تحميل رواية «خائنة خلف جدران الحب» PDF
بقلم صفاء حسني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يا رهف آنتي يا بنتي اتفضلي طول اليوم فى الشارع اطلع يا بنتى انتى مش صغيره كانت رهف واقفة في الشارع، عينيها بتلمع وهي ماسكة العجلة من دراعها، وبتبص لمامتها. رهف يا ماما بالله عليكي.. عاوزة أركب العجلة، بس شوية.. دوري والله، كل الولاد لعبوا وأنا لسه! الأم يا رهف، إنتي طول النهار في الشارع! اطلعي بقى، إنتي مش صغيرة! رهف حاضر يا ماما.. الأم بطلي جدال! أقول لأبوك؟! أقسم بالله! رهف طيب أعمل إيه؟ مفيش بنات في سني ألعب معاهم.. سكتت الأم شوية، وبعدين ابتسمت وهي بتبص للبلكونة اللي جنبهم. الأم شايفة البنت...
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الأول 1 - بقلم صفاء حسني
يا رهف آنتي يا بنتي اتفضلي طول اليوم فى الشارع اطلع يا بنتى انتى مش صغيره
كانت رهف واقفة في الشارع، عينيها بتلمع وهي ماسكة العجلة من دراعها، وبتبص لمامتها.
رهف
يا ماما بالله عليكي.. عاوزة أركب العجلة، بس شوية.. دوري والله، كل الولاد لعبوا وأنا لسه!
الأم
يا رهف، إنتي طول النهار في الشارع! اطلعي بقى، إنتي مش صغيرة!
رهف
حاضر يا ماما..
الأم
بطلي جدال! أقول لأبوك؟! أقسم بالله!
رهف
طيب أعمل إيه؟ مفيش بنات في سني ألعب معاهم..
سكتت الأم شوية، وبعدين ابتسمت وهي بتبص للبلكونة اللي جنبهم.
الأم
شايفة البنت اللي جنبنا؟ واقفة بتنشر مع أمها.. أنا بفكر نعمل كيكه حلوة وندق عليهم الباب ونعزمهم.. تتعرفوا على بعض، إيه رأيك؟
رهف
فكرة حلوة يا ماما! يلا بينا!
دخلت المطبخ – رهف ومامتها بيجهزوا الكيكة، ضحك خفيف، ريحة فانيليا مالية المكان.
بعد ساعة، وقفوا عند باب الجيران، رهف شايلة الطبق، ومامتها بتخبط على الباب بخفة.
من جوه، يطلع صوت ست متوترة شوية.
السيدة
مين؟ مين بيخبط؟
الأم
أنا منى.. جارتكم اللي فوق، يا قلبي.. حبيت أتعرف عليكي وعلى بنتك.. لو تسمحي طبعًا.
البيت – إضاءة خفيفة، الستارة مقفولة، وإيمان قاعدة في أوضة ضلمة، ساكتة ومطوية على نفسها.
الأم كانت واقفة جنب الباب، قلبها خايف من التوتر، ووشها شاحب وهي بتبص لوش بنتها اللي ظهر عليه آثار ضرب.
الأم
يا إيمان.. في ناس بيخبطوا على الباب.. نعمل إيه يا بنتي؟
إيمان
لو ما فتحناش.. هيبقى عيب. ولو فتحنا.. ممكن بابا ييجي في لحظة! وانتي عارفة إنه مانعنا نكلم أي حد.
الأم
شغل أبوكي مع الجماعة هو السبب...بيخاف حد يكشفه.. عشان كده قافل علينا زى السجن. فاكرة لما لمحك واقفة في الشباك؟ عمل إيه؟!
إيمان
ضربني قدامك، وما رضيتيش حتى تقولي حاجة..
الأم
لو اتكلمت، كان زماني ميّتة..
داخل الشقة – رهبة ساكنة، صوت الباب بيخبط خبطات خفيفة، وإيمان بتبص لمامتها بخوف ولهفة.
إيمان
افتحي يا ماما.. ونحكي ليهم، يمكن حد يساعدني!
الأم
ولو محدش عرف.. هنعمل إيه يا بنتي؟!
إيمان
نجرب يا ماما.. نجرب بس.
بعد لحظة صمت، الأم قربت من الباب وفتحت بإيد بتتهز، وعيونها مليانة قلق.
الأم
أهلاً بحضرتك...
منى
أهلاً بيكي.. أنا قلت نتعرف على بعض، إنتِ عندك بنت، وبنتي بتكون مالي وبتحب تلعب. إيه رأيك؟
الأم
الصراحة.. أبوها مانعنا نتكلم مع حد، وعنيف جدًا معانا.. ولو عرف إني فتحت الباب.. ده ممكن يكون آخر يوم في حياتي.
منى
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! لا يا حبيبتي، أنا متمنيش الأذى ليكي أبداً.
رهف
إسمك إيه؟ أنا اسمي رهف.
إيمان
أنا اسمي إيمان.
رهف
عندك كام سنة؟
إيمان
طالعة سادسة ابتدائي.
رهف
بجد؟ وأنا كمان! طيب مدرستك إيه؟
إيمان
الأزهر الشريف.
رهف
مش فاهمة.. أول مرة أسمع اسم المدرسة ده!
إيمان
إنتي مش عارفة شيخ الأزهر؟
رهف
آه.. اللي بيظهر في التلفزيون وقت العيد ورمضان؟
إيمان
أيوه، في بقى مدارس أزهرية، بندرس فيها قرآن وحديث ودين، بس مش كل الناس بتدخل أولادها الأزهر.
رهف
طيب.. أنا عايزة أتكلم معاكي ونلعب. بس سمعت مامتك بتقول إن أبوكي شديد جدًا.. بس بصراحة أنا حبيتك، وعندي فكرة!
رهف جريت فجأة، وخرجت من الشقة، وبعد لحظات رجعت وهي شايلة حبل طويل، ودخلت أوضة إيمان بعينين بتلمع حماس.
رهف
بصي.. الحبل ده هيبقى "المرسال" بتاعنا. أكتبلك رسالة وأشد الحبل، إنتي تسحبيه وتقريها.. وتردي عليا بنفس الطريقة.
إيمان
ماشي.. بس ما تقوليش لماما.. ولا لأي حد.
بعد ما خرجت منى ورهف – البيت هادي، الست رجعت تبص لإيمان بخوف، لكن إيمان مازالت واقفة عند الباب بتبص للمكان اللي راحت فيه رهف.
ثواني وسمعوا صوت المفاتيح بتتلف… الباب اتفتح بعنف.
دخل الأب، بجسمه الطويل وصوته العالي، ووشه اللي دايمًا عابس.
الأب
كم مرة قلت ممنوع الشباك يتفتح؟ ممنوع حد ييجي هنا! إحنا مستخبّيين الفترة دي، لحد ما نتم المهمة.. وبعد كده نتنقل.
إيمان
مهمة إيه يا بابا؟
وقف الأب قدامها، عينه بتلمع بنظرة غريبة، وقال وهو بيقرب منها:
الأب
رغم إنك ملكيش حق تسألي.. بس لازم تعرفي، عشان إنتي بنتي، وهتبقي "بنت المنظمة". المهمة هي نقتل نائب عام ساكن في المنطقة، حكم على إخوات لينا في التنظيم بالحبس.. ومعاه كمان قاضي.
إيمان
(شهقت ووشها قلب أبيض من الرعب، ودخلت أوضتها تجري، تقفل الباب وراها بسرعة)
قلبها كان بيرف كأنه طير محبوس، وإيدها على صدرها من الخضة. سكتت لحظة… حسّت بحركة خفيفة على الستارة، بصّت بسرعة… الحبل بيتشد.
في رسالة متعلقة عليه. سحبت الحبل بسرعة، وفكت الورقة بإيدين بتترجف.
رسالة رهف:
إيه الأخبار؟ باباكي حاس بحاجة؟
خدت نفس طويل، وكتبت على ورقة صغيرة، خطها مهزوز:
رد إيمان:
لا.. بس بقولك، هو في نائب وقاضي ساكنين في المنطقة؟
شدت الحبل ونزلت الرسالة بهدوء من الشباك.
رهف
آه.. أولادهم معايا في المدرسة! ليه؟ خير؟
بسرعة، كتبت إيمان من غير تفكير:
رسالة إيمان:
نبهيهم بأي طريقة، في ناس شريرة عاوزة تقتلهم. بس بالله عليكي.. سيرتي متجيش في أي كلام!
نزلت الحبل، ودموعها بدأت تنزل لأول مرة من خوف حقيقي على ناس ماتعرفهمش.. بس أكيد مش هتسكت وهي في إيديها تعمل حاجة.
(رهف في أوضتها، ماشية رايحة جاية، بتعض صوابعها من التوتر، عينها على الشباك والحبل.. والرسالة الأخيرة لسه بتزن في دماغها)
رهف
إيمان وصّتني.. ده أمانة. بس أعمل إيه؟! لو بلغتها.. ممكن تحصل مصيبة، بس لو سكت.. هيموتوا ناس!
خدت نفس عميق، وقررت. نزلت بهدوء من البيت، وعيونها بتدور في كل الاتجاهات. قلبها بيدق بسرعة، بس رجليها ماشية بسرعة أكبر.
وصلت قدام بيت النائب محمد محسن، ومدّت إيدها تدق على الباب بخفة.
ثواني وفتح الباب.. كان النائب نفسه، بشوش، ووشه دايمًا مطمن.
النائب
إزيك يا رهف؟ أخبارك إيه؟
رهف
ممكن أقولك حاجة.. يا عمو؟ لو سمحت انزل معايا لحظة.
النائب
خير يا بنتي؟ هو مؤمن زعّلك في حاجة؟
رهف
لا والله.. أنا كنت بلعب.. ولقيت الورقة دي، راجل رماها لحد، وأنا شفتها ووقعت. لما قريتها، قولت لازم أبلغك.
مدّ أيده وخد منها الورقة، وقراها بعينه اللي وسعت من الصدمة.
الرسالة:
يتم قتل النائب محمد محسن والقاضي بدر الدين إيهاب.
النائب
يا بنتي.. شفتي الرسالة دي فين؟!
رهف افتكرت بسرعة كلام إيمان، وسحبت نفسها من السؤال:
رهف
كنت بلعب عند شارع النخيل.. اللي بعد المخبز القديم، في واحد هناك رماها لحد، وأنا ما فهمتش هو مين، بس الورقة وقعت وأنا أخدتها.
سكت النائب لحظة، وبص في عيني رهف كأنه بيحاول يعرف صدقها.. بس نبرة صوتها البريئة وارتجاف إيديها، قالتله كل حاجة.
