تحميل رواية «قدر و وصال» PDF
بقلم هدير ممدوح
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت بحجرتها، نائمة في سباتٍ عميق، غافلةٌ عن تلك الأعيُن التي تكاد تلتهمها، أعيُن مفعمة بالرغبة والجراءة. أقترب منها في تمهل وبطئ شديد، ووقف يتأملها بأعيُن مفترسة. بدأ يميل عليها ويديه راحت تتلمس جسدها، برغبة، وهمس من بين شفتيه: "أنتِ قدري ومش هتكوني لحد غيري." فتحت الفتاة عينيها في فزع مستشعرة تلك اللمسات القذرة. وما كادت أن تصرخ حتى كمم فمها بكفه الضخم، محاصرًا جسدها بجسده. همس بنبرة غليظة بجانب أذنها أصابتها بالأشمئزاز: - أششش. وأغمض عينيه مستشعراً لحظاته معها، بينما سالت هي دموعها بقلة حيلة....
رواية قدر و وصال الفصل الأول 1 - بقلم هدير ممدوح
كانت بحجرتها، نائمة في سباتٍ عميق، غافلةٌ عن تلك الأعيُن التي تكاد تلتهمها، أعيُن مفعمة بالرغبة والجراءة.
أقترب منها في تمهل وبطئ شديد، ووقف يتأملها بأعيُن مفترسة.
بدأ يميل عليها ويديه راحت تتلمس جسدها، برغبة، وهمس من بين شفتيه: "أنتِ قدري ومش هتكوني لحد غيري."
فتحت الفتاة عينيها في فزع مستشعرة تلك اللمسات القذرة. وما كادت أن تصرخ حتى كمم فمها بكفه الضخم، محاصرًا جسدها بجسده.
همس بنبرة غليظة بجانب أذنها أصابتها بالأشمئزاز:
- أششش.
وأغمض عينيه مستشعراً لحظاته معها، بينما سالت هي دموعها بقلة حيلة.
فأنفتح باب الغرفة على عاقبيه، لينتفض هو واقفاً.
فتحدثت المرأة التي فتحت الباب قائله بإستغراب:
- في إيه، سيد أنت بتعمل إيه في أوضة قدر.
المدعو "سيد" بتوتر شديد، والغرق بدأ يغزو جبينه:
- ولا حاجه، أنا بس سمعت صوت قدر بتصرخ فجيت أشوفها. وقالت أنها شافت كابوس فخافت بس، دي كل الحكاية.
وتابع وهو ينقل بصره للفتاة بنظرة تحذير:
- مش كده ياقدر؟
أومأت قدر برأسها وهي تنظر له بخوف ومازالت دموعها على وجنتيها.
فأقتربت منها والدتها وأزاحت دموعها وعانقتها وهي تربت على ظهرها، وتقول بنبرة تقطر حنانًا:
- قومي يلا يابنتي عشان تفطري وتنزلي الجامعة. "وقالت مازحة" ودقيقتين ونلاقي البنت وصال جات يلا بقا.
قالتها وهي تشدها من يدها، فأزاحت قدر الغطاء وتوجهت إلي التواليت الملحق لغرفتها وملامحها يبدو عليها الذعر.
تنهدت الأم بضيق على حال أبنتها فتابعت حديثها قبل ان تغادر الغرفة:
- هشوف رهف جهزت ولا لأ عشان تخدوها في طريقكم للمدرسة.
آتاها صوت قدر المنخفض من خلف الباب:
- تمام يا ماما.
خرجت والدتها متوجهة إلى غرفة أخرى بجانبها، دلفت للداخل لترى أبنتها التي بعمر العاشرة أمام المرآه تمشط شعرها. فأبتسمت وهي تتقدم منها وأبتسمت الطفلة في حين إنعكاس صورة والدتها بالمرآه.
فأخذت والدتها منها فرشاة الشعر وقالت:
- تسلملي بنتي اللي كبرت وجهزت نفسها من غير ما اقولها.
أبتسمت رهف قائلة بمزاح:
- طبعاً يا مُنمن أنا كبرت.
قالت منى "والدتها" باسمة:
- روح مُنمن أنتي.
وضعت الفرشاه جانباً ولفت خصلات شعرها على هيئة كعكة قائلة:
- يلا روحي أفطري، وقدر هتيجي دلوقتي.
أجتمعوا جميعهم على طاولة الطعام وجلس سيد على رأسها ورهف ومنى من ناحية وقدر بالمقابل لهم.
قاطعت منى هذا الصمت قائلة:
- عمكم سيد الله يخليه، ويطولنا في عمره عطاني مصاريفكم وحطيتها فشنطة كل واحدة فيكم دلوقتي.
رهف:
- شكراً ياماما، شكراً ياعمو.
ابتسمت والدتها لها ووجهت نظرها إلي قدر قائلة:
- إيه ياقدر مفيش شكراً للراجل اللي بيصرف علينا وبيعاملكم زي بناته.
جاءهم صوت طرقات على الباب لتقف قدر من مكانها قائلة:
- وصال وصلت هقوم أنا، يلا يارهف.
حملت حقيبتها على كتفها وغادرت من أمامهم، فأنتفضت والدتها واقفة وذهبت خلفها وهي تنادي عليها بصوت منخفض:
- قدر، انتي يابنت.
وقفت قدر مكانها قائلة:
- أيوة ياماما نعم.
غمغمت منى بضيق من أبنتها:
- في إيه يابنتي بتعاملي الراجل كده ليه هو أيوة جوز أمك بس عمره ما نقص عليكم حاجة عيب كده يابنتي.
تنهدت قدر بعمق قائلة:
- وصال بتخبط نبقا نتكلم بعدين.
وتوجهت إلى باب المنزل وفتحته بإبتسامة لتفاجائها صديقتها بعناق ودود لتعبر لها عن مدى أشتياقها لها، وهي تقول بشوق:
- وحشتيني جداً جداً يا أجمل قدر.
بدالتها قدر العناق بمحبة وإبتسامة قائلة:
- أنتي اللي وحشتيني جداً ياحبيبتي.
انفصالا عن بعض لتنظر كل منهما للأخرى وإلى ثياب بعضهم، كانت قدر ترتدى دريس أزرق به بعض النقوش وخمار باللون الابيض بينما وصال كانت ثيابها عبارة عن بنطال وتيشرت قصير من نفس اللون.
وصال بضحكة مرحة:
- كما تخيلت تبدين جميلة بالأزرق.
تمتمت قدر بضيق:
- أنتي قولتيلي ألبس أزرق زيك ما توقعتش أنك تلبسي كده.
كادت وصال ان تتحدث لتقاطعها والدة قدر قائلة:
- وصال يابنتي أتفضلي أدخلي جوة.
قاطعتهم قدر قائلة بإمتعاض:
- لأ أحنا هنمشي عشان منتأخرش، وتابعت بصوتٍ عال قائلة:
- يلا يارهف.
جاءت شقيقتها الصغيرة ركضاً من الداخل لتقول:
- وصال حبيبة قلبي عاملة ايه.
احتضنتها وصال قائلة:
- يابكاشة لما بكلم قدر مش بترضي تكلميني دلوقتي بقيت حبيبة قلبك.
رهف في أسف:
- لا هكلمك المرة الجاية، أنا هروح اقعد جمب الشباك من قدام.
أومأت وصال بإبتسامة:
- طب يلا يا قمري، وبدلت نظرها لقدر قائلة:
- وانتي ياقدر يلا.
صعدوا بالخلف والسيارة انطلقت بهم.
تحدثت وصال بصوت منخفض إلي قدر قائلة:
- أول ما نوصل الجامعة أكيد هتحكيلي إيه اللي حصل.
أومأت قدر برأسها قائلة بضيق:
- تمام.
بعد قليل هبطت رهف من السيارة وتوجهت إلي مدرستها بعدما لوحت للفتيات بيدها، ولم يمر الكثير أيضًا حتى هبطوا الفتيات ودلفوا إلي جامعتهم.
كانت نظرات الشباب تلاحق وصال وهم ينظرون إلي جسدها بسبب ضيق ملابسها.
لاحظت هذا قدر ولم تتفوه بشيء.
لتقول وصال وهي تؤشر على باب الكافتيريا:
- قدر تعالي نروح الكافتيريا لسة فاضل نص ساعة وتبدأ المحاضرة وكمان هتحكيلي إيه اللي مدايقك.
قدر بأختصار:
- تمام.
توجهوا إلي كافتيريا الجامعة وجلسوا بمقابل بعضهم ووضعوا حقائبهم أمامهم أعلى الطاولة.
تحدثت وصال بإنفعال:
- اكيد طبعاً سيد عمل حاجه صح.
غمغمت قدر بحنق:
- هحكيلك يا وصال بس الأول نحل مشكلتك.
وصال بإستغراب:
- مشكلتي، بس أنا معنديش مشاكل.
نفت قدر قائلة:
- لا عندك، ومشكلتك أكبر من مشكلتي.
أمسكت قدر يد وصال قائلة:
- إن لم أرشدك وأحذرك فأنا لا أستحق ان أكون صديقة أحد، مش هقدر أشوف نظرات الشباب القذرة دي وهي بتبص على جسمك.
هزت وصال رأسها بتعجب:
- أنا بجد مش فاهمة!
أجابتها قدر في هدوء:
- الدنيا فانية ياغالية، وأصبح موت الفجأة هو مرض العصر الذي ليس له دواء. ألا تخافي ربما تنامين فلا تستيقظين، وربما لا نعود للمنزل مرة أخرى، ربما ملك الموت قريب منا بشدة ونحن بغفلة، لا أحد منا يعرف متى موعد رحيله فعلينا ان نكون مستعدين.
وصال بإبتسامة هادئة:
- فهمت انتي تقصدين لبسي الضيق صح.
قدر بإبتسامة:
- قال تعالى (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا)«الأحزاب 59».
وقال تعالى: وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ «النور 31».
نكست وصال رأسها بخجل قائلة:
- فهمتك.
قدر بإبتسامة:
- أرفعي راسك ياوصال إن لم يكن لديكِ صديقة ترشدك إلي الصواب فأنتي ما زالتِ تائهة وحيدة في هذه الحياة، فلا خير في ان لم أكن أنا تلك الصديقة.
وصال بإبتسامة وصدق:
- وأنا أوعدك أني هعمل بكلام ربنا ومن النهاردة هكون وصال تانية خالص.
وأبتسمت قائلة بمحبة:
- الحمدلله على نعمة أنك صديقتي.
وتابعت بمزاح:
- بحبك لما تتكلمي فصحى كده.
أبتسمت قدر قائلة:
- مش عارفة بجد باجي فنص الكلام و اقلب كده بس بحب لغتنا جداً وبعتز بيها.
وصال في مودة:
- ودلوقتي نيجي لمشكلتك سيد ده عاملك حاجه.
أمتلأت أعين قدر بالدموع وهي تتذكر ماحدث معها في الصباح وهزت رأسها بنعم.
وصال بضيق:
- يابنتي حرام عليكي بقا قولتلك ميت مرة اشتكي عليه أو قولي لمامتك ليه ساكتة.
قدر بإنفعال:
- أقول لماما إيه بس، وحتى لو قولتلها تعرفي انه بيهددني ودايما يقولي لو جبتي سيرة لـ منى أنا هقتلها وهعمل في رهف نفس اللي بعمله فيكي ياوصال أنا خايفة أفهمي.
وصال وهي تزفر في ضيق:
- أنتي اللي لازم تفهمي مش هيقدر يعمل حاجة أشتكي عليه في قسم الشرطة، وإلا اللي هيحصل أنه هيجي يوم وتلاقي نفسك ضعتي ياقدر، مش كل مرة هتفلتي من تحت أيده.
فرت دمعة من أعين قدر فهو أصبح كابوسها المخيف البيت الذي يعيش فيه الجميع بأمان أصبح سجنها وهي تريد الفرار منه.
أمسكت وصال بيد صديقتها قائلة:
- أوعدك أني مش هسيبك ياقدر وهفضل معاكي بس أنتي اللي لازم تاخدي الخطوة الأولي.
أزاحت قدر دموعها بيدها الأخرى، وافلتت يدها من يد وصال واستقامت واقفة وهي تحمل حقيبتها قائلة:
- يلا خلينا ندخل المحاضرة.
وقفت وصال هي الأخرى وقررت الصمت كي لا تزعج قدر.
*بمنزل قدر*
كان زوج والدتها يتحدث بالهاتف في غرفته.
سيد:
- أسمعني كويس أنا عاوزك تلاقيلي شاري في أسرع وقت للهايبر والبيت.
فرد الطرف الآخر:
- ولما أنت هتبيعهم هتعيش فين.
سيد بغضب:
- وأنت مالك ياعمنا نفذ شغلك واستلم فلوسك وكل واحد يروح لحاله.
الجهة الأخرى:
- أهدى ياعم أنا بس بستفسر هتروح فين أنت ومراتك وعيالك مش قصدى يعني.
سيد بإبتسامة:
- لا، أنا ههرب أنا وحبيبتي، اما مراتي دي فمش فاضلها كتير على وش الدنيا أعمل أنت بس اللي قولتلك عليه، ومش عايز حد يحس أنت فاهم.
الجهة الأخرى:
- فاهم ياعم كام يوم كده وهتلاقي اللي يشتري متقلقش.
سيد:
- تمام.
واغلق المكالمة وفتح معرض الصور بهاتفه وجاء بصورة قدر وهو يقول:
- وأخيراً ياحبيبتي هنهرب وهتكوني ليا وبس.
رواية قدر و وصال الفصل الثاني 2 - بقلم هدير ممدوح
أنتهت المحاضرات وكانوا بطريقهم للعودة إلى المنزل.
كان كل ما يدور في رأسها هو كيف ستخبر والدتها بذلك الشيء.
هل ستصدقها؟ كيف للمرأة أن تصدق بأن زوجها من الممكن أن يفعل ذلك بفتاة أخرى؟
بالطبع ستثور وتغضب كثيراً، ولكن بالتأكيد ستقف بجانب ابنتها.
عزمت على إخبار والدتها بكل ما حدث معها طيلة السنة الفائتة.
أزدادت ضربات قلبها، هي خائفة كثيراً، شعور غريب يغزو قلبها لا تعلم كيف تصفه.
أخرجتها وصال من شرودها الذي كاد يعصف بها وهي تقول:
- قدر أنا عارفة إنك بتفكري إزاي هتقولي لوالدتك، أنا معاكي متقلقيش.
أومأت لها قدر بابتسامة قائلة بتوتر:
- كل اللي مطمني إنك معايا يا وصال.
في منزل آخر مظهره وأثاثه يدل على الثراء لممتلكيه، كان ذلك الرجل على الأريكة واضعًا رأسه بين كفيه يستمع لزوجته التي كانت تجادله وكأنها والدته وهو مجبر على سماعها.
وعلا صوتها وهي تتحدث في غضبٍ:
- أنت عاوز تفهمني إن فلوسك خسرتها كلها في المشروع اللي دخلته وكمان كنت مستلف مبلغ كبير من واحد وعشان تسدله الدين نقلت الأسهم اللي في الشركة ليه؟
تحدث الرجل بصوت متحشرج وهو ما زال على وضعه:
- افتكرت بكده إني هرتفع وهعلى أكتر، والراجل بعدها هددني لا روحي لا الأسهم لو فلوسه ما رجعتش!
فردت عليهِ بغضب وهي تشوح بكفها في عصبية:
- أنت فلست يا أيمن، إحنا خلاص ضِعنا بسببك، هنعمل إيه هنتصرف إزاي؟
رفع المدعو أيمن رأسه قائلاً بتحذير:
- نجلاء ابعدي عن وشي دلوقتي مش عاوز أسمع لك صوت.
أجابته نجلاء باقتضاب وأسلوب مستفز:
- لأ وأنت دلوقتي بقالك صوت وبتتكلم، تقدر تقولي إيه اللي خلاك تعمل كده؟
أستقام هو واقفًا وهتف فيها:
- عشان الطمع، طمعت ارتحتي كده، وبعدين أنتي اللي كنتي بتشجعيني على كده دول ناس ثقة أحمد ابن خالتي يعرفهم متقلقش حط فلوسك وأنت مرتاح وهتكسب، ولا نسيتي يا هانم.
زاغ بصرها وهي تحاول تبرير موقفها وقالت وهي تزدرد لُعابها:
- أيوة قولت لك شارك معاهم بس مش بكل فلوسك.
جلس أيمن بثقل مغمغمًا:
- أهو ده اللي حصل.
عم الصمت قليلاً ولم يلبثا أن صاحت نجلاء قائلة:
- وصال!
رد عليها أيمن مضيقاً عينيه قائلاً بذهول:
- مالها وصال؟
جلست نجلاء بجانبه في تودد وقالت:
- الحل عند أختك وصال، خليها تنقلك الأسهم اللي ليها في الشركة ولما تزيد الأرباح بمجهودك تقدر ترد للراجل فلوسه ولأختك الأسهم بتاعتها.
نفى أيمن بجدية:
- وصال مش هتوافق أنتي عارفة أنها مستنية تخلص كلية وتستلم الشغل في شركة بابا ده حلمها مش هتقبل بكده أكيد.
تبسمت نجلاء بخبث وقالت:
- ومين قال إن أحنا هنقول لوصال، أنت هتخليها توقع على الأوراق مين غير ما تحس.
اتسعت عينا أيمن في دهشة مما قالت زوجته وسألها في صرامة:
- أنتي عاوزاني أسرق أختي؟
أقتربت نجلاء منه في تمهل ووضعت يدها على كتفه وقالت بمودة:
- ياحبيبي أنت جهز الأوراق بس وسيب الباقي عليا وكلها سنة وكل حاجة ترجع زي ما كانت.
نزع أيمن يدها واستقام من مكانه قائلاً:
- لحد هنا وكفاية، وصال أختي وأنا مستحيل أعمل فيها حاجة زي كده.
غادر المكان بعدما ألقى جملته تلك، ووقفت نجلاء وهي تشيعه بنظراتها في غيظ قائلة:
- وأنا مش هسيبك غير لما توافق يا أيمن.
نزلت وصال وقدر من السيارة وهم ينظرون إلى ذلك الحشد الهائل من النسوة اللاتي تجمعن أمام منزل قدر.
إحداهن تضرب كفٍ بكف وتحوقل، وأستمعوا إلى صوت واحدة أخرى تقول في حسرة:
- ربنا يصبر بناتك ياحبيبتي.
تراخت قدم قدر وهي تشعر بتخدر بهما وتقدمت بقلبٍ خائف مترقب ووصال بجانبها.
نظروا النسوة لها وقالت إحداهن:
- الله يصبرك يابنتي البقية في حياتك.
وقعت الجملة على سمعها كالصاعقة، فَشلت حركتها، أي بقاء هذا؟ هل هي تحلم الآن؟
ظلت واقفة مكانها لا تقوى على الحراك تودُ تفسيرًا لما يحدث.
خرج سيد من الداخل وعلى حين غفلة عانقها بقوة وقال:
- خسرنا الحاجة الحلوة اللي في حياتنا ياقدر.
أزاحته وصال بكل قوة كي يفلت صديقتها الصامتة ونجحت في ذلك قائلة:
- ابعد عنها أنت مجنون.
وجه لها سيد نظرات حارقة وهو يتوعد لها بداخله.
فخرجت رهف راكضة من الداخل وهي تعانق أختها قائلة ببكاء:
- ماما ماتت يا وصال، ومش هنشوفها تاني زي بابا.
وقع الخبر كالصاعقة عليهم، فأزاحت قدر يد شقيقتها ودلفت للداخل ركضًا وخلفها وصال.
توجهت لغرفة والدتها، المستلقية على الفراش ملامحها باهتة خالية من الحياة.
تقدمت منها وأمسكت قدر بيدها تقبلها، أنزلتها برفق بجانبها لتنادي باسمها وحاولت إيقاظها.
هزت كتفها ولكن بلا جدوى.
علا صوت بكاء رهف من خلفها واحتضنتها وصال، تشبثت هي بها كالغريق.
فصدر من قدر صرخة قوية تصم الآذان والدموع أخذت طريقها لوجنتيها كالشلال.
وقالت وهي تتمسك بيدها:
- قومي ياماما أرجوكي أنا ولا حاجة من غيرك، معقول هتسبيني خلاص هُنتِ عليا؟ قومي عشان خاطري أنا ورهف، قومي يا أمي.
نظرت خلفها عند آخر كلمة وتابعت وهي تنظر لوصال:
- أعملي حاجة يا وصال، اتصلي بالدكتور هي عايشة صح.
كانت بحاجة ولو لأملٍ كاذب، كم اشتهت الموت هي أيضاً بتلك اللحظة.
مرارة الفقد تظل عالقة بالعقول ولا يمكن نسيانها أبداً.
أما عن وصال فالدمع من عينيها لا يتوقف كأن أحدهم قام بسكب نهر بداخلهم، وهو الآن لا يتوقف عن السريان.
لا تعلم كيف تضمد جراح صديقتها هذه المرة فهذا الجرح لا يلتئم إلا بفراق الروح الجسد.
ولج سيد للداخل ملامحه خالية من الحزن صامد لا يأبه لشيء.
تقدم من قدر ووقف أمامها وهي جالسة على طرف الفراش متشبثة بيد والدتها.
وضع يده الاثنتان على كتفها يحاول أن يجذبها إليه ويعانقها بحجة المواساة.
فأزاحت وصال عنها رهف برفق وتقدمت منهم بغضب وهي تزيح يد سيد عن صديقتها التي تبدو بعالم آخر قائلة:
- قولت لك ابعد عنها يا قذر.
نظر سيد لها بغيظ وهو يصك على أسنانه قائلاً بتهديد:
- هيكون ليا حساب معاكي بعد ما أخلص من ده كله الأول.
حدقته باشمئزاز.
لتقاطعهم إحدى النسوة قائلة:
- إكرام الميت دفنه يا جماعة، وأنت يا سيد روح خلص المطلوب وأنا هكلم المغسلة.
نظر لها سيد قائلاً:
- ماشي يا ست محاسن.
تقدم خطوتين للأمام حتى أنه أقترب من وصال، مال على أُذنها قائلاً:
- ألحقي أشبعي من صحبتك الكام يوم دول علشان هتوحشك الأيام الجاية.
ألقى تلك الكلمات المسمومة على مسامعها مغادراً الغرفة تاركاً وصال في صدمتها.
