ينظر حوله بذهول من الفوضى المنتشرة.
صرخت نسيم وهي ترى عبد الرحمن يسقط على الأرض بعد أن ضربه أحدهم.
تمسكت سيلا بشقيقها بخوف وهي تبكي. الوضع كارثي على الجميع، لكن أوقفهم جميعًا صوت الطلقات النارية التي انطلقت في الهواء تشق صوت الصرخات وتعلو عليها.
انحنى الجميع على عقبيهم بعدما صرخ بهم الريس. ليعلو صوته بحدة:
"دي المركب الموجودة، واللي كلكم هتركبوها، واللي معترض يترمي نفسه في البحر. مفيش رجوع ومفيش اعتراض، مش هنضيع نفسنا ووقتنا عشانكم."
تكلم عبيدة بصدمة:
"العدد كبير على هالمركب، ما بتكفي."
ابتسم الآخر بسخرية:
"هتكفي، هتقفوا جنب بعض وهتكفي، وما فيش حل تالت، والكلام خلص. وكلمة كمان هنستخدم العنف، وتبقى توصل أوروبا غرقان ومتكسر."
رد عبد الرحمن بغضب:
"يعني بعد كل القعدة اللي قعدناها دي، عشان تطلعونا مركب بالشكل ده!"
رد الآخر ببرود:
"كل القعدة دي عشان ناخد الفلوس من أهاليكم. بالنسبة للمركب دي اللي موجود، وما فيش غيرها. تحب تروح إيطاليا سباحة؟"
أنهى كلامه وهو يشير للحراس بالتحرك.
تحرك الحراس بالعصيان والسلاح يجبرون الجميع على الصعود، ومن يعترض كان ينال من عصيانهم ما يكفي لبلع اعتراضه بجوفه.
نظر عبد الرحمن لنسيم التي تبكي وهي تمسك ذراعها بألم، وملامح الذعر تحتل وجهها وهي تنظر حولها بتيه. ليتقدم منها سريعًا بعدما وجدها وحيدة دون رفيقتها. اقترب منها في الزحام وأمسك كم سترتها يسحبها منها. لتقول ببكاء بعدما وجدته هو من يسحبها:
"عبد الرحمن مش لاقية سيلا، إيه اللي بيحصل!"
سحبها أمامه ونظر حوله ثم قال لها:
"صاحبتك مع الولد اللي معاها، متخافيش. امسكي فيا."
تشبثت بذراعه وهي تتأرجح وتتخبط بسبب الزحام والفوضى.
نظر باهي حوله بضياع وهو يرى الجميع حوله يصعدون على القارب بالإجبار تحت تهديد السلاح والعنف المبرح. تألم من قدمه المصابة بعد أن ضغط عليها. لا يصدق الكابوس البشع الذي يحياه. لقد ترك عائلته ليعيلهم، لكن ما يحدث الآن أنه يتم دهسه ويتقدم للهلاك بقدمه ولا طريق للعودة، ولا اختبار آخر للحياة.
كل ما أراده في الحياة هي مكالمة لعائلته ليسمع صوتهم ولو لآخر مرة في حياتهم. فشكل المركب المتهالك مع عدد البشر الموجودين للصعود عليها لا يبشر بالخير أبدًا، ستغرق لا محالة.
حاول البحث حوله عن أي مفر، لكن تكدس الناس وتزاحمهم حال دون ذلك.
فنظر للأعلى يصرخ باستغاثة وعيناه مدمعة بعجز مميت.
"يارب."
تسلل عمار وصعد من بينهم حتى لا يتم إيقافه. فهو لا يصدق الفرصة التي جاءته على طبق من ذهب. استغل الزحام والتكدس وصعد المركب ليبتسم بانتصار بمجرد صعوده. لم يهتم بشكل القارب، ولم يهتم بالصراخ أو بعدد الأشخاص المتواجدين. كل ما يهمه أن يلوذ بالفرار من هذا المكان المميت وينطلق للحرية ولحياته الجديدة.
ضم عبيدة شقيقته الباكية المذعورة بين ذراعيه وهو يحاول الصعود للقارب المهترئ دون أن يصيبها مكروه. يتحمل الضربات والصدام وعانقها أكثر بصدره، وبين كل ثانية والأخرى يطمئنها بصوت مرتجف:
"ما تخافي، كل شي راح يكون بخير."