(ليل – شارع الحارة، أضواء زرقا بتفجّ الشوارع، صوت صفارات الشرطة والناس بتبص من الشبابيك بخوف)
الشرطة منتشرة في كل مكان، عربيات بتمسح الشوارع، كمائن متفرقة، وكل واحد داخل أو خارج بيتفتّش بعناية.
الضباط بينادوا في الميكروفونات:
الرجاء التعاون، في تحقيق أمني جاري حالياً، يُرجى الالتزام في البيوت.
فلاش لمشهد تاني.
(في مكان مظلم على أطراف المدينة، راجل ضخم لابس جلابية مايل عليها التراب – هو الأب، راجع من اجتماع سري للمنظمة)
وقف فجأة وهو داخل الزقاق، عينه وقعت على عساكر الشرطة قدام مدخل الحارة، وتفتيش شغال على الكل، حتى العيال الصغيرين!
الأب
العملية تسربت… مستحيل تكون صدفة! ده حد بلّغ!
لف بسرعة، ودخل من حارة تانية جانبية، متعود عليها من زمان. طلع السلم بخطوات تقيلة، قلبه بيدق وعرقه بينزل على قفاه، فتح الباب ولاقى مراته قاعدة قدام التلفزيون وعينيها مش شايفاه من الرعب.
الأب
حد سأل عليا؟ قالوا إيه؟
الزوجة
الشرطة بتلف، بيفتشوا البيوت.. بيقولوا في خلية إرهابية كانت ناوية تنفّذ عملية قتل كبيرة!
سكت الأب، دخل أوضته، قفل الباب عليه، وبدأ يتنفس بسرعة.
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الثاني 2 - بقلم صفاء حسني
كان واقف بعيد عن صحابه، ماسك سندوتش في إيده، بس مش قادر يبلع لقمة.
عينه مش ثابتة… بتلف تدور على حد.
مش أي حد… عيونها.
(في سره، وصوته الداخلي هادي وحزين):
"أنا معرفش اسمها… بس فاكر عيونها كويس… كانت خايفة، ساكتة، وبتشكرني بصوت واطي كأنها مش مسموحلها تتكلم."
لف وشه على المدرسة الأزهرية اللي جمبهم… فاضية.
(بتنهيدة):
"كان نفسي أشوفها تاني… بس شكلها اختفت، زي ما طلعت فجأة… راحت فجأة."
سكت لحظة، وبص حواليه، ولما لقاهم بيضحكوا ويزعقوا، رجع يسرح تاني.
(بصوت داخلي):
"عيونها مش عادية… كان فيها حاجة بتشدني… كأنها عاوزه تقول حاجة ومش قادرة."
قرب من سور المدرسة، ووقف يبص على البوابة الجديدة اللي سمع إن فيه بنات.
(بصوت واطي):
"يا ترى… هي هنا؟ ولا راحت ومش هتيجي تاني؟"
فلاش باك
الأب طلع على البيت.
وهو بيتجنن.
الشارع اتقلب لجبهة تفتيش.
كل أفراد المجموعة اللي كانت هتنفذ العملية، اتمسكوا واحد ورا التاني.
بس هو لا… كان لسه في البيت، ساكت، مرعوب، وبيفكر.
العمارة اتقلبت على دماغها، عربيات شرطة في الشارع، ضباط بيخبطوا على كل باب.
إيمان واقفة جوه الأوضة، مرعوبة، وصوت أمها بينده عليها.
الأم: إيمان! الشرطة جاية تفتش!
بسرعه دخلت ايمان!
جريت عند رهف اللي كانت واقفة بترعش، وقالتلها:
إيمان (بصوت متوتر): الورق.. لازم نخبّيه! لازم!
رهف (بسرعة وهي بتجري على أوضتها): تعالي ورايا!
فتحت ظهر عروسة قماش كبيرة، وبدأوا يخبوا جواها كل الرسائل اللي بينهم.
رهف (بهمس): محدش هيلاقيهم هنا.
في الوقت ده، كان الضابط واقف في الصالة، بيفتش، وبص في عيون الأم بحدة.
الضابط: جوزك شغال إيه يا مدام؟
الأم (بثبات): بشمهندس في شركة بترول.
الضابط خد بطاقتها، وبص فيها.
الضابط: هنتحرّى عليه.. وهنرجعلكوا. إحنا بناخد بيانات كل سكان العمارة والمجاورين.
تم التحقيق مع الكل والكل طلع ورقه سليم.
بعد اسبوع
(مقر سري – تحت الأرض، إضاءة خفيفة – رجال بيحطوا ورق على الترابيزة، وكل واحد لابس لبس مدني بسيط)
اتعقد الاجتماع بعد ما انتهت تحريات الشرطة، واتكلم الراجل الكبير في المنظمة وهو بيبص في عين الأب.
القائد: الوضع هادي… بس لسه الشرطة حاطة عينها. علشان كده، لازم ترجع تعيش حياة طبيعية.
الأب: تقصد إيه؟
القائد: يعني بنتك تروح المدرسة… ومراتك تروح السوق. تفتحوا الشباك… تسلم على الجيران. تضحك. تعمل دورك… عشان محدش يشك.
يرجع الاب ويبلغهم بالقرار الا انطلب منهم.
(في أوضة إيمان، ماسكة الحبل في إيديها، والرسالة الأخيرة من رهف مكتوب فيها):
"كل حاجة عدت، مش عارفه اشكرك ازاي "
كانت إيمان قاعدة على طرف السرير، ضهرها للشباك وبإيديها الصغيرة ماسكة الحبل اللي رابطها بعالم تاني… بعالم فيه نور، وحب، وأمل اسمه رهف.
سحبت البَكَرَة، ولقت رسالة جديدة ملفوفة كويس، بخط رهف اللي بقى حافظاه.
رسالة رهف:
"كل حاجة عدّت… مش عارفة أشكرك إزاي! أنتِ عارفة عمّو بدر الدين إيهاب وعمّو محمد محسن؟ شكروني كتير… وقالولي إني بطلة! وواحد فيهم قالي: لما تكبري ممكن تشتغلي في الشرطة، علشان إنتِ كنتِ مركّزة في كل تفصيلة."
إيمان ابتسمت والدموع في عينيها… مسحت طرف عينها، ومسكت القلم، وكتبت على نفس الورقة.
رسالة إيمان:
"وليه لأ؟! تشتغلي في الشرطة… وتحمي ناس كتير. بس وقتها لازم تحميني أنا كمان… وتنقذيني من السجن اللي أنا فيه!"
سكتت لحظة، وكتبت بخط أصغر تحتها.
"على فكرة… بسبب اللي حصل، بابا وافق أروح المدرسة… كأن باب السجن اتفتح شوية."
سحبت البكرة ورجّعتها على الحبل، وقعدت تبص من الشباك لبكرة الخشب وهي بتتحرك بهدوء مع الهوا… وحسّت إنها مش لوحدها في الدنيا دي.
📍 بداية اليوم الدراسي
– جو الصبح باين عليه عادي… لكن البيت فيه توتر خفي.
إيمان كانت واقفة عند باب الشقة، شنطتها متعلقة على ضهرها، ومامتها واقفة جنبها بتعدل الخمار.
الأب خارج من الأوضة، صوته عالي وخطواته تقيلة، ولما شافهم واقفين كده... وقف قصادهم، عينه في وش بنته.
الأب (بغل وصوت غليظ): بصوا بقى… متفتكروش إنكم هتفضلوا في "الحرية" دي كتير! ده بس لحد ما الشرطة تهدى وتنام.
إيمان (نزلت عينيها فورًا، وإيديها شدت على طرف الشنطة).
الأب (قرب منها، وكلامه بيخرّ نار): وبعدين… قلبي مش مرتاح. المنظمة كلها بتشك إن فيه خاين وسطنا! وأنا مش عايز يكون الخاين ده من أهل بيتي!!
الزوجة (بصوت مخنوق): حرام عليك يا راجل… دي بنتك.
الأب (بحدة): بنتي ولا مش بنتي… اللي هيقرب من ظهرنا يتكسر!
إيمان (في سرّها وهي خارجة من الباب):
"كل نفس بتتنفسه… ممكن يكون الأخير."
إيمان نازلة من العمارة، لابسة جلباب نظيف وخمار طويل، وشنطة المدرسة على ضهرها.
خطواتها بطيئة، لكن وشها فيه ابتسامة بسيطة جدًا… كأنها بتتذوّق الحرية لأول مرة من شهور.
إيمان (بصوت داخلي وهي ماشية):
"الحمد لله يا رب… أخيرًا اتنفّست."
في طريقها للمدرسة
ماشيه على رصيف ضيق، الشمس لسه طالعة، بس هي مش شايفة غير ظِل كبير بيجري وراها في خيالها… ظل أبوها.
كل خطوة تقرب من المدرسة، كأنها خطوة هروب من عالم مهدد.
(الصبح – شارع جانبي فاضي نسبيًا، الجو برد خفيف، وإيمان ماشية بحذر)
كانت إيمان لابسة جلباب واسع لونه كحلي، وخمار طويل مغطي شعرها ونصف جسدها … ماسكة شنطة المدرسة بإيدها، وخطاها بطيئة وهي بتبص حوالينها.
بتتلفت يمين وشمال، كأنها مستنية حاجة تحصل… أو خايفة من حاجة تحصل.
كل خطوة بتقرب بيها من المدرسة، كانت بتحس قلبها يدق أسرع.
وفجأة... خبطت في حد!
وقعت شنطتها واتبعترت الكتب والكشاكيل على الأرض.
إيمان (بصوت مخضوض): آسفة! آسفة والله!
رفع رأسه، ولد طويل، باين عليه في الصف الإعدادي، أكبر منها بكام سنة.
عينيه واسعة، وعنده كاريزما غريبة، ساعدها يلم الكتب.
الولد (بابتسامة خفيفة): مش مشكلة، خدي بالك وإنتي ماشية.
إيمان (بخجل وهي بتاخد كتاب من إيده): شكرًا… ربنا يكرمك.
عينيهم اتقابلوا لحظة… كانت لحظة صغيرة، لكنها سابت أثر.
إيمان مشيت بسرعة، بس جواها كان في دوشة مش مفهومة، وكل ما تبعد خطوة كانت بتفتكر اللي حصل من أسبوعين.
إيمان قربت من باب المدرسة، ولسه حاسة قلبها مش ثابت.
رفعت إيدها، مسحت عرق خفيف على جبينها، وقالت في سرّها:
"كل حاجة ممكن تنكشف في أي لحظة."
في المدرسة المقابلة – في ساحة أولاد
صديقه يساله: مالك يا مؤمن مش على بعضك؟
مؤمن محمد محسن يقف الواقفة ده.
سال صاحبه وهو بيبص باندهاش للمدرسة اللي جنبهم.
مؤمن: أنا مكنتش أعرف إن فيه مدرسة بنات جنبنا!