رواية قدر و وصال الفصل الثالث 3 - بقلم هدير ممدوح
الألم الفقد لا يُشفى أبدًا، يظل هناك شرخ بالقلب لا يمكن شفاؤه ولا يستطيع أحد رؤيته.
مر يومان دون أي أحداث جديدة، واليوم هو الثالث. تأتي الجيران وكل من سمع بخبر العزاء. تجلس قدر بينهن بملامح باهتة ومقلتين محمرتين من أثر الدموع، متشحة بالسوداء. تجلس على يمينها وصال التي لم تتركها طيلة هذه الأيام.
مع آخر امرأة خرجت من المنزل، احنت قدر رأسها على كتف وصال قائلة:
- الأيام دي تقيلة على قلبي أوي يا وصال.
راح دمعها يهوي في صمتٍ ثقيل على النفس، ثم أتبعت تقول:
- حاسة روحي بتنسحب مني بالبطيء. تلات أيام مرت وصوت أمي غايب، حركتها واستقبالها لينا، ضحكتها ومواقفنا الجميلة. مابين يوم وليلة كل حاجة اتسرقت. أحنا فعلاً مش بنعرف قيمة الحاجة دي غير لما تضيع من إيدنا.
أجابتها وصال وهي تضمها إليها، تؤزرها في محنتها العسيرة:
- مش هقولك أنسي.. لأنك مش هتقدري. أهلي اتوفوا من سنين، وقتها حسيت نفس الإحساس ده. خسارتهم صعبة ووجع عمره ما بينتهي. الكل بيشوفني سعيدة وبضحك، بس محدش بيشوفني نص الليل وأنا ببكي كل يوم على خسارتهم.
ألقت عبارتها الأخيرة تلك وأجهشت بالبكاء، فأعتدلت قدر بجلستها وعانقتها لعل يخف الألم الاثنان، ونطقت بإيمان نابع من قلبها:
- لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والله وحده قادر على ترميم هذا الألم.
قاطع عانقهم رنين هاتف وصال، فأبتعدت عنها قدر قائلة:
- ردي يا وصال، تلاقي أخوكي. أنا هطلع أشوف رهف.
قالت وصال برفق:
- متقلقيش على رهف، هي نامت دلوقتي وأنتي خليكي.
أومأت قدر دون النطق ببنت شفة، بينما ردت وصال على هاتفها قائلة:
- ألو يا أيمن.
جاءها صوت شقيقها الحاد:
- وصال، النهاردة اليوم التالت أظن كفاية كده. أنتي عملتي الواجب وزيادة، عاوزك النهاردة تكوني في البيت.
تحدثت وصال بصوت منخفض وهي تقف من مكانها مبتعدة عن صديقتها حتى لا تستمع لحديثها، وقالت:
- أيمن، أنا مستحيل أسيب قدر ورهف غير أما أطمن عليهم، عشان كده هفضل كام يوم تاني هنا.
أجابها أيمن في حنق مصحوب بالامتعاض:
- يعني إيه كام يوم كمان؟ أنتي ناوية تفضلي هناك العمر كله؟ اسمعي، النهاردة تكوني في البيت.
أنهى أيمن المكالمة، لتزفر وصال بغيظ من شقيقها. فكل ما يشغل بالها الآن هو حديث سيد: "الحقي أشبعي من صحبتك الكام يوم دول علشان هتوحشك الأيام الجاية." لا تعلم ما المغزى مما قاله، هي فقط خائفة أن يصيب صديقتها أي مكروه، فكيف تتركها بمفردها بهذا المنزل.. ومع ذاك الرجل الذي لا ينوي خيرًا.
أحست بيد توضع على كتفها، فاستدارت لتتفاجئ بقدر تهمس وهي تمسك بيدها واضعة إياها بين كفيها:
- وصال حبيبتي وأختي الغالية التي ولدت من رحم الحياة لتكن لي سند وملجأ، شكرًا ليكي على وقفتك معايا، ودلوقتي أنتي لازم ترجعي بيتك.
ردت وصال بابتسامة قائلة:
- هو فيه بين الأخوات شكر ياقدر؟ أنا متأكدة لو الأدوار اتبدلت كنتي أنتي هتكوني بدالي. بخصوص رجوعي لأهلي لأ مش هرجع غير أما أطمن عليكِ...
كادت أن تكمل كلمتها الأخيرة، ليستمعوا لذلك الصوت المشمئز "سيد":
- أنا بقول أن كفاياكي كده يا حلوة، شوفي طريقك بقا خلينا نعيش حياتنا.
هتفت وصال بتهديد:
- أوعى تفكر أننا ضعاف، أنا في ثواني من اتصال واحد مني أوديك في داهية.
تقدم سيد منها مبتسم بسخرية قائلاً في تهكم يثير الاشمئزاز:
- عال عال يا ست وصال.
أمسك ذراعها وثناه خلف ظهرها، لتصرخ هي بألم، فقال مزمجرًا:
- وداهية إيه بقا اللي هتوديني فيها؟ ها يا ست وصال عايز أعرف.
تحدثت قدر وهي تحاول إبعاده عن صديقتها هاتفة بغضب:
- ابعد إيدك عنها أحسنلك، وإلا قسماً بالله فوراً أروح على أقرب قسم وأبلغ عنك.
بدل سيد نظره إلى قدر، تاركاً يد وصال وهو يقهقه بصوتٍ عالٍ كأنما ألقى إليه أحدهم نكتة، قائلاً في سخرية:
- آنسة قدر بقا ليها صوت. وتبدلت نبرة صوته متابعاً بشر: أحسنلك ترجعي القطة الهادية اللطيفة من تاني، متنسيش أختك الجميلة اللي نايمة فوق. حطي عقلك في راسك.
ولوح بسبابته أمام وجه وصال وما زال نظره معلقًا بقدر وهو يصيح:
- وأنتي عايز أرجع ألاقيكي مشيتي.
تركهم وانصرف، لتلتفت وصال لقدر قائلة:
- قدر خلينا نروح نقدم بلاغ فيه وهما أكيد هيتصرفوا.
تراخى جسد قدر وارتمت على أقرب أريكة منهم وقالت في إعياء:
- أنا تعبت يا وصال تعبت. دلوقتي المتحكم فيا هو الخوف وبس.
أقتربت وصال منها قائلة وهي تقف أمامها:
- أنا معاكي وهوكل محامي كبير وهيتحبس.
نظرت لها قدر قائلة بإحباط:
- مش بالسهولة دي يا وصال. أنا مش معايا دليل يدينه حتى، هو هيكذب كل حاجة أنا هقولها. مفيش حاجة هتحصل غير أني هتفضح وبس.
جثت وصال على ركبتيها أرضًا وهمست بنبرة ودودة وهي تضم كف قدر بين راحتيها، علها تبث في قلبها الأمان، وتغير من رأيها:
- على الأقل نخوفه ويعمل حساب لأي حركة هيعملها.
ابتسمت قدر ساخرة، وقالت في مرارة:
- أنا عارفة الشخص ده كويس، هو عايزني ولو عملت زي كده هيؤذي أقرب حد ليا.
وصال وهي تشد على يدها:
- أوعك تخلي الخوف يسيطر عليكِ.
ابتعلت قدر لعابها وهي تغمغم:
- الأحسن أنك تمشي من هنا يا وصال، ده أفضل لينا كلنا.
فنفت وصال بإصرار:
- أنا مستحيل أسيبك مع الراجل ده.
نظرت لها قدر بأعين تفيض بالدمع وبنبرة متوسلة، وأردفت تقول:
- أرجوكِ يا وصال أمشي من هنا، أنا مش عايزة غير كده.
كادت وصال أن تعترض، لتقول قدر بنبرة توسل:
- أرجوكي أمشي يا وصال.
هزت وصال رأسها باستسلام واستقامت من مكانها عازمة على ترك المنزل.
صعدت قدر إلى غرفة رهف وجلست على طرف الفراش ببطء كي لا توقظ شقيقتها، ونظرت إلى الطاولة الصغيرة التي كانت بجانبها، ومدت يدها تلتقط بروازًا به صورة يجمعها مع والدتها ورهف. امتلأت عينيها بالدموع وهي تلامس وجه والدتها في الصورة بشوقٍ عظيم ملأ ثناياها، وذرفت عينيها دموع الحنين إليها.
استدارت رهف على جانبها ونظرت إلى قدر بحزن، ثم استوت جالسة على طرف الفراش بجوارها، ووضعت كفها على كتفها في هدوء، وانبعث صوتها الطفولي الحزين يهمس:
- قدر، هو ممكن عمو سيد يتجوز ويسبنا في الشارع؟
فربتت قدر على ظهرها في رقة، وغمغمت بنحيب:
- لو سابنا فـ ربنا (سبحانه وتعالى) معانا يا رهف.
واستطردت وهي تعتدل:
- يلا تعالي كملي نومك يا رهف.
"في منزل وصال"
صعدت للأعلى، وبينما هي في طريقها لغرفتها، أوقفها صوت زوجة أخيها وهي تلفظ اسمها. فوقفت خلف الباب تسترق السمع، وتناهى لمسامعها نجلاء تقول:
- قولتلك الحل في وصال، وأهو شوفت بعينك أخدوا مكانك في الشركة وأنت بقيت ولا حاجة. إيه هتروح تلف على الشركات عشان حد يشغلك، والفرصة دي تضيع من إيدك.
كانت واقفة هي أمامه وهو جالس على طرف الفراش، ورد قائلاً:
- قوللي هنعمل إيه، إزاي هنخليها تمضي وأحنا عارفين كويس أنها ممكن تحس بكده وتقلب الدنيا علينا.
ابتسمت نجلاء بخبث وانتصار، فقد كانت تحاول طيلة اليومين أن تجعله ينصت لها وها قد وصلت إلى مبتغاها، فقالت بنبرة يغزوها الارتياح:
- هرن بـ أحمد يجيب معاه شابين يكتفوها ونمضيها على تنازل الأسهم بتاعتها ليك وبكده خلصنا. ومتقلقش، هتاخد كمان قرصة ودن عشان لو فكرت تحكي لحد.
شهقت وصال بذعر وفرت دمعة من عينيها بكل حزن وصدمة. هل ما استمعته كان حقيقة؟ هل حقًا أخوها يحاول سرقة ميراثها وبأبشع الطرق؟ ركضت سريعًا إلى غرفتها تحتمي بداخلها، وأغلقت بابها واستندت بظهرها عليه وأذنت لدموعها بالنزول، ثم جلست بانهيار تبكي على حالها.
بغرفة أخيها، اتسعت عيناه بصدمة على ما قالته زوجته، ونظر لها باشمئزاز قائلاً:
- اللي أنتي بتتكلمي عنها دي أختي. شباب إيه اللي هتجيبيها؟ وبعدين أنا هاخد الأسهم لفترة مؤقتة وهرجعهم ليها.
لوت نجلاء فمها وقالت بحدة:
- عندك حل تاني؟
اعتدل أيمن واقفًا وقال:
- اطلعي أنتي من الموضوع وأنا هتصرف. هروح أغير هدومي وأخد شاور تكون وصال رجعت وقولي لـ سهر "العاملة" تجهز الأكل.
ذهب هو من أمامها، فنظرت هي لأثره بغيظ وهي تحاول السيطرة على غضبها.
عند وصال، لم تدع انهيارها يدوم كثيرًا، فأخرجت حقيبة كانت بجانب خزانة ملابسها، وضعتها على فراشها، وفتحت ضلفتي الخزانة وأخرجت بعض الملابس وضعتها بعشوائية داخلها، وأغلقت الحقيبة. وأخذت حقيبة يد صغيرة بعدما وضعت بها بعض النقود وخرجت من الغرفة وهي تنظر بحذر على يمينها وشمالها حتى هبطت للأسفل وفتحت الباب الرئيسي وغادرت من المنزل بأكمله وهي حذرة من ألا يراها أحد.
خرجت نجلاء من غرفتها متوجهة لغرفة وصال وهمت بفتح الباب، عندما أوقفتها صوت العاملة وهي تقول:
- ست وصال طلعت من البيت يانجلاء هانم.
نجلاء بدهشة:
- وهي جت إمتى وخرجت إمتى؟
سهر "العاملة":
- أنا شوفتها وهي بتفتح الباب الرئيسي وكان في إيدها شنطة سفر وخرجت.
غمغمت نجلاء:
- شنطة سفر.
ردت سهر:
- أيوه، وكمان أول ما جت، شوفتها واقفة قدام أوضة حضرتك وغالباً سمعت حاجة وجرت لأوضتها وهي بتبكي.
نجلاء بصدمة:
- ينهار أسود، لتكون سمعت حاجة.
ألقت جملتها تلك وهرولت إلى غرفتها.
"بمنزل قدر"
حاولت النوم لتهرب من واقعها المؤلم، تشعر بانقباض قلبها كأن شيئًا سيئًا سيحدث، هذا ما يخبرها به حدسها اللعين. استمعت إلى صوت باب المنزل يفتح، فهي تعلم كل العلم من القادم. ازدادت ضربات قلبها وكأنها طبول تقرع، الخوف يسيطر عليها. اعتدلت واقفة و قامت بفتح أدراج التسريحة تبحث عن مفتاح لتقفل الغرفة، ولكن دون جدوى، فهي لا تعلم أين يتواجد. استمعت إلى صوت خطوات تقترب منها، فنظرت بين أختها النائمة والطاولة الصغيرة، فأخذت تسحب الطاولة بكل قوتها لتضعها خلف الباب. نجحت بذلك ووضعت يدها أعلى صدرها وتنفست الصعداء وقد شعرت بالراحة قليلًا، فظنت أن الطاولة هي خلاصها. ولكن لم يدوم طويلاً هذا الشعور لتسمع إلى صوت طرقات على الباب قوية. أخذت ترجع إلى الوراء بخوف، الذعر يظهر على ملامح وجهها الشاحب، وحبيبات العرق أخذت تتجمع.
فاقت رهف وهي تنظر لها قائلة:
- قدر إيه فيه مين بيخبط كده؟
كانت قدر بعالم آخر تتنفس بصوت عالٍ كغريق بنهر أمواجه هائجة تلقيها إلى منتصف المحيط، لا تعلم كيف النجاة. وبمن تستغيث؟ ومن ذا ينجدها؟
نزعت رهف الغطاء من عليها واقتربت من قدر وأمسكت بيدها وهي تنظر لها قائلة:
- قدر مالك أنتي كده بتخوفيني.
سارع سيد من الخارج بدفع الباب لينجح بذلك، ولج للداخل وهو ينظر لهم بابتسامة مشمئزة. تقدم منهم بخطوات بطيئة كالأسد الجائع الذي يستعد للهجوم على فريسته. بدلت رهف نظرها بينه وبين أختها المذعورة، وقالت:
- عمو سيد أنت بتعمل إيه هنا؟ أنت كده بتخوفنا.
تحدث سيد الذي تفوح منه رائحة كريهة، فعلموا أنه ليس بوعيه وأنه شارب الآن. تحدث وهو يخطو مترنحًا:
- اطلعي أنتي برة ياحلوة، أنا وأختك ليلتنا صباحي.
كاد أن يتعثر بطريقه ليجذب يد رهف التي تعلقت يدها الأخرى بيد شقيقتها، فسارعت قدر بإمساك يدها بقوة قائلة:
- ابعد عن أختي يا سيد أحسنلك، لحسن والله أصوت وألم عليك كل أهل الحارة.
قهقه سيد بسخرية وسحب رهف بقوة حتى وقعت أرضًا ليقول لها:
- اطلعي برة الأوضة ياحلوة.
سارعت قدر قائلة:
- اطلعي اطلبي مساعدة يارهف من أي حد بسرعة.
أتهم صوت سيد مقهقهًا وهو يخرج المفتاح من جيب بنطاله قائلاً:
- أنا قفلت الباب ياحلوة. من النهاردة أنتي ملكي أنا ولوحدي، وحتى لو صرختي الساعة دلوقتي 12 والجيران في سابع نومة.
وعلى حين غفلة منه مدت قدر يدها وسحبت منه المفتاح وألقته لشقيقتها قائلة بلهفة:
- بسرعة يارهف بسرعة.
أخذت شقيقتها المفتاح والدمع أيضًا أخذ طريقًا على وجنتيها، ركضت للأسفل وهي تستمع لصراخ شقيقتها... ودموعها راحت تسيل ببطء مميت، وهي لا تدري ما يحدث، لكن ثمة شيء يحثها على مساعدة أختها. قلبها ينبئها إن شقيقتها تواجه خطرًا.
رواية قدر و وصال الفصل الرابع 4 - بقلم هدير ممدوح
في بعض الأحيان يكون الهروب حلًا لجميع مشاكلك، وإن لم تكن تعلم ماذا سيكون مصيرك وما القادم. فالهروب نجاة لكل شيء.
صراخ شقيقتها ملأ أرجاء المنزل. هي لا تعلم ما الذي يحدث، ولكن حدسها يخبرها بأن شقيقتها في مأزق وعليها إنقاذها. فوضعت المفتاح بالقفل تحاول فتحه.
جاءها صوت طرقات على الباب لينبعث الأمان بقلبها. استمعت إلى صوت وصال من الخارج وهي تقول بصوتٍ عالٍ عندما ثُرب صوت صراخ قدر إلى أُذنها:
_ أفتح يا سيد الباب وإلا قسماً بالله أبلغ عنك.
لترد رهف بصوت ممزوج بالبكاء:
_ يا وصال أنا بحاول أفتح الباب ومش عارفة.
غمغمت وصال بلهفة:
_ ركزي يارهف وهو هيفتح بسرعة عشان نلحق أختك.
أخذت تحرك المفتاح يمينًا ويساراً وهي تضغط بقوة لتنجح أخيراً بفتحه. فتبسمت من خلف الباب وأزاحت دموعها بيدها وقالت:
_ فتح يا وصال.
تركت وصال أغراضها أمام المنزل ودلفت للداخل وصعدت فوراً للأعلى ورهف خلفها. توجهت إلي حيث مصدر صوت قدر ووجدت سيد يجثو فوقها وهي تحاول التخلص منه بكل الطرق. نظرت وصال يمينًا ويسارًا لتجد عصاه خشبية بجانب باب الغرفة فأخذتها ودون تفكير ضربت سيد على رأسه بها ليسكن جسده، وتخمد حركته.
فأزاحته قدر من عليها وهي تنظر له فوجدت عينيه لم يغلقها بعد ويتمتم بكلمات غير مفهومة. مدت وصال يدها تجذب قدر قائلة:
_ يلا ياقدر خلينا نمشي من هنا.
كان نظر قدر معلقًا على سيد وعينيها تذرف الدموع صامتة لا تقو على شيء، ولا على الحراك. سحبتها وصال من يدها وهي تجرها خلفها فكانت تخطو معها كالمتغيبة.
آتاهم صوت رهف الخائف قائلة:
_ قدر أنتي كويسة؟
فتحدثت وصال على عجلٍ:
_ رهف روحي قدامنا على أوضة قدر هاتي خمارها والشنطة اللي بتروح بيها الجامعة بسرعة.
أومأت رهف وركضت سريعاً ناحية غرفة قدر لتأتي بخمار أسود اللون وحقيبة من نفس اللون وهبطت خلفهم وجدتهم واقفون أمام المنزل. مدت رهف يدها بالخمار لتعطيه لوصال قائلة:
_ الخمار أهو يا وصال.
أخذته وصال من يدها برفق لتضعه بعشوائية على رأس قدر بعدما أرجعت خصلات شعرها المنعكش للوراء، وقالت وهي تضم وجهها بكفيها:
_ قدر أنتي بخير مفيش حاجة حصلت فوقي خلينا نمشي من هنا بسرعة.
فرت دمعة هاربة من أُعين قدر لتعانق وصال بقوة وتشكر ربها بداخلها على النجاة فاليوم كادت أن تخسر ذاتها. أبعدتها وصال عنها قائلة بلهفة:
_ خلينا نمشي من هنا.
أومأت قدر برأسها قائلة:
_ تمام بس هو أكيد عارف بيتكم وهيجي.
وصال وهي تمسك بحقيبتها الملاقاه أرضًا، وتردد:
_ ما أحنا مش هنروح علي بيتنا.
وهمت قدر بقول شيءٍ ما، لتقاطعها وصال قائلة:
_ هحكيلك كل اللي حصل بعدين خلينا نبعد عن هنا دلوقتي.
غمغمت قدر قائلة:
_ تمام.
وأمسكت بيد شقيقتها وغادروا من أمام المنزل.
"بمنزل وصال"
قصت نجلاء حديثها هي والخادمة على زوجها ليقف غاضبًا وهو يقول:
_ كل اللي حصل ده بسببك لو أختي جرالها حاجة فأنتي السبب فاهمة!
فهتفت نجلاء بعصبية وهي تشوح بكفيها:
_ بقولك إيه يا أيمن مش كل حاجه تحصل مع أختك ابقا انا السبب فيها.
أخذ نفسًا عميقاً وخطا للأمام لتصبح هي خلفه وهو يوليها ظهره وقال في تريث:
_ نجلاء أطلعي من الأوضه بسرعة مش عاوز أشوف وشك.
فغمغمت نجلاء بإعتراض:
_ مش هطلع يا أيمن هقعد، وكمان دلوقتي هرن على أحمد أخليه يقلب الدنيا على أختك ويجيبها.
أستدار أيمن ونظر لها بحدة وقال ببرود وإزدراء:
_ خلصتي كلامك، يلا أطلعي برة، ولو عملتي أي حركة أو كلمتي حد هطلقك يا نجلاء فاهمة؟
أحتقن وجه نجلاء بالغضب ومن داخلها لعنت وصال ألف مرة، خرجت من الغرفة وصفعت الباب خلفها بكل قوة لتتكأ عليه قائلة:
_ الحمدلله أنها مشيت، ليها سنين قعدة على قلبي مش عارفة اقعد في بيتي على راحتي وياريت ما ترجع تاني.
لا يعلموا كم مر من الوقت وهم يسيرون على أقدامهم، هائمون على وجوههم، نبذتهن الدنيا وأعز الناس. فقاطع الصمت السائد صوت رهف الطفولي وهي تقول:
_ أنا تعبت من المشي، مش هنقعد بقا؟
نظرت لها وصال فربتت على شعرها الأسود وتابعت وهي تؤشر إلي مكانا ما:
_ شايفين في سوبر ماركت فاتح هناك تعالوا نشتري أي حاجة ناكلها ونستريح شوية وكمان نفكر هنروح فين يلا.