بعد أكثر من ساعتين، صعد على القارب أكثر من سبعمائة وخمسون شخصًا للهجرة من مختلف الجنسيات. يقفون بجوار بعضهم ملتصقين لضيق المكان. الدور الأسفل لقارب الصيد والذي يعتبر الثلاجات، يقف به الأشخاص، أغلبهم النساء. الجو خانق والزحام مميت، لكن بريق الحياة الكاذبة جذبهم جميعًا لهذا الطريق دون التفكير في العواقب.
وقف عمار بجانب باهي وعبد الرحمن الذي مازال يتمسك بنسيم، وأخيرًا بالصدفة كان بجانبهم عبيدة وسيلا. جميعهم في بداية القارب متجاورين. وقد بدأ القارب في التحرك إلى طريق لا يعلم أحد منهم نهايته.
تمسكت سيلا بيد شقيقها بعدم تصديق وهي تنظر لمياه البحر التي تشقها المركب.
"عبيدة هنوصل صح!"
ربت على يدها وهو يبتسم لها كي تطمئن، لكن قلبه هو غير مطمئن. هناك انقباض مخيف بقلبه، دعا الله أن يسلمهم ويصلون بسلام دون حدوث أي ضرر لهم.
أما من كان لا يصدق نفسه هو عمار، الذي كان ينظر لمياه البحر التي تشقها المركب بسعادة غير طبيعية. يشعر أنه عصفور كان حبيسًا داخل قفص وأخيرًا نال حريته. ألتفت لباهي يقول له بسعادة:
"أنا مش مصدق نفسي، إحنا خلاص في البحر رايحين إيطاليا!"
نظر له باهي لثوانٍ وأعاد نظره دون أن يعقب على حديثه. ليكمل الآخر دون انتظار رد:
"حاسس إني بحلم. أخيرًا هقدر أعمل كل اللي عايزة من غير ما حد يحاسبني، ولا يقولي بعمل إيه. هعيش في بلد نضيفة، ناس تحترمني."
رد عليه باهي بهدوء دون أن يلتفت له:
"هو ده كل اللي أنت عايزه!!"
أومأ عمار بسعادة:
"آه يا عم، هبعد عن البيت النكد ده، مش كل حاجة يقولولي مينفعش وحرام ولأ. أنا زهقت من الخنقة دي."
رد باهي دون استيعاب:
"انت اللي خنقك إنه كان بيقولك حرام!"
هز الآخر كتفيه بلا مبالاة:
"آه، أنا عايز أعيش براحتي. أنا لسه صغير، وولد يعني لما أعمل اللي عايزة، وأشتغل في حتة كويسة البنات تترمى تحت رجلي كده."
هز باهي رأسه لا يصدق ما تسمعه أذنيه. ليقول بخفوت:
"غيرك بيتمنى نص عيشتك دي، بيتمنى بيت يستره، أو أب ينصحه. وبعدين أنت ليه محسسني إنك هتروح تشتغل وزير ولا حاجة؟ فوق، إحنا مسافرين من غير بطاقة شخصية. وبعدين متخليش كل هدفك إنك تروح عشان تضيع."
زفر عمار بملل وهو يقلب عينيه:
"متدنيش حكم ومواعظ الله يخليك. أومال يعني أنت مسافر ليه مش عشان تنطلق، مش عشان تتعامل كبني آدم ولك حقوق! ولا أنت عاجبك المرمطة اللي شفتها وقلة التقدير."
ألتفت له باهي يستند على حافة القارب بظهره، رغم صعوبة الوقوف أو التحرك أو حتى الجلوس من تكدس الناس.
"أنا مش رايح أنطلق، أنا رايح أدور على لقمة عيشي. أنا متعلق في رقبتي أسرة مسؤولة مني. أنا كنت هسافر كده كده شرعي وكنت بعمل في الورق لما لقيت فرصة كويسة وأحسن ومرتب حلو، بس لما حصلت الكوسة في الشغل وحد أخد مجهودي اللي بسعى ليه من سنين في طرفة عين، الغضب عمى عيني."