صاحبه (ضحك): ما هو أنت عندك حق… دي مدرسة أزهري، والبنات اللي فيها كلهم لابسين جلابيب وخُمُر طويلة. شكلهم متدينين أوي… عشان كده مش بيلفتوا نظر حد.
مؤمن (ابتسم بخفة): واضح إني هبدأ أركز أكتر بقى.
– رهف كانت، متابعة بتسمع عينها على مؤمن… ووشها شد.
رهف (في سرّها):
"لا… مش هاسمح لها تتقابل معاه تاني."
تمر الأيام… والرسايل ما بين رهف وإيمان ما وقفتش.
بَكَرَة الخشب ملفوف عليها منديل، متعلقة بحبل ما بين بلكونة رهف وبلكونة إيمان.
كل واحدة تشد، تقرأ، ترد.
وفي المقابل، إيمان بتساعدها في المذاكرة، وتحل لها الواجبات، وخلّتها من الأوائل.
بس… العين لسه مترصّدة العمارة.
وفي مرة، أحد الجيران بلغ إن في حركة غريبة حوالين المدرسة الأزهرية، وإن في شخص ممكن يكون بيستخبى وراها.
(رهف في أوضتها، قاعدة على السرير، جنبها الورق اللي بتوصله من إيمان، وقلمها في إيدها)
كانت بتبص على كل كلمة مكتوبة من إيمان… بس عنيها مش ثابتة، تفكيرها مش في الجواب… تفكيرها كان في مؤمن.
رهف (في سرّها):
"بيسأل عليها كل يوم… بيدوّر عليها زي المجنون. ما ينفعش يقرب منها… إيمان طيبة بس مش هتفهمه زيه."
مسكت ورقة فاضية وبدأت تكتب:
"معلومات مريبة داخل مدرسة البنات الأزهرية، ورق بيتنقل بين الطالبات بشكل متكرر، فيه بنات بيبدّلوا رسايل في الحصص، المدرسة مش آمنة."
طوت الورقة، وخلّتها توصَل لمؤمن عن طريق البريد السري اللي بينهم.
في المدرسة – بعد كام يوم
الشرطة دخلت المدرسة الأزهرية.
أبواب اتقفلت، تفتيش في الشنط، وصرخات بنات بتسأل: "في إيه؟!"
إيمان كانت مرعوبة… بس رهف كانت واقفة فى مدرستها من بعيد بعينين ما فيهمش دمعة.
رهف (في سرها):
"أنا آسفة يا إيمان… بس أبوكي لازم يخاف. لازم يعزلك عن هنا وتتنقل من المدرسة ده مش اقدر اخبيك عن مومن كتير …"
ريس المنظمة واقف قدام الأب، عينه محمرة من الغضب، وصوته بيرجّع في المكان.
ريس المنظمة (بحدة): إنت لازم تنقل بنتك من المدرسة فورًا! واضح إنها بتتكلم مع بنت من البنات هناك. وكده عرفتني مين الخاين اللي كان بيهرّب المعلومات… بنتك!
الأب (صُدم، صوته نزل): بنتي؟!! يعني… إيمان هي اللي…
ريس المنظمة (بصرخة): آه! بنتك السبب في كل ده! لكن عقابها… مش دلوقتي. لازم نخرج من المأزق الأول… الشرطة لسه مترصدة، ولازم نخلّيهم يهدوا.
الأب (مرتبك وهو بيقرب): طيب أنقلها فين؟ أعمل إيه؟ أنا عايز بنتي تتربى على أصول الدين مش تروح مدرسة عامة مشتركة!
ريس المنظمة (بضحكة مستفزة): الدين؟! بنتك خرجت عن السطر! دلوقتي هنحطها وسط ولاد القاضي والنائب… ونشوف هي وصلت ليهم إزاي!
الأب (خبط إيده على الترابيزة): طب وانا أتصرف إزاي؟!
ريس المنظمة (ببرود مرعب): اسأل جارك… عن المدارس اللي ينقلوا فيها البنت. اظهر بدور الأب الضحية. قول إنك خايف عليها من أجواء المدرسة، وإنك عايز تنقلها لمكان أفضل. سيب الباقي علينا.
المشهد ينتقل – الأب راجع البيت
كان ماشي في الشارع زي الضحية… ووشه مرسوم عليه حزن كاذب.
قابل الجار اللي ساعده قبل كده وقاله:
الأب (بصوت مخنوق): أنا تعبان من اللي بيحصل… المدرسة هناك مش مناسبة، فيها بنات مش كويسين. أديني بس اسم مدرسة كويسة، تكون قريبة، محترمة، دينية، وتكون بنتي فيها بأمان.
الجار: عندك مدرسة بنتي… فيها بنتى اسمها رهف، مؤدبة، وفيه ولد ابن القاضي كمان… المدرسة كويسة.
الأب (بصوت داخلي):
"هي دي… المكان اللي المنظمة عايزه ترميها فيه."
الجار والد رهف (قال للأب): أنا شايف إنك تنقل بنتك للمدرسة التانية… مع بنتى هناك، أأمن. المدرسة دي مشكوك فيها!
هز راسه الاب عندك حق شكرا جدا.
دخل الأب البيت مولّع!
ضرب الباب برجله، ووشه أحمر من الغضب.
الأب (بيصرخ): مين سمحلك تتقربي من حد؟! قلت ميت مرة ممنوع ترفعي عينيكي! ممنوع كلام! ممنوع صداقات! أنا عارف إنك ورا اللي بيحصل!
إيمان (بتترعش ودموعها بتنزل): أنا ما عملتش حاجة… والله العظيم يا بابا ما عملتش.
بس صوته كان أعلى من دموعها… وإيده كانت أقسى من خوفها.
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الثالث 3 - بقلم صفاء حسني
دخلت إيمان الأوضة وهي بتدور على أمها.
لكن فجأة… وقفت. اتصدمت.
شافت: شاب بلحية وسيم بعد الشي، ورجل كبير ماسك دفتر (المأذون).
أبوها… وريس المنظمة.
وأمها، واقفة في الركن… مكسورة العين.
أبوها بصّ لها وقال ببرود:
"تعالي يا إيمان، عشان نكتب الكتاب."
إيمان (بصوت متلجلج، لكن عينيها قوية):
"إيه؟! إنت بتقول إيه؟"
رد الاب بغضب:
"زي ما سمعتي كتب كتابك النهاردة."
تنهدت إيمان وبلعت ريقها.
"ينفع يتكتب كتابي من غير إذني؟ من غير حتى ما أتكلم مع العريس؟"
ريس المنظمة (بصوت غاضب):
"ملكيش حق في حاجة! أنتي خرجتي عن طريقنا."
إيمان (ابتسمت بسخرية):
"عن طريقكم؟ وهو إمتى كنت ماشية في طريقكم أصلًا؟"
بصت للشاب وقالت:
"ممكن أتكلم معاك؟ ده أضعف الإيمان على الأقل."
ريس المنظمة (بيصرخ):
"بنتك دي اتحولت لعلمانية… بتتكلم بنفس لسانهم!"
الأب قرب منها… و"طخ!" ضربها بالقلم.
الأب (بغل):
"هتوافقي غصب عنك!"
إيمان (وهي بتدمع):
"بأي دين؟ هو ده الدين اللي عايزين تمشوا بيه البلد؟ ده دين قتل وقهر؟ ولا دين الجاهلية اللي ربنا قال ليهم: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنبٍ قُتلت} عارفين معناها؟"
الشاب (بهدوء):
"بس إحنا مش بنقتل البنات الأطفال أو بندفنهم بالحياة يا آنسة."
إيمان (بمرارة):
"لا طبعًا… بتموتوهم بالحياة! أنا نفسي ألبس فستان فرح زي البنات، أتكلم مع الإنسان اللي هيكون جوزي… مش أكون سلعة بيتنفذ فيها الحكم."
الشاب (بهدوء):
"ممكن يا ريس أتكلم معاها؟ هي محتاجة حد يسمعها… مش يفرض عليها."
الأب وافق بعد ضغط… خرجوا للقعدة في الصالة.
الشاب (بابتسامة خفيفة):
"اسمك إيه؟"
إيمان (بثقة):
"إيمان. وإنت اسمك إيه وعملك إيه؟"
الشاب:
"عبد الرحمن. أنا طبيب…"
إيمان (نظرت له بسخرية):
"وانت شايف اللي بيحصل ده شرعي؟ بيسموك عريس، بس الحقيقة… إنت عقابي."
عبد الرحمن (اتنهد):
"أنا مش داخل أعاقبك… بس يمكن أكون نصيبك، لو انتي اخترتي."
إيمان (بهدوء):
"طيب… عندي شرطين: أول شرط: أكمل تعليمي بعد الجواز… عاوزة أكون طبيبة زيك."
عبد الرحمن (هز راسه):
"موافق."
إيمان:
"تاني شرط: المكان اللي هنروحه… أنت هتكون طبيب، مش قاتل."
عبد الرحمن (ابتسم بغموض):
"ولو اضطريت؟"
إيمان:
"ساعتها ابعد عني…"
سكتت لحظة، وبصت له تاني:
"في شرط كمان."
عبد الرحمن:
"إيه هو؟"
إيمان (بحزن):
"أنت عقاب ليا لمخالفتي لأوامرهم لكن اعتبر هدية ليك على حاجة هتعملها أو عملتها ما المقابل اللي سوف تقوم بيه لكي تتزوج بي؟"
عبد الرحمن استغرب:
"ليه تسأل السؤال وعارفه الإجابة؟"
هزت راسها بحيرة:
"عملية انتحارية يعني تكتب كتابك وتروح تموت كافر وتاخد أرواح ناس غلابة."
حاول يقنعها عبد الرحمن:
"مش غلابة يا آنسة إيمان، هما السبب في موت شباب على خلق ودين، ومنهم صديق لي اتحكم عليه بالإعدام بدون سبب، وشفت وجع أمه وأبوه عليه ولازم القاضي محمد يعيش هذا الوجع."
هزت راسها إيمان.
"توجع قلبه لكن أقدم عيونه لازم يشوف ابنه أقدم منه مش من وراها."
استغرب عبد الرحمن وسألها إزاي.
إيمان اتنهدت، وبدأت تشرح له الخطة اللي اكتشفتها… والسر اللي مخبيه عن الكل.
(داخل فناء المدرسة – بعد انتهاء الحفلة، في جو هادي، والناس بدأت تمشي)
مومن كان قاعد على دكة خشب بسيطة، بيشرب عصير وبيبص على… رهف عدت من جنبه… لحظة عابرة، لكنها قررت تقف.
مومن (بص ليها وابتسم):
"صوتك مميز جدًا… مفيش بنات كتير بتغني إنشاد بالشكل ده."
رهف:
"ده ذوقك… بس أنا بحب الكلام اللي فيه معنى."