أسرعت خطواتهم للأمام، ليجدوا أَنُفسهم واقفون أمام رجل بعمر الستون. فألقت وصال السلام عليه فنظر إلي هيئتهم ليرد هو بإبتسامة ووجه بشوش قائلاً:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يابناتي محتاجين أي مساعدة؟
ردت وصال بإبتسامة قائلة:
_ هنشتري بس شوية حاجات ولو ممكن بس البنت الصغيرة تقعد تستريح شوية من المشي.
أجابها الرجل ببشاشة مرحبًا:
_ يا مرحب بيكم من عيني يابنتي.
أستدار الرجل خلفه وجاء بثلاث كراسي مشتبكون ببعضهم فوضعهم بجانب بعض ونظر لهم وهو يؤشر على المقاعد قائلاً:
_ اتفضلوا.
جلسوا الفتيات فتابع هو متسائلاً:
_ أنتو شكلكم أغراب عن هنا.
ردت قدر قائلة:
_ لا أحنا ساكنين قريب من هنا.
تحدث الرجل خوفاً عليهم:
_ أنتو زي بناتي وأحنا دلوقتي فنص الليل، إيه اللي يخليكم تطلعوا من البيت.
ردت رهف سريعاً:
_ عمو سيد كان بيضرب قدر وجات وصال انقذتها وهربنا منه.
وكزتها وصال بكتفها. فقال الرجل بدهشة مما سمعه:
_ شكلكم واقعين في مشكلة لو حابين تحكوا فأنا هسمعكم.
صمت الجميع فتحدثت وصال بالأخير:
_ مامت قدر أتوفت من تلت أيام والحقيقة أنه جوزها طردها و احنا مش عارفين نروح فين حضرتك تعرف أوتيل قريب من هنا.
أخذ الرجل يضرب كفا بكف وهو يحوقل قائلاً:
_ لا حول ولاقوة الا بالله، أنا والله يابنتي راجل على باب الله ومش عارف حاجه مات ابني ومراته من ست شهور وسابوا طفلين بنربيهم أنا والحجة وربنا يعينا ويعينكم.
ردت قدر بإشفاق عليه:
_ ربنا يعينك ويقويك ياحج.
فرد مبتسما:
_ يارب يابنتي طيب انا عندي حل، باتوا هنا النهاردة إيه رأيكم؟
نظرت وصال حولها إلي المكان فهو محل صغير كيف و أين سيناموا؟ وهل تأمن؟ وكأن الرجل فهم ما يدور برأسها فهتف قائلاً:
_ أنا هجيبلكم فرشة تناموا عليها مكانكم هنا، أنا عارف المكان ضيق بس ده اللي في أيدي والله يابنتي لو بيتي كان يسع الكل كنت هخدكم أكيد.
هذه المرة تركت قدر صمتها جانبًا فتحدثت بنبرة هادئة تبعث الأمان بالقلوب:
_ ده تدبير ربنا لينا كنا بنفكر هنروح فين و هنعمل إيه والحمدلله أننا مشينا فالطريق ده ولاقينا حضرتك ياعمي.
أبتسم الرجل وأجاب:
_ أسمي عبدالله يابنتي، هروح أجيبلكم حاجة تناموا عليها و اجي البيت قريب هنا.
ردت عليه قدر بشبه إبتسامة:
_ تسلم ياعم عبدالله.
خرج الرجل وتركهم فتحدثت رهف قائلة:
_ قدر أنا جعانة.
نظرت لها وقالت:
_ حاضر ياحبيبتي الراجل يجي ونشتري منه كام حاجة وناكلها.
هزت الصغيرة برأسها دلالةً على موافقتها. بعد قليل عاد الرجل وهو يحمل غطاء ووسادة. استقامت قدر واقفة وهي تمد يدها تأخذهم منه قائلة:
_ تسلم ايدك ياعم عبدالله.
بينما وصال وضعت الكراسي جانباً وقال الحج عبد الله لها:
_ أفرشي يابنتي وانا هقفل عليكم من برة وهفتح الصبح الساعة 7 وفي هنا عصاير وبسكوت خدوا اللي انتو عاوزينه يابنتي ومش هاخد حقه منكم.
ردت قدر قائلة:
_ حقك محفوظ ياعمي عندنا وعند ربنا، جزاك الله خيراً وبارك في عمرك.
رد عبد الله ببسمة وهو يهم بالمغادرة:
_ وإياكم يابنتي، تصبحوا على خير.
ردت قدر عليه فخرج هو وأغلق الباب خلفه من الخارج.
امسكت قدر بالفراش قائلة:
_ امسكي ياوصال معايا خلينا نفرش وانام شوية.
امسكت وصال معها ووضعوا الغطاء أرضا والوسادة فوقه جلسوا ثلاثتهم وقالت رهف مرة أخرى:
_ إيه مش هناكل حاجه بقا؟
فضحكت وصال واردفت:
_ روحي هاتي وهاتيلنا معاكِ.
بمنزل شقيق وصال كان يغط في سبات عميق وزوجته بجانبه مستيقظة. أعتدلت بجلستها قليلاً وهي تنظر له تتأكد ان كان قد نام. فأزاحت الغطاء من عليها واستقامت واقفة. ألتقطت هاتفها الذي كان أعلى الطاولة الصغيرة بجانب الفراش وخطت ببطء على أطراف أصابعها حتى خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها. دلفت إلى إحدى الغرف المجاورة وضغطت على شاشة هاتفها لتضيئ وأخرجت أسم أحمد من سجل مكالماتها وضغطت أتصال وانتظرت قليلاً حتى آتاها صوت شاب قائلاً:
_ خير يانجلاء حد يرن في الوقت ده.
لوت نجلاء فمها وردت قائلة:
_ مش وقت كلامك البايخ دلوقتي، البنت وصال سمعتني أنا وأيمن واحنا بنحكي أننا هنمضيها على تنازل بالأسهم بتوعها وهربت من البيت وانا عاوزاك تقلب الدنيا عليها وتلاقيها.
أحمد بلامبالاة:
_ وانا مالي بالموضوع ده ما تهرب ولا تروح في داهيه البنت مش طايقة تشوفني أصلاً، وبعدين تلاقيها عرفت أني أتقدمتلها قبل كده عشان فلوسها.
نجلاء بصوت منخفض:
_ أنا بقا عاوزاك تدور عليها عشان فلوسها هنمضيها غصبًا عنها ومتقلقش هراضيك.
تبسم أحمد بمكر وتمتم بخبث:
_ اه الحكاية فيها مصلحة يعني، ان كان كده موافق من بكرة هقلب عليها الدنيا.
ابتسمت نجلاء برضا ورددت قائلة بملامح شيطانية:
_ أكيد راحت بيت قدر، وكده تبقا أنت عرفت هتلاقيها فين.
أجابها أحمد بظفر:
_ تمام يا بنت خالتي محلولة، وأنهى المكالمة دون إضافة شئ.
بينما نظرت نجلاء للهاتف بغيظ قائلة:
_ الغبي قفل السكة فـ وشي، وتراخت ملامحها وهي تبتسم وتمتمت قائلة:
_ المهم انه وافق، لازم أرجع دلوقتي لـ أيمن يصحى.
"بمنزل سيد"
واقفًا شاب بمنتصف العمر وهو ينظر لباب المنزل بأستغراب وقال متحدثاً مع نفسه:
_ الباب ده مفتوح كده ليه معقول يكون في حاجه حاصلة معاه غريبة، بنات مراته كمان عايشين معاه، الأفضل أدخل أشوف في إيه.
ولج الرجل للداخل وهو ينادي بأسم سيد ولكن لم يأتيه رد فتوقف أمام درجات السلم حائراً يفكر هل يصعد للأعلى ام يذهب ويعود في الصباح فقال بصوت مسموع:
_ خليني أطلع اشوف في إيه يمكن محتاجين مساعدة.
صعد درجات السلم ووقف عند أول غرفة نظر بداخلها فلم يجد أحد، فتقدم باحثًا في الثانية لتقع عينيه على سيد الملقي أرضاً فقال وهو يخطوا للداخل:
_ إيه اللي قلب الأوضة دي كده معقول كان في حرامي؟!
ومال بجزعه وهو يضرب سيد على وجهه برفق وينادي بأسمه قائلاً:
_ سيد، سيد، أنت إيه اللي عمل فيك كده؟
حرك سيد عينه وفتحها ببطء الرؤية مشوشة أمامه، أسند يده أرضًا يحاول الأعتدال فساعده الرجل وجلس وظهره متكأ على الحائط خلفه وتحدث الشاب:
_ أنت شكلك مزود فالشرب حبتين، هما فين بنات مراتك؟
هنا وأسترجع سيد كل ما حدث منذ قليل فقال وهو يحاول الوقوف:
_ ساعدني يا إسلام بس عاوز اقوم.
أمسك إسلام يده فوقف سيد وهو يضع يده خلف رأسه يتحسس موضع الضربة فوجدها متورمة وسب وصال بداخله. فقال الشاب متعجباً:
_ أنت حد ضربك على راسك ولا إيه؟
نفى سيد بكذب:
_ لا أنا وقعت ده كل اللي حصل، أنت كنت جاي ليه في حاجة.
إسلام وهو يجذبه من يده:
_ تعالَ كده ياعم أغسل وشك وفوق ونبقا نحكي.
دلف سيد إلي المرحاض دون التفوه بشيء وانتظره إسلام جالسا على طرف الفراش. وبعد قليل خرج مترنحاً، فقال إسلام عندما رآه:
_ شكلك دايخ أخدك على المستشفى؟
تقدم سيد منه وجلس بجانبه وقال:
_ لا هبقا كويس مقولتش انت كنت جاي ليه.
تنهد إسلام وقال:
_ رنيت عليك كتير و مردتش، لاقيتلك مشتري للبيت والسوبر ماركت وهو عاوز يخلص كل حاجه بكرة وهيدفع كاش إيه رأيك.
أرتسمت إبتسامة على وجه سيد قائلاً:
_ كويس أوي بكرة نخلص الموضوع ده.
وثب أسلام قائماً وهو يقول:
_ طيب هقوم أمشي أنا دلوقتي.
هز سيد رأسه ولم ينبس ببنت شفة وانصرف إسلام.
قصت وصال ما أستمعت إليه من أخيها وزوجته حتى جائها صوت قدر وهي تقول:
_ معقول حاسة إن في حاجة ناقصة، أخوكي أيمن باين عليه أنه شخص كويس مش ممكن تكوني فهمتي غلط.
ردت وصال بحنق:
_ غلط إزاي بس ياقدر انا سمعتهم بنفسي محدش قالي، الأكيد أنهم هيقلبوا عليا الدنيا دلوقتي.
ربتت قدر على فخذها وهي تقول:
_ مش عارفة أقولك إيه بس ربنا ليه حكمة فكده.
أبتسمت وصال لها قائلة:
_ من النهاردة طريقنا واحد، أحنا بنكمل مع بعض ياقدر الحمد لله أننا أتقابلنا وأننا مع بعض دلوقتي.
همست قدر بصوتٍ خفيض:
_ الحمدلله، خلينا دلوقتي نلحق ننام ساعتين يلا، والصبح نمشي عاوزين نبعد عن هنا.
أومأت وصال برأسها ولم يمضي الكثير من الوقت ليحلق شبح النوم فوقهم.
الحياة الغريبة، والأكثر منها غرابة هؤلاء من نظنهم أحبتنا فيغدروا بنا مع أول غضت بصر.
رواية قدر و وصال الفصل الخامس 5 - بقلم هدير ممدوح
أتى الصباح بنوره والشمس تتوسط عِنان السماء تبعث الدفء لما أسفلها، ها هو يومًا جديد بداخله العديد من الأحداث التي لا نعلم عنها شئ.
دقت الساعة السابعة صباحاً وقف عبدالله أمام محله وطرق أولاً على الباب قبل أن يفتح، حتى يستعدوا الفتيات.
فاقت رهف على إثر الصوت، وأعتدلت في جلستها، وتلفتت حولها حتى استدركت أين تكون، وما حدث بالأمس. وضعت يدها على كتف شقيقتها وهزتها ببطء وهي تُردد اسمها.
فانتفضت قدر برعبٍ دب في أوصالها وهي تعتقد إنه سيد. فأتاها صوت رهف الطفولي، وهي تسألها في خوفٍ:
_ دي أنا ياقدر خوفتي ليه؟!
تسلل الأمان إلى قلبها وأومأت بصمت. بينما فاقت وصال على سماع صوتهم وقالت وهي تضع يدها على فمها وتتثأب:
_ صباح الخير يا بنات.
كادت قدر أن ترد فقاطعها صوت طرقات العم عبدالله. فمدت قدر يدها وألتقطت خمارها واستقامت واقفة وهي تقول:
_ صحينا أهو يا عم عبدالله.
فرد عبدالله من خلف الباب:
_ على مهلكم يابنتي انا قلت أخبط الأول اشوفكم صاحيين ولا لأ بدل ما افتح عليكم كده.
هزت قدر رأسها من خلف الباب قائلة:
_ جزاك الله خيراً يا عمي أستأذنك دقيقتين وافتح.
فأجابها عبدالله بصوتٍ رخيم:
_ حاضر يا بنتي.
نظرت قدر إلى وصال ورهف وقالت بغضب طفيف:
_ يلا قوموا أنتو لسة قعدين خلينا نلم الفرشة دي عشان الراجل يشوف رزقة.
وقفت رهف ووصال وقاموا بتطبيق الفرش ووضعهم جانباً.
فنادت قدر من الداخل:
_ أفتح ياعم عبدالله.
فمال عبدالله واضعًا صينية الطعام جانبًا، ومال معالجًا مزلاج الباب، ثم سحبه لأعلى فقد كان الباب من المعدن الذي ينفتح من أسفل إلى الأعلى والعكس إذا أُغلق.
ومال مرة أخرى يلتقط الصينية، ودلف للداخل وقال بوجهٍ بشوش:
_ الحجة أرزاق لما عرفت أن عندنا ضيوف حلفت أنكم مش هتمشوا من غير فطار.
كادت قدر أن تتحدث لتسبقها وصال قائلة:
_ كده كتير ياعم عبدالله وكفاية أستقبالك لينا مش عاوزين نتقل عليك أكتر من كده.
مال عبدالله بجزعه ووضع الصينية أمامهم وقال:
_ دي أقل حاجة يابنتي ومش عاوز أسمع أعتراض من حد فيكم.
فتبسمت قدر لهذا الرجل الطيب، قائلة:
_ تسلم ياعم عبدلله، بس الأول هناخد قزازة مية نغسل وشنا منها.
أومأ عبدالله برأسه قائلاً:
_ أنا ومكاني البسيط تحت امركم.
غمغمت قدر قائلة:
_ الأمر لله ياعم عبدالله.
ومرت من أمامه وخلفها وصال ورهف. وألتقطت زجاجة مياه من الثلاجة المليئة بالعصائر والمشروبات الباردة. ووقفوا خارجاً فصبت وصال المياه بيد قدر التي نثرتها على وجهها وتكررت الحركة مع ثلاثتهم. ومن ثم دلفوا للداخل وتناولوا بعض اللقمات وبعد الأنتهاء وضعوا الأطباق جانباً.
فقالت قدر بود:
_ ربنا يبارك في عمرك أنت والحجة أرزاق وربنا يجعل عملك الصالح ده في ميزان حسناتك جعلك الله من أهل الجنة.
رد عبدالله بوجه بشوش مبتسم:
_ والله يابنتي بعد دعواتك الجميلة دي مش عاوز حاجه من الدنيا تاني، ربنا يسعدكم ويحفظكم. وكمان انتو ممكن تقعدوا هنا لحد ما أموركم تدبر.
ابتسمت قدر قائلة:
_ لا أحنا هنمشي تسلم ياعمي.
أخذت كلاً منهم حقيبتها، وابتعدت قدر ووقفت جانباً وهي تنظر داخل حقيبتها فأخرجت فئة من المئتان ولفتها.
أقتربت منها وصال وقالت بصوت منخفض كي لا يصل للعم عبدالله:
_ أنا عاملة حسابي لكده. ومدت يدها بورقات المال لقدر وتابعت: خلي اللي طلعتيه معاكي.
فهمست قدر بنفي:
_ لا يا وصال حتى لو مش معايا كتير فأنا لازم أطلع كفاية وقفته معانا.
أومأت وصال تؤكد قولها، وغمغمت بتريث:
_ تمام وخدي دول برضه أديهم ليه.
أخذتهم قدر وأمسكت وصال بحقيبتها ليقفوا أمام عبدالله الذي كان واقفا خلف طاولة صغيرة ممسك بدفتر وقلم. فنطقت قدر اسمه جاذبة انتباهه:
_ عم عبدالله.
رفع الرجل وجهه ناظراً لها.
فأسترسلت قائلة وهي تمد يدها بالمال له:
_ دي حاجة بسيطة مننا.
تحدث الرجل بنظرات معاتبة قائلاً:
_ برضه كده يابنتي، أنا مش هقبل بكده.
فقالت قدر بإصرار:
_ ربنا جعلنا أسباب لبعض ياعم عبدالله ودول بعتهم ليك ربنا فأرجوك مترفضش.
عبدالله بإعتراض:
_ بس يابنتي.....
قاطعته وصال قائلة بمرح:
_ متحاولش ياعم عبدالله قدر أعند شخص فالدنيا ومش هتمشي ولا تتنازل غير لما حضرتك تاخد المبلغ البسيط ده.
نظر الرجل ليد قدر الممدودة ورفع نظره لها، فأماءت هي برأسها تحثه على أخذهم، فألتقطهم الرجل من يدها بإحراج. تبسمت له قدر وألقت السلام وخرجن الفتيات بعدما رد عبدالله السلام عليهن.
أبتعدوا الفتيات عن أنظاره فأخذ يعد المال الذي بيده بأعين دامعه وقال وهو رافعا نظره للأعلى:
_ سبحانك ربي أنا كل اللي طلبته منك ٥٠٠ عشان أدفع إيجار الدكان وأنت أكرمتني بألف و مائتين. ورفع يده بالمال يقبله ويحمد الله على ما أعطى.
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
هبط سيد من سيارة الأجرة امام منزل وصال واعطى السائق اجره وتقدم بأتجاه الفيلا وهو يغمغم بهوس:
_ هاخدك يقدر ونبعد عن هنا، أنا بعت البيت والهايبر والفلوس اللي معايا ياحبيبتي كلها ليكي وأنتي ليا.
أمام فيلا وصال كان يجلس رجل بجلباب صعيدي على كرسي بجانب الباب ورأى سيد وهو يتقدم نحوه وشفتاه تتحرك يحدث نفسه.
فضرب كفٍ بكف وهو يقول:
_ ده شكله مجنون ولا إيه، لا وكمان جاي عليا ربنا يستر.
أصبح سيد أمامه وقال بصوت اجش:
_ عاوز أشوف وصال هانم روح قولها.
أعتدل الرجل واقفًا أمامه، وهو يقول بتحفز:
_ الانسه وصال مفيش، أقولها مين.
سيد بأسلوب فظ:
_ هي اللي قالتلك تقول كده، أدخل قول لها سيد مش هيسكت على عملتك وهاخد قدر يعني هاخدها.
غمغم الرجل بحنق:
_ لا اله الا الله، ياعم قولنا مفيش الست وصال ولا قدر صحبتها جات هنا ليها فترة.
فدفعه سيد من أمامه وهو يهتف:
_ أنا هدخل بنفسي أتأكد ان كانت هنا أو لأ.
قال عبارته وانطلق للداخل، فلحق به الرجل مناديًا:
_ يا أستاذ أنت ميصحش كده.
وخرجت نجلاء على سماع صوتهم فقالت وهي تتفحصه من قمة راسه لأخمص قدمه:
_ إيه اللي بيحصل هنا، إيه الشوشرة دي يا إسماعيل.
هتف إسماعيل:
_ ياست هانم الراجل ده عاوز يشوف الست وصال وقولتله مش هنا، قال هدخل أتأكد بنفسي.
فصرفته نجلاء وهي تؤشر بيدها، قائلة:
_ خلاص روح أنت.
غادر إسماعيل إلي الخارج بينما وقفت نجلاء تحدق سيد بنظرات نارية وقالت:
_ وياترى أنت تعرف وصال منين.
أجابها سيد بإمتعاض:
_ بقولك إيه ياست أنتي أنا جاي اخد قدر وماليش دعوة بوصال ولا غيرها روحي هاتيها من جوة بدل ما ادخل أنا.
ضيقت نجلاء حاجباها وقالت:
_ عاوز تفهمني أن وصال مش عند قدر دلوقتي.
هتف سيد بحدة:
_ لأ وصال جات امبارح وخدتها.
صمتت نجلاء، تفكر أين قد تكون ذهبت تلك الفتاة. فقطع سيد شرودها وقال بصوتٍ عال:
_ انتي ياست أنا الحد دلوقتي واقف وبتكلم بحترام غير كده هغلط فيكي.
نظرت له نجلاء بإشمئزاز قائلة:
_ تغلط في مين أنت أتجننت، لا وصال ولا قدر هنا وأمشي من هنا بدل ما ابلغ عنك واقولهم إنك خاطفهم.
رفع سيد سبابته أمام وجهها وقال بتهديد:
_ همشي بس لو عرفت ان قدر جوة لا هرحمك ولا هرحم وصال سلام ياقطة.
ألقى جملته تلك وغادر تحت أنظارها. فتقدم منها إسماعيل وهو يقول:
_ ست نجلاء الراجل ده جوز والدة الانسه قدر وصلها فمرة لهنا والحقيقة شكله كان بيدايقها و....
نجلاء بضيق:
_ خلاص،خلاص انت هتحكيلي قصة حياتها.
قالت جملتها تلك وأولته ظهرها وولجت للداخل.
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ♥
عند قدر ووصال مازالوا يسيرون هائمين دون وجهه في الطرقات فقالت قدر بصوتٍ ضعيف:
_ هنروح فين يا وصال و هنعمل إيه أحنا بنات و لوحدنا.
أجابت وصال قائلة:
_ هنروح عند خالتي سامية في اسكندرية.
أبطأت قدر في سيرها ونظرت لها وأردفت:
_ بس أنتي قولتي ان والدتك كانت وحيدة أمها وأبوها.
