كنت أخشى الغد، وتلك الحياة، التي في غمضة عين تغدر بنا وتقلب موازينها، فنحيا نحن في دوامة الخوف منتظرين المجهول.
كادوا أن يخطوا حتى شعرت قدر بيد أحد على كتفها توقفها، وفي نفس اللحظة توسعت أعين وصال بعدما دب الرعب بقلبها وهي ترى أحمد على مسافة قريبة منهن يقف يتحدث مع شاب.
فاستدارت هي وقدر في نفس اللحظة إلى الوراء فرأت قدر امرأة تبتسم بوجهها وقالت:
_ الإسدال بتاعك فيه قطع على كتفك، عدلي خمارك يابنتي وغطي الجزء ده.
هزت قدر رأسها بتفهم، وهي تجيبها ببسمة ممتنة:
_ شكراً لحضرتك.
لم تستطع أن تكمل جملتها حتى أمسكت وصال بيدها ساحبة إياها بعيدة تحت أنظارها المستغربة.
جاءهم صوت رهف الطفولي وهي تتمسك بيد شقيقتها قائلة:
_ براحة بقى أنا كنت هقع.
بينما وصال وضعت يدها على قلبها وأخذت نفسًا عميقًا وتحدثت:
_ الحمدلله ما لحقش يشوفنا.
تساءلت قدر بدهشة:
_ هو مين ده؟
ردت وصال بأنفاس متلاحقة من شدة الانفعال:
_ أحمد كان هنا، أكيد هما اللي باعينه يدور عليا.
ربتت قدر على كتفها قائلة:
_ طيب الحمدلله.
وأخرجت دبوسًا من حقيبتها واسترسلت قائلة:
_ عاوزاكي تداري القطع ده لحد ما نتصرف.
أخذته منها وصال ووقفت خلفها تعدل من ثيابها وقالت:
_ القطر خلاص هيطلع، أظبطه ونطلع.
هزت قدر رأسها دون أن تنبس ببنت شفة.
في مكان آخر كان هناك رجلان يتحدثان بالهاتف.
وأحدهما يقول:
_ أيوه يباشا متقلقش أنا على المحطة دلوقتي وهما تحت عيني، نظري مش هيغيب عنهم.
آتاه الرد من الجهة الأخرى قائلاً:
_ خليك وراهم وقولي أول بأول كل اللي هيحصل معاهم أنت فاهم.
أجاب الرجل قائلاً:
_ عاوزك تطمن يباشا، وهبلغك بكل خطوة.
جاءه الرد مرة أخرى:
_ انت لوحدك ولا معاك حد.
الرجل:
_ مش لوحدي يباشا معايا اتنين كمان.
غمغم الآخر قائلاً:
_ تمام.
ونهى المكالمة دون إضافة أي شيء.
في منزل وصال، جالسة نجلاء زوجة أخيها بصالون المنزل، واضعة ساقًا فوق الأخرى متكئة بظهرها على الأريكة وتتحدث بالهاتف بأريحية وقالت بإبتسامة عاشقة:
_ أيوه ياحبيبي، أيمن دلوقتي فالشركة مستلم الشغل بدل وصال، هو كده دايمًا في دراسته بيستلم الشغل بدالها.
أتاها رد الطرف الآخر، قائلاً:
_ طيب إيه ياحبيبتي مش هنعمل مشروع عمرنا بقا خلينا نبدأ لحد ما نحط أيدنا على فلوس وصال.
علا صوت نجلاء وقالت بحدة:
_ وائل، أوعك تنسى أن الفلوس دي أنا اللي تعبت لحد ما بقت تحت أيدنا، ولعبت في راس أيمن لحد ما فهمته أنه لو استثمرهم هيكسب الضعف والناس اللي بعتها من ضمن لعبتي وأننا اللي نصبنا عليه تمام.
أجابها وائل بصوتٍ مهزوز:
_ طبعاً ياحبيبتي أنا بس قلت نبدأ نشغل جزء منهم ونجرب حظنا.
همهمت نجلاء بإمتعاض:
_ وقتها بقا هتشوف وشي التاني وهنسى فيوم أني حبيتك وهبلغ أيمن أن صديق عمرك بيخونك وبيحبني ومش بس كده أنا هقلب الترابيزة كلها عليك وهفهمه أنك أنت اللي نصبت عليه.