مومن (بفضول):
"اسمك إيه؟"
رهف:
"رهف."
مومن (كرر الاسم وهو بيفكر):
"رهف… اسم رقيق زي صوته."
رهف (اتكسفت شوية، وقالت):
"وأنت؟"
مومن:
"مومن… مومن محمد."
رهف (بهزار بسيط):
"اسمك تقيل كده ليه؟"
مومن (ضحك):
"ما أنا ابن قاضي… لازم الاسم يكون له هيبة شوية."
ضحكوا هما الاتنين بهدوء، وبعدين سألها:
مومن:
"أنتي متحجبة من إمتى؟"
رهف (بثقة):
"من وأنا في أولى إعدادي. أمي كانت دايمًا تقولي: ‘الحجاب مش لبس، ده احترام بينك وبين ربك’… فاخترته من نفسي."
مومن (بإعجاب):
"واضح إنك واثقة من نفسك… ده نادر اليومين دول."
رهف (بصوت واطي):
"الثقة بتيجي لما تحس إنك عايش صح، حتى لو في نظر غيرك غريب."
مومن (ابتسم):
"وإيه حلمك يا رهف؟"
رهف (بعد لحظة تفكير):
"حلمي أبقى صوت لحد مش قادر يتكلم… أساعد ناس تتسمع، مش تتسكت."
مومن (بص ليها باهتمام حقيقي):
"حلو… واضح إن عندك حاجة تقولّيها، بس مش بتقوليها كلها."
رهف (بهدوء):
"كل حاجة في وقتها يا مومن."
------
خرجت إيمان من الكوافير… فستان أبيض واسع مغطيها لحد أطرافها، طرحتها متثبتة بدبوس بس قلبها مش ثابت… عينها على الشارع… والشاب معاها واقف مستني.
في لحظة سرح فيها، قربت من شباك صغير في جانب الأتيليه، طلعت ورقة كانت كاتباها بخط صغير ورقيق، رسالة كلها أسرار وأسماء… من هدومها طوتها بسرعة، وحطتها في جيب الفستان، وخرجت من الباب بهدوء.
اتصلت برهف، وصوتها بيترعش:
إيمان:
"رهف، قولي بسرعة عنوان بيت القاضي محمد محسن! مفيش وقت!"
رهف (شهقت واتنفضت):
"يا نهار أبيض! ليه؟ طمنيني؟"
إيمان (بصوت فيه خوف وتوتر):
"ابنه في خطر… أنا رايحة أبلغه بنفسي… يمكن آخر مرة أعرف أساعدهم."
سألتها رهف بخوف:
"المرة ده يموتهم إزاي؟"
تنهدت إيمان:
"العربية فيها قنابل."
شهقت رهف (بصوت متقطع):
"العنوان… ١٤ شارع الكرمة – الدور الثالث. خدي بالك من نفسك… بالله عليكي!"
في نفس اللحظة، كانت رهف بتتحرك ناحية مومن وهي بتتصنّع الهدوء:
رهف:
"ممكن توصلني؟ أصحابي مشيوا… والدنيا بقت ليل ومخيفة شوية."
مومن (بابتسامة خفيفة):
"أكيد، تعالي."
رهف:
"لا مش بعربيتك هنخرج من الباب الثاني ونركب تاكسي."
استغرب مومن إشمعنى.
بررت رهف وقالت:
"أنا بنت لو ركبت مع شاب عربيته هتكون عيب، لكن لو إنت جيت معايا في تاكسي هتكون حماية ليا."
إيمان وصلت أمام باب بيت القاضي… فستانها الأبيض بيجر على الأرض، قلبها بيجري أسرع.
سابت الورقة على الباب، ورنّت الجرس… جرت بسرعة ووقفت ناحية الحيطة، مستخبية.
الخادمة فتحت الباب، بصّت يمين وشمال… مفيش حد.
هتقفل الباب… لكن إيمان طلعت من وراها، وقالت بسرعة:
"حضرت القاضي موجود؟ لازم يشوف الورقة دي حالًا!"
الخادمة اتفاجئت، وقبل ما تتكلم، دخلت إيمان وهي بتنهج.
دخلت الصالون الكبير… كان القاضي محمد قاعد بيقرا أوراق قضية، ورفع عينه… وشاف قدامه بنت بفستان فرح، وحجابها أبيض ناصع.
ابتسم باستغراب وقال:
"إنتِ… ملاك؟ ولا حُلم؟"
إيمان (بهدوء وبصوت واجع):
"ممكن أكون كده… بس الحقيقة إني خاينة… عندهم أنا خاينة."
مدّت الورقة ليه وقالت:
"اقراها بسرعة… ومتحاولش تسألني إزاي وليه. كل اللي يهمني… إن ابنك يعيش، حتى لو أنا هموت. لو عرفت أنقذ حياة حد، يبقى يمكن ربنا ينقذني."
"وصدقيني معرفش أن كنت زي ما قالوا لي انت مجرم او ظالم العلم عند الله لكن مينفعش الأبناء ياخدوا ذنب الآباء ،احكم ضميرك في كل حكم عشان كل بريئة بيتعدم ليه إبن أو بنت هيجوا في يوم عشان ياخدوا حقهم منك."
قلبت وشها، وخرجت وهي بتجري…
سابت القاضي قاعد مشدوه، ماسك الورقة، وبيقرأ تفاصيل المؤامرة… وكل كلمة فيها زي السكينة في قلبه.
وفي عيون إيمان… كانت الدموع سايحة:
"أنا خائنة… بس يمكن خيانتي تبقى أصدق من ولائهم."
---
بعد ما قرأ القاضي الرسالة… اتجمد في مكانه، قلبه كان هيوقف.
فاق على نفسه:
"ابني في خطر... دلوقتي!"
مسك الموبايل واتصل فورًا بالشرطة، وبصوت مهزوز قال:
"أنا محمد محسن، القاضي …في مخطط لقتل ابني… دلوقتي حالًا… المدرسة الخاصة، مبنى الأنشطة!"
قفل الموبايل وطلع جري على العربية.
ما حسش بنفسه غير وهو بيجري في المدرسة، كان نفسه يصرخ: "يا رب أوصل في الوقت!"...
وصل قبل الشرطة، كل اللي في دماغه مشهد واحد… ابنه واقع… غرقان في دم!
لكن أول ما دخل ساحة المدرسة… كان مومن طالع من المبنى، والدنيا باين عليها هادية…
رهف من بعيد شافت شاب غريب، وفي لحظة، شافت شاب خارج من جنب سور المدرسة وبيوجه المسدس ناحيته.
رهف جرت بأقصى سرعة… صرخت:
"موووومن!!"
وقف مومن، بص ليها… وفجأة –طاخ!!! رصاصة تخترق كتف رهف… تقع قدامه!
مومن مذهول، بص ليها وصرخ:
"رهف!!!"
ولسه بيجري عليها… طاخ!! رصاصة تانية تخترق رجله… ويقع على الأرض جنبها.
في اللحظة دي، الشرطة دخلت بعربيات مدرعة، أصوات صفارات الإنذار مالية المكان، صرخات، جري… واتقبض على شاب كان بيحاول يهرب من ناحية تانية....
في نفس الوقت، عبد الرحمن كان بيجري مع إيمان، خدها من إيدها، وجهه متوتر:
"لازم نروح دلوقتي… لو الشرطة وصلتلي، هينتهي كل شيء!"
إيمان كانت بتبص وراها، دموعها بتغرق عينيها، وقالت بصوت مكسور:
"أنا السبب… رهف اتصابت عشاني… ومومن…"
عبد الرحمن شده بعنف:
"اسكتي… دلوقتي لازم ننقذ نفسنا، مفيش وقت للندم."
ركبوا عربية سريعة واختفوا قبل الشرطة ما توصل ناحيتهم....
القاضي وصل لمومن، وحضنه وهو بيعيط:
"إنت كويس؟! إبني… إنت بخير؟!"
مومن (بأنفاس متقطعة):
"أنا بخير… بس البنت دي… أنقذتني."
بص لرهف وهي واقعة ودمها سايح، لكنها مبتسمة بخفة، وقالت:
"مكنتش هقدر أسيبه يموت…"
وأغمضت عينيها…
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الرابع 4 - بقلم صفاء حسني
"مقدرش أسيبه يموت..."
وأغمضت عينيها. أصوات عربيات الإسعاف كانت بتملأ الشارع، وصفاراتها تشق الهوا، والدنيا كلها بقت في حالة طوارئ.
في عربية... مؤمن نايم ووشه باهت. وفي العربية التانية... رهف، عينيها مغمضة، ووشها أبيض زي الورقة.
كان القاضي محمد محسن واقف بين العربيتين، صوته مبحوح وهو بيزعق في رجال الأمن: "أنا عايز دكتور فورًا... ابني بينزف... والبنت دي أنقذته، لازم تنقذوها بأي تمن!"
دخلوا على مستشفى الطوارئ، والكل بيتحرك بسرعة. طقم طبي كامل بيستقبل الحالتين.
ممرضات بيقيسوا الضغط.
دكتور بيصرخ: "جهزوا غرفة العمليات فورًا!"
دكتور تاني: "الفتاة عندها نزيف داخلي في الكتف، لازم جراحة عاجلة!"
"والشاب؟"
"فيه رصاصة مستقرة في عضلة الرجل، بس حالته مستقرة الحمد لله..."
القاضي كان بيحاول يتمالك نفسه، لكن دموعه خانته. شاف مؤمن بيتاخد جوه، ورأسه متعلقة على المخدة، وقال بصوت واطي: "أنا آسف يا ابني... ما كنتش أعرف إن الشر هيقرب من باب بيتي."
في الممر، كانت أم رهف وصلت بعد ما بلغوها. انهارت من البكاء أول ما شافت بنتها على السرير.
"بنتي مالها؟! مين ضربها؟!! كانت فين؟!!"
الدكتور قال بهدوء: "ممنوع الكلام دلوقتي... البنت بطلة، أنقذت حياة زميلها... وإحنا هننقذ حياتها إن شاء الله."
مرّ الوقت بصعوبة... ثلاث ساعات عدّت، وأي دقيقة كانت محسوبة على قلب القاضي... وعلى قلب أم رهف.
لحد ما خرج الدكتور من غرفة العمليات، وكل العيون اتعلّقت بيه.
الدكتور قال بصوت مطمئن: "العملية نجحت... مؤمن حالته مستقرة وهيتعافى، ورهف... قوية جدًا... نجيناها من نزيف خطر، بس محتاجة راحة تامة ومتابعة."
انهارت أم رهف من البكاء وهي بتقول: "ربنا يخليها ليا... كانت دايمًا بتقولي: عاوزة أكون بطلة... وفعلاً بقت بطلة."
.........