أومات وصال:
_ أيوة فعلاً، خالتي سامية هي اللي كانت بتهتم بيا بعد وفاة ماما وبابا وهنروحلها وهي عايشة لوحدها.
هزت قدر رأسها:
_ فهمت بس أنتي عندك عنوانها وكلمتيها الأول.
أردفت وصال:
_ أيوه أنا عارفة عنوانها بس الحقيقة رقمها ضاع من عندي ومش هنعرف نتواصل معاها بس أطمني ومتقلقيش تمام.
بزفير التوتر وقلة الحيرة أردفت قدر:
_ ماهو للأسف مفيش حل تاني فتمام خلينا نروح على المحطة.
فتلك اللحظة كانت ستمر أمامهم سيارة أجرة فأوقفتها وصال بإشارة من يدها وصعدوا بها بعدما أملت السائق العنوان.
صلِّ على محمد🌼🤍
عند أحمد كان واقفا أمام منزل قدر عازمًا على العودة بعدما أخبره أحد الجيران بأن المنزل قد تم بيعه. علا صوت رنين هاتفه فأخرجه من جيب بنطاله وهو ينظر لشاشته ليجد اسم "نجلاء".
أستقبل المكالمة واجاب قائلاً:
_ أنتي بتشتغليني يانجلاء وصال مفيش هنا وبيت صاحبتها ده اتباع بعد وفاة والدتها.
نجلاء بنبرة حادة:
_ عشان كده انا رنيت عليك جوز والدة قدر كان هنا من شوية جه يدور عليها عند وصال.
أحمد بحدة:
_ يعني إيه الكلام ده.
نجلاء وقد هدئ صوتها:
_ يعني قدر ووصال هربوا مع بعض.
هتف احمد قائلاً:
_ وايه العمل دلوقتي.
أجابت نجلاء بتريث وتفكير:
_ قعدت شوية افكر ممكن يكونوا راحو فين و....
قاطعها أحمد ساخرًا:
_ ها وعرفتي.
جزت نجلاء على أسنانها وقالت بغيظ:
_ اه عرفت مفيش غير سامية دي كانت دادة وصال ومشيت بعد ما اتجوزنا أنا وايمن متأكده انها هناك.
لوى أحمد فمه قائلاً:
_ وإيه الثقة دي العصفورة جات قالتلك.
نجلاء بحدة:
_ أحمد انا متأكدة من كلامي وصال ما تعرفش حد وصاحبتها دي كمان تعتبر مقطوعة من شجرة دلوقتي.
أستطرد أحمد حديثه قائلاً:
_ وإيه الحل دلوقتي.
اردفت نجلاء قائلة:
_ تنزل اسكندرية والنهاردة ومترجعش غير وأنت فأيدك ست وصال فاهم، وهبعتلك العنوان بالتفصيل على الواتس.
أحمد بإمتعاض:
_ هعمل كده، بس كل مليم هصرفه هاخده منك الضعف.
زفرت نجلاء بعمق قائلة:
_ تمام يا أحمد تمام.
أغلق أحمد الهاتف بوجهها دون ان يتفوه بحرف أخر.
أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه 🌼
كان سيد عند صديقه إسلام ماسكًا كأس من الخمر جالسون مقابل بعضهم على إحدى الطاولات فقال وهو يحاول فتح عينه من شدة أثر المشروب:
_ أصبلك كاس.
إسلام بإشمئزاز:
_ لا يعم مش بشرب أنا، بس اتفجأت لما لاقيتك رجعت قلت جاي يرجعلي الفلوس ويقول مش عاوز أبيع بعد ما خلاص مضينا العقود.
رد سيد مترنحًا:
_ معرفتش أروح فين فرجعت.
إسلام بشك:
_ أنت مش على وضعك ياسيد انت خبط بابي على ستة عشان تمضي وتاخد فلوسك، هما بنات مراتك فين.
سيد بدون وعي:
_ هربوا بس هلاقيهم، انا كل ده عملته عشانها، بس برضه مش هتكون لحد غيري.
حدجه إسلام بنظرات مليئة بالشك ووثب واقفًا وهو يقول:
_ طيب همشي أنا يا سيد ورايا شغل البيت بيتك.
هز سيد رأسه وهو يحتسي الكأس الذي بيده على دفعة واحدة، بينما غادر إسلام منزله.
وضع سيد الكأس الذي بيده أعلى الطاولة وألتقط الزجاجة واعتدل في جلسته ليلقي بجسده كاملاً على الأريكة وقال وهو يتحدث إلى الزجاجة كأنها كائن حي:
_ كالخمر أنتي تجعلينني مسطولًا أن نظرت لكِ فكيف حالي إذا أرتشفت منك القليل ياقدري.
اللهم أغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب🤍
أمام محطة القطار واقفة قدر تشتري بعض المأكولات لرحلتهم وبجانبها رهف. فتقدمت منهم وصال قائلة وبيدها ثلاث تذاكر:
_ عشر دقايق والقطر هيطلع.
هزت قدر رأسها:
_ وأنا أشتريت شوية حاجات ومية عشان الطريق هيبقا طويل علينا.
في نفس الوقت وصل أحمد أيضاً وكان واقفا بالقرب منهم فتقدم منه شاب بنفس عمره قائلاً:
_ مفيش تذاكر والقطر هيطلع على تسعة، بس في قطر تاني هيطلع على 12 حجزت فيه.
لوى أحمد فمه قائلاً:
_ تمام تعالى يا بهاء نستنى في الكافتيريا لحد ما يجي.
غمغم بهاء:
_ تمام يلا بينا.
عند وصال هتفت قائلة:
_ تعالوا نقعد على جنب لحد مايجي.
وكادوا أن يخطو حتى أحست قدر بيد أحد على كتفها.
فتوسعت أعين وصال قائلة وقد دب الرعب بقلبها:
_ أحمد.......
رواية قدر و وصال الفصل السادس 6 - بقلم هدير ممدوح
كنت أخشى الغد، وتلك الحياة، التي في غمضة عين تغدر بنا وتقلب موازينها، فنحيا نحن في دوامة الخوف منتظرين المجهول.
كادوا أن يخطوا حتى شعرت قدر بيد أحد على كتفها توقفها، وفي نفس اللحظة توسعت أعين وصال بعدما دب الرعب بقلبها وهي ترى أحمد على مسافة قريبة منهن يقف يتحدث مع شاب.
فاستدارت هي وقدر في نفس اللحظة إلى الوراء فرأت قدر امرأة تبتسم بوجهها وقالت:
_ الإسدال بتاعك فيه قطع على كتفك، عدلي خمارك يابنتي وغطي الجزء ده.
هزت قدر رأسها بتفهم، وهي تجيبها ببسمة ممتنة:
_ شكراً لحضرتك.
لم تستطع أن تكمل جملتها حتى أمسكت وصال بيدها ساحبة إياها بعيدة تحت أنظارها المستغربة.
جاءهم صوت رهف الطفولي وهي تتمسك بيد شقيقتها قائلة:
_ براحة بقى أنا كنت هقع.
بينما وصال وضعت يدها على قلبها وأخذت نفسًا عميقًا وتحدثت:
_ الحمدلله ما لحقش يشوفنا.
تساءلت قدر بدهشة:
_ هو مين ده؟
ردت وصال بأنفاس متلاحقة من شدة الانفعال:
_ أحمد كان هنا، أكيد هما اللي باعينه يدور عليا.
ربتت قدر على كتفها قائلة:
_ طيب الحمدلله.
وأخرجت دبوسًا من حقيبتها واسترسلت قائلة:
_ عاوزاكي تداري القطع ده لحد ما نتصرف.
أخذته منها وصال ووقفت خلفها تعدل من ثيابها وقالت:
_ القطر خلاص هيطلع، أظبطه ونطلع.
هزت قدر رأسها دون أن تنبس ببنت شفة.
في مكان آخر كان هناك رجلان يتحدثان بالهاتف.
وأحدهما يقول:
_ أيوه يباشا متقلقش أنا على المحطة دلوقتي وهما تحت عيني، نظري مش هيغيب عنهم.
آتاه الرد من الجهة الأخرى قائلاً:
_ خليك وراهم وقولي أول بأول كل اللي هيحصل معاهم أنت فاهم.
أجاب الرجل قائلاً:
_ عاوزك تطمن يباشا، وهبلغك بكل خطوة.
جاءه الرد مرة أخرى:
_ انت لوحدك ولا معاك حد.
الرجل:
_ مش لوحدي يباشا معايا اتنين كمان.
غمغم الآخر قائلاً:
_ تمام.
ونهى المكالمة دون إضافة أي شيء.
في منزل وصال، جالسة نجلاء زوجة أخيها بصالون المنزل، واضعة ساقًا فوق الأخرى متكئة بظهرها على الأريكة وتتحدث بالهاتف بأريحية وقالت بإبتسامة عاشقة:
_ أيوه ياحبيبي، أيمن دلوقتي فالشركة مستلم الشغل بدل وصال، هو كده دايمًا في دراسته بيستلم الشغل بدالها.
أتاها رد الطرف الآخر، قائلاً:
_ طيب إيه ياحبيبتي مش هنعمل مشروع عمرنا بقا خلينا نبدأ لحد ما نحط أيدنا على فلوس وصال.
علا صوت نجلاء وقالت بحدة:
_ وائل، أوعك تنسى أن الفلوس دي أنا اللي تعبت لحد ما بقت تحت أيدنا، ولعبت في راس أيمن لحد ما فهمته أنه لو استثمرهم هيكسب الضعف والناس اللي بعتها من ضمن لعبتي وأننا اللي نصبنا عليه تمام.
أجابها وائل بصوتٍ مهزوز:
_ طبعاً ياحبيبتي أنا بس قلت نبدأ نشغل جزء منهم ونجرب حظنا.
همهمت نجلاء بإمتعاض:
_ وقتها بقا هتشوف وشي التاني وهنسى فيوم أني حبيتك وهبلغ أيمن أن صديق عمرك بيخونك وبيحبني ومش بس كده أنا هقلب الترابيزة كلها عليك وهفهمه أنك أنت اللي نصبت عليه.
هتف فيها وائل بحدة:
_ جرا إيه يانجلاء ما أحنا دفنينه سوا ولا نسيتي لو أنا ضعت فأنتي كمان معايا، انجزي أنتي في موضوع وصال ده وبعدها نهرب من هنا ونبدأ حياتنا.
غمغمت نجلاء بمكر:
_ أنا بس حبيت أفكرك ومن ناحية موضوع وصال ده كمان هيتحل فأسرع وقت يلا بقا سلام ياحبيبي.
غمغم وائل قائلاً:
_ سلام.
توقف القطار بمحطة الإسكندرية، وهبطت الفتيات منه فتحدثت قدر قائلة:
_ دلوقتي هنروح فين؟
أجابتها وصال:
_ هناخد تاكسي وهنروح على عنوان خالتي سامية.
مضى لما يقارب الساعة وهما ينتظرون سيارة أجرة، فكلما مرت واحدة يعطون سائقها العنوان فينظر لهم بوجهاً مقتضب ويرحل.
فقالت وصال بتذمر:
_ أوف أنا تعبت من الواقفة دي ولا تاكسي راضي يوصلنا.
هزت قدر رأسها وقالت وهي تنظر ليمينها:
_ في تاكسي جاي أهو خلينا نوقفه.
أومأت وصال وأشارت بيدها لسيارة الأجرة فوقفت أمامهم، ومالت بحذائها وأملت العنوان للسائق فأجابها قائلاً:
_ ماشي يا أبلة أطلعي.
صعدت الفتيات بجانب بعضهم وحملت وصال حقيبتها على قدمها، ساد الصمت بينهم فمضى حوالي نصف ساعة، حتى توقف السائق بشارع أمام عمارة تبدو قديمة بعض الشيء، وتحدث السائق:
_ دي العمارة المكتوبة فالعنوان يا أبلة.
ومع أخر كلمة غمز بعينه.
نظروا له الفتيات بإشمئزاز، وأخرجت وصال المال من حقيبتها التي تعلو كتفها وألقته بوجهه فسقط على قدمه.
فأردف هو قائلاً:
_ براحة يا أبلة، عامةً أنا بيتي في أخر الشارع كده على أيدك اليمين لو عاوزته حاجة أنا موجود.
وقهقه بصوتًا عال وغادر من أمامهم.
فتحدثت قدر بنبرة متوترة:
_ وصال أنا قلبي مش مرتاح للمشوار ده.
ردت وصال بتريث:
_ متخافيش ياقدر، مش هيحصل حاجة خلينا نطلع يلا.
دلفوا داخل العمارة تحت أنظار سيارة بها ثلاث شباب تقف بالقرب منهم تحدث أحدهم:
_ إيه هنلحقهم ولا هنستنى هنا.
رد الجالس أمام المقود:
_ هنستنى شوية وبعدين نطلع نشوفهم عملوا إيه.
أتاهم صوت الآخر:
_ العمارة مفيش جمبها بيوت كتير حاسس إنه وراها حاجة.
هتف الشخص الثاني بحدة:
_ هيكون في إيه يعني نصبر شوية ونشوف.
وقف الفتيات أمام باب شقة العمارة فحصوا المكان بأعينهم فوجدوا هناك باب آخر مقابل الذي يقفون أمامه.
فتحدثت قدر:
_ ساكنة فالدور الكام هي.
ردت وصال:
_ مش عارفة بس هنخبط أهو وهنشوف.
طرقت وصال عدة مرات ولكن دون جدوى لما يأتيها صوت فقالت قدر:
_ أظهر أن مفيش حد ساكن فالشقة دي ياوصال.
وصال مؤيدة حديثها:
_ عندك حق، طيب نطلع فوق نشوف الشقة اللي بعدها.
كادت قدر أن ترد حتى استمعوا إلى صوت فتح الشقة المقابلة استداروا للخلف ليجدوا امرأة سمينة الجسد ذات بشرة بيضاء واضعة حجاب على رأسها بعشوائية فتمرد منه بعض الخصل الشقراء التي تظهر عليها آثار الصبغة وكانت تلوك بفمها علكة.
تحدثت قائلة:
_ عاوزين مين يا حلوين.
ردت وصال:
_ الحجة سامية كانت ساكنة هنا.
قاطعتها المرأة قائلة:
_ وفري ياحلوة باقي الكلام، الست سامية سافرت مع عيالها، والشقة اشتريتها وفتحتهم على بعض.
وصمتت قليلاً وهي تنظر لهم من رأسهم للكاحل وأسترسلت حديثها:
_ شكلكم كنتوا جايين ليها زيارة وناويين على قعاد.
نظروا الفتيات إلى بعضهم فردت وصال عليها:
_ أه فعلاً، وطالما هي مش موجودة يبقى مفيش داعي لوجودنا عن إذنك.
وكادوا أن يخطوا حتى تحدثت المرأة:
_ لا على فين كده أنتو بنات لوحدكم وأنا أخاف عليكم تعالوا قضوا الليلة عندي والصباح رباح.
همست قدر بأذن وصال قائلة:
_ وصال أنا مش مرتاحة للست دي خلينا نمشي من هنا بسرعة.
رأتهم المرأة يتهامسون فقالت:
_ تعالوا متقلقوش مفيش حد عندي تقدروا تتأكدوا بنفسكم، وعلى راحتكم طبعاً أنا مش هغصب عليكم بس الليل خلاص داخل وأنا شايلة همكم وولاد الحرام كتير.
مالت وصال قليلاً على قدر وقالت بصوت خفيض:
_ هي عندها حق هنروح فين يعني خلينا نبات عندها النهاردة ونمشي الصبح.
أخذت قدر نفسًا عميق وهزت رأسها عدة مرات دلالة على موافقتها.
فقالت وصال:
_ تمام يا خالتي هنبات عندك النهاردة.
ابتسمت وداد وقالت:
_ لا كده أزعل منكم خالتي إيه، أنا اسمي وداد قالولي يادود آه مبحبش حد يكبرني.
همست قدر بغيظ قائلة:
_ دودو بقا عاوزانا نبات عند واحدة اسمها دودو.
صدرت ضحكة طفولية من رهف.
فتقدمت وداد منهم و أمسكت بحقيبة قدر وقالت:
_ انتوا لسة بتتهامسوا يلا أدخلوا.
دلفوا الفتيات خلفها بصمت وتوقفوا بمنتصف الشقة ينظرون إلى أثاثها فكانت هناك ركنة دائرية ملفوفة بدقة وأمامها أكثر من طاولة صغيرة.
غمغمت وداد قائلة وهي تلاحظ تفحصهم للشقة:
_ اتفضلوا اقعدوا، وأنا هنزل أقفل باب العمارة تحت، أصل العمارة دي مفهاش حد ساكن غيري وأنا بخاف على نفسي.
جلسوا الفتيات وسألتها وصال في حيرة:
_ حضرتك متجوزة ولا عايشة لوحدك.
أجابت وداد وهي تمضغ العلكة بفمها قائلة:
_ لا مش متجوزة، بيني وبينكم الجواز ده غم، وأنا ست فرفوشة ماليش في جو النكد ده، يلا هسيبكم أنا بقا.
أختفت المرأة عن أنظارهم فتحدثت قدر بنبرة تسودها القلق وهي تنظر لطاولة أمامها:
_ أنا قلبي مش مطمن بصي لشقة كويسة وكل مكان قدامه ترابيزة ده غير أن العمارة كلها مفيهاش حد.
صمتت وصال ولم تدر بما تجيب، وبين جوانحها خافق ينبض بالقلق هي الأخرى ولكن ما باليد حيلة ومن ثم أردفت:
_ وصال أهو سقف يحمينا أحسن من بلاش العشا خلاص هيأذن واحنا مكناش هنعرف نروح وأول ما الشمس تطلع نمشي على طول تمام.
أومأت قدر برأسها وغمغمت:
_ تيجي الست اللي تحت دي وأنا أقوم أصلي كل الفروض اللي فاتتني دي.
قاطعهم صوت وداد وهي تؤشر على شمالها الحمام:
_ هناك أتوضي وخدوا راحتكم كأنه بيتكم، وأنا هحضر العشا ناكل سوا.
اعترضت وصال قائلة:
_ لا شكراً، احنا أكلنا فالقطر.
تابعت وداد بإصرار:
_ لا مفيش اعتراض أنا ما صدقت ما لقيت ونس أصل الوحدة قاتلة يابنات.
دب الأمان قلوبهم قليلاً بعد حديثها فأومأت وصال:
_ تمام، بس هنصلي الأول.
هزت وداد رأسها وتمتمت:
_ خدوا راحتكم.
بالأسفل وصل أحمد وصديقه بهاء أمام العمارة أخذ يدفع الباب الحديدي بيده فتحدث صديقه قائلاً:
_ أظهر أن مفيش حد ساكن هنا.
تحدث أحمد بحدة:
_ أكيد فيه الباب مقفول من جوة.
وعلى القرب منهم مازالت السيارة واقفة فتحدث أحدهم:
_ هنتصرف إزاي دلوقتي.
تحدث الآخر وهو يهبط من السيارة:
_ أنا هتصرف.
وتقدم منهم حتى أصبح أمامهم وقال:
_ أيوه يا كابتن عايز مين هنا.
استدار أحمد ليصبح أمامه مباشرةً:
_ كنا بنسأل عن ست هنا اسمها سامية ياريس.
رد الشاب وقال:
_ الست سامية اتنقلت ومفيش حد ساكن فالعمارة.
هز أحمد رأسه متفهمًا وهو يقول:
_ تمام ياريس تشكر أنت.
وقف الشاب بضع ثواني حائراً فهو ظن أنه سيغادر فور ما يخبره ولكنه ظل واقفًا، فلم يجد حل غير مغادرته.
نظر أحمد حتى اختفاء الشخص عن أنظاره ودفع الباب بيده فقال إيهاب:
_ يابني ماهو قال مفيش حد، يعني ده يعرفنا عشان يكذب عليك.
أجاب أحمد بضيق:
_ تعالى ندور على أوتيل نبات فيه ونكلم نجلاء نقولها، أحنا كده منعرفش هنعمل إيه.
مضت الساعات حتى جاءت الثانية منتصف الليل، غادرت وداد من غرفتها وأتجهت إلى غرفة الفتيات، مالت بأذنها لتسترق السمع من وراء الباب فلم تجد صوتًا، لتبتعد متجهة إلى المطبخ كي لا يحس أحد عليها.
حملت هاتفها بيدها وضغطت عليه لتضيء شاشة الهاتف واخرجت أحد الأرقام تهاتفه انتظرت قليلاً لتجيب الجهة الأخرى، فأجاب شخصًا بصوت رخيم:
_ أهلا يا وداد، أنا سمعت أنه اتقبض عليكي أنتي والبنات اللي معاكي.
أجابته هي:
_ أيوه يا خويا واتبهدلت بهدلة، بس الباشا الكبير خرجني منها زي الشعرة من العجينة.
غمغم الشاب بحنق:
_ وعايزة إيه فالوقت ده.
قالت بخبث:
_ عاوزة أرد للباشا جِميله.
قال الشاب مبتسمًا:
_ شكلك لقيتي قطة جديدة.
ردت هي:
_ قطتين يا خويا وواحدة تالتة صغيرة.
هتف الشاب:
_ وإيه حلوين.
قالت وداد:
_ حلوين وبس دول فلقة قمر، واحدة اسمها قدر ودي عينها عسلي وبيضة، والتانية مش أقل منها عين بني واسعة وبياض إيه.
رد بتهكم:
_ فرحيني وقولي التالتة ليا.
قالت بإمتعاض:
_ يا خويا بقولك صغيرة دي يدوب عشر سنين.
لوى فمه قائلاً:
_ طيب، بكرة هقول لسامح بيه ومن الصبح نكون عندكم.
_ ماشي، هستناكم، بس ابقا بلغ الباشا سعرهم غالي شوية.
قال بحدة:
_ مش لما يشوفهم الأول يا وداد، روحي عشان بكرة تبقي فايقة للي هيحصل.
ولم ينتظر منها رد لينهي المكالمة.
نظرت هي للهاتف وألقت السباب عليه.
رواية قدر و وصال الفصل السابع 7 - بقلم هدير ممدوح
"صباحًا"
أسفل العمارة التي تقطن بها وداد مازالت السيارة التي بها الشباب واقفة، وكانوا نائمون بداخلها، استيقظ شاب منهم كان ينام على الأريكة من الخلف على أثر سماع صوت سيارة أخرى توقفت أمام باب العمارة مباشرةً.
فاعتدل بجلسته ووكز أصدقائه ليستيقظوا.
"إيه ياعم في إيه."
أشار له قائلاً:
"بص هناك كده."
دعك عينيه بيده أولًا كي يزيل أثر النعاس ونظروا جميعًا لتلك السيارة التي هبط سائقها واتجه ليفتح بابها، فتدلى رجل من السيارة ببدلة سوداء رسمية وبيده تبغ ينفث دخانه، وولج للعمارة بهيبة ووقار.
انتفض الشاب الذي كان بالسيارة وهو يقول:
"أنا لازم أبلغ أيمن باشا بسرعة يمكن أخته في خطر."
وأخرج هاتفه من جيب بنطاله وجاء برقم أيمن ليهاتفه، وقال وهو ينتظر الرد:
"شهاب روح العمارة شوف إيه اللي هيحصل بسرعة."
وترجل الذي كان بجانبه متوجهًا إلى العمارة.
"بمنزل وصال"
كان جالس شقيقها أيمن بملابسه الرسمية، وبيده يحمل فنجانًا من القهوة يرتشف منه، استمع لرنين هاتفه الذي كان أمامه أعلى الطاولة فألتقطه واستقبل المكالمة قائلاً:
"أيوة يا محمد في جديد."
رد الشاب محمد:
"أيوة يا أيمن باشا في واحد دخل العمارة وشكله راجل غني، أنا قلبي بيقولي إن العمارة دي مشبوهة يابيه."
تحدث أيمن بصوتًا حاد قائلاً:
"اتصرف يا محمد، خرج وصال وصاحبتها من العمارة دي بأي طريقة."
أجاب محمد:
"ماشي يباشا أنا هتصرف، أطمن أنت."
زفر أيمن بعمق وهو يقول:
"وصال أمانة عندك يا محمد، أي حاجة تحصل معاك تقولي فورًا."
محمد بتريث:
"تمام يباشا."
أنهى أيمن المكالمة وتنهد بضيق، فأقتربت منه نجلاء بخطوات بطيئة وقالت:
"أنت عرفت مكان وصال ولا إيه يا أيمن."
حدجها أيمن ببصره وقال بإمتعاض:
"نجلاء أنا بحذرك أنسي وصال خالص أنتي فاهمة."
واستقام من مكانه وغادر منزله.
فألقت نجلاء السباب عليه بعدما اختفى من تحت أنظارها.
"في شقة وداد"
ولج الرجل للداخل، وجلس واضعًا ساقًا على الأخرى وتابع وهو ينفث دخانه:
"فين البنات دول يا وداد."
أجابت وداد قائلة:
"في الأوضة جوة يا ياسامح بيه، أصل أنا عطيتهم الأمان خفت يهربوا مني، هروح أخبط عليهم."
هز الرجل رأسه دون أن ينبس ببنت شفة، وكان يقف على مقربة منه إحدى رجاله.
"بغرفة الفتيات"
واقفة قدر أمام المرآة تلف خمارها، بينما جالسة وصال على طرف الفراش تمشط شعر رهف.
"الحمدلله لاقيت خيط أخيط بيه الأدناء ده."
ردت وصال قائلة:
"الحمدلله، إن شاء الله نخلص من ده كله ونشتري كام طقم ليكي أنا عارفة إن هدومي مش هتناسبك."
كادت قدر أن ترد عليها حتى قاطعها صوت الطرق على الباب وقول وداد:
"أصحوا يابنات يلا عاوزاكم برة."
غمغمت قدر قائلة:
"تمام هنخرج دلوقتي."
عادت وداد مرة أخرى إلى صالون شقتها وخرجت الفتيات الثلاث بعد دقائق معدودة، وقفوا في دهشة ينظرون إلى ذلك الرجل والذي بجانبه، ونظر لهم الرجل يتفحصهم بدقة أثارت رعبهم وكأنهم عراة أمامه.
وأحست قدر بنظراته فمالت على أذن وصال قائلة:
"تعالي نرجع الأوضة ناخد الشنط ونمشي من هنا يلا بسرعة."
ردت وصال بتردد:
"مش مفروض نسلم عليها الأول وبعدين نمشي."
كانت قدر تسترق نظرها إلى ذاك الجالس بأرتياح حتى وثب قائمًا يقترب باتجاههن، فأزدادت ضربات قلبها خوفًا من القادم واستدارت لتعود وقالت هامسة لوصال:
"يلا تعالي ألحقيني."
أسرع الرجل بخطواته وأمسك معصمها وتحدث قائلاً:
"أنا عجباني البت دي يا وداد جهزوها."
نظرت قدر بذعر خلفها لتجد رجلًا يبدو ببداية قرنه الأربعين ذو ملامح جذابة مختلطة مع تجاعيد وجهه القليلة وقد خط شعره الشيب.
فقالت قدر منتفضة وهي تنظر بعينه الذي قرأت بها سوء النية:
"أنت إزاي تتجرأ وتمسك أيدي بالطريقة دي."
"عند نجلاء"
انتظرت مغادرة زوجها وجاءت برقم أحمد على هاتفها لتتصل به.
انتظرت قليلًا حتى جاءها صوته:
"أيوة يا نجلاء."
فقالت له بحدة:
"انت فين دلوقتي."
يرد أحمد بحنق:
"أنا خلاص اهو داخل على العمارة اللي فيها شقتي، هموت وأنام."
أجابت نجلاء بنبرة غاضبة:
"يعني إيه، أنت نزلت من اسكندرية."
أحمد بلامبالاة:
"أيوه يا نجلاء."
هتفت نجلاء بإمتعاض:
"بس ده ماكنش اتفاقنا ووصال لسة فـ اسكندرية."
أحمد بتريث عكسها:
"وأنا كنت هعمل إيه يعني ما أنا قولتلك على كل اللي حصل."
زفرت نجلاء بقوة وقالت:
"أحنا لازم نبعد قدر عن وصال أنا عاوزاك توصلني لجوز أمها فأسرع وقت."
"أسفل العمارة"
واقف محمد مع صديقه ينتظرون أي خبر منه، وقاطعهم مجيئه المهرولًا إليهم وأخرج الكلام من جوفه دفعة واحدة وقال:
"الشقة دي مشبوهة يا محمد والبنات في خطر."
زفر بعمق فقد تأكد من شكوكه ولكنه ألقى على مسامعه تلك الكلمة:
"انت متأكد."
رد شهاب بضيق قائلاً:
"أيوه ياعم أنا سمعته بيقول جهزوا البنت دي يا وداد."
جاءهم صوت صديقهم الآخر قائلاً:
"طيب هنتصرف إزاي دلوقتي، وهنعمل إيه."
"في الأعلى"
تحدثت وصال وهي تحاول إبعاد ذاك الرجل عن صديقتها فقبضت على يده تحاول نزعها، وهي تصيح بحدة:
"أبعد عنها وإلا......"
فقالت وداد ساخرة:
"وإلا إيه ياحلوة، الشارع كله مفهوش حد ساكن فيه والعمارة مفيش غيري ساكن فيها حتى خالتك سامية نقلت، فاسمعي الكلام وخلي اليوم يعدي لأن كده كده الباشا هياخد صاحبتك."
"مستحيل"
خرجت من جوف قدر الذي ظهر على ملامحها الثبات والقوة عكس داخلها تمامًا وقلبها الذي يكاد أن يتوقف من شدة الخوف.
فاسترسلت قائلة:
"على جثتي أني أخلي حد يقربلي أنتِ فاهمة."
أقتربت منها رهف والدمع أخذ يتسابق على وجنتيها وقالت بخفوت:
"ما تسيبنيش ياقدر زي ماما."
أقتربت منهم وداد قائلة بفظاظة:
"لا بقولك إيه منك ليها، إحنا مش هنفضل فالفيلم الهندي ده كتير."
واستدارت ناظرة للشاب الذي جاء مع سامح واسترسلت حديثها بنبرة خالية من أي رحمة:
"قرب ياعماد أمسك الكبيرة وأنا الصغيرة خلي الباشا ياخد البنت دي ونخلص."
وبالفعل اقترب المدعو عماد وقبض على رسغها بقوة ومال على أذنها قائلاً بخفوت:
"الباشا ياخد صاحبتك وافضالك أنا ياجميل."
صرخت وصال قائلة:
"بتقول إيه انت كمان ياحيوان انت والباشا بتاعك ده هتندموا صدقني."
تحدث سامح ببرود يناسب شخصيته:
"سامح المدكور مش بيتهدد ياحلوة، ولسة دورك جاي."
ووجه نظره إلى قدر واسترسل قائلاً:
"يلا ياجميل عشان يومنا طويل."
وشد على عضدها ليسحبها خلفه فعلى صراخ وصال وبكاء رهف.
صوت صفعة تردد صداها بالمكان وألجم ألسنتهم وهم يرون ذلك سامح متسع العينين ينظر لقدر بأعين أطل منها الغضب ولو كانت تخرج نيران لأحرقتها، بينما لا تعلم هي من أين أتتها تلك القوة.
نفضت يدها من بين قبضته ورفعتها وهبطت به على وجهه.
طال الصمت ثواني معدودة، حتى آتاهم صوت طرقات قوية على باب الشقة التي كانت النجاة للفتيات.
تحدث سامح ومازالت أعينه على فريسته قائلاً:
"أنتي مستنية حد يا وداد."
انتفضت وداد قائلة:
"لا ياخويا، وأنا هستنى مين يعني."
"أفتحي"
هكذا استمعت إلى صوته الخالي من أي مشاعر.
تركت وداد يد وصال وهي تخطو للأمام وقالت:
"اتخبى في أي مكان ياسامح بيه."
ونظرت للفتيات قائلة بتهديد:
"لو سمعت صوت واحدة فيكم هشوهلها وشها الحلو ده."
بالفعل امتثل سامح لأمرها وتوجه هو وعماد إلى المطبخ للأختباء وتقدمت وصال أمسكت بيد رهف ووقفا بجانب قدر الساكنة بمكانها.
قامت وداد بفتح الباب لتجد شابًا واقفًا ولم يكن غير محمد الذي هتف قائلاً:
"ست وداد، ست وداد في مباحث واقفة تحت قدام العمارة أنا سمعتهم بيتكلموا فالتليفون."
انقبض قلب وداد وقالت:
"كلام إيه ده ياواد، أنا حتى أول مرة أشوفك هنا."
ابتلع محمد ريقه خوفًا من فشل خطته وقال:
"أنا ساكن فالشارع اللي ورا ومتابعك وعارف كل حاجة عنك."
استرسل حديثه بغمزة واتمنى اكون ايدك اليمين وتبلي ريقي بحاجة من اللي عندك.
نظرت له بشك، فتابع قائلاً:
"لو مش مصدقاني بصي وشوفي بعينك أنا نبهتك."
ألقى جملته وغادر من أمامها منتظرًا نتائج خطته التي يتمنى نجاحها.
توجهت هي سريعاً للشرفة فوجدت شابين ينظرون للأعلى فهرولت للخارج وهي تدب على صدرها قائلة:
"يامصيبتي ياسامح بيه في مباحث واقفة تحت قدام العمارة."
خرج سامح ومعه عماد وقال بوجه مقتضب وملامح لا تبشر بالخير:
"أنا مش هتحرك غير والبنت دي معايا، لازم أدفعها تمن القلم ده غالي."
علا صوت وصال وهي تقول:
"دلوقتي ياست وداد هيبقا في ناس هتسمعنا لو صرخنا أحسنل......"
قاطعتهم وداد قائلة بتهديد:
"اخرسي لقطعلك لسانك ده يابت."
وتوجهت أنظارها إلى سامح وأدرفت بترجي:
"أبوس أيدك ياسامح بيه أمشي من هنا، أنا مش حمل مصايب تانية."
تحدث عماد لرب عمله قائلاً بتأييد:
"وداد عندها حق يباشا إحنا لازم نمشي من هنا، كده أنت بتوقع نفسك في مصايب أنت في غنى عنها."
كان يعلم أنهم معهم كامل الحق فإن قُبض عليه سيتلوث أسمه وسيتضرر عمله خاصةً وأنه رجل أعمال.
فغمغم قائلاً ومازال نظره معلقًا على قدر:
"هنمشي يا وداد هنمشي."
وبالفعل مر من أمامهم وخرج هو وعماد صافعًا الباب خلفه بحدة انتفض على أثرها جسد قدر.
توجهت وصال للداخل جاذبة حقائبهم تحت أنظار وداد التي تحدثت ما أن رأتها:
"على فين العزم هو دخول الحمام زي خروجه."
رفعت وصال سبابتها بوجهها وقالت بتهديد:
"والله العظيم لو سمعت صوتك لكون مصوتة، وإن مجاش حد على صوتي هخنقك بأيدي دي وأريح العالم منك."
صرخت وداد بهم قائلة:
"اطلعوا برة بيتي يلا برة."
غادروا الفتيات العمارة تحت أنظار الشباب الذين كانوا بسيارتهم فأسعدهم نجاح خطتهم.
وللمرة الثانية يتلقون ضربة من الحياة، فالطريق صعب المسير، وخاصةً أن لم تكن تعرف أين وجهتك.. فتهيمُ هائمًا على وجهك في الطرقات دون سبيل.
لا يعلمون كم من الوقت مر، ولكن الصمت كان رفيقهم.
حتى قاطعه صوت وصال التي قالت بخفوت وندم:
"أنا آسفة ياقدر، بسببي عشتي يوم من أسوأ أيام حياتك."
وقفت قدر مكانها وناظرتها بأعين ارتسم بها الغضب والقهر وتحدثت بحدة قائلة:
"قولتلك الست دي مش مظبوطة بلاش نقعد هنا، شوفتي إيه اللي حصل."
وصال بندم:
"أنا آسفة ياقدر حقك عليا، أنا بس قلت اهو مكان يحمينا...."
لا تعرف كيف خرج صوتها بكل هذه القوة حين قالت بصوت ممزوج بالوجع:
"أنا محدش حاسس بيا يا وصال افهمي أنا وصلت بيا إن الحل الأنسب هو الانتحار، وبعدها أرجع استغفر وأقول سامحني يارب، الحكاية دايما غير الكل ما شايفها في جزء خفي جوة كل شخص فينا عن الكل."
انسابت دموعها على وجنتيها واسترسلت قائلة:
"بنبقا عايشين في ضغط، خوف، قلق، بس بنبين الجزء القوي منا، بنحاول بكل قوتنا."
احتضنتها وصال أثر كلماتها التي مزقت قلبها ولم تستطع قول شيء سوى البكاء، ورهف تنظر إليهم بأعين تتلألأ بها الدموع هي لا تفهم الكثير من حديثهم ولكنها تبكي لبكاء شقيقتها.
ألقت وصال بالصمت جانبًا واردفت قائلة ببكاء وهي مازالت تعانقها:
"متقوليش كده ياقدر أنا اتعودت عليكي قوية انتي الحيط اللي بتكي عليه وقت ضعفي وببقا واثقة إنه عمره ما هيميل، أو هييجي يوم ويقع."
ابتسمت قدر ساخرة من وسط دموعها:
"وأنا اتعمدت أظهر كده يا وصال بس أنا اضعف من ما تتخيلي."
أجابت وصال:
"والله دموعك بتنزل سكاكين على قلبي."
ألقت رهف بجسدها عليهم تحوطهم بيدها الصغيرة أسفل ظهرهم قائلة:
"خلاص بقا، انتو هتزعلوا من بعض؟"
تركوا بعضهم وسحبت قدر شقيقتها تعانقها وبيدها الأخرى مسحت دموع وصال قائلة:
"بس أنا مش ببين ضعفي غير ليك زي ما أنا سندك أنتي كمان سندي يا وصال قدر مش بتكون كاملة من غير وصال."
ابتسمت وصال قائلة بصوت متحشرج من أثر البكاء:
"ووصال كمان مش بتكون كاملة من غير قدر."
تحدثت رهف بطفولة عفوية:
"طب إيه رايكم تتجوزوا وكده نعيش كلنا مع بعض."
صدرت ضحكة من الفتيات فتذمرت رهف وقالت:
"من شوية كنتو قالبينها نكد ولما أنا اتكلمت بتضحكوا عليا."
تحدثت وصال بوجه فرح مبتسم:
"وكده تبقا رهف ضحكت وصال و قدر."
ابتسمت رهف برضا.
وقالت قدر بِحيرة وقلق غزا ملامحها:
"دلوقتي هنروح فين؟"
رواية قدر و وصال الفصل الثامن 8 - بقلم هدير ممدوح
الغد، كل الخوف من الغد، الذي لا نعلم ما يحويه لنا، فبثواني معدودة تقلب الحياة موازينها وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتجد نفسك كالغريق فهذه الحياة تنتظر النجاة.
جالس أيمن بمكتبه بارتياحية بعدما أخبره محمد بما حدث فطمئن قلبه على شقيقته وأوصاه بحمايتها. زفر بعمق وهو يتذكر كيف اكتشف حقيقة زوجته.
انتظرت الخادمة خروج أيمن من منزله وعندما رأته يغادر خرجت خلفه تنادي باسمه فتوقف يستمع لها قائلاً:
_أيوة يا ثناء، في حاجة.
فغمغمت ثناء بتردد:
_يعلم ربنا أنا بحب قد إيه آنسة وصال عشان كده هقولك باللي سمعته.
تنبه أيمن لحديثها وقال باهتمام:
_سامعك قولي.
فأفصحت ثناء بارتباك:
_الخادمة: امبارح بليل سمعت الست نجلاء بتكلم واحد اسمه أحمد بعتاه يدور على ست وصال عشان يمضيها غصبًا عنها تنازل بأسهمها فالشركة.
غلت الدماء في عروقه قهراً من أعمال زوجته وقال بوجه مقتضب:
_ثناء بعد كده عاوزك تراقبي نجلاء طول ما هي داخل البيت تمام.
كانت تنقل له أخبارها ومحادثتها مع أحمد حتى جاءت له بتلك الحقيقة الساحقة فتذكر حديثها عندما أتته بوجه مكفهر قائلة:
_أيمن بيه في حاجة سمعتها ومقدرتش أقولك على التليفون زي كل مرة وأنت فشغلك.
انتفض أيمن من مجلسه وقال:
_سمعتي إيه يا ثناء، قولي حالاً، في حاجة حصلت لـ وصال.
هتفت ثناء سريعاً تطمئنه:
_لا، لا ست وصال بخير.
اطمئن قلبه وجلس مرة أخرى على الأريكة وهو يقول بصوت متعب:
_أومال في ايه بس يا ثناء.
تحدثت ثناء وأخرجت ما بجوفها دفعة واحدة:
_بصراحة كده الست نجلاء بتخونك مع واحد اسمه وائل سمعتها بتقوله ياحبيبي، وكمان زعقت معاه وقالت متنساش أني أنا لعبت فراس أيمن عشان يستثمر فلوسه والناس اللي بعتها من ضمن لعبتي وأن احنا اللي نصبنا عليه تمام.
كان لحديثها ذلك وقع مرير على قلبه فأزدرد لعابه وهو يقول:
_روحي ياثناء على شغلك.
أشفقت العاملة على حالته وغادرت من أمامه.
خرج أيمن بعد هنيهة من شروده على صوت طرق على باب مكتبه فغمغم قائلاً:
_أدخل.
دلف شاب طويل نحيف الجسد ذات بشرة بيضاء معلقًا برقبته id مكتوب عليه اسمه "وائل عبد المجيد". تقدم وائل من أيمن وجلس أمامه فلم تكن تفصل بينهم غير طاولة المكتب، كان يود أيمن لو يقف ليهشم عظامه ولكنه أراد الانتقام منهم على طريقته ولأول مرة يحمد الله على عدم إنجابه منها بأطفال.
للمرة الثانية يخرجه وائل من شروده قائلاً:
_إيه يابرنس اللي شاغل بالك كده.
مال أيمن بجزعه على الطاولة وهو ينظر له بتحدي ظهر بعينه:
_مين طلب منك تقعد.
تعجب وائل من لهجته تلك وقال:
_مالك ياعمنا اظاهر أن في حد معكنن على مزاجك النهاردة، بس روق بالك كده، ده أنا جايلك بحتة عرض إنما إيه هيكسبك ملايين.
عاد أيمن بجسده للوراء مستندًا بظهره على كرسيه وقال بحده جعل الآخر ينتفض من مجلسه:
_أطلع برة.
وثب وائل واقفًا وقال:
_في إيه يا أيمن أنت مش على بعضك النهاردة ليه؟
زمجر أيمن بحدة قائلاً:
_أطلع برة يا وائل مش عاوز أشوف وشك.
جز وائل على أسنانه بغيظ وخرج من المكتب متوعدًا له بالانتقام لأهانته تلك.
يقفون أمام ذلك المنزل الذي تستطيع رؤية مساحته الكبيرة، فكان يتميز بسور قصير من الخارج وبابٍ حديدي في منتصفه وأمامه تقف قدر ووصال وشاب بجانبهم وبيده حقيبة وصال. خطا للأمام وفتح الباب فدلفوا جميعهم للداخل ينظرون حولهم بإعجاب لتصميم هذا المنزل الذي محفوف من كلا جانبيه بحديقة تسلب الألباب من روعتها. تقدموا للأمام وصعدوا ثلاث درجات ليقابلهم باب آخر فطرق الشاب عدة مرات حتى أطلت عليهم امرأة في الثلاثين من عمرها وقالت باحترام:
_نورت ياعلاء بيه.
فأجابها وهو يمد له يده بالحقيبة:
_تسلمي يا أم نور، خدي الشنطة دي طلعيها على أوضة الضيوف.
حملت الحقيبة وغادرت من أمامهم فتحدث هو قائلاً:
_أتفضلوا.
خطت أقدامهم للداخل وهو أمامهم حتى توقف جميعهم بمنتصف المنزل الذي كان يتميز بأثاث راقٍ. استمعوا إلى صوت خطوات أحدهم فتقدمت منهم امرأة واتجهت إلى الشاب تعانقه بشوق وتحدثت قائلة:
_نورت بيتك ياعلاء يابني.
فبدالها هو العناق قائلاً:
_بنورك ياست الكل.
ابتعدت عنه ونظرت إلى قدر ووصال تتفحصهما بنظرها وقالت بدهشة:
_مين دول ياعلاء.
_دول ضيوفي يا أمي هينورونا كام يوم.