سخر عمار بملامح باردة:
"والغضب عمى عينك ليه؟ ما أنت كده كده كنت بتعمل الورق بتاعك."
"وأنا كنت أضمن أن الورق هيخلص. أنا لما لقيت الشغل أخويا أقنعني أن مستقبلي هناك هيكون أحسن خصوصًا إني شيخ. كمان فرق العملة كنت هقدر أربي ابني أحسن. أنت مش حاسس بحاجة، أنا مش بفكر في نفسي وبس، أنا بفكر في مستقبل ابني وإزاي أدخله مدرسة كويسة وأعلمه، بفكر في مراتي وبيتي، وأبويا اللي جه الدور عليا أساعده بقى شوية بدل ما هو شايل حملنا كلنا، وجربت حظي وقدمت على الورق، وفي نفس الوقت بسعى للترقية اللي شغال على نفسي فيها من سنين عشان أوصل لها عشان لو مسافرتش، يقوم يجي عيل بواسطة مش عارف الطماطم من الخيار ياخد مكاني عشان أبوه حد كبير في الفندق. تفتكر ده ميخليش الغضب يعمى عينك؟ أنا لو كنت أعرف أن كل ده هيحصلي في المشوار ده مكنتش جيته أصلاً، أنا مش مستهتر عشان أرمي حياتي على كف عفريت."
مط عمار شفتيه برتابة وهو يردف:
"مش عارف ليه ممكن حد يتجوز صغير كده ويشيل مسؤولية بيت وعيال، أنا أهو عايش بمزاجي ويعمل كل اللي عايزة ومحدش ليه حاجة عندي."
رد باهي بسخرية وهو ينظر له بطرف عينيه:
"بتعمل كل اللي أنت عايزه في الحرام، أنت مفكر إن دي عيشة؟ ده قرف."
قلب عمار عينيه باستياء:
"هتقول زي أبويا، أنا معملتش حاجة حرام ولا نمت مع واحدة بجد. ده بيبقى إلكتروني أو فون مكالمة فيديو توريني عملي صور نودز، كده يعني مش بجد. أي بقا المشكلة في كده."
اتسعت عينا باهي بعدم تصديق وكاد يرد عليه، لكن وصله رد من شخص آخر بنبرة غاضبة:
"اتقي الله يا زلمة كيف بتقول هيك وجنبك حريم، كيف بتبرر اللي بتقوله أصلاً. ربنا يسترها علينا ونوصل سالمين والله ما بغضب علينا باللي بتقوله، استغفر الله."
تمسكت سيلا بيد عبيدة تحاول تهدئته بعدما استمعوا لكلام عمار المتواضح الجريء.
نظر عمار له بغضب بعدما ألتفت إليه بعض الأشخاص يتطلعون إليه:
"وأنت مالك أنت يا عم، هو حد كلمك ولا جه جنبك."
أمسك باهي ذراع عمار ليصمت وهو يقول معتذرًا:
"إحنا آسفين، الكلام سحب بعضه ومأخدناش بالنا."
نفض عمار ذراعه بحدة من يد باهي:
"بتعتذر لمين يا عم، اللي مش عاجبه يسد ودنه. هو أنت هتمسك بوقنا!"
صرخ عبيدة به بحدة وهو يقف أمام شقيقته:
"لك روح اتواحك بكلامك بعيد ما قدام البنات والحريم يا عديم النخوة."
انتفض عمار يمسك به بغضب وهو يصيح:
"هو مين ده اللي عديم النخوة؟ هو أنا اللي جايب مراتي ولا أختي ولا الله أعلم تقربلك على مركب هربانة أغلبها رجالة متزنقين بالشكل ده، روح شوف نخوتك أنت الأول."
صوت تكسير قلب عبيدة وصل لأذنه، شعر بالذل والقهر من كلام المتواضح الآخر ليدفعه بعنف وهو يلكمه بوجهه كتعبير عن رجولته التي تثأر، كان أول مرة بحياته يستخدم العنف.
"الله بيعلم بحياة الناس، ما أنت اللي بتحكم علي شيء. أنا عندي نخوة ورجولة أنت ما عندك ذرة منها لتبرر لعبك ببنات الناس وهيك كلام بيقرف. حسبي الله ونعم الوكيل."
مسد عمار على وجهه بألم وكاد أن ينقض على الآخر يلقنه عراك شوارع، لكن منعه باهي وعبد الرحمن الذي قيدوه.
أردف عبد الرحمن بصوت عالٍ وهو يسحب الآخر بعيد:
"خلاص... خلاص... هو عنده حق، اكتم بوقك ده، إحنا في أي ولا إيه، إحنا مش ناقصين مصايب."
سب عمار ببذائه وهو يحاول التخلص منهم:
"اكتم مين يا عم أنت كمان، أنتم مال أهلكم بيا."
رد باهي بقسوة وهو يسحبه ويدفعه على إطار المركب:
"كلمة كمان وأنا اللي هخلي وشك خرائط، أخرس خالص. عايزين نوصل من غير قرف أكتر من كده."
صمت عمار وهو ينظر لعبيدة بغل.
ليلتفت الآخر يهدئ من شقيقته التي تبكي بخوف وهي تتمسك به:
"عبيدة خلاص ملناش دعوة بحد، بالله عليك عايزين نوصل كويسين."
وقفت نسيم تطلع للمياه بشرود. لتشعر بهيئته الطويلة جانبها. لم تعره اهتمامًا أو تلتفت له. ليسألها مباشرة:
"ليه مفضلتش عايشة في بيت أبويا؟ مش كان أرحم لكِ من البهدلة دي؟"
صمتت قليلاً. اعتقد هو أنها ستتجاهل الرد عليه، لكنها ردت في النهاية بقنوط:
"عشان عنده ابن حلوف بيذل فيا في الطلعة والنازلة."
رفع حاجبه بإحراج وهو يحمحم يحاول أن يلملم كرامته التي بعثرتها بجملة واحدة. ليسألها مرة أخرى:
"أبويا اتجوز أمك ليه؟"
نظرت له بطرف عينيها:
"ابقى اسأله ولا أنت خايف منه!!"
رد باستنهاز متشدق:
"أنا مبخفش من حد."
طالعته بنظرة تقييمية شاملة قبل أن تردف ببرود:
"آه عشان كده أنت على مركب هربان لإيطاليا؟"
قبض على يده غاضبًا كي لا يصفعها على وقاحتها وأسلوبها الفج. للتابع هي:
"أنا سبتهالك ومشيت مش عشانك لوحدك، عشان مامتك ست طيبة وجميلة مكنتش هسامح نفسي لو كنت السبب في صدمتها في إن أبقى بنت ضرتها. على العموم أبوك كان مقعدني عندكم أمانة، بس هو غلط لما افتكر أن بجوازي منك هيحافظ عليها."
أومأ لها واحترم كلامها بعدما فضلت المخاطرة على ألا تجرح والدته. ليقول لها:
"صح هو محفظش عليكي ولا على ابنك، حسبها غلط لما فكر يلوي دراعي. على العموم أنا هفضل معاكي لحد ما نوصل بالسلامة وأطمن إنك في أمان وكل واحد من طريق."
عاندت وهي تعقد ذراعيها بحنق:
"مش محتاجة حد يخلي باله مني، أنا قادرة أشيل مسؤولية نفسي."
"عارف، بس أنا رجولتي متسمحليش أسيب بنت أعرفها حتى لو من بعيد في موقف زي ده لوحدها. وبعدين مين البنت والولد السوريين اللي ماشية معاهم دي؟"
ردت بثبات:
"معرفش، بس هما شكلهم طيبين وكفاية إنها بنت زيي وده أخوها."
سخر منها:
"مش أي حد شكله طيب بيبقى طيب بجد."
أومأت له بالإيجاب وبكلماتها الحارقة:
"كويس إنك قلت لي عشان أحرس منك."
تحركت من جانبه منهية الحوار لتتقدم تقف بجانب هذه الفتاة دون أن تعيره اهتمامًا أو تمنحه فرصة للرد.
كان القارب يتحرك ببطء ملحوظ، نظرًا لما يحمله من عدد فوق حمولته بستة أضعاف. صوت محرك القارب كان عالي، دخل الليل عليهم وهم ما زالوا يتحركون ببطء. الوضع أصبح مرعبًا وخانقًا، الجميع متكدس في زحام رهيب، الظلام يجعلك لا ترى وجه من يقف أمامك. صوت محرك القارب عالي بشكل مقلق.
تعالت الهمهمات المتسائلة بعدما شعروا بتوقف القارب.
ليقول السائق بصوت عالٍ يعلو على صوت الجمع المذعور، كان صوته مرتبكًا بعض الشيء:
"اهدوا يا جماعة مفيش حاجة، هنريح الماتور شوية عشان ميتحرقش مننا وإحنا ماشيين."
سأل عبد الرحمن بصوت عالٍ:
"إحنا فين دلوقتي يا ريس!"
رد الآخر بارتباك متعثر:
"إحنا خرجنا من الإقليمية يا غالي عشان كده هنريح شوية."
زفر عبد الرحمن باستياء. الظلام محيط بهم من كل جانب، المياه في الظلام مقبضة حتى القارب لا يوجد به أي نور.
قطع أفكاره صوت باهي المتسائل:
"هو مفيش هنا أي نور خالص يا ريس."
رد السائق بحنق:
"مينفعش نشغل أي إضاءة، المركب خرجت من الإقليمية."
سأل أحدهم مستفسرًا بقلق:
"طب والناس اللي تحت دي كده تتخنق."
"يا ريت كل واحد يخليه في نفسه يا جماعة مش عايزين دوشة، واللي مش عاجبه ينط في البحر ويخفف حمولة."
كان الوضع سيئ للغاية ومتعب. مرت بعض الساعات عليهم كسنوات، حتى بدأ النهار يشرق خيوطه باستحياء.
ليقول عبد الرحمن:
"يا ريس... هو راح فين يا جماعة؟ حد يقوله يتحرك بقى النهار بدأ يطلع وإحنا واقفين كتير."
لم يستجب له أحد لتعلو صوت الناس منادين على سائق القارب.
أردف باهي مقترحًا:
"حد يشوفه في الأوضة اللي بيسوقوا فيها، ممكن يكون نام."
بعد ساعتين من البحث عن السائق، خرج صوته يقول:
"خلاص يا جدعان في إيه أنا موجود، كنت بشوف المكنة مالها بس هنتحرك أهو."
بعد نصف ساعة أخرى من المحاولة، بدأ التحرك ببطء أكثر من قبل، وكان صوت المحرك أعلى كأنه على وشك الانفجار.
أعين مطفية وأخرى لامعة. أعين ميتة، وأخرى تتوهج بالحياة. المكان واحد والأهداف مختلفة. الأشخاص كثيرون، كل يسعى في دنياه. القارب يشق الماء وأحلامهم تطير تسبقهم لأرض الأحلام الزائفة.
استندت برأسها على رجل شقيقها وهي تجلس في وضعية متعبة. كانت تضم ركبتيها لصدرها حتى لا تأخذ مكانًا في الجلوس، مستندة بظهرها على سور المركب وترمي رأسها على أرجل شقيقها الواقعه أمامها.
مر النهار ودخل الليل مرة أخرى، لكن هذه المرة وقف المحرك على قرب الغروب.
سأل عبد الرحمن مستفسرًا:
"هنريح المكنة!"
ليرد الريس وهو يخرج من قعره مرتبكًا:
"لأ المكنة شكلها اتحرقت، وقفت لوحدها."
تعالت الشهقات والصرخات المذعورة. ليحاول السيطرة عليهم وهو يصرخ:
"اسكتوا، أكيد هنلاقي حل، هنزل أشوفها."
تقدم باهي وعبد الرحمن معه وتحدث الأخير:
"أنا هاجي معاك، أشوفها."
بعد ساعتين عادوا موقعهم ليسأل عمار بتردد:
"حصل إيه، عرفتوا تصلحوها؟!"
هز باهي رأسه بالنفي بضيق:
"لأ المكنة اتحرقت خالص، محتاجة تتغير."
مسح عبد الرحمن على وجهه بنفاذ صبر، بينما سأل عمار مرة أخرى بارتباك:
"يعني إيه، يعني هنعمل إيه دلوقتي، حد هيجي لنا ولا هنعمل إيه، مش المفروض بيبقى فيه لانشات من اللي الهوا دي موجودة هنا؟"
سخر عبد الرحمن وهو ينظر له بغضب:
"ليه أنت فاكر نفسك راكب تيتانيك؟ دي مركب صيد بقالها أكتر من مية سنة، ده كويس إن المكنة منفجرتش بينا، دي مفهاش نقطة زيت."
انتفضت نسيم بخوف وهي تردف:
"هنعمل إيه دلوقتي!! هنفضل واقفين كده لحد ما حد يجيلنا!!"
سأل عبيدة:
"مش ممكن نكلم حد باللاسلكي!! نبعت إشارات لأقرب سفينة معدية."
أردف السائق بحنق:
"عملت كده وما فيش حد رد، اللاسلكي هنا أصلاً ضعيف أوي، لازم يكون الإشارة من المركب التانية قريبة."
حاول عبيدة أن يطمئنهم بصوته الهادئ:
"بنلاقي حل يا جماعة بإذن الله، الله ما بيتركنا."
مسح عمار رأسه وهو يتمتم بضيق:
"مش عارف إيه النحس ده بس، كل حاجة بتبوظ لي."
أردف باهي عندما استمع لحديثه:
"عشان نيتك من الأول زي الزفت، شايف وصلنا لأيه."
رد عمار بعصبية:
"وأنا مالي، هو أنا اللي عطلت المكنة يا عم."
رد باهي بسخرية وقسوة:
"استغفر ربنا وتوب عن الهباب اللي في دماغك ده عشان ربنا يكرمنا، ومنبقاش وجبة للسمك."
رد عمار ببرود:
"ريح دماغك مني يا باهي، أنا مش ناقص والله، كفاية القرف اللي إحنا فيه."
دفعه عبد الرحمن بكتفه بعدما سئم حديثه:
"أنت كافر يلا، في إيه، ما تستغفر ربنا كده وأهدى."
ضرب كفه بالآخر ساخرًا:
"هديت يا عم، ها تقدري تقولي هنعمل إيه!!"
استمر الحال بهم هكذا حتى شروق الشمس مرة أخرى، وقد أرهقهم الوقوف وشدة الأعصاب. مر يومين دون أكل أو ماء وقد جف حلقهم وضاق النفس أكثر من التوتر والترقب.
انتشرت صرخة أنثوية لينتفضوا من مكانهم. أقترب عبد الرحمن من نسيم التي صرخت وهي تشير لشيء في الماء بهستيريا وملامح الفزع ارتسمت على وجهها.
نظروا لما تشير إليه، وانتشر الفزع والخوف على وجوههم. فكانت هناك جثة متآكلة الملامح بشكل بشع تطفو على الماء، ومن بعيد بقايا قارب محطم.
سحبها عبد الرحمن يبعد عن المنظر البشع المقبض للروح والنفس.
فكر باهي وقد شعر بأزمة تنفس. هل مصيرهم سيكون بهذا الشكل؟ غارق ومتخلل وسط البحر غير معلوم الهوية ولا الجنسية، لن يستطيع أهله حتى إيجاد جثته. حتى بعد الموت لن ترحمه قسوة الحياة.
بكت نسيم وهي تتمتم بتقطع:
"هنموت هنا!! هنموت كده! مش عايزة أموت في وسط البحر، بالله عليك، عايزة أرجع، أنا آسفة خلاص، موافقة أعمل أي حاجة بس رجعني."
أشار لها كي تهدأ وهو يحكم إمساك كمى سترتها:
"أهدي يا نسيم، أهدي، هنوصل، بإذن الله هنوصل، مش هسيبك متخافيش، مش هيحصل حاجة، ثقي فيا، مش هسيبك متخافيش، أهدي."
همست بانهيار وهي تشير خلفها:
"ده ده اتحلل من الماية، اتحلل وملامحه راحت، أكيد في كتير زيه. أنا ليه عملت كده، ليه عملت كده، يارب يارب ساعدني."
"هششش، كله هيكون تمام، خلاص أهدي، أنا معاكي مش هسيبك، أهدي، هنكون بخير."
أما سيلا وعبيدة كانوا الأكثر ثباتًا يدعون للمتوفي بالرحمة. ثباتهم أتى بعد ما مروا به من صعاب. فمن رأى موت عائلته ودمار بلدته، ومشى فوق حطام المدينة، ورأى الجثث في كل مكان، من عاش أيام وسط رائحة الموت، ومن ركض بين الحدود، من نجى من كل هذه الصدمات لن يؤثر به مشهد جثة تحللت نصفها من المياه المالحة. قلبهم بالأساس مهشم ملئ بالمناظر الأكثر بشاعة. لذلك وقفوا بثبات يدعون أن تمر هذه المرحلة أيضًا دون أن يخسر أحدهم الآخر. يكفي ما خسروه، ومن نجاهم من قلب المجزرة التي حدثت في بلادهم قادر على أن ينجيهم من سفينة هالكة في وسط البحر.
بعد عدة ساعات، كانت الشمس عمودية فوق رؤوسهم، حرها يسحب المتبقي من مخزون المياه في جسدهم.
أردفت سيلا بصوت خافت مرهق:
"أنا عطشانة أوي يا عبيدة."
أومأ لها بتعب، كان هو الآخر فاقد للطاقة، حلقه جاف يكاد يموت ظمأً.
بعد ساعتين آخرين، صرخ الريس باستغاثة:
"يا جماعة في سفينة قريبة، الإشارة بتوصل منها هناك أهي، تقريبًا سفينة تجارية."
انتفض الجميع بأمل وهم ينظرون لاتجاه السفينة. ليقول عبيدة:
"اتواصل معاهم باللاسلكي، قولهم إننا عطلانين."
عاد الريس لغرفة القيادة ليذهب عبد الرحمن خلفه سريعًا يحاولان التواصل مع هذه السفينة.
أمسك عبد الرحمن اللاسلكي وهو يردد بأمل:
"Hello anyone hear me?"
مرحباً هل أحد يسمعني؟
كان الصوت مشوش للغاية يصل كه همهمات. ليردد عبد الرحمن النداء أكثر من مرة، وكل مرة يصل إليه الصوت مشوش. وبعد عدة محاولات استطاع أن يسمع أحد يقول: "هل هناك مشكلة؟" ليسرع بالإجابة سريعًا:
"Yes, our ship is broken down. We need help."
نعم، لقد تعطلت سفينتنا، نحتاج المساعدة.
وصله الصوت المشوش بالإيجاب والإنه سيقتربون بعد أن يحددوا موقعهم بالإشارات الرادارية.
نظر عبد الرحمن للخارج بأمل، لكن مع اقتراب السفينة الضخمة التجارية منهم، تحرك مركبهم بعنف جراء الاقتراب وتلاطم الأمواج. صرخ الجميع وهم يتمسكون ببعض. المركب تهتز بعنف تكاد تنقلب. ليركض عبد الرحمن إلى اللاسلكي:
"Stop, stop, the ship will capsize."
توقفوا، المركب ستنقلب.
ردوا عليه بما عليهم فعله، ليس لديهم وسيلة لإنقاذهم غير ذلك. ليسرع عبد الرحمن يسألهم هل يوجد لديهم مراكب إنقاذ. ليردوا أنها خاصة بسفينتهم ولن يلقوها لهم، سيكون خطورة عليهم. ليطلب منهم بآخر أمل لديه:
"Well we want water, we are dying of thirst."
حسنًا، نحن نريد الماء، نحن نموت عطشًا.
سألوه كيف سيأخذون الماء. انتظر دقيقة وهو ينظر للبشر المتزاحم في السفينة. وقعت عيناه على عينيها التي تطالعه بأمل كأن في يده إنقاذهم جميعًا. ليتمتم بقنوط:
"I will swim to you. You can throw it into the water and attach it to anything."
سأسبح إليكم، يمكنكم رميها في الماء مع تثبيتها بأي شيء.
أجابوه بـ: "حسنًا سنفعل، لكن المسافة بعيدة، إنها أكثر من ثلاثة كيلومتر."
أجابهم بـ: "I can do that."
"Can you call for help for us?"
هل يمكنكم طلب الاستغاثة لنا؟