في أوضة بسيطة، مأذون قاعد، وأوراقه مفتوحة، والكلمات بتتقال كأنها طلقات رصاص بتخترق روح إيمان: "تم بحمد الله... كتب كتاب الآنسة إيمان عبد الرازق على الدكتور عبد الرحمن، على سنة الله ورسوله."
الكل في المنظمة بيصفق، نظرات الشماتة باينة في عيونهم. ريّس التنظيم بيبتسم وهو بيقول: "كده نكون دمرنا قلب القاضي... وسجلنا نصر جديد."
لكن إيمان ما كانتش سامعة حاجة. كل اللي في بالها: رهف... صاحبتها اللي كانت بتحبها بصدق، والشاب اللي اسمه ما نطقتهوش... لكن قلبها ناداه.
رجعت لليوم اللي طلبوا منها فيه تعرف اسم شاب في مدرسة الحرية، ولما رفضت، اتضربت واتبهدلت... وآخرها كانت قبل ما تبلغهم كانت تبعت تنبيه لكن حد مستهدف وتخبيها في شنطتهم وبفضلها كانت بتفشل أي عملية.
تفوق من شرودها على صوت عبد الرحمن.
"دلوقتي خلاص... بقت زوجة عبد الرحمن، وعلى وشّ سفر، لكن قلبها مش قادر يمشي وهي مش مطمنة على رهف."
طلبت من عبد الرحمن: "أنا عاوزة أزور رهف... لحظة واحدة بس، قبل ما نسافر، مش هطول."
عبد الرحمن اتفاجئ، لكنه وافق بصوت هادي: "زي ما تحبي، بس متطوليش... الطريق طويل، ولسه عندنا تعليمات."
وصلت المستشفى، طلبت تشوف رهف. الممرضة بصت عليها بتردد، لكن بعد ما عرفت إنها "صديقة قديمة"، سمحت لها تدخل.
دخلت الأوضة... رهف كانت نايمة، ووشها شاحب، لكن ملامحها لسه بريئة.
إيمان وقفت عند السرير، مدّت إيدها على إيد رهف، قلبها بيتقطع من جواها، وهمست بصوت مكسور: "أنا آسفة... أنا خائنة ل منظمة لكن مش ل بلدى ... بس مش بإيدي. إنتي الوحيدة اللي كنتِ بتشوفي فيا الإنسان مش الجاسوس."
طلعت من شنطتها جواب صغير، وحطته في كف رهف، ولفته بالمنديل الأبيض اللي دايمًا رهف كانت بتحبه.
طلعت إيمان من الأوضة بهدوء... ما بصّتش وراها، كأنها سايبة جزء من روحها هناك، وجزء تاني... لسه بيحتضر.
أصوات الكراسي المتحركة والنقالات كانت بتملأ الممر، وإيمان ماشية ووشّها مغطي بالحجاب، عينيها في الأرض، لكن ودانها كانت مفتوحة على آخرها. سمعت "الظابط مؤمن محمد محسن... خرج من العناية وهيتنقل على أوضة عادية."
صوت الممرضة قال الجملة، كأنه جرس إنذار ضرب في ودنها.
وقفت إيمان مكانها، إيدها تهزّت لا إرادي... مش بس خوف... ده قلبها اللي اتشد، كأن في حاجة بتربطها بالمكان ده... بالشخص ده...
بدأت تمشي ببطء، بس عقلها رجّعها لورا، لزمان بعيد...
⏪ فلاش باك - الصف الرابع الابتدائي
في شارع هادئ، طفلة صغيرة كانت ماشية لوحدها، لابسة مريلة المدرسة، عينها على الأرض وخطوتها متوترة، وفجأة سمعت صفارة عربية شرطة، تجمدت في مكانها، وركنت على الرصيف، قعدت على الأرض من الرعب.
عدّى ولد أكبر منها شوية، قرب منها وسألها بلُطف: "مالك؟ بتعيّطي ليه؟"
رفعت عنيها بتردد وهمست بصوت بيرتعش: "أنا بخاف من الظباط... بيحبسوا الناس وبيضربوا الأطفال... أنا بكره الظباط."
الولد ابتسم ومسك إيدها الصغيرة بلُطف وقال: "تعالي معايا... تعالى بس."
شدها بإيده، ووقف ينادي: "يا عمو يا عمو الظابط!"
جسمها اتجمد، قلبها خبط في صدرها، لفّت وشها، وشافت ظابط نازل من العربية، اتجمدت، وركنت على الرصيف، وقعدت على الأرض من الرعب....
لكن الظابط قرّب منها، وابتسم بلُطف: "أيوه يا حبيبي... في حد مضايقك؟"
الولد قال: "البنت دي خايفة منكم... حد قالها إنكم أشرار. ازاي نخليها تعرف إن الشرطة بتحمي البلد؟ وإن الأشرار هما اللي لازم يخافوا؟"
الظابط نزل على ركبته، وبص لإيمان في عينيها وقال: "اللي بيخوفك مش هو الصح، اللي بيظلم هو اللي لازم نخاف منه... بس احنا شغلنا نحمي، مش نؤذي."
سألته إيمان الصغيرة، بصوتها البريء: "بس ليه بتحبسوا الناس كلها؟"
اتسعت عيون الظابط، وقال بهدوء: "مين قالك إننا بنحبس الناس كلها؟ بصي حواليك، الشارع مليان ناس ماشية وأمان... إحنا في الكلية اتعلمنا يعني إيه نحب بلدنا، تعرفي يعني إيه تحبي بلدك؟"
هزّت إيمان راسها بالنفي.
ابتسم الظابط وقال: "يعني لو معاكي فلوس، وجه ولد سرقهم منك، مش المفروض نقبض عليه؟ ولو في حد قتل حد بريء، مش لازم يتحاسب؟"
تنهدت إيمان: "يعني أنتو مش بتقبضوا إلا على الناس اللي بتغلط؟ والبريء... اللي بيحب بلده، بتسيبوه؟ بس أنا سمعت الشيخ في الجامع بيقول إن الظباط والجيش وحشين، وإن اللي بيحكموا البلد بيسرقوا فلوس الناس، وأي حد يعترض، يتقبض عليه ويتسجن."
سألها الظابط، وعيونه فيها استغراب وحزن: "فين الجامع ده؟ وإزاي الجامع اللي مفروض نصلّي فيه... يتكلم بالشكل ده؟ الجامع مكان عبادة، مش مكان تحريض. ولو بتحبي بلدك بجد، ما تسكتيش على الغلط... بس ما تكرهيش اللي بيحموا بلدك."
وكل بنت وولد فى البلد أخوات مسلم وأقباط أخوات منسمحش حد يفرق ما بينكم.
إيمان بلعت ريقها وقالت بصوت مكسور: "أنا معنديش إخوات..."
ابتسم الظابط وقال: "كل اللي عايشين في البلد دي... إخواتك. البلد دي مذكورة في القرآن، وربنا نزل فيها رسل وأنبياء، ولو واحد غلط، ما ينفعش نحكم على الكل إنه وحش."
هزّت إيمان راسها وقالت بهدوء: "آه... فهمت."
سألها الظابط بابتسامة: "اسمك إيه؟"
ردت بخجل: "إيمان."
بصّ الظابط للولد وسأله: "وإنت اسمك إيه؟"
رد الولد وهو بيبتسم: "مُؤمِن."
ضحك الظابط وقال: "سبحان الله... طول ما البلد فيها إيمان ومؤمنين... أكيد هتفضل في حِمى ربنا."
إيمان رجعت للواقع، والدمعة غرقت عينها، وهي شايفة النقالة اللي شايلة مؤمن بتعدي من قدامها... وشّه شاحب، لكن فيه نور... نور اللي بيحمي، مش بيؤذي.
همست لنفسها: "ومن وقتها اتعلمت إني مش لازم أصدق كل اللي بيتقال... وأي ظابط بينجرح أو يموت ... دفع تمن حماية البلد دي من ناس زي أبويّا."
لفت وشها نحية الناحية التانية... مش عاوزة تشوفه أكتر، مش دلوقتي... بس كانت متأكدة إنها هتقابله تاني.
***
الممر كان هادي، صوت عجلة النقالة وهي بتتحرك على الأرض كان بيكسر الصمت، لكن جوا إيمان... في حرب مشتعلة.
شافت النقالة اللي شايلة مؤمن، وشافت وشّه... شاحب، بس مش غريب عليها.
قربت... رجليها بتتزحلق، قلبها بيرجّ، وإيدها بتترعش، مدّت صباعها بتردد... ولمسته.
لمست إيده... نفس الإيد اللي سندها زمان وهي بنت في ابتدائي، نفس الإيد اللي حمت، واللي اتصابت وهي بتحمي.
وفجأة... صوت طالع من جواها، مش من الممر، من أعماق الذاكرة...
"أنا لما أكبر... هبقى ظابط زيك، يا حضرة الظابط."
كان صوت الولد اللي أنقذها زمان، الولد اللي أخدها للظابط... واللي غيّر نظرتها.
وردّ الظابط في الذاكرة، صوته دافي: "وانتي يا شاطرة؟... هتكوني إيه؟"
وصوتها الطفولي، البريء، بيرن جوا دماغها: "هكون دكتورة... وهعالج الظباط."
كانت إيمان ماشية في الممر، رجليها بتترعش، ودموعها متحبسة في عينيها... كل خطوة تقربها من غرفته كانت تقطع حتة من قلبها.
دخلت بهدوء... لقت مؤمن على السرير الأبيض، مغمض عينيه، بس ملامحه فيها وجع، فيها حرب خلّصها ولسه متألم.
قربت منه، بصت له... مدّت إيدها المرتعشة، لمست إيده بلُطف، وبصوت مخنوق بالدموع، همست: "سامحني... مقدرتش أكمل وعدي... هيبعتوني المعسكر بتاعهم، بس قلبي هنا... عندك، وعند رهف... ربنا يحميكم."
نزلت دموعها غصب عنها، وقعت على إيده، وفجأة... فتح مؤمن عينه ببطء، حس بالدمعة على إيده، ومسك صوابعها بلُطف، وصوته كان ضعيف... لكن قلبه كان بيصرخ: "رهف... عايز أشوف رهف."
ارتبكت إيمان، دموعها زادت، قربت منه أكتر، لكن قلبها اتعصر... هي اللي أنقذته، بس مش تقدر تقوله... مش دلوقتي.
خرجت إيمان من باب المستشفى، خطواتها بطيئة، كأن كل خطوة بتفصلها عن حتة من قلبها.
رجليها كانت بتجرها جر، مش ماشية... خارجة من جوه نفسها.
كانت لسه عيونها فيها آثار الدموع، ولسه ريحة المستشفى في هدومها، ولسه نبض مؤمن في إيديها.