أمتعض وجهها وقالت:
_أنت متعلمتش من الدرس الأول ولا إيه، جايب البنات دي ليه هنا.
علا صوت علاء الحاد قائلاً:
_قدر ووصال ورهف هيفضلوا معانا فترة، ومش عاوز مناقشة في الموضوع ده.
ردت أمه بحنق وهي تناظرهم:
_ويا ترى جايين بأي مصيبة، ومصيرك معاهم يكون إيه.
كتم غضبه بداخله وقال:
_أمي ياريت نتناقش في المكتب. واستدار للفتيات قبل مغادرته وقال:
_أستريحوا لحد ما نيجي.
غادر من أمامهم الشاب والمرأة ولم يغفل عن نظراتها المشمئزة لهما. ارتمت وصال بجسدها على الأريكة وجلست رهف بجانبها وتحدثت قائلة:
_وادي أهو شخص كمان مش مرحب بوجودنا، مش عارفين أمتى هنرتاح من ده كله.
جلست قدر بجانبهم وقالت:
_لو رجعنا حياتنا هتدمر، بس على الأقل هنا أمان لينا.
تحدثت وصال:
_الحمدلله إن قدرنا نوصل لـ ملك وإلا مكناش هنعرف نعمل إيه. وشردت فيما حدث معهما.
"عودة إلى الوراء"
هتفت وصال صائحة بملامح مبتهجة:
_الحمدلله ملك هتساعدنا. وقالت هتبعتلنا شاب اسمه علاء، هو اللي كان مسئول عن قضيتها.
ردت قدر تحمد ربنا وزينت ابتسامة ثغرها وقالت:
_وحشاني ملك جداً، آخر مرة شوفتها مع امتحان آخر العام في الكلية وبعدين نقلت على إسكندرية، حقيقي من الناس القريبة على قلبي.
ردت وصال قائلة:
_أنا قلت لازم ألاقي شخص نكون واثقين فيه أنا وأنتي، ولو ماكنتش مسافرة أكيد كنا روحنا عندها، بس كويس خلينا واقفين منتظرين الشاب، أنا وصفت لها المكان وقالت إنه هيجي.
انتظروا لما يقارب النصف ساعة.
حتى أتت سيارة ووقفت بالقرب منهم فترجل منها شاب طويل، عريض المنكبين، ذات بشرة خمرية، عينان بنيتان ضيقتان، ذات أنف غليظ بعض الشيء.
تحدثت وصال الذي أطل من عينيها الإعجاب:
_ينهار أبيض لو ده طلع علاء، طول بعرض إيه. استرسلت مازحة، ووقعت صريعة بهواه.
نكزتها قدر وقالت بنبرة حادة:
_غضي بصرك.
تقدم منهم الشاب قائلاً:
_آنسة قدر ووصال؟
أجابت قدر بخفوت:
_أيوة أحنا.
مد الشاب يده لها قائلاً:
_مع حضرتك المقدم علاء رفعت، أستاذة ملك كلمتني عن حضراتكم.
ارتبكت نبرة قدر قائلة:
_عُذراً مش بسلم على رجالة.
تحمحم بخجل وارجع يده بجانبه وقال وهو يشير على سيارته:
_اتفضلوا، اركبوا هنروح على بيتي.
"بمكتب علاء"
تعالت أصواتهم بداخله فتحدثت والدته بحدة:
_مصيبة تانية يابني ليه بتعمل كده.
زفر بعمق محاولاً كظم غيظه قائلاً:
_يا أمي البنات دول وضعهم مختلف عن اللي كانت قبل، وبعدين تخيلي أخواتي البنات مكانهم ترضي ترميهم في الشارع كده.
هتفت صائحة:
_وفين أهاليهم ها، وبعدين أنا بناتي مفيش مقارنة بينهم وبين اللي برة دول؛ أنا بناتي متربيين أحسن تربية، ومش هسمح لهم يباتوا في بيت حد غريب.
جذب علاء كفوف والدته ضاغطاً عليها برفق وتحدث:
_أمي، اوثقي فيا المرة دي، أوعدك إن مفيش حاجة هتتكرر، دول غير اللي قبلهم.
نفضت يده مبتعدة عنه وقالت:
_على راحتك بس خليك فاكر، جملتي أنت اللي هتتعب في الآخر.
رد بتريث:
_حاضر يا أمي، أتمنى تعامليهم كويس الفترة اللي هيقعدوا فيها.
حدقته بنظرات غاضبة متوجهة إلى الخارج. فأردف قائلاً قبل خروجها:
_بلغي أم نور تعملي فنجان قهوة، وتبعتلي البنات على هنا.
لم ترد على حديثه بل ذهبت دون أن تنبس ببنت شفة.
بعد قليل دلفت العاملة وبيدها كوب القهوة ومن خلفها الفتيات، وكان يجلس هو خلف طاولة مكتبه العريضة وأمامه كرسيان. وضعت العاملة الكوب أعلى الطاولة وقالت:
_تأمر بحاجة تانية يا علاء بيه.
_لا روحي انتي يا أم نور، بس خدي الأمورة الصغيرة دي معاكي هاتيلها شوكولاتة.
تحدثت قدر لشقيقتها:
_روحي يارهف مع طنط.
فذهبت الصغيرة مع العاملة دون التفوه بشيء.
تحدث علاء مشيرًا لهما:
_اتفضلوا ارتاحوا.
جلست قدر وأمامها وصال. فمال بجزعه للأمام سانداً مرفقيه على الطاولة وقال بصوت رخيم:
_مين فيكم قدر.
"أنا"
هكذا خرجت الكلمة من جوفها، فقال وهو يحدقها بنظرات غامضة:
_مفهمتش من ملك كتير، بس قالت إن زوج والدتك بيتحرش بيكي.
شعرت قدر بالإحراج، فتحدثت وصال بدلاً عنها فهي تعلم مدى حساسية صديقتها من هذا الموضوع:
_أيوة فعلاً يا أستاذ علاء.
حدقها بنظرات باردة وقال:
_أظن الحديث مكنش متوجه ليكي يا آنسة وصال.
إغتاظت الفتيات من رده اللفظي. فقالت قدر:
_هو إحنا فتحنا تحقيق.
أجابها وهو ينقل بصره إليها:
_لو حابة تعتبريه كده اعتبريه.
هتفت وصال صائحة:
_حضرتك بتتكلم ليه كده معانا، وبعدين أنا رديت عشان عارفة حالة قدر.
انفعل علاء قائلاً بغضب وتحدث بنظرات ثاقبة على قدر:
_أنتي مش محامي الدفاع عنها يا آنسة، وهي مش طفلة صغيرة، هي هنا ضحية لراجل قذر بيحاول يرضي رغباته القذرة، نظرة الخوف والضعف وقلة الثقة اللي قادر أشوفها في عيونها وحركتها؛ عايزها تتمحي، هي مش مجرمة تمام.
تفهمت وصال فعلته ولكن هتفت قدر بصوت حاد:
_أنا مش ضعيفة ولا خايفة من حاجة وأقدر أعتمد على نفسي.
_لو قادرة تعتمدي على نفسك مكنتيش هربتي. هكذا خرجت الكلمات من جوفه.
فوثبت قدر قائمة وقالت بتحدي:
_لو وجودنا هنا مش مرحب بيه فأحنا نمشي فوراً. وكادت أن تخطو ومعها وصال فأفزعهم صوته الذي علا فجأة:
_أستني عندك.
أوقفها هادرًا بمجرد أن تحركت أقدامهم واسترسل قائلاً:
_غلطك إن كل مشكلة بتقابليها بالهروب وده مش حل.
استدارت له قائلة:
_انت عاوز إيه بالظبط، هو المفروض كنت أقعد هناك وأستنى أما أخسر شرفي.
قال علاء برفق:
_لا يا آنسة قدر، كل اللي أنا عاوزه إنك تكوني قوية، أنتِ مش مذنبة عشان تتوتري فورًا وتخافي، ودلوقتي أتمنى تقعدوا ونتكلم بهدوء. تبادلتا الفتيات النظر قليلاً وجلسوا مرة أخرى.
ترجلت نجلاء من سيارتها أمام منزل بسيط في إحدى الأحياء وكان برفقتها أحمد الذي قال:
_أهو ياستي ده بيت إسلام، اللي قاعد معاه سيد. المهم بعد التعب ده كله أنا هاخد فلوسي أمتى.
نجلاء بامتعاض:
_جرا إيه يا أحمد مش قادر تصبر نخلص الحوار ده وبعدين نشوف موضوعك.
قالت جملتها وهي تخطو أمامه وطرقت عدة مرات على المنزل، فتحدث هو:
_متعودتش حد يتجاهلني كده بس هعديها.
أجابته بفظاظة وهي تطرق الباب:
_من هنا ورايح اتعود على كده.
انفتح باب المنزل وطل منه سيد الذي نظر لها يتفحصها وسرعان ما قال:
_إيه اللي جايبك ياست أنتي.
إجابته هي بلامبالاة:
_مش هتقولنا اتفضلوا ولا إيه.
سيد:
_عاوزة إيه أخلصي معنديش وقت.
تحدثت هي ببرود:
_جاية أقولك ابعد قدر عن وصال.
قهقه هو ساخرًا وقال:
_أنتي فاكرة لعبتك دي هتمشي عليا، أنا عارف كويس إن قدر هي اللي بعتاكي.
امتعض وجهها وقالت بحدة:
_قدر مين دي اللي تبعتني، أنت اتجننت ياراجل أنت.
احتدت نبرة سيد قائلاً:
_أمشي من قدامي البيت أحسنلك.
هدأت نبرتها قليلاً واردفت:
_مش همشي من هنا قبل ما أتفق معاك، ابعد قدر عن طريق وصال.
هدر قائلاً:
_مش لما أبقى عارف مكانها الأول.
غمغمت قائلة:
_أنا هعرف مكانها وهبلغك بيه وانت فورًا هتروح تاخدها ونخلص، المهم تبعدها من طريقي.
عقد حاجبيه وقال:
_وانتي إيه اللي بينك وبين قدر.
أجابت بنبرة باردة:
_ولا حاجة، أنا ووصال بينا حساب، ومش هيتصفى غير لما قدر تبعد عنها.
صمت سيد قليلاً يفكر بحديثها وكل هذا حدث تحت أنظار أحمد الغير مبالي بشيء، فأردف سيد:
_موافق.
ابتسمت بمكر وتابعت وهي تمد يدها له بهاتفها وقالت:
_اكتب رقمك هنا، وأنا هبلغك بمكانها في أسرع وقت.
"في مكتب علاء"
علا زفيره غاضبًا وألقى ما على الطاولة أثر نوبة غضبه، وهو يتذكر كيف كانت تسرد له مضايقات المدعو سيد لها، وكيف تنجو من براثنه كل مرة، ولما يغفل عن ملامح وجهها التي كانت تتغير من الخوف إلى الخجل، والحزن والتوتر.
تحدث صائحًا بغضب وهو يسند بكفيه على الطاولة:
_حيوان، حيوان، وديني ما سايبك.
هدأت أنفاسه قليلاً:
_فأخرج هاتفه من جيب بنطاله وضغط عدة مرات ليضعه على أذنه منتظرًا ردًا من الجهة الأخرى.
_الو علاء باشا، عاش من سمع صوتك يا أخي.
هتف علاء سريعًا:
_انت فالقاهرة ياهشام.
رد هشام:
_أيوة ياعم قلقتني في حاجة معاك ولا إيه.
أجاب علاء بغموض:
_عاوزك في خدمة.
كانت جالسة على الفراش بغرفة الضيوف وبجانبها شقيقتها نائمة. بعد سردها ما حدث معها لعلاء تذكرت تلك الذكرى المؤلمة، بالأصل هي لم تنساها أبدًا، حين خرجت والدتها ذات يوم من المنزل وظنت بأنها بأمان لأنه كان بعمله ولكنها تفاجئت بمجيئه باكرًا. كانت جالسة أعلى الأريكة تشاهد إحدى الأفلام المفضلة لديها ولكنها استشعرت أنفاسًا حارقة تضرب عنقها فأنتفضت تنظر خلفها لتجد كابوسها المرعب. وثبت واقفة عازمة على المغادرة فتفاجئت به يجذبها من معصمها وكانت تحول بينهم الأريكة خرج صوتها المرتجف قائلة:
_سيب إيدي يا عمو سيد مينفعش كده.
ابتسم ساخرًا وهو يقول:
_عمو إيه بقا، قوليلي ياحبيبي، نفسي أسمعها منك.
حاولت نزع يدها من قبضته المحكمة عليها ولم تستطع بينما مر هو ليقف أمامها مباشرة لا يفصل بينهم شيء فتفاجئت بسحبه لها ودفعها على الحائط وكمم فمها بكفه الضخم وقال:
_لو سمعت صوتك الحلو ده طلع هزعلك.
حاولت مقاومته بكل قوتها لتفك حصاره، وهبطت دموعها وما كاد أن يقترب منها حتى استمع إلى صوت باب المنزل يفتح.
تساقطت دموعها دون أن تشعر، فأنتزعتها وصال من شرودها وهي تربت على كتفها، وقالت:
_قومي ياقدر ياحبيبتي خديلك شاور كده ينعش جسمك واتوضي عشان تصلي، وامسحي دموعك دي، وأهو الضابط علاء معانا ووعدك هيجيبلك حقك.
هزت قدر رأسها دون أن تنطق ببنت شفة، متوجهة إلى المرحاض الملحق بالغرفة.
عاد أيمن من عمله وصعد إلى غرفته دون إعطاء أي انتباه لزوجته التي تنادي باسمه وتلاحقه.
دلف لغرفة نومه وهي خلفه فاستمع إلى صوتها الغاضب:
_أنا مش بنادى يا أيمن مالك كده من يوم ما وصال ما مشيت وأنت متغير عليا هو في إيه بالظبط.
ألقى بجاكت بدلته على الفراش واخرج مفاتيحه وهاتفه من جيبه ووضعهما أعلى الطاولة التي كانت تتوسط الغرفة وتوجه إلى خزانة الملابس يخرج ثياب بيتية مريحة، ولم يعبئ لها على الإطلاق.
فجزت هي على أسنانها بغيظ منه وقالت:
_هو أنا كلبة يا أيمن عشان بكلمك ومش معبرني.
أجابها ساخرًا وهو يجلس على فراشه نازعًا حذائه وقال:
_لا، بس الكلبة أحسن وأوفى منك.
صدمت من حديثه لتقول:
_أنت تقصد إيه.
للمرة الثانية لم يعيرها أي انتباه بل أخذ ملابسه متوجهًا للمرحاض ناظرًا لها بابتسامة استفزتها. فسبته بعدما غادر من أمامها وقالت بحنق:
_داهية تاخدك.
واتجهت للطاولة وجذبت هاتفه وقامت بفتحه لتبحث عن شخص يدعو محمد فهذا الاسم الذي استمعت له، أخذت تبحث بالأرقام لتقوم بإرسال رسالة لها كان مضمونها "محمد ابعتلي عنوان وصال"، ولم يخب ظنها عندما استجاب لها المدعو محمد وقام بإرسال العنوان فحفظته وقامت بحذف الرسائل ووضعت الهاتف مكانه.
خرجت قدر من المرحاض لتتفاجأ بـ شهقات وصال العالية ودموعها المنهمرة، فهرولت إليها سريعًا قائلة:
_وصال فيه إيه مالك.
تحدثت وصال بصوت ممزوج بالبكاء ومدت يدها لها بالهاتف الذي كان بين كفها وقالت بخفوت:
_خطب.
عقدت قدر حاجبيها بتعجب ونظرت للهاتف لتجده يضيء على مقطع فيديو يجمع شخصان يتبادلان الخواتم فتنهدت قدر قائلة:
_تاني يا وصال، تاني، قولتلك من الأول متعلقيش قلبك بالشخص ده انتي طالبة وهو دكتورك في الجامعة.
زادت شهقات وصال قائلة:
_أنتي مش قادرة تحسي بيا، أنا قلبي واجعني أوي.
هتفت وصال قائلة وهي تزيل دموعها:
_صدقيني ده مجرد إعجاب من ناحيتك لشخص منبهرة بشخصيته وده خير ليكي كل الخير صدقيني يا حبيبتي.
ابتلعت وصال غصة بصدرها قائلة:
_سيبيني يا قدر، عاوزة أقعد لوحدي.
جلست قدر بجانبها على الأريكة وحاوطتها بيدها قائلة:
_أنا عمري ما هسيبك وأنتي في الحالة دي.
ظلت وصال بضع ثوانٍ بحضن صديقتها ورفعت رأسها قائلة:
_هو ممكن الخطوبة متكملش ويبقا من نصيبي أنا صح.
كادت قدر أن ترد عليها، فتفاجئت بفتح الباب عليهم ودلف فتاة بيضاء البشرة، بعينين خضراوين ولكن يبدو أنها في عقدها الثلاثين.
أردفت الفتاة قائلة:
_أسفة لدخولي بالطريقة دي، أنا أميرة أخت علاء، لما عرفت إن عندنا ضيوف قلت أجي أتعرف عليكم، وسمعت حديثكم بالصدفة.
أجابت قدر وقد ارتسمت ابتسامة على ثغرها:
_أهلًا بحضرتك.
جلست بجانبهم قائلة:
_حبيت زميلي في الجامعة، ودايمًا كنت بحس بشعور متبادل، فضلت أدعي وأقول يارب يطلع بيحبني ونتجوز وربنا استجاب.
انشرح صدر وصال قليلاً وشعاع أمل تسلل لقلبها ولكن لم يدم كثيرًا حتى استرسلت أميرة حديثها قائلة:
_واتجوزنا فعلاً ورُزقت بأجمل حاجة في الدنيا بنتي جوري، وبعد كده معاملته اتغيرت جدًا وابتدا يواجهني، ويقولي إنه بيحب بنت خالته وعاوز يطلقني وعشت أسوأ أيام حياتي ما بين ضرب وإهانة، مقدرتش أستحمل وبلغت علاء. فرت دمعة دون إرادة منها فأزاحتها سريعًا وتابعت. واطلقت وأنا عمري 25 سنة ودلوقتي أنا 30 وجوري 5 سنوات هعرفكم عليها بكرة لأنها نامت دلوقتي.
تأثرت الفتيات بحديثها، فحين استطردت هي قائلة:
_مش كل اللي بنتمناه خير يا وصال، أنا كنت مفكرة لو متجوزتش من ياسر حياتي هتقف ومش هقدر أكمل، بس أهو قدامكم أنا بخير وبقيت أقوى.
أزاحت وصال دموعها التي لم تجف بعد وقد فهمت الرسالة ونظرت لها مبتسمة وقالت:
_شكراً يا أميرة.
بدالتها أميرة الابتسامة وقالت:
_أنا ما صدقت إن عندنا ضيوف يلا نتعرف واحكولي كل حاجة عنكم.
وظل الفتيات يتسامرون عن حياتهم على أمل أن يأتي الغد محملاً بالأفراح.
دقت الساعة التاسعة صباحًا والفتيات بغرفتهم مستيقظات، جالسات في حيرة من أمرهن لا يعلمن هل يهبطن للأسفل، أم يظللن بالغرفة. قاطع شرودهن صوت طرقات على الباب، لتتقدم وصاله منه تفتحه فتجد أميرة فنظرت لها باسمة.
فتحدثت الأخرى قائلة وهي تنظر لهيئتهن:
_صباح الخير يا بنات بما إنكم جاهزين تعالوا يلا ننزل نفطر.
ناظرتهن الفتيات بحرج فتفهمت هي قائلة:
_يلا بقا حتى عشان الأمورة الصغيرة دي.
لحقوا بها الفتيات بعد إصرارها فوقفوا أمام طاولة كبيرة عليها بعض من الأطعمة وتترأسها والدة علاء فقط، التي امتعض وجهها عند رؤيتهن وقالت بتهكم:
_إيه يا أميرة من أمتى وأحنا بنجيب الغريب يقعد معانا على الفطور، لو عاوزين يفطروا دخليهم جوة المطبخ مع الخدم.
ابتلعوا الفتيات تلك الإهانة ومالت قدر على أذن وصال وقالت:
_أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة بعد الإهانة دي.
أيدت وصال رأيها عازمتين على العودة لأخذ أغراضهن والمغادرة.
حتى آتاهم صوت علاء من الخلف يتقدم نحوهم:
_إيه يا أمي من أمتى وأحنا بنهين ضيوفنا ونعاملهم بالطريقة دي.
ردت قدر عليه قائلة:
_بعد إذن حضرتك يا علاء بيه إحنا هنا مش عشان نعمل مشاكل بينك وبين الست الوالدة فوراً هنمشي من هنا.
حدقها علاء بنظراته وقال:
_أنتي أمي.
"نعم" هكذا خرجت الأحرف من جوفها متعجبة. فقال هو:
_موجهتش كلامي ليكي.
وعاد بنظره إلى والدته وهتف بحدة:
_اللي يهين ضيوفي يبقى بيهيني أنا كمان، ولو قدر ووصال مشيوا من البيت ده، يبقى أنا كمان ماليش قعاد فيه، ويا ريت منخليش أي ماضي يأثر علينا مفهوم.
أجابت أميرة:
_مفهوم يا علاء، وبعدين أنت عارف إن ماما متقصد.
كادت أن تكمل حديثها ليهتف هو:
_من غير مبررات، أتمنى يكون كلامي اتوضح للجميع.
وثبت والدته قائمة بعدما حدقته بنظرات عاتبة، فلم يبالي لها.
فقالت أميرة للفتيات:
_يلا يابنات أنتو لسة واقفين ليه اقعدوا، ناكل سوا.
تبدلت نبرة علاء وقال بلين:
_يلا يابنات اقعدوا افطروا.
مالت قدر مرة أخرى على أذن وصال وقالت:
_ده ملبوس ولا إيه.
فأجابتها وصال قائلة بمرح:
_اسكتي بس، يا خراشي عليه وهو بيزعق قمر يا ولاد.
فوكزتها قدر قائلة:
_اللي يشوفك دلوقتي، ما يشوفكيش امبارح وانتي فالقة نفسك من العياط على دكر بط.
قاطع همسهم صوت أميرة قائلة:
_إيه يا علاء مش هتفطر معانا.
فأجابها هو:
_لا، ورايا شغل ضروري لازم أمشي.
وبالفعل غادر علاء من أمامهن، وجلسوا الفتيات يتناولوا بعض اللقمات فقالت أميرة:
_أتمنى متزعلوش من ماما، أصل خايفة على علاء ليتكرر معاه نفس اللي حصل قبل كده.
قالت وصال بفضول:
_وإيه اللي حصل معاه قبل كده؟!
نفت أميرة قائلة:
_حاجة مش مهمة يعني، المهم إيه رأيكم بعد الفطار نروح المول نجيب شوية حاجات وكمان قدر تشتري لبس ليها ولأختها لأن ملاحظة إنه ما لحقتش تجيب هدوم.
ردت وصال قائلة:
_تمام معاكي.
وهزت قدر رأسها بنعم.
بعد قليل من الوقت كانوا الفتيات يختارون ملابس لهم بعناية فأخذت قدر دريس بلون الأبيض به بعض النقوش الملونة ودلفت لـ لبروفة لقياسه، والفتيات بقسم ملابس الأطفال ينتقون إحدى البلوزات لرهف.
مر أكثر من خمسة عشر دقيقة ومازالت قدر بالداخل فتحدثت أميرة:
_هي قدر طولت كده ليه.
فقالت وصال:
_مش عارفه أنا قلقت عليها، خليكي انتي مع رهف وأنا هروح أشوفها.
هزت أميرة رأسها بنعم، وتوجهت وصال لقسم الملابس التي به قدر، وجدت العاملة أمامها فقالت:
_لو سمحتي هي الآنسة اللي جت معانا لسه مخرجتش من البروفة.
أجابتها الأخرى:
_معرفش الحقيقة أنا انشغلت مع الزباين، بس المتأكدة منه أنها مفيش جوة لأن فيه زبونة لسه داخلة.
انقبض قلب وصال خوفًا على صديقتها وغادرت تبحث بالأقسام الجانبية فلم تجدها رجعت للقسم الذي به أميرة ورهف وقالت وهي تلتقط أنفاسها:
_دورت على قدر في كل مكان مفيش ليها أي أثر.
صدمت أميرة من حديثها وأردفت:
_هيكون راحت فين يعني، أكيد هتكون هنا.
تلألأ الدمع في عيني وصال قائلة:
_أنا خايفة، معقول يكون سيد وصلنّا، وقدر يخطفها.
رواية قدر و وصال الفصل التاسع 9 - بقلم هدير ممدوح
والندوب بقلوبهم لا تشفي أبدًا بل تشاطرهم، وتظل الأحزان حية معهم.
واقفون يشاهدون تسجيلات الكاميرا بذلك المول وعلاء معهم الذي جاء فور معرفته بالأمر.
يصبون كامل نظراتهم على ذاك المقطع الذي جاء بقدر تتحدث معهم، فرمقهم علاء قائلاً:
_بتقولكم إيه هنا.
ردت شقيقته قائلة:
_قالت أدخل هقيس دي وانتي يا وصال روحي مع رهف لقسم الأطفال نقيلها حاجة عشان نكسب وقت، وأنا قولت إني هروح مع وصال بس.
صب نظره مرة أخرى أمامه فشاهد مغادرة الفتيات ودخول قدر لقياس قطعة الملابس.
ولم يدم بضع دقائق حتى خرجت امرأتان يرتدين النقاب الساتر لوجههن، وإحداهن تسند الأخرى التي تبدو كالمتغيبة.
هتفت وصال قائلة:
_إيه اللي بيحصل ده، مش قدر هي اللي كانت جوة مين دول.
بسط علاء كفه أمام وجهها وصاح قائلاً:
_اسكتي، نفهم الباقي.
لم تعِر وصال لحديثه أدنى انتباه، بل نظرت مرة أخرى تشاهد القادم، فوجدوا العاملة منشغلة مع إحدى الزبائن، وخرجت المرأتان من الباب الزجاجي ليجدوا شابًا آخر منتظرهم بكرسي متحرك، ووضعوا عليه المرأة المتغيبة عن الوعي.
هدر علاء قائلاً:
_أنا كده فهمت كل حاجة.
وتابع بغضب تفاقم بين جوانحه:
_بس اللي مش قادر أفهمه إزاي تسبوها لوحدها.
ردت أميرة قائلة:
_إحنا مكناش نعرف إن ده اللي هيحصل.
غمغم هو بحنق:
_واهو حصل.
امتعض وجه وصال وهتفت:
_اللي حصل حصل، هنعمل إيه دلوقتي.
أجابها علاء:
_لا انتو مش هتعملوا حاجة، أنا اللي هعمل.
صوت بكاء طفولي صدر بجانبهم ولم يكن غير لرهف التي تمتمت بخوف على شقيقتها قائلة:
_هو كده قدر مش هترجع تاني ومش هشوفها زي بابا وماما.
مال علاء بجذعه واضعًا كفيه على كتفيها وقال بنبرة لينة:
_امسحي دموعك، مش عاوزك تخافي من حاجة، وأوعدك قدر هترجع تاني.
نظرت له رهف قائلة:
_طيب رجعهالي بسرعة عشان أنا خايفة من غيرها.
هز علاء رأسه ونزع يده من عليها وقال مغادرًا:
_السواق برة، ارجعوا على البيت فورًا.
وغادر دون أن يستمع لردهن.
خوف عظيم دب في بدن قدر، هي لا تعلم أين هي، كل ما تراه هو ظلام حالك، يلفها من كل جانب؛ أثر القماش المغطي عينيها.
استمعت لصوت خطوات تتقدم منها وشعرت بيد أحدهم ينزع القماش من عينيها فأرتجفت وارتعدت أطرافها وخفق قلبها بقوة وعنف وترقرقت الدموع بعينيها.
انقشعت الغشاوة من عينيها، ورفعت نظرها بوجه الرجل وقالت بجزع بعدما تعرفت عليه:
_انت؟!
"اطلع أنت يا عماد دلوقتي"
أتاها هذا الصوت البغيض، وانتظرت أن يتنحى عماد جانبًا، فكان واقفًا أمامها يمنع عنها رؤية من خلفه، فأتسعت عينيها بصدمة وتأكدت من ظنونها وتفوهت بأعين متسعة:
_انت عاوز مني إيه، وإزاي قدرت توصل لي؟
وثب قائمًا من أعلى كرسيه وتقدم بخطاه نحوها ووضع كفه يفك الحبال التي ألتفت على يداها وقال وهو يأخذ نفسًا عميقًا:
_انتي هنا عشان أنا عاوز كده.
فصاحت هي غاضبة:
_يعني إيه كلامك ده؟!
فك وثاق يدها ولم يتفوه بشيء، فاستقامت هي واقفة وقالت:
_أنا بعمل إيه هنا، وأنت عاوز مني إيه.
عقد ساعديه أمام صدره قائلاً:
_دخلتي مزاجي، وسامح مدكور مفيش حاجة بيعوزها إلا ما بياخدها.
حاولت أن تخرج صوتها هادئًا لتقول:
_لو سمحت سيبني أمشي من هنا، أنا مفيش بيني وبينك حاجة، ووجودنا عند اللي اسمها وداد دي كان صدفة، أنا مش زي البنات اللي بتجيبهم.
_عارف، واقعدي مكانك.
انصاعت لكلماته وجلست ليأتي هو بكرسيه ويجلس أمامها مباشرةً.
تحدثت هي مرة أخرى قائلة:
- أنت عايز إيه.
رد هو بوقاحة:
- عايزك.
أحتل الذعر ملامح وجهها وقالت:
_لو حاولت تقرب مني، صدقني مش هتردد ثانية أقتل نفسي.
لتنصدم من جملته عندما قال:
- انتي هنا هتكوني مراتي، مرات سامح المدكور.
فهتفت قائلة:
_بتقول إيه يا جدع أنت، مرات إيه دي.
وثب سامح فجأة ومال بجزعه عليها مستندًا بيده على أيدي الكرسي الخشبية، فعادت هي للوراء كرد فعل منها.
ضيق عينيه وتبسم بمكر قائلاً:
_اللي مش هاخده منك بالحلال، هاخده في الحرام، والقرار ليكي.
أغمضت قدر عينيها بقوة وتساقطت دموعها تلهب وجنتيها، لقد عاد القدر ليلطمها بشدة بطامة أخرى ستقتص من روحها، وخوف عظيم دب ثنايا قلبها.
عاد هو جالسًا على كرسيه وقال بنبرة باردة:
_الورق جاهز، ناقص بس أمضتك ياعروسة.
خرجت الأحرف من جوفها مرتجفة قائلة:
_سيبلي وقت أفكر.
قهقه هو ساخرًا ليقول:
_وماله يا عروسة هسيبلك وقت، بس اعرفي إنك مش هتقدري تهربي من هنا، الأفضل ليكي توافقي.
ألقى كلماته تلك وغادر صافعًا الباب خلفه، فانتفضت هي باكية.
عند علاء.
جالسًا على مكتبه في قسم الشرطة يشاهد باقي تسجيلات الكاميرا الذي استطاع الحصول عليها من المول، ليشاهدهم وهم يضعوها بداخل السيارة وما إن تحركت حتى استطاع رؤية أرقامها من الخلف ليسجلها هو.
وصوت طرقات على الباب قاطعت ما يفعله، فهتف:
- أدخل.
دلف شاب بزي رسمي وأدى التحية العسكرية وقال باحترام:
- تحت أمرك يا علاء بيه.
فقال علاء برسمية:
_خد يابني رقم العربية ده عاوزك تتابع كل تحركاتها وتعرفلي هي فين.
أخذ الشاب منه الورقة وغادر المكتب، فجلس هو متكئًا بظهره على كرسيه.
علا رنين هاتفه فجذبه من أعلى الطاولة، وتلقى المكالمة.
تحدث بصوت أجش:
_ألو ياهشام.
هشام:
_أيوة يا علاء، الراجل اللي أنت كلفتني بمراقبته هو دلوقتي نزل اسكندرية.
أغمض علاء عينيه وأخذ نفسًا عميقًا وقال:
_تمام يا هشام، تمام، هو كده جه لقضاه.
تحدث هشام:
_أول ما عرف قعد فين بالظبط هبلغك، أنا عينت واحد يكون وراه، ويعرف كل تحركاته.
علاء:
_تسلم ياهشام معروفك ده مش هنساه.
هشام بمرح:
_لا معروف ولا حاجة، ولو عاوز ترده يبقى أول ما أنزل اسكندرية تعزمني على الغدا ياسيدي واتردت أهي.
ابتسم علاء قائلاً:
_طبعًا ده أنت تنور.
هشام:
_طيب يا حبيبي السلام عليكم، معطلكش أنا.
رد علاء السلام وانهى المكالمة وألقى هاتفه على الطاولة بعشوائية.
عند قدر.
كفكفت دموعها ووثبت قائمة ليجذب نظرها تلك الغرفة الراقية وألوانها المتناسقة الجميلة وأثاثها الفاخر.
أقتربت من الفراش وتمددت عليه، حتى آتاها صوت طرقات على الباب، فسمحت للطارق بالدخول، فدلت أمرأة في ريعان شبابها تحمل صينية عليها بعض من أصناف الطعام فأقتربت تضعها أعلى الطاولة الصغيرة التي كانت تتواجد أمام الأريكة وقالت:
_سامح بيه بيقولك كلي كويس، ياهانم.
احتدت نبرة قدر قائلة:
_مش عاوزة حاجة تقدري تاخدي الأكل ده وتمشي.
اجابت العاملة:
_كل الأوامر اللي عندي إني أسيبلك الأكل وامشي، عن إذنك ياهانم.
ألقت جملتها تلك وغادرت.
فزفرت قدر برفق وتمددت مرة أخرى على الفراش.
وعلى القرب من غرفة قدر دلفت العاملة لغرفة أخرى، بعدما استأذنت للدخول فقالت بتريث:
_سامح بيه، الأكل وصل للهانم.
كان واقفًا ينظر للأسفل من نافذة غرفته ويوليها ظهره وتحدث قائلاً:
_قالت حاجة.
ردت العاملة:
_اتعصبت وقالت إنها مش عاوزة حاجة.
استدار هو وقال:
_تمام، روحي أنتي دلوقتي وشوية وابقي اطلعي شوفيها، كلت ولا لأ.
_تحت أمرك ياسامح بيه.
غادرت العاملة الغرفة ليتذكر هو ما حدث حتى جاء بها إلي هنا.
عودة إلى الوراء.
بعد مغادرته من عند وداد كان في طريقه ليعود لمنزله فتحدث قائلاً:
_عماد، اقف على جمب عاوزك تعرفيلي البنات اللي عند وداد هيروحوا فين خليك وراهم.
انصاع المدعو عماد لأوامره، فهبط من السيارة عائدًا إلى حيث أمره رب عمله، كان معه على اتصال دائم، فأخبره أنهم تحدثوا مع صديقة لهم يطلبون منها المساعدة، فبعثت لهم بشاب أقلهم، وظل هو خلفهم حتى جاء اليوم الثاني.
فقام بالاتصال به وهو يراهم مغادرين المنزل مع إحدى الفتيات.
عماد:
_ألو ياسامح بيه، البنات دلوقتي خارجين مع واحدة تانية، وحاليًا وقفوا قدام المول.
فأتاه الرد من سامح قائلاً:
_دي فرصتك ياعماد، عاوزك تخطف قدر وتجيبها لحد البيت.
_تحت أمرك يا سامح بيه.
أنهى معه المكالمة، ليقوم بمهاتفة صديقه لمساعدته، فلم يمضي كثيراً حتى جاء شاب وقاموا بتنفيذ خطتهم لاختطاف قدر.
تائهة وحيدة هي دون صديقتها ولو فتحت صدرها لوجدت قلبها يصرخ ألمًا، على فراقها؛ فالصديق للصديق وطن، إن غاب الآخر، تلفك الغربة من كل جانب.
جالسة وصال وعينيها غرقتان بنهر من الدمع.
وبجانبها أميرة تربت على كتفها برفق، وقالت:
_مفيش داعي للخوف ده كله يا وصال إن شاء الله هترجع.
حدجتها وصال بنظرات عاتبة واردفت بصوت متحشرج أثر البكاء:
_يعني إيه مفيش داعي للخوف يا أميرة، قدر مش صحبتي وبس لا هي كمان أختي، وأظن لو كان عندي أخت كنت هحب قدر أكتر.
وارتفعت شهقاتها واسترسلت وهي تضع وجهها بين كفيها:
_قدر بالنسبالي كل حاجة هي جنتي على الدنيا.
تلألأ الدمع بأعين أميرة وقالت بنبرة نادمة:
_أنا آسفة يا وصال، حقيقي مش قصدي، أنا بس كنت عاوزة أهديكي، إحنا يمكن منعرفش بعض غير من يوم، بس يعلم ربنا إني حبيتكم.
هزت وصال رأسها عدة مرات واستقامت قائلة:
_أنا مش هفضل قاعدة كده كتير، أنا هروح أدور عليها بنفسي.
أمسكت أميرة رسغها وقالت:
_تروحي فين بس يا وصال استهدي بالله هنلاقيها أكيد، قعدي أنا هرن على علاء أشوفه وصل لأيه.
في الأعلى.
كانت رهف جالسة أعلى الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها وتحاوطهم بيدها الصغيرة وصوت شهقاتها مرتفعة.
وفي تلك اللحظة كانت والدة علاء تمر من أمام الغرفة فطلت من الباب برأسها ورق قلبها للصغيرة فدلت للداخل وجلست أمامها.
أحست رهف بها فرفعت رأسها تناظرها وكان عندها علم بما حدث مع قدر.
فتحدثت "أُلفت" والدة علاء، قائلة برفق:
- بتبكي ليه ياحلوة.
زمت رهف شفتيها وقالت:
_ماما ماتت، ودلوقتي قدر مش عارفين هي فين.
أقتربت منها أُلفت وضمتها لصدرها وقالت بحنان:
_متقلقيش ياحبيبتي أختك هترجع، ابني علاء ظابط شاطر وهيعرف يرجعها.
_طيب ولو معرفش يرجعها؟
هكذا تفوهت الصغيرة بتساؤل حائر.
فردت أُلفت:
_وإحنا ليه نحط الاحتمال ده في دماغنا، وأزاحت دموعها بإبهامها وتابعت:
_بدال ما نقعد نبكي، خلينا ندعي لـ قدر، أنتي مش عارفة إن ربنا قادر على كل شيء.
هزت الصغيرة رأسها وقالت:
_أيوة قدر علمتني لو وقعت في مشكلة أفضل أدعي ربنا يحلهالي، وأنا دلوقتي هروح أتوضأ وأصلي وأدعي لقدر ترجع بسرعة.
شقت ابتسامة بسيطة ثغر أُلفت وقبلت الصغيرة من جبهتها قائلة:
_برافو عليكي يلا، روحي أعملي كده.
عند نجلاء.
كانت بغرفتها جالسة تتحدث بالهاتف، والعاملة تسترق السمع من الخارج.
نجلاء:
_أيوة يا سيد عملت إيه.
أتاها صوت سيد غاضبًا:
_انتي ياست انتي، شكلك عاوزة توديني فداهية.
صاحت نجلاء قائلة:
_ما تتكلم عدل ياراجل أنت، إيه اللي حصل لده كله؟!
صاح سيد قائلاً:
_اللي حصل إني وصلت قدام البيت اللي عطيتني عنوانه لا حد دخل ولا خرج سألت شخص كان ما عدي ده بيت مين قالي بيت المقدم علاء.
أجابته بمكر قائلة:
_وانت خايف من إيه.
هتف هو بغضب:
_ده حكومة، يعني فيها سجن، مش بعيد يكون فيها إعدام أصلًا.
أجابته ساخرة:
_ليه قاتل قتيل، متخفش أوي كده، أنت كل اللي عليك تاخد قدر وتختفي وخلصنا.
غمغم سيد بغموض قائلاً:
_تمام، كله يهون فدا الحب.
قهقهت نجلاء وقالت:
_حب! طاب اقفل طيب.
وبالفعل لم يطل سيد الحديث معها ونهى المكالمة.
مازال علاء بمكتبه، وطرق بابه، فسمح للطارق بالدخول، فدلف العسكري وهو يقول:
_قدرنا يا فندم نحدد آخر مكانين للعربية.
هتف علاء، بلهفة:
_قول بسرعة فين.
العسكري:
_بعد خروجها من المول، وقفت عند فيلا رجل الأعمال سامح المدكور، وبعدها اتحركت للجراج.
غمغم علاء بتعجب وخفوت:
_سامح المدكور!
العسكري:
_أيوة يا فندم.
_تمام روح أنت دلوقتي.
خرج العسكري، ثم علا رنين هاتف علاء، فألتقطه واجاب بصوت غليظ:
_ألو يا أميرة.
أميرة:
_أيوة يا علاء موصلتش لحاجة، عاوزين نطمن.
علاء بتريث:
_متخفيش بلغي وصال ورهف قدر هتكون في البيت قبل بكرة الصبح.
رواية قدر و وصال الفصل العاشر 10 - بقلم هدير ممدوح
في الثانية بعد منتصف الليل كان يتسلل السور بمهارة مغطي وجهه بقناع أسود كحال الظلمة حوله، ألقى بنفسه من أعلى السور فتأوه لثوانٍ معدودة ونصب عوده قائمًا، وظل يسير رويدًا رويدًا وبيده مصباح يدوي له ضوء خافت، أحس بخطوات أحد سيمر من أمامه فعاد إلى الوراء قليلاً يختبأ خلف الحائط نظر بتمهل ليجد أحد حراس الفيلا يمر، غاب عن أنظاره فزفر بتمهل وتسلل الأمان لقلبه وخطا ببطء ليصل إلى ذاك المنزل الداخلي، الذي كان يحوطه حديقة متسعة مع أسوار عالية، رفع أنظاره إلى تلك المواسير البيضاء الذي تحاوطها أداة بلاستيكية خضراء، وضع الكشاف بجيب بنطاله واصبح يتسلقها بمهارة وسهلت عليه تلك الأداة الصعود، فكان يضع أطراف قدمه عليها، وصل بجانب أحد الشرف، فمد يده قابضاً بقوة على أحد أسياخ حديدها المتراصة بشكل جميل وملون بجانب بعضهم مد يده الأخرى قابضاً على واحد أخر، وتعلقت قدماه بالهواء، للحظة كان سيسقط أرضاً، فأصبح يدفع نفسه للأعلى بكل قوته فتمسك بسور الشرفة ورفع قدمه واضعاً إياها بين أسياخ الحديد، وقف حائراً قليلاً، غير مستعد للقادم وتحدث بخفوت:
أتمنى تكون قدر فالأوضة دي، وينتهي الموضوع.
دفع باب الشرفة برفق وجذب الكشاف يوجهه في أنحاء الغرفة، حتى توقفت بقعته البيضاء على وجه ذاك النائم أعلى فراشه ولم يكن سوى سامح.
خرج من الغرفة بكل حذر واغلق الباب خلفه وأستند عليه بضهره واضعاً كفه على صدره يتنفس الصعداء، كان الممر به بعض الأضواء الخافتة، وغرفة سامح تقع بالمنتصف وبجانبها أربع أبواب لغرف أخرى علي يمينها اثنان وشمالها اثنان فتحدث هو قائلاً بهمس لنفسه وهو يتوجه شمالاً:
أشوف الاتنين دول الأول وبعدين، أرجع اشوف دول.
خطا ببطء نحوهم حتى دفع باب أحدهم ووجد الغرفة فارغة، توجه لثانية وفعل نفس الشئ ووجدها أيضًا فارغة، عاد للوراء باحثاً في الأخرين فجذب مقبض أحدهم من الخارج يحاول فتحه ولكن دون جدوي، يبدو بأنها مغلقة، أحس بأنه من الممكن ان تكون قدر بداخلها فحاول دفع الباب دون إصدار صوت ولم يفلح، أخذ يحرك مقبض الباب عله ينفتح ولكن خابت ظنونه.
بالداخل كانت جالسة قدر على الفراش فهي لم تستطع النوم خوفًا من أن يعود ويفعل بها شيئًا رأت تحرك المقبض شمالاً ويمينًا فدب الخوف بقلبها وهي تحس بتلك الضوضاء الخافتة، اقتربت من الباب وقالت بصوت خافت وخوف تجلى بنبرتها:
مين، مين برة.
استمع علاء لنبرتها بالخارج وقال بلهفة:
أنا علاء يا قدر.
ابتسامة صغيرة زينت ثغرها وشعاع أمل تسلل قلبها وقالت بسعادة تجلت في نبرتها:
علاء بيه أرجوك ساعدني أخرج من هنا.
تحدث هو بنبرة لينة:
وانا جيت عشان كده ياقدر، بس المشكلة ان الباب مقفول، بس متقلقيش عامل حسابي لكده.
أخرج مفك صغيرًا من جيب بنطاله وعالج قفل الباب ودفعه بقوة، مما جعله يصدر صوتًا عاليًا بعض الشيء، وقف أمامها مباشرةً وقال بصوت خفيض وهو يزيل القناع من وجهه:
قدر انتي كويسة حد أذاكِ.
انسابت دموعها من مقلتيها وكم كانت تتمنى لو تستطيع عناقه في تلك اللحظة.
قلق علاء من صمتها وضيق عيناه بقلق وعاد سؤاله مرة أخرى:
انتي كويسة؟!
تمتمت قدر قائلة:
كويسة بس كنت خايفة.
رد علاء برفق:
متقلقيش، أنا معاكي.
عم الصمت لدقائق إلا من أعينهم التي تلاقت بعض اللحظات.
تحمحم علاء قائلاً:
لازم نمشي قبل ما حد يشوفنا.
هزت رأسها وغمغمت بخفوت:
تمام.
كانوا بطريقهم للأسفل فقالت هي:
هننزل من على السلم إزاي افرض حد شافنا.
أحتدت نبرته قليلاً وقال:
هننزل زي الناس ياقدر، وسامح والخدم نايمين، والحراس على البوابة الخارجية وبس، أكيد مش هخليكي تنطي من على السور، أنا وصلت لحد هنا بصعوبة.
تفوهت هي بنبرة ثابتة غير مبالية بحديثه الفظ:
تمام، اللي تشوفه ياعلاء بيه.
يفضل تخليكي ورايا عشان لو حصلت حاجة.
للحظات اختفى الخوف من قلبها ونست ما مرت به وكم تمنت أن تدفعه من أعلى الدرج ليسقط وينكسر رأسه الصلب، وسرعان ما عادت لوعيها، وهبطت بحذر خلفه.
خرجوا من هذا المنزل، ولكن ظلت أمامهم تلك العقبة وهي الخروج كليًا منه، وقفوا بجانب أحد الأشجار التي كانت بالقرب من البوابة الخارجية فمال علاء بجذعه يلتقط حجرين فقال:
هشتت انتباهم أول ما هرمي الحجر ده هيدخل واحد يشوف في إيه، وبعدها هرمي ده كمان، عشان الحارس التاني يدخل وبعدها نطلع نجري بكل سرعة وعلى أول الطريق عربيتي هتكون هناك.
هزت قدر رأسها عدة مرات دلالة على موافقتها على حديثه ففعل هو ما قاله ولم تخب ظنونه حتى دلف الحارس خلف الآخر عند سماع صوت الأحجار، فقبض علاء على كف قدر، دون إعطائها فرصة للرفض، وفروا هاربين خارج البوابة يركضون بكل قوتهم، دون النظر للخلف، وصاعدا السيارة وانطلقوا بها عائدين لمنزل علاء، ولم يمضي الكثير من الوقت حتى أصبحوا أمامه.
"بغرفة وصال"
كانت رهف تغط في ثبات عميق، وبجانبها وصال مستيقظة، فكيف يزور عيناها النوم ورفيقة دربها مفقودة، استمعت لصوت صرير سيارة احتك بالأرض، حتى انتفضت واقفة وفتحت باب غرفتها، وهبطت للأسفل بانتظار علاء تريد الاطمئنان على صديقتها.
دلف علاء وخلفه قدر، فاتسعت أعين وصال بصدمة وهي تراها أمامها، ركضت إليها تعانقها بكل قوة، بينما مر علاء من جانبهم وصعد للأعلى دون التفوه بشيء.
ابتعدت عنها وصال واضعة يداها على كتفاها وقالت:
أنا مش مصدقة أنك واقفة قدامي.
عانقتها مرة أخرى واسترسلت:
لو جرالك حاجة قلبي كان هيقف من بعدك.
أبعدتها قدر برفق وقالت:
أنا بخير ياحبيبتي، بس مش قادرة ألم على أعصابي وعاوزة أنام خلينا نطلع.
أومأت وصال برأسها وصعدوا للأعلى.
"وبغرفة علاء"
توجه إلى المرحاض ليأخذ حمامًا منعشًا يزيل عنه أعباء اليوم ولم يطل كثيرًا حتى خرج، وتمدد على فراشه، وسرعان ما غط في سبات عميق.
"في الصباح"
جالس أيمن وزوجته بصالون المنزل وهم يرتشفون من قهوتهم الصباحية، وضع أيمن فنجانه أعلى الطاولة بعد الانتهاء منه ووثب قائمًا وقال بصوت رخيم:
أنا ماشي.
أجابته نجلاء قائلة:
ماشي ياحبيبي، تروح وترجع بالسلامة.
فور خروجه لحقت به الخادمة ونادت باسمه فتوقف هو وقال:
أيوة يا ثناء في حاجة جديدة حصلت.
قالت ثناء، بخفوت:
أيوة يا بيه، مدام نجلاء أتكلمت مع واحد أسمه سيد وكانت بتقوله أنها عاوزاه ياخد الست قدر، ويمشي.
تحدث أيمن مع نفسه بهمس قائلاً:
أنا لازم أوصل للضابط ده.
بتقول حاجة يابيه.
أجابها أيمن بإيماءة من رأسه، وقال:
لا يا ثناء روحي انتي لحد يشوفنا.
دلت ثناء للداخل وتوجهت إلى المطبخ وما كادت أن تستدير حتى أتاها صوت نجلاء:
بقا كده يا ست ثناء، بتنقلي كل حاجة لأيمن.
فزعت ثناء من صوتها وقالت بتوتر:
يقطعني يا ست هانم لا مقدرش.
غضبت نجلاء وعلا صوتها وقالت:
أنتي بتشتغيني أنا شوفتك ونتي بتتسحبي وراه، وسمعت اللي قولتي.
ورفعت سبابتها أمام وجهها وقالت:
عارفة يا ثناء، لو سمعت أنك نقلتي لأيمن، أي حاجة عني، ده هيكون أخر يوم ليكي هنا فاهمة.
انتفضت الخادمة وقالت:
حاضر يا ست هانم فاهمة.
حدجتها نجلاء بإشمئزاز وغادرت الغرفة.
في منزل علاء
تجمعوا الفتيات بغرفة قدر يعانقوها بمحبة وتحدثت أميرة قائلة:
متعرفيش، أحنا قلقنا عليكي قد إيه؟
وما كادت أن ترد حتى تحدثت رهف سريعًا:
وأنا ياقدر روحت صليت وفضلت أدعي كتير إنك ترجعيلي بسرعة.
احتضنتها بقوة وقبلتها من جبهتها وقالت:
يسلملي الغالي اللي بيعرف يتصرف ده.
صوت طرقات على الباب جذبت انتباههم ولم تكن لغير علاء فغمغمت قدر قائلة:
اتفضل.
دلف علاء وما أن رأته رهف حتى ركضت عليه تعانقه فمسد على ظهرها بحنان تحت أنظار الفتيات، وابتعدت عنه وقالت:
عمو علاء ممكن اطلب منك طلب.
قال علاء برفق تجلى بنبرته:
أنتي تؤمري.
تحدثت رهف بلهفة قائلة:
أنت كنت بطل وقدرت تنقذ قدر، فممكن تتجوزها، ونعيش كلنا سوى......
اتسعت أعين الفتيات من طلب الصغيرة فصاحت قدر قائلة:
رهف، تعالي هنا، عيب كده.
استطرد علاء قائلاً:
خدي رهف واطلعي يا أميرة، سبينا أنا والآنسات نتكلم شوية.
امتلأت أميرة لأوامره وخرجت ومعها رهف.
فجلس علاء على الأريكة التي كانت تتوسط الغرفة واضعاً ساق فوق الأخرى يتكأ بظهره عليه وقال:
تعرفوا سامح المدكور منين؟
أجابت وصال:
احنا مش على معرفة بيه.....
قاطعها صوته ونبرته الحادة وهو يقول:
سؤالي واضح ومن غير لف ولا دوران عاوز أجابة مقنعة.
صاحت قدر قائلة بنبرة تجلي بها الغضب:
حضرتك، احنا لا بنلف ولا بندور كل اللي حصل أن.....
سردت على مسامعه ما حدث معهم عندما كانوا ينون الذهاب إلى سامية حتى رؤيتهم لسامح.
وثب قائماً وهو يقول بغموض:
أتمنى يكون كلامك صحيح، ومش لعبة سخيفة، وتعب ليلة امبارح ميضعش على الفاضي.
أردفت وصال بغضب:
حضرتك تقصد إيه بكلامك ده.
ولم تمهله قدر وقت للرد فقالت:
قلت لحضرتك لو وجودنا هنا مش مرحب بيه ....
قاطعها صوته الغاضب، صارخًا:
اسكتي، شخص زيك غير مسئول و غير واعي لا يعتمد عليه في شيء مالهوش الحق أنه يعترض.
أحتدت نظراتهم المرعبة وكأنهم في تحدي، فقالت وصال بتريث محاولة منها لتهدئة الأوضاع بينهم:
خلاص يا فندم، وانتي يا قدر مفيش داعي للكلام ده، ده بدل ما تشكري الظابط علاء.
رمقهم علاء بغضب، وخرج من الغرفة وبنفس الوقت، خطت أميرة للداخل وهي تقول:
في إيه صوتكم طالع.
أرتتمت قدر على الفراش وهي تقول:
والله ما عارفة أخوكي ده ماله طايح ليه كده فينا زي التور شخص متناقض.
قهقهت أميرة من وصف قدر لشقيقها وقالت:
يابنتي حرام عليكي بقا، علاء ده مفيش أطيب منه بس هو طبيعة عمله خلته يبان أنه قاسي وعصبي، وردوده باردة وكمان عدت عليه فترة مابقاش يثق في صنف الحريم بس والله هو طيب.
أجابت قدر ساخرة:
متحلفيش ياختي صدقتك.
استطردت أميرة حديثها قائلة:
بس أنتم وقعتكم منيلة، عشان ألد أعداء اخويا يخطفك ياقدر.
عقدت وصال حاجبيها وقالت بإستغراب:
تقصدي إيه يعني؟!
أجابت أميرة قائلة:
لا ده موضوع طويل وكمان مقدرش أحكيه قدامكم.
تحدثت قدر قائلة:
أميرة ياريت تقوليلنا كل حاجة، مش ممكن نلتمس لأخوكِ عذر فاللي هتقوليه.
توجهت أميرة جالسة على الفراش وقالت:
هحكيلكم.....
في مكتب أيمن
جالس بمكتب شركته، واضعاً هاتفه أعلى أذنه منتظراً رداً من الجهة الأخرى، ولم يطل الأمر كثيرًا حتى أتاه الرد:
الو يا أيمن بيه.
رد أيمن:
أيوة يامحمد، عاوزك تبعتلي العنوان اللي قاعدين فيه قدر ووصال لأني نازل النهاردة الإسكندرية.
أتاه رد محمد قائلاً:
انت نسيت ولا إيه يباشا ما أنا بعته ليك.
تعجب أيمن منه وقال:
بعته ازاي يعني يامحمد أنا أول مرة أطلبه منك.
غمغم محمد مرتبكًا:
حضرتك بعتلي رسالة وقلت إنك عاوز العنوان وأنا بعته.
زفر أيمن بغيظ فقد علم الفاعل وقال بهدوء:
تمام يا محمد أبعته مرة تانية يمكن نسيت.
غمغم محمد:
تمام يباشا.
أنهى أيمن المكالمة، وثوانٍ معدودة ورن هاتفه معلنًا عن وصول رسالة، نظر لها ووثب قائمًا وهو يلتقط مفاتيح سيارته وتحدث بهمس مع نفسه:
قريب أوي يانجلاء نهايتك قربت، بس مش قبل ما أرجع منك كل فلوسي.
ألقى جملته تلك وغادر، عائدًا إلى منزله.
في مكتب علاء
علا رنين هاتفه فجذبه وابتسم قائلاً بمرح:
اللواء محمد فتحي بنفسه معايا، ده ياصباح الورد بقا.
أتاه صوت الجهة الأخرى قائلاً برسمية:
جاتلي معلومات بتقول ان في بنت مقيمة عندك، وانها اتخطفت من المول واللي خطفها سامح المدكور ده صحيح.
تحدث علاء برسمية قائلاً:
مظبوط يفندم.
رد اللواء:
البنت دي بتعمل إيه عندك، ياعلاء.
أزددرد علاء لعابه قائلاً:
حضرتك بتشك في حاجة يفندم.
اللواء بحدة:
وكمان بتسأل يا سيادة المقدم، المرة الفاتت وقفت معاك وقدرت تكمل شغلك، مع إنك فشلت في المهمة، طلبت فرصة تانية وعطيتك.
فهم علاء مقصده ليقول:
لا يا فندم، حضرتك فاهم غلط البنت دي مش زي اللي قبلها.
صاح اللواء بغضب تجلى في نبرته وهو يقول:
علاء البنت دي تبقا تحت عينك، مش عاوز أي غلطة، سامح المدكور لازم يتقبض عليه في أسرع وقت، وقضيته تتقفل، أنت فاهم.
تنهد علاء قائلاً:
حاضر يفندم حاضر.
وانتهت المكالمة فألقى علاء هاتفه أعلى الطاولة ورجع بظهره للوراء وزفر بعمق.
جلست أميرة والفتيات بجانبها على الفراش وقالت:
هحكيلكم بس، الكلام ده يفضل بينا، علاء مبيحبش حد يفتح الموضوع ده.
أومأوا الفتيات برؤوسهن بنعم، واسترسلت هي حديثها:
سامح ده راجل أعمال، بس مستخدم شركته دي عشان تداري على أعماله المشبوهة ليه في تجارة السلاح والدعارة، وعلاء موكل بقضيته، وكان بيحاول كل جهده يجمع أدلة تدين سامح عشان يقبض عليه...
أخذت نفساً عميقًا وأكملت:
طبعاً علاء مكنش بيقولنا على أي قضية ولا نعرف عن أخويا حاجة غير أنه ظابط لحد ما ظهرت في حياته بنت اسمها ريناد.
قاطعتها وصال بفضول قائلة:
أي ده هو كان متجوز؟
نفت أميرة سؤالها قائلة:
لا، في يوم وهو راجع من الشغل قابل بنت بتجري في الطريق وكان في مجموعة شباب ملاحقينها، وعلاء أنقذها وجابها هنا، والحقيقة البنت كانت جميلة جدًا اسمها ريناد قعدت معانا فترة وحبناها جدًا، كأنها واحدة مننا.
تحدثت قدر بلهفة:
أوعي تقولي البنت دي كان باعتها سامح.
هزت أميرة رأسها وقالت:
بالظبط، أخويا علاء كان معجب بيها، وقال لـ ماما إنه عاوز يتجوزها، لحد ما سمعها في يوم بتكلم سامح وبقى يراقبها عشان يتأكد، لحد ما صحينا في يوم ولاقيناها سرقت كل الورق اللي بيدين سامح وفلاشة، وكتباله جواب فيه كل حاجة عملتها.
شهقت قدر قائلة:
معقول أخوكي يكون شاكك فينا.
قالت وصال ساخرة:
لا ده مش معقول، ده أكيد.
أردفت أميرة قائلة:
لا طبعًا، أكيد مش هيشك فيكم، انتوا حاجة وهي حاجة.
تحدثت قدر قائلة:
يفضل أني أقوم أشكر أخوكِ على إنقاذه ليا.
ردت وصال قائلة:
روحي يابنتي، وحاولي تكسبي ثقته.
تحدثت أميرة بمرح:
قلبنا معاكي ياختي.
حدجتها بنظرات غاضبة وغادرت قدر الغرفة.
على القرب من منزل علاء
كان سيد واقفًا يراقب المنزل، أمسك بهاتفه وأخرج رقم نجلاء واجرى الاتصال عليه.
ردت عليه نجلاء: أيوة ياسيد في حاجة حصلت.
سيد:
اللي حصل أن من يوم ما جيت لحد دلوقتي لحد دخل ولا خرج أول ما بيطلع الصبح بيفضل واقف ومفيش أي جديد.
قالت نجلاء بحدة:
وأنا أعملك إيه يعني أتصرف، وبعدين أنت مش معاك رقمها هددها أعمل إي حاجة، أنا عملت اللي عليا وجبتلك العنوان.
انفعل سيد قائلاً:
أنتي ناسيه أن ده بيت ضابط، يعني أي غلطة هروح في داهية.
وكانت نجلاء في منزلها جالسة بالصالون واستقامت واقفة واستدارت تغادر حتى صدمت عندما وجدت أيمن أمامها، فضغط سريعًا على شاشة هاتفها لتنهي المكالمة، وفي الجهة الأخرى نظر سيد لهاتفه ليجدها أنهت المكالمة فوضعه بجيب بنطاله وصب نظره على منزل علاء وقال بغموض:
أنا عرفت أنا هعمل إيه، مش هتنازل عنك ياقدر....
أرتبكت نجلاء وتوترت ملامحها وقالت:
أيمن أنت رجعت أمتى، لسة بدري.
فقال هو بتريث:
كنتي بتكلمي مين.
خرجت الأحرف منها مرتجفة وقالت:
دي صحبتي.
حدجها بغضب ومر من أمامها، واستعجبت أمره، وقالت وهي تخطو خلفه:
أنت جيت ليه بدري.
فقال وهو يصعد للأعلى:
هسافر، عندي شوية شغل.
ردت هي قائلة:
شغل إيه ده، وهتسافر فين.
توقف أيمن واستدار ناظراً لها:
وانتي من أمتى بتهتمي، مش طايق أسمع صوتك، هطلع أجهز نفسي و أمشي.
تركها واقفة وذهب متوجهاً لغرفته.
"في منزل سامح"
أصطف جميع الحرس والخدم أمامه وصرخ فيهم بصوت مزلزل:
إزاي تمشي من غير ما حد يشوفها، إيه مشغل عندي بهايم.
أحد الحراس:
يفندم أحنا متأكدين أنها مطلعتش من البيت طول الليل واقفين إزاي قدرت تهرب من قدام عيونا.
هتف سامح بغضب قائلاً:
أنت بتسألني أنا يابغل.
نكس الحارس رأسه وقال:
مقصدش حاجة يفندم.
تقدم منهم شاب يحمل بيده حاسوب وقال وهو يمد يده به لـ سامح:
تقدر حضرتك تشوف تسجيل الكاميرات.
تناوله منه سامح وهتف قائلاً:
يلا الكل على شغله.
رحل الجميع من أمامه ووضع الحاسوب على قدمه وجاء بالمقاطع يشاهدها، لينصدم عندما رأى ذلك المقنع الذي يخطو في الممر وقام بفتح الغرفة التي بها قدر، وبعد قليل من المشاهدة وقف صائحاً:
تاني ياعلاء تاني، لسة لحد الآن ورايا، أنا هعلمك ازاي تقف في وش سامح المدكور.
علا رنين هاتفه الذي كان بجانبه أعلى الأريكة وألتقطه ناظراً لشاشة هاتفه ليجد رقمًا غير مسجل ولكنه استقبل المكالمة وغمغم بصوت غليظ: ألو، مين معايا.
و استمع لقهقهات عالية من الجهة الأخرى فأسترسل بغضب:
إيه السخافة دي، وما كاد أن يغلق المكالمة حتى أتاه رد الجهة الأخرى قائلاً:
إيه ياسامح بيه، انت لسة متعصب، أهدى كده وخاف على صحتك، لسة اللي جاي أكبر.
وتنهد في غضب قائلاً:
أنت مين، وبتتكلم ليه بالطريقة دي.
قال علاء بتريث:
أنا الطريق الأسود اللي في حياتك ياسامح وهيجي يوم وتقع فيه.
ضيق سامح حاجبيه وغمعم بخفوت:
علاء.
رد بشموخ:
بالظبط ومش عاوزك تنسى اسمي ده، لأن نهايتك هتكون على إيدي.
رد سامح بتحدي قائلاً:
أنت مجرد شاب طايش متعين جديد، ومصيرك الأسود اللي وقعك في طريقي، وأوعدك أن نهايتك هتكون قبل نهايتي.
قهقه علاء ساخرًا:
بكرة الزمن يبين مين فينا اللي هيكسب ياسامح.
وكاد أن يغلق حتى قال سامح سريعاً:
خرج قدر من لعبتنا لأن مش هسيبك تتهنى بيها.
وأجاب علاء بمكر يحاول خداعه لمعرفة إن كانت قدر معه أو لا:
أنت مفكر أني غبي عشان أقع في نفس الفخ مرة تانية، أنا عارف كويس أن قدر أنت اللي بعتها.
وكأنها جاءته على طبق من فضة فقال:
كويس أنك طلعت ذكي وبتفهم.
ألقى تلك الجملة وأنهى المكالمة، وابتسم بنصر.
منذ قليل وأمام مكتب علاء، ذهبت قدر تنوي الشكر والاعتذار له عن عدم مسؤوليتها كما يقول هو دائمًا، والشكر على خلاصه لها والنجاة من براثن ذلك الرجل الذي حتماً كان سيجعلها، تمضي على تلك الأوراق وتصبح زوجته بالإكراه، ولكن أوقفها سماع صوته، فأيقنت بأنه يتحدث بهاتفه وابتعدت قليلاً، ثم عادت مرة أخرى رفعت يدها عازمة على طرق الباب، ليقوم هو بفتحه ويتفاجئ بها أمامه فقال:
في موضوع مهم عاوز أتكلم مع الكل فيه ياريت تتفضلي على الصالون، ونأجل أي حديث لبعدين.
مر هو من أمامها، وجزت هي على أسنانها بغيظ منه وذهبت خلفه.
بصالون المنزل أجتمع كلاً من وصال وأميرة ورهف ووالدة علاء.
وجال علاء بنظره عليهن قائلاً:
أنا جمعتكم كلكم دلوقتي عشان في قرار أخدته ولازم الكل يعرفه.
ردت والدته قائلة:
خير ياحبيبي في حاجة حصلت.
رد علاء قائلاً:
خير يا أمي.... ثبت نظره على قدر وقال:
آنسة قدر تتجوزيني........
يتبع.