هتف فيها وائل بحدة:
_ جرا إيه يانجلاء ما أحنا دفنينه سوا ولا نسيتي لو أنا ضعت فأنتي كمان معايا، انجزي أنتي في موضوع وصال ده وبعدها نهرب من هنا ونبدأ حياتنا.
غمغمت نجلاء بمكر:
_ أنا بس حبيت أفكرك ومن ناحية موضوع وصال ده كمان هيتحل فأسرع وقت يلا بقا سلام ياحبيبي.
غمغم وائل قائلاً:
_ سلام.
توقف القطار بمحطة الإسكندرية، وهبطت الفتيات منه فتحدثت قدر قائلة:
_ دلوقتي هنروح فين؟
أجابتها وصال:
_ هناخد تاكسي وهنروح على عنوان خالتي سامية.
مضى لما يقارب الساعة وهما ينتظرون سيارة أجرة، فكلما مرت واحدة يعطون سائقها العنوان فينظر لهم بوجهاً مقتضب ويرحل.
فقالت وصال بتذمر:
_ أوف أنا تعبت من الواقفة دي ولا تاكسي راضي يوصلنا.
هزت قدر رأسها وقالت وهي تنظر ليمينها:
_ في تاكسي جاي أهو خلينا نوقفه.
أومأت وصال وأشارت بيدها لسيارة الأجرة فوقفت أمامهم، ومالت بحذائها وأملت العنوان للسائق فأجابها قائلاً:
_ ماشي يا أبلة أطلعي.
صعدت الفتيات بجانب بعضهم وحملت وصال حقيبتها على قدمها، ساد الصمت بينهم فمضى حوالي نصف ساعة، حتى توقف السائق بشارع أمام عمارة تبدو قديمة بعض الشيء، وتحدث السائق:
_ دي العمارة المكتوبة فالعنوان يا أبلة.
ومع أخر كلمة غمز بعينه.
نظروا له الفتيات بإشمئزاز، وأخرجت وصال المال من حقيبتها التي تعلو كتفها وألقته بوجهه فسقط على قدمه.
فأردف هو قائلاً:
_ براحة يا أبلة، عامةً أنا بيتي في أخر الشارع كده على أيدك اليمين لو عاوزته حاجة أنا موجود.
وقهقه بصوتًا عال وغادر من أمامهم.
فتحدثت قدر بنبرة متوترة:
_ وصال أنا قلبي مش مرتاح للمشوار ده.
ردت وصال بتريث:
_ متخافيش ياقدر، مش هيحصل حاجة خلينا نطلع يلا.
دلفوا داخل العمارة تحت أنظار سيارة بها ثلاث شباب تقف بالقرب منهم تحدث أحدهم:
_ إيه هنلحقهم ولا هنستنى هنا.
رد الجالس أمام المقود:
_ هنستنى شوية وبعدين نطلع نشوفهم عملوا إيه.
أتاهم صوت الآخر:
_ العمارة مفيش جمبها بيوت كتير حاسس إنه وراها حاجة.
هتف الشخص الثاني بحدة:
_ هيكون في إيه يعني نصبر شوية ونشوف.
وقف الفتيات أمام باب شقة العمارة فحصوا المكان بأعينهم فوجدوا هناك باب آخر مقابل الذي يقفون أمامه.
فتحدثت قدر:
_ ساكنة فالدور الكام هي.
ردت وصال:
_ مش عارفة بس هنخبط أهو وهنشوف.
طرقت وصال عدة مرات ولكن دون جدوى لما يأتيها صوت فقالت قدر:
_ أظهر أن مفيش حد ساكن فالشقة دي ياوصال.
وصال مؤيدة حديثها:
_ عندك حق، طيب نطلع فوق نشوف الشقة اللي بعدها.
كادت قدر أن ترد حتى استمعوا إلى صوت فتح الشقة المقابلة استداروا للخلف ليجدوا امرأة سمينة الجسد ذات بشرة بيضاء واضعة حجاب على رأسها بعشوائية فتمرد منه بعض الخصل الشقراء التي تظهر عليها آثار الصبغة وكانت تلوك بفمها علكة.
تحدثت قائلة:
_ عاوزين مين يا حلوين.
ردت وصال:
_ الحجة سامية كانت ساكنة هنا.
قاطعتها المرأة قائلة:
_ وفري ياحلوة باقي الكلام، الست سامية سافرت مع عيالها، والشقة اشتريتها وفتحتهم على بعض.
وصمتت قليلاً وهي تنظر لهم من رأسهم للكاحل وأسترسلت حديثها:
_ شكلكم كنتوا جايين ليها زيارة وناويين على قعاد.
نظروا الفتيات إلى بعضهم فردت وصال عليها:
_ أه فعلاً، وطالما هي مش موجودة يبقى مفيش داعي لوجودنا عن إذنك.
وكادوا أن يخطوا حتى تحدثت المرأة:
_ لا على فين كده أنتو بنات لوحدكم وأنا أخاف عليكم تعالوا قضوا الليلة عندي والصباح رباح.
همست قدر بأذن وصال قائلة:
_ وصال أنا مش مرتاحة للست دي خلينا نمشي من هنا بسرعة.
رأتهم المرأة يتهامسون فقالت:
_ تعالوا متقلقوش مفيش حد عندي تقدروا تتأكدوا بنفسكم، وعلى راحتكم طبعاً أنا مش هغصب عليكم بس الليل خلاص داخل وأنا شايلة همكم وولاد الحرام كتير.
مالت وصال قليلاً على قدر وقالت بصوت خفيض:
_ هي عندها حق هنروح فين يعني خلينا نبات عندها النهاردة ونمشي الصبح.
أخذت قدر نفسًا عميق وهزت رأسها عدة مرات دلالة على موافقتها.
فقالت وصال:
_ تمام يا خالتي هنبات عندك النهاردة.
ابتسمت وداد وقالت:
_ لا كده أزعل منكم خالتي إيه، أنا اسمي وداد قالولي يادود آه مبحبش حد يكبرني.
همست قدر بغيظ قائلة:
_ دودو بقا عاوزانا نبات عند واحدة اسمها دودو.
صدرت ضحكة طفولية من رهف.
فتقدمت وداد منهم و أمسكت بحقيبة قدر وقالت:
_ انتوا لسة بتتهامسوا يلا أدخلوا.
دلفوا الفتيات خلفها بصمت وتوقفوا بمنتصف الشقة ينظرون إلى أثاثها فكانت هناك ركنة دائرية ملفوفة بدقة وأمامها أكثر من طاولة صغيرة.
غمغمت وداد قائلة وهي تلاحظ تفحصهم للشقة:
_ اتفضلوا اقعدوا، وأنا هنزل أقفل باب العمارة تحت، أصل العمارة دي مفهاش حد ساكن غيري وأنا بخاف على نفسي.
جلسوا الفتيات وسألتها وصال في حيرة:
_ حضرتك متجوزة ولا عايشة لوحدك.
أجابت وداد وهي تمضغ العلكة بفمها قائلة:
_ لا مش متجوزة، بيني وبينكم الجواز ده غم، وأنا ست فرفوشة ماليش في جو النكد ده، يلا هسيبكم أنا بقا.
أختفت المرأة عن أنظارهم فتحدثت قدر بنبرة تسودها القلق وهي تنظر لطاولة أمامها:
_ أنا قلبي مش مطمن بصي لشقة كويسة وكل مكان قدامه ترابيزة ده غير أن العمارة كلها مفيهاش حد.
صمتت وصال ولم تدر بما تجيب، وبين جوانحها خافق ينبض بالقلق هي الأخرى ولكن ما باليد حيلة ومن ثم أردفت:
_ وصال أهو سقف يحمينا أحسن من بلاش العشا خلاص هيأذن واحنا مكناش هنعرف نروح وأول ما الشمس تطلع نمشي على طول تمام.
أومأت قدر برأسها وغمغمت:
_ تيجي الست اللي تحت دي وأنا أقوم أصلي كل الفروض اللي فاتتني دي.
قاطعهم صوت وداد وهي تؤشر على شمالها الحمام:
_ هناك أتوضي وخدوا راحتكم كأنه بيتكم، وأنا هحضر العشا ناكل سوا.
اعترضت وصال قائلة:
_ لا شكراً، احنا أكلنا فالقطر.
تابعت وداد بإصرار:
_ لا مفيش اعتراض أنا ما صدقت ما لقيت ونس أصل الوحدة قاتلة يابنات.
دب الأمان قلوبهم قليلاً بعد حديثها فأومأت وصال:
_ تمام، بس هنصلي الأول.
هزت وداد رأسها وتمتمت:
_ خدوا راحتكم.
بالأسفل وصل أحمد وصديقه بهاء أمام العمارة أخذ يدفع الباب الحديدي بيده فتحدث صديقه قائلاً:
_ أظهر أن مفيش حد ساكن هنا.
تحدث أحمد بحدة:
_ أكيد فيه الباب مقفول من جوة.
وعلى القرب منهم مازالت السيارة واقفة فتحدث أحدهم:
_ هنتصرف إزاي دلوقتي.
تحدث الآخر وهو يهبط من السيارة:
_ أنا هتصرف.
وتقدم منهم حتى أصبح أمامهم وقال:
_ أيوه يا كابتن عايز مين هنا.
استدار أحمد ليصبح أمامه مباشرةً:
_ كنا بنسأل عن ست هنا اسمها سامية ياريس.
رد الشاب وقال:
_ الست سامية اتنقلت ومفيش حد ساكن فالعمارة.
هز أحمد رأسه متفهمًا وهو يقول:
_ تمام ياريس تشكر أنت.
وقف الشاب بضع ثواني حائراً فهو ظن أنه سيغادر فور ما يخبره ولكنه ظل واقفًا، فلم يجد حل غير مغادرته.
نظر أحمد حتى اختفاء الشخص عن أنظاره ودفع الباب بيده فقال إيهاب:
_ يابني ماهو قال مفيش حد، يعني ده يعرفنا عشان يكذب عليك.
أجاب أحمد بضيق:
_ تعالى ندور على أوتيل نبات فيه ونكلم نجلاء نقولها، أحنا كده منعرفش هنعمل إيه.
مضت الساعات حتى جاءت الثانية منتصف الليل، غادرت وداد من غرفتها وأتجهت إلى غرفة الفتيات، مالت بأذنها لتسترق السمع من وراء الباب فلم تجد صوتًا، لتبتعد متجهة إلى المطبخ كي لا يحس أحد عليها.
حملت هاتفها بيدها وضغطت عليه لتضيء شاشة الهاتف واخرجت أحد الأرقام تهاتفه انتظرت قليلاً لتجيب الجهة الأخرى، فأجاب شخصًا بصوت رخيم:
_ أهلا يا وداد، أنا سمعت أنه اتقبض عليكي أنتي والبنات اللي معاكي.
أجابته هي:
_ أيوه يا خويا واتبهدلت بهدلة، بس الباشا الكبير خرجني منها زي الشعرة من العجينة.
غمغم الشاب بحنق:
_ وعايزة إيه فالوقت ده.
قالت بخبث:
_ عاوزة أرد للباشا جِميله.
قال الشاب مبتسمًا:
_ شكلك لقيتي قطة جديدة.
ردت هي:
_ قطتين يا خويا وواحدة تالتة صغيرة.
هتف الشاب:
_ وإيه حلوين.
قالت وداد:
_ حلوين وبس دول فلقة قمر، واحدة اسمها قدر ودي عينها عسلي وبيضة، والتانية مش أقل منها عين بني واسعة وبياض إيه.
رد بتهكم:
_ فرحيني وقولي التالتة ليا.
قالت بإمتعاض:
_ يا خويا بقولك صغيرة دي يدوب عشر سنين.
لوى فمه قائلاً:
_ طيب، بكرة هقول لسامح بيه ومن الصبح نكون عندكم.
_ ماشي، هستناكم، بس ابقا بلغ الباشا سعرهم غالي شوية.
قال بحدة:
_ مش لما يشوفهم الأول يا وداد، روحي عشان بكرة تبقي فايقة للي هيحصل.
ولم ينتظر منها رد لينهي المكالمة.
نظرت هي للهاتف وألقت السباب عليه.