في منزل مكون من ثلاث طوابق، تحديدا الطابق الأوسط، توجد شقة بها أسرة تشبه كثيرا أغلب أسرنا. يغلب على من فيها المودة، يسكن بها أب وأم وابنتيهما، يعلوهم الأخ الأكبر للأب الذي يسكن مع زوجته وابنه الوحيد. وفي الطابق السفلي، الاخت الكبرى التي تسكن مع زوجها وليس لديها أبناء.
وفي مثل هذا الجو الأسري، والذي تسوده علاقات اجتماعية عادية، خالية إلى حد بعيد من الترابط الشديد رغم التواجد تحت سقف واحد، فقد كانت اعتماد زوجة نبيل، الأخ الأكبر، تحب كثيرا شريفة زوجة عماد، الأخ الأصغر. وأحلام، وهي الاخت الكبرى، كانت تحاول أن تقتصر حتى لا تزيد المشاكل بينهم. غير أن حبها لندي ونفين، بنات أخيها الأصغر، كان المعوض لها عن كونها لا تنجب.
وفي هذا الجو نشأت ندي، بطلة قصتنا، مع أختها. كانت ندي في كلية صيدلة، وتعتبر في العائلة من البنات اللي فلحت. لكن نفيين لم تعير ذلك اهتماما، لقد رأت أختها ومعاناة الثانوية العامة، لذلك أخذتها من قصرها ودخلت أدبي، ومنها على تجارة إنجليزي.
كانت ندي ونفيين صديقتين أكثر من كونهما أخوات، وكانت ندي تكبر نفيين بثلاث سنوات. ندي كانت صاحبة حياة عادية، وأحلام أقل من العادية. كان كل ما تتمناه أن تنهي دراستها، وتعمل، وتتزوج، وتنجب، وتكون لها حياتها مثل بقية البنات. لم تكن تعلم أن ما تخفيه الأيام يحتاج منها الجلد، فعندما تختبر عليك أن تصبر.
كانت ندي مميزة في أسرتها، ليس فقط لأدبها وخلقها، وإنما لتدينها، فقد كانت ملتحقة بإحدى دور التحفيظ وتشعر برغبة حقيقية في أن تكون من حملة كتاب الله. مرت أيامها في الجامعة بين المذاكرة من ناحية، والحفظ من ناحية، ولا تخلو من مرح الأختين، خصوصا نفيين، فهي فاكهة الأسرة. *** تمر نفيين بجوار ندي كعادتها، ثم تضع عينها في كتاب ندي. نفيين: ماشاء الله، انتي فاهمة البتاع ده؟ ندي: بتاع إيه؟ نفيين: إيه الرسومات المكلكعة دي.
ندي وهي تضحك: خليكي في حالك انتي. نفيين: لا بجد، انتي بتذاكري إيه؟ ندي: عندي يوم الخميس امتحان بيو في السكشن. نفيين: طب، على خيرت الله. ذاكري، ذاكري. ندي تقاطعه كلامها: وانتي بتتفسحي في الشقة، مفيش في ايدك كتاب؟ نفيين بابتسامة عريضة: الملخصات بتنزل آخر الترم، بلا وجع قلب. قاطع كلامهم صوت الهاتف.
أمهم ترد: السلام عليكم. أيوه، أهلاً يا فندم، يا أهلاً وسهلاً، داه انتو تنوروا، وماله يا حبيبتي، خلاص مستنينكوا. السلام عليكم. نفيين بفضول: بتكلمي مين يا أم ندي؟ شريفة: هتعرفي دلوقتي يا "أطاطا" (ده اسمها الحركي) شريفة: ندي، عندك حاجة الخميس الجاي. ندي: أيوه، عندي امتحان. خير؟ شريفة: فاكرة طنط ثريا؟ نفيين: مين طنط ثريا؟ شريفة: جارتنا اللي كانت ساكنة في البيت اللي جنبنا وعزلوا من سنة. نفيين وهي
تضع رأسها على كتف أمها: أنا شامة ريحة عريس يا أم ندي. ندي: عريس إيه يا بنتي، بطلي هبل. شريفة: لا مش هبل، ده بجد. ندي وهي تبلع ريقها: إيه... لا يا ماما، أنا مش موافقة. نفيين بمرح: أنا موافقة على فكرة. أمها تضرب على كتفها: اتلمي، لما الكبيرة تتجوز الأول. ندي: يا ماما... تقاطعها الأم: يا بنتي، شوفيه الأول، ولو مش عاجبك خلاص. نفيين قاطعة: بس أي واحد من عيال طنط ثريا؟ شريفة: سيف.
نفيين: أخيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييين. ندي بضحك: أخييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه، من قبل ما أشوفه، هو مش بيستحمى ولا إيه يا نفيين؟ نفيين: لا، التفاصيل دي مقدرش أفيدك فيها، بس هو واد رخـم كده. ندي: طب، أهي نفيين قالتلك رخـم أهو. شريفة: شوفيه يا ندي، وبعدين قرري. ثم قاطعت نفيين: اتلمي، لسة دورك جاية. نفيين: لا، أنا على قلبك يا عسل، مش دلوقتي.
ثم تصنعت الكسوف وقالت: أنا أصلاً مش بفكر في الكلام ده دلوقتي. ثم رفعت يدها إلى السماء: بس يا رب يجي قمر. يومين كانت ندي تفكر في من سيتقدم لخطبتها، هل ستقبل، سترفض، ماذا تلبس، كيف تتصرف. لم تكن تعلم ماذا تفعل، لكنها كانت تفكر وهي تدعو الله أن ييسر لها الأمر، ويوفقها للخير، ويصرف عنها الشر. حتى جاء يوم الخميس. ***
تتلمس ندي يداها الباردتين وتضعها على وجهها الذي لا تكاد تشعر به من شدة السخونة. وبين الارتباك والقلق، تخرج ندي، وعلى وجهها ابتسامة صغيرة، وتجلس على الكرسي المقابل لسيف. وكلما أطلت بعينها في محاولة منها للنظر إليه، ينظر لها بسرعة، فتتراجع وتعاود بصرها إلى الأرض. دارت كل الأحاديث المعتادة، من سياسية لرياضة لأخبار جيران لأخبار أصدقاء، والسؤال على من تزوجت ومن لم تنجب بعد. قاطع هذه الحوارات عماد قائلاً:
عماد: وإنتي إيه أخبار عيادتك يا دكتور؟ سيف: الحمد لله يا عمي. عماد: أوعى تكون مغلي الكشف على عيانينك. سيف يحاول الرد، ولكن تقاطعه أمه: ثريا: والله يا أستاذ عماد، ده مفيش في حنية سيف على العيانين. عماد: إنت تخصصك إيه يا سيف؟ سيف: جراحة عامة. شريفة: ماشاء الله، ما شاء الله. سيف: ده عنوان العيادة يا عمي لو حبيت تزورني. عماد ممزحاً: إنت عايز زباين من دلوقتي؟ سيف: لا يا عمي، بعد الشر عليك.
ثريا مرة أخرى: هو سيف ناقص زباين، بس هو يلاحق على اللي عنده. شريفة: إنتي حتحسدي ابنك ولا إيه يا ثريا؟ ماشاء الله يا دكتور. ثريا: وماله، لما أقول أقدمكم، ما هو ابنكم برضه، ولا إيه يا أستاذ عماد. عماد: يكون لينا الشرف يا مدام شريفة. شعرت ندي بثقل الحوار، وكأنها داخل فيلم من بطولة فردوس محمد (أمها) وماري منيب (حماتها) . قاطعها من هذا الشعور صوت ثريا وهي توجه كلامها لوالدها:
ثريا: بص بقي يا أستاذ عماد، سيف ابني ده، أنا مش هقولك عنه غير أدب، أخلاق، التزام. لا عمره شرب سيجارة ومشي مع بنت. خلص كليته وعمل عيادته مع صاحبه. ولما خلص شقته قالي: يا ماما، أنا عايزك تخطبلي. قولتله: مفيش غير ندي بنت الأستاذ عماد ومدام شريفة. قلت إيه؟ عماد: والله يا مدام ثريا، إحنا لينا الشرف، بس برضه لازم ناخد وقتنا ونفكر ونستخير.
ثريا: وماله يا جماعة، بس إحنا يا أستاذ عماد ناويين ندي تكمل كليتها عندنا. أصل سيف مستعجل قوي. وأخيراً نطقت ندي: ندي: لا، إن شاء الله أخلص كليتي الأول يا طنط. رد سيف وقد سمع صوتها أخيراً: سيف: إن شاء الله مش هتتعطلي عن كليتك يا آنسة ندي، وأنا كمان ممكن أساعدك. صمتت ندي حتى انتهت الجلسة، فلم يعد لديها ما تقوله. *** شريفة: أنا شايفة إنه ابن حلال، ربنا يجعله من نصيبك يا ندي. عماد: متتغطيش على ندي وسبيها تفكر براحتها.
شريفة: وأنا قلت حاجة؟ عماد: أصل أنا عارفك، نظام ده دكتور وهي دكتورة، وقدام الناس وشكلنا. المهم عندي يكون راجل بجد ويسعد بنتنا يا شريفة. ثم قاطعها وهو يضع المخدة فوقه وهو يقول: عايز أنام يا شريفة. تصبح على خير. *** خرجت شريفة على صوت ضحكات ندي ونفيين، ونفيين تحاول تقليد مدام ثريا. تقترب نفيين من ندي: نفيين: افتحي بقك كده. ندي: إيه؟ نفيين: قولي. ندي تضحك وتفتح بوقها:
نفيين: عندك سنة مسوسة، إنتي حاشية ضروس لوزك شالها مش باينة عندي. توقفها ندي وهي ممسكة بطنها: كفاية يا نفيين، مش قادرة من الضحك. تقاطعهم شريفة: خشي يا نفيين، شوفي اللي وراكي. نفيين: أنا خلصت اللي ورايا من 3 أيام. شريفة بجدية: قومي يا نفيين. تتنهد نفيين بقوة ثم تذهب إلى غرفتها وتجلس أمام الكمبيوتر. شريفة: إيه يا نادو، إيه رأيك؟ نفيين وقد تركت أذنها معهم: نادو بردوا يا أم نادو.
ندي: والله يا ماما، ربنا يقدم اللي فيه الخير. شريفة: أنا شايفة إنه دكتور وكويس ومؤدب و... قاطعتها ندي: أيوه يا ماما، بس أنا معرفش عنه حاجة. طباعه، أسلوبه. أنا هاتجوزه مش هكشف عنده وأروح. شريفة: ما إنتي لما هتتخطبيله هتعرفيه وتفهميه وتحبيه. ندي: وجايز العكس. شريفة: وجايز، أيوه. تشرد ندي بعيداً، ماضية بخيالها لكل التوقعات المطروحة، وهي تتمتم: ربنا يستر. يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!