لكن الواقع ما استناهاش... كان عبد الرحمن واقف عند العربية، مستنيها، وعينيه مرصودة على الباب.
لما شافها خارجة، فتح باب العربية من غير ما يتكلم... ركبت وهي ساكتة، ملامحها منهارة، لكن مرفوعة الراس.
سندت راسها على الشباك... تبص في الطريق، وكأنها بتودّع شوارع بلدها، ذكرياتها، صوت رهف، عينين مؤمن، حضن أمها.
عبد الرحمن شغّل العربية، وسابها تمشي... من شارع لشارع، ومن طريق لطريق... من مدينة لمدينة، ومن مركب لمركب، الرحلة كانت طويلة... بس أطول حاجة فيها كانت المسافة بين قلبها وبين كل اللي بتحبهم.
كانت كل ما يشاور لها على خريطة تقول بصوتها الواطي: "هو ده الطريق؟"
وهو يومي براسه، من غير ما يجاوب بكلام... لأن حتى هو مش متأكد إذا كان ده الطريق للنجاة... ولا للهلاك.
عدّت ساعات الرحلة زي سنين، الميه حوالين المركب كانت سودة، والليل مغطي السما، وهي قلبها مليان بأسئلة ما لهاش إجابة: ليه أنا؟ ليه اتولدت في وسط كل ده؟ هو ربنا هيحسبني على حاجة مفروضة عليا؟
بس كل ما تحاول تبكي... تمسح دموعها بسرعة، كأنها مش عايزة تضعف.
وصلوا بلد جديدة... وهي لابسة جلباب واسع، طرحتها مغطيه وشها... بس عينيها كانت بتقول حكاية طويلة.
عبد الرحمن اتكلم أخيرًا: "هنا هنعيش، وهنا هنبدأ من جديد. محدش هيعرفنا... وإنتِ مش لوحدك."
نزلت إيمان من المركب، هدومها لسه بتحمل ريحة البحر والرحيل، بس الأرض الجديدة ما كانتش وطن… كانت "ساحة معركة" بدون نار.
أول ما حطّت رجلها على الأرض، لقت عيون كتير مستنياها.
شباب بلُحى كثيفة، وبنات منقّبات، وأصوات ولهجات متداخلة… من لبنان وسوريا، من العراق واليمن… كلهم واقفين في صفوف، كلهم بيرحبوا بـ "الوافدين الجُدد".
اتقدّم شاب من الشام، ابتسم وقال لعبد الرحمن: "أهلًا بيك… وبيها. القيادة بلغتنا إنكم هتنضموا للمعسكر الخامس. المجاهدين من كل البلاد هنا… قلوبهم واحدة."
بصت إيمان حواليها، شافت وشوش كتير، أغلبها صغير… بس مليانة قناعة، إيمان مش مفهوم، واستعداد للقتل بلا تردّد.
مش قادرة تصدق إن حياة كاملة جديدة قدامها، وفي نفس الوقت، جواها بنت صغيرة بتصرخ: "أنا مش المفروض أكون هنا... أنا كنت عاوزة أكمّل دراستي... كنت عاوزة أفرح."
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الخامس 5 - بقلم صفاء حسني
"ماكنتش هقدر أسيبه يموت..."
وأغمضت عينيها.
أصوات عربيات الإسعاف كانت بتملأ الشارع، وصفاراتها تشق الهوا، والدنيا كلها بقت في حالة طوارئ.
في عربية... مومن نايم ووشه باهت.
وفي العربية التانية... رهف، عينيها مغمضة، ووشها أبيض زي الورقة.
كان القاضي محمد محسن واقف بين العربيتين، صوته مبحوح وهو بيزعق في رجال الأمن:
"أنا عايز دكتور فورًا... ابني بينزف... والبنت دي أنقذته، لا لازم تنقذوها بأي تمن!"
دخلوا على مستشفى الطوارئ، والكل بيتحرك بسرعة.
طقم طبي كامل بيستقبل الحالتين:
ممرضات بيقيسوا الضغط.
دكتور بيصرخ: "جهزوا غرفة العمليات فورًا!"
دكتور تاني: "الفتاة عندها نزيف داخلي في الكتف، لازم جراحة عاجلة!"
"والشاب؟"
"فيه رصاصة مستقرة في عضلة الرجل، بس حالته مستقرة الحمد لله..."
القاضي كان بيحاول يتمالك نفسه، لكن دموعه خانته.
شاف مومن بيتاخد جوه، ورأسه متعلقة على المخدة، وقال بصوت واطي:
"أنا آسف يا ابني... ماكنتش أعرف إن الشر هيقرب من باب بيتي."
في الممر، كانت أم رهف وصلت بعد ما بلغوها.
انهارت من البكاء أول ما شافت بنتها على السرير.
كانت بتصرخ:
"بنتي مالها؟! مين ضربها؟!! كانت فين؟!!"
الدكتور قال بهدوء:
"ممنوع الكلام دلوقتي... البنت بطلة، أنقذت حياة زميلها... وإحنا هننقذ حياتها إن شاء الله."
مرّ الوقت بصعوبة...
ثلاث ساعات عدّت، وأي دقيقة كانت محسوبة على قلب القاضي... وعلى قلب أم رهف.
لحد ما خرج الدكتور من غرفة العمليات، وكل العيون اتعلّقت بيه.
الدكتور قال بصوت مطمئن:
"العملية نجحت... مومن حالته مستقرة وهيتعافى، ورهف... قوية جدًا... نجيناها من نزيف خطر، بس محتاجة راحة تامة ومتابعة."
انهارت أم رهف من البكاء وهي بتقول:
"ربنا يخليها ليا... كانت دايمًا بتقوللي: عاوزة أكون بطلة... وفعلاً بقت بطلة."
.........
في أوضة بسيطة، مأذون قاعد، وأوراقه مفتوحة، والكلمات بتتقال كأنها طلقات رصاص بتخترق روح إيمان:
"تم بحمد الله... كتب كتاب الآنسة إيمان عبد الرازق على الدكتور عبد الرحمن، على سنة الله ورسوله."
الكل في المنظمة بيصفق، نظرات الشماتة باينة في عيونهم.
ريّس التنظيم بيبتسم وهو بيقول:
"كده نكون دمرنا قلب القاضي... وسجّلنا نصر جديد."
لكن إيمان ما كانتش سامعة حاجة.
كل اللي في بالها: رهف... صاحبتها اللي كانت بتحبها بصدق، والشاب اللي اسمه ما نطقتهوش... لكن قلبها ناداه.
رجعت لليوم اللي طلبوا منها فيه تعرف اسم شاب في مدرسة الحرية، ولما رفضت، اتضربت واتبهدلت... وآخرها كانت قبل ما تبلغهم كانت تبعت تنبيه لكن حد مستهدف وتخبيها في شنطتهم وبفضلها كانت بتفشل أي عملية.
تفوق من شرودها على صوت عبد الرحمن.
"دلوقتي خلاص... بقت زوجة عبد الرحمن، وعلى وشّ سفر، لكن قلبها مش قادر يمشي وهي مش مطمنة على رهف."
طلبت من عبد الرحمن:
"أنا عاوزة أزور رهف... لحظة واحدة بس، قبل ما نسافر، مش هطوّل."
عبد الرحمن اتفاجئ، لكنه وافق بصوت هادي:
"زي ما تحبي، بس متطوليش... الطريق طويل، ولسه عندنا تعليمات."
وصلت المستشفى، طلبت تشوف رهف.
الممرضة بصت عليها بتردد، لكن بعد ما عرفت إنها "صديقة قديمة"، سمحت لها تدخل.
دخلت الأوضة... رهف كانت نايمة، ووشها شاحب، لكن ملامحها لسه بريئة.
إيمان وقفت عند السرير، مدّت إيدها على إيد رهف، قلبها بيتقطع من جواها، وهمست بصوت مكسور:
"أنا آسفة... أنا خائنة ل منظمة لكن مش ل بلدى ... بس مش بإيدي. إنتي الوحيدة اللي كنتِ بتشوفي فيا الإنسان مش الجاسوس."
طلعت من شنطتها جواب صغير، وحطته في كف رهف، ولفّته بالمنديل الأبيض اللي دايمًا رهف كانت بتحبه.
طلعت إيمان من الأوضة بهدوء... ما بصّتش وراها، كأنها سايبة جزء من روحها هناك، وجزء تاني... لسه بيحتضر.
أصوات الكراسي المتحركة والنقالات كانت بتملأ الممر، وإيمان ماشية ووشّها مغطي بالحجاب، عينيها في الأرض، لكن ودانها كانت مفتوحة على آخرها.
سمعت "الظابط مومن محمد محسن... خرج من العناية وهيتنقل على أوضة عادية."
صوت الممرضة قال الجملة، كأنه جرس إنذار ضرب في ودنها.
وقفت إيمان مكانها، إيدها تهزّت لا إرادي... مش بس خوف... ده قلبها اللي اتشد، كأن في حاجة بتربطها بالمكان ده... بالشخص ده.
بدأت تمشي ببطء، بس عقلها رجّعها لورا، لزمان بعيد...
⏪ فلاش باك - الصف الرابع الابتدائي
في شارع هادئ، طفلة صغيرة كانت ماشية لوحدها، لابسة مريلة المدرسة، عينها على الأرض وخطوتها متوترة، وفجأة سمعت صفارة عربية شرطة، تجمدت في مكانها، وركنت على الرصيف، قعدت على الأرض من الرعب.
عدّى ولد أكبر منها شوية، قرب منها وسألها بلُطف:
"مالك؟ بتعيّطي ليه؟"
رفعت عينيها بتردد وهمست بصوت بيرتعش:
"أنا بخاف من الظباط... بيحبسوا الناس وبيضربوا الأطفال... أنا بكره الظباط."
الولد ابتسم ومسك إيدها الصغيرة بلُطف وقال:
"تعالي معايا... تعالى بس."
شدها بإيده، ووقف ينادي:
"يا عمو يا عمو الظابط!"
جسمها اتجمد، قلبها خبط في صدرها، لفت وشها، وشافت ظابط نازل من العربية، اتجمدت، وركنت على الرصيف، وقعدت على الأرض من الرعب.
... لكن الظابط قرّب منها، وابتسم بلُطف:
"أيوه يا حبيبي... في حد مضايقك؟"
الولد قال:
"البنت دي خايفة منكم... حد قالها إنكم أشرار. ازاي نخليها تعرف إن الشرطة بتحمي البلد؟ وإن الأشرار هما اللي لازم يخافوا؟"
الظابط نزل على ركبته، وبص لإيمان في عينيها وقال:
"اللي بيخوفك مش هو الصح، اللي بيظلم هو اللي لازم نخاف منه... بس احنا شغلنا نحمي، مش نؤذي."
سألته إيمان الصغيرة، بصوتها البريء:
"بس ليه بتحبسوا الناس كلها؟"
اتسعت عيون الظابط، وقال بهدوء:
"مين قالك إننا بنحبس الناس كلها؟ بصي حواليك، الشارع مليان ناس ماشية وأمان... إحنا في الكلية اتعلمنا يعني إيه نحب بلدنا، تعرفي يعني إيه تحبي بلدك؟"
هزّت إيمان راسها بالنفي.
ابتسم الظابط وقال:
"يعني لو معاكي فلوس، وجه ولد سرقهم منك، مش المفروض نقبض عليه؟ ولو في حد قتل حد بريء، مش لازم يتحاسب؟"
تنهدت إيمان:
"يعني أنتو مش بتقبضوا إلا على الناس اللي بتغلط؟ والبريء... اللي بيحب بلده، بتسيبوه؟ بس أنا سمعت الشيخ في الجامع بيقول إن الظباط والجيش وحشين، وإن اللي بيحكموا البلد بيسرقوا فلوس الناس، وأي حد يعترض، يتقبض عليه ويتسجن."
سألها الظابط، وعيونه فيها استغراب وحزن:
"فين الجامع ده؟ وإزاي الجامع اللي مفروض نصلّي فيه... يتكلم بالشكل ده؟ الجامع مكان عبادة، مش مكان تحريض. ولو بتحبي بلدك بجد، ما تسكتيش على الغلط... بس ما تكرهيش اللي بيحموا بلدك."
وكل بنت وولد فى البلد أخوات مسلم وأقباط أخوات منسمحش حد يفرق ما بينكم.
إيمان بلعت ريقها وقالت بصوت مكسور:
"أنا معنديش إخوات..."
ابتسم الظابط وقال:
"كل اللي عايشين في البلد دي... إخواتك. البلد دي مذكورة في القرآن، وربنا نزل فيها رسل وأنبياء، ولو واحد غلط، ما ينفعش نحكم على الكل إنه وحش."
هزّت إيمان راسها وقالت بهدوء:
"آه... فهمت."
سألها الظابط بابتسامة:
"اسمك إيه؟"
ردت بخجل:
"إيمان."
بصّ الظابط للولد وسأله:
"وإنت اسمك إيه؟"
رد الولد وهو بيبتسم:
"مُؤمِن."
ضحك الظابط وقال:
"سبحان الله... طول ما البلد فيها إيمان ومؤمنين... أكيد هتفضل في حِمى ربنا."
إيمان رجعت للواقع، والدمعة غرقت عينها، وهي شايفة النقالة اللي شايلة مومن بتعدي من قدامها... وشّه شاحب، لكن فيه نور... نور اللي بيحمي، مش بيؤذي.
همست لنفسها:
"ومن وقتها اتعلمت إني مش لازم أصدق كل اللي بيتقال... واي ظابط بينجرح او يموت ... دفع تمن حماية البلد دي من ناس زي أبويّا."
لفت وشها نحية الناحية التانية... مش عاوزة تشوفه أكتر، مش دلوقتي... بس كانت متأكدة إنها هتقابله تاني.
الممر كان هادي، صوت عجلة النقالة وهي بتتحرك على الأرض كان بيكسر الصمت، لكن جوا إيمان... في حرب مشتعلة.
شافت النقالة اللي شايلة مومن، وشافت وشّه... شاحب، بس مش غريب عليها.
قربت... رجليها بتتزحلق، قلبها بيرجّ، وإيدها بتترعش، مدّت صباعها بتردد... ولمسته.
لمست إيده... نفس الإيد اللي سندها زمان وهي بنت في ابتدائي، نفس الإيد اللي حمت، واللي اتصابت وهي بتحمي.
وفجأة... صوت طالع من جواها، مش من الممر، من أعماق الذاكرة...
"أنا لما أكبر... هبقى ظابط زيّك، يا حضرة الظابط."
كان صوت الولد اللي أنقذها زمان، الولد اللي أخدها للظابط... واللي غيّر نظرتها.
وردّ الظابط في الذاكرة، صوته دافي:
"وانتي يا شاطرة؟... هتكوني إيه؟"
وصوتها الطفولي، البريء، بيرن جوا دماغها:
"هكون دكتورة... وهعالج الظباط."
كانت إيمان ماشية في الممر، رجليها بتترعش، ودموعها متحبسة في عينيها... كل خطوة تقربها من غرفته كانت تقطع حتة من قلبها.
دخلت بهدوء... لقت مومن على السرير الأبيض، مغمض عينيه، بس ملامحه فيها وجع، فيها حرب خلّصها ولسه متألم.
قربت منه، بصت له... مدّت إيدها المرتعشة، لمست إيده بلُطف، وبصوت مخنوق بالدموع، همست:
"سامحني... مقدرتش أكمل وعدي... هيبعتوني المعسكر بتاعهم، بس قلبي هنا... عندك، وعند رهف... ربنا يحميكم."
نزلت دموعها غصب عنها، وقعت على إيده، وفجأة... فتح مومن عينه ببطء، حس بالدمعة على إيده، ومسك صوابعها بلُطف، وصوته كان ضعيف... لكن قلبه كان بيصرخ:
"رهف... عايز أشوف رهف."
ارتبكت إيمان، دموعها زادت، قربت منه أكتر، لكن قلبها اتعصر... هي اللي أنقذته، بس مش تقدر تقوله... مش دلوقتي.
خرجت إيمان من باب المستشفى، خطواتها بطيئة، كأن كل خطوة بتفصلها عن حتة من قلبها.
رجليها كانت بتجرها جر، مش ماشية... خارجة من جوه نفسها.
كانت لسه عيونها فيها آثار الدموع، ولسه ريحة المستشفى في هدومها، ولسه نبض مومن في إيديها.
لكن الواقع ما استناهاش... كان عبد الرحمن واقف عند العربية، مستنيها، وعينيه مرصودة على الباب.
لما شافها خارجة، فتح باب العربية من غير ما يتكلم... ركبت وهي ساكتة، ملامحها منهارة، لكن مرفوعة الراس.
سندت راسها على الشباك... تبص في الطريق، وكأنها بتودّع شوارع بلدها، ذكرياتها، صوت رهف، عينين مومن، حضن أمها.
عبد الرحمن شغّل العربية، وسابها تمشي... من شارع لشارع، ومن طريق لطريق... من مدينة لمدينة، ومن مركب لمركب، الرحلة كانت طويلة... بس أطول حاجة فيها كانت المسافة بين قلبها وبين كل اللي بتحبهم.
كانت كل ما يشاور لها على خريطة تقول بصوتها الواطي:
"هو ده الطريق؟"
وهو يومي براسه، من غير ما يجاوب بكلام... لأن حتى هو مش متأكد إذا كان ده الطريق للنجاة... ولا للهلاك.
عدّت ساعات الرحلة زي سنين، الميه حوالين المركب كانت سودة، والليل مغطي السما، وهي قلبها مليان بأسئلة ما لهاش إجابة: ليه أنا؟ ليه اتولدت في وسط كل ده؟ هو ربنا هيحسبني على حاجة مفروضة عليا؟
بس كل ما تحاول تبكي... تمسح دموعها بسرعة، كأنها مش عايزة تضعف.
وصلوا بلد جديدة... وهي لابسة جلباب واسع، طرحتها مغطيه وشها... بس عينيها كانت بتقول حكاية طويلة.
عبد الرحمن اتكلم أخيرًا:
"هنا هنعيش، وهنا هنبدأ من جديد. محدش هيعرفنا... وإنتِ مش لوحدك."
نزلت إيمان من المركب، هدومها لسه بتحمل ريحة البحر والرحيل، بس الأرض الجديدة ما كانتش وطن... كانت "ساحة معركة" بدون نار.
أول ما حطّت رجلها على الأرض، لقت عيون كتير مستنياها.
شباب بلُحى كثيفة، وبنات منقّبات، وأصوات ولهجات متداخلة… من لبنان وسوريا، من العراق واليمن… كلهم واقفين في صفوف، كلهم بيرحبوا بـ "الوافدين الجُدد".
اتقدّم شاب من الشام، ابتسم وقال لعبد الرحمن:
"أهلًا بيك… وبيها. القيادة بلغتنا إنكم هتنضموا للمعسكر الخامس. المجاهدين من كل البلاد هنا… قلوبهم واحدة."
بصت إيمان حواليها، شافت وشوش كتير، أغلبها صغير… بس مليانة قناعة، إيمان مش مفهوم، واستعداد للقتل بلا تردّد.
مش قادرة تصدق إن حياة كاملة جديدة قدامها، وفي نفس الوقت، جواها بنت صغيرة بتصرخ:
"أنا مش المفروض أكون هنا... أنا كنت عاوزة أكمّل دراستي... كنت عاوزة أفرح."
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل السادس 6 - بقلم صفاء حسني
واحدة من البنات قربت منها، لبنانية، عينيها واسعة، لكن مشحونة:
"أنتِ محظوظة… تكوني هنا. ربنا اختارك تكوني من المجاهدات. اللي برا في الدنيا نايمين… إحنا بس اللي فايقين."
اتخضّت إيمان من الثقة في الكلام. حاولت تبتسم، لكن وشها اتشد. سألت بهدوء:
"هو… هو ربنا فعلًا طلب مننا نقتل؟"
رد شاب عراقي، كان واقف وراهم، بصوت تقيل:
"اللي يرفض طريق الجهاد، يبقى ضدنا. وإحنا ما بنقتلش، إحنا بندافع… حتى لو دفعنا تمن الدم."
سكتت إيمان… حسّت كأنها وسط ناس حافظين النصوص… بس ناسيين الرحمة. كل واحد شايف نفسه "وكيل ربنا"، وكل من يعارضه… كافر، خائن، لازم يزول. قلبها بدأ يدق بسرعة، عارفة إنها دخلت في عمق الخطر… بس الأمل الوحيد إنها تكمّل وتفهم أكتر، يمكن تقدر توقف المصيبة دي من جوه.
في هدوء غرفة المستشفى، فتحت رهف عينيها ببطء. نور ضعيف كان داخل من شباك صغير، وأنين الألم لسه في جسمها، بس قلبها اتقلّب لما حست بحاجة دافية وقعت من أيديها جانبها. كانت ورقة مكتوب عليها.
إيمان فتحتها:
"رهف… أنا آسفة، والله ما كنت أعرف إنك كنتي معاه. أو هو أصلًا في المدرسة. كل اللي أعرفه إنه ملازم وعايزين يخلصوا عليه. وأنا زمان وعدت ظابط إني أكون دعم لأي ظابط إن كان جيش أو شرطة أو قاضي. لإنهم عمود من أعمدة البلد، ولو وقعوا البلد تنهار. ما اتصورتش إنك بتحبي وممكن تضحي بحياتك عشانه. آه من أول يوم واحنا بنحميهم إحنا الاتنين من خطرهم. لكن، أنا عملت في نفسي كده عشان أهرب من سجن أكبر… لكن ما اتصورتش إنك هتكوني نسخة مني وتضحي بنفسك عشانه. سامحيني، ولو قدرتي… متنسيش إني دايمًا كنت شايفة فيكِ أخت مش مجرد صديقة. أنا مسافرة... ومش عارفة رايحة على فين. مش بإيدي... أتحكم عليا أسيب بلدي، أسيب جماعتي اللي لسه مقدمتش عليها، أسيب أصحابي، أسيب كل حاجة حبيتها. بس لو ربنا كتب لي النجاة… إوعي تغيري رقمك، لأنك هتكوني أول شخص أرجع له. ربنا يحميكي ويحمي قلبك."
"إحنا أخوات... وهنفضل أخوات."
"حتى لو كتبوا كتابي، حتى لو سافرت، حتى لو اتغيرت حياتي كلها... أنا مش ناسية إنك كنتي أول حد شافني إنسانة، مش أداة. عارفة؟ أنا مش محظوظة زيك... إنتي اتولدتي وسط ناس بتحب البلد، ناس عادية... وأنا اتولدت في وسط منظمة... أمي وأبويا اتولد فيهم عاشوا معاهم، واتربيت على إن اللي يعصي أوامرهم، لازم يتعاقب. لكن ربنا بعتلي ولد زمان فهمني إن اللي بيعملوه غلط. حاولت أكون إنسانة كويسة بمساعدتك، لكن ده عقابي... أروح برجلي على الموت... يمكن أموت، يمكن لأ. لو ما مُتّش... أوعدك هكلمك، بس أوعي تغيّري رقمك. حافظي عليه... زيه زي الذكرى. يمكن يوم تفتحي الباب تلاقيني... يمكن يوم تفتحي التليفون تسمعي صوتي... بس لو مجاش اليوم ده... افتكريني على طول... مش خائنة زي ما هما بيقولوا. لكن كبنت... ما عرفتش تختار، وما عرفتش تنقذ الكل."
عيني رهف دمعت وهي تقرا، والكلمات دخلت جوّاها كأنها بتتقال بصوت إيمان. تنهدت رهف، مسحت دموعها بصعوبة وقالت بصوت خافت:
"بالعكس… إنتي خدمتيني من غير ما تقصدي. من النهارده… هكون قريبة من مومن، وهعيش على أمل إنه يحبني في يوم. ربنا يعينك على الطريق اللي مشيتي فيه، وأنا… بشكرك، عشان بسببك… قدرت أحمي حب عمري. الحب اللي ابتدى من وأنا طفلة… ولسه مكمل."
وبصّت على الورقة… وضمتها لصدرها، زي ما بتضم ذكرى غالية، أو وداع ما تعرفش إذا كان له رجعة ولا لأ.
في ممر المستشفى، كان مومن طلب يروح عند رهف وقاعد على الكرسي المتحرك، بيشد في نفسه، وعينه ما بتتحرك. ومشي يبحث عن غرفة رهف. قال للممرضة بإصرار:
"لو سمحتي، خديني عندها… لازم أطمن عليها."
الممرضة هزت راسها بتردد، لكن نظرة مومن كانت قوية… خدت الكرسي وبدأت تتحرك بيه ناحية الغرفة.
في الوقت ده، كانت رهف جوه الغرفة، شايفة الباب بيتفتح… وبسرعة خبت الجواب اللي فيه كلام إيمان تحت المخدة، وقامت عملت نفسها نايمة. دخلت الممرضة بهدوء وسألت زميلتها:
"أخبارها إيه؟ الملازم مومن عايز يطمن عليها."
رهف سمعت إسمه من هنا … بدت تفتح عيونها ببطء، ولما شافها مومن، قرب منها بسرعة على الكرسي، ومسك إيدها بإحساس غريب، زي خوف متخنق جواه. قال بصوت مهزوز:
"رهف… انتي؟ ليه عملتي كده؟ ليه وقفتي قدام الرصاصة؟… انتي مش خايفة تموتي؟!"
تنهدت رهف، عيونها فيها ضعف وقوة في نفس الوقت. نظرت له بنظرة طويلة وقالت:
"انت زمان… حميتني من الأولاد اللي كانوا بيضربوني… وكانوا كتير… واتجمعوا عليك. بس انت ما خفتش، وقفتلهم لوحدك، وعلمتني إن الجدعنة مش بتتقاس بالقوة، بتتقاس بالقلب."
مومن اتلخبط… عينيه دارت كأنه بيدوّر على الذكرى، مش فاكر الموقف أوي… لكنه حس بحاجة من كلامها. سألها وهو بيبتسم بسخرية خفيفة:
"يعني علشان ترديلي الجميل… تموتي؟ ده مش ضرب أولاد يا مجنونة… ده رصاص!"
رهف (بصوت واطي بيترعش شوية):
"ما كانش ينفع أسيبك… مش انت الحماية ليا… من وأنا طفلة… وأنا…"
سكتت، وكأن الكلام وقف على طرف لسانها. سألها مومن (بهدوء وهو بيقرب منها):
"بتحبيني؟"
رهف ما قدرتش تبص في عينيه، بس هزّت راسها بالإيجاب، والدمعة نزلت من طرف عينها.
رهف (بصوت مكسور وهمس):
"آه… من غير ما تحس. كنت دايمًا أجي عندكم بحجة إني بلعب مع البنات… وأنا أصلاً كنت عايزة أشوفك."
سكتت لحظة، كأنها بتراجع سنين عمرها.
رهف (بتكمل والدموع في عيونها):
"زعلت أوي لما اتنقلت من مدرستنا، بس عرفت إنك رُحت مدرسة عسكرية… بتتدرب، وبيجهزوك تدخل الشرطة. فرحت بيك… وفضلت مستنية اليوم اللي تنزل فيه… بالبدلة… وأنا واقفة من بعيد، أقول ده مومن… اللي كان بيحميني زمان، وبقى ضابط النهاردة."
مومن كان بيسمعها وهو مصدوم، قلبه بيتقلب جوّاه، مش مستوعب كل المشاعر دي كانت حواليه ولسه ما حسش.
رهف (بابتسامة ضعيفة):
"وبعد ما اتنقلت من المجمع ده للمجمع التاني… أنا اللي اقترحت على بابا ننتقل… وفعلاً وافق، عشان نقدر نشوفك. بابا نائب في البرلمان، وعنده سلطة، قدر ينقلنا بسهولة. فرحت أوي… أوي… لما عرفت إنك هتحضر حفلة تخرجنا… وكمان خطوبة طارق وملك… كنت عايزة أشوفك… بس مش كنت متخيلة إن أول نظرة بينا تبقى قدام رصاصة."
مومن (تنهد تنهيدة طويلة، فيها ذهول، وفيها حيرة):
"كل ده؟ كل ده جواك؟ وأنا… ولا حتى كنت واخد بالي."
سكت لحظة، وبص لها نظرة فيها حاجة مختلفة، كأن أول مرة يشوف ملامحها بوضوح.
مومن (بهمس):
"أنا آسف يا رهف… آسف إنك شيلتِ ده لوحدك… ويمكن… يمكن كنت محتاج الرصاصة دي عشان أعرف… إنك كنتي جنبي طول الوقت."
قبل ما يكمل، الباب اتفتح، ودخل والدها ووالدتها، وقلقهم سابقهم:
الأب: "رهف! يا بنتي… انتي كويسة؟ حد يقولنا إيه اللي حصل؟… ليه عملتي كده؟!"
الأم (بدموع): "إزاي ترمي نفسك قدام الرصاصة؟! ليه يا حبيبتي؟"
رهف ماردتش، عيونها بس كانت بتلمع، دمعة بتتزحلق في صمت، نظرتها معلقة على مومن. مومن وقف ساكت، وطلب من الممرضة تحرك الكرسي المتحرك… وهو طالع من الأوضة، قلبه بيتقلب، وكل ما يفتكر نظرتها، يحس بحاجة مش مفهومة بتتولد جواه.
مومن (في سره):
"العشق ده… إمتى ابتدى؟ وإزاي أنا ما خدتش بالي؟"
📍 في المعسكر – الجناح النسائي
تم فصل الشباب عن البنات، واتاخدت إيمان مع مجموعة من الفتيات، وكان عبد الرحمن في جناح تاني مع الشباب. رغم إن قلبها مش مطمئن، لكن جوّاها فيه راحة صغيرة… يمكن عشان مكنتش عاوزة عبدالله يقرب منها.
دخلت إيمان المكان، لقيت البنات قاعدين على بطاطين مفروشة، الكلام بينهم كان شغال، بس مش بالهدوء اللي كانت متوقعاه.
بنت من البنات (بتضحك):
"ها يا عروسة… إيه أخبارك؟ جاهزة للجواز؟"
إيمان (بخجل):
"أنا… أنا مش… مفكرتش في كده قبل كده…"
بنت تانية (بصوت هادي بس فيه فضول):
"يعني عمرك ما قرأتي حاجة عن الجواز؟ عن العلاقة؟"
إيمان (اتحرجت):
"كنت بقرأ قرآن وحاجات في الدين بس… الكلام ده مش كنت بفكر فيه خالص…"
ضحكت واحدة منهم، كانت أجرأهم:
البنت الجرئية:
"وفيها إيه؟ إحنا متدينين بس بشر… بنحب ونتجوز ونخلف! والمهم نخلّف كتير… نبني عزوة ونكون أقوى… عايزين نبقى أكتر منهم، مش أقل."
إيمان فضلت ساكتة… الكلام غريب، مش شبه اللي تربت عليه. رغم تحفظها، لكنها بدأت تفهم إن اللي جاي أصعب من اللي راح.
📍 بعد أيام… من أماكن متفرقة
☀️ في مكان بعيد عن الوطن…
كانت إيمان بتساعد البنات في ترتيب الخيم، شعرها مربوط تحت الحجاب، ووشها عليه لمحة تعب… لكنها بتحاول تضحك. بتقطع الخضار، وتحط البهارات، وكل شوية واحدة من البنات تسألها على حاجة، وهي ترد بهدوء. المكان كان عبارة عن مخيمات، لكن فيه وجوه مش كلها طيبة… وفيه لهجات مختلفة: شامية، عراقية، لبنانية، مغربية… وكلهم بيجمعهم نفس الاعتقاد.
بنت لبنانية قالت لها بابتسامة:
"إنتِ بتعرفي تطبخي كتير طيب! شكلك كنتي ست بيت قبل ما توصلي لهون!"
ضحكت إيمان بخفة وقالت:
"ولا ست بيت ولا حاجة… ده بابا حتى مكنش يسيبني أدخل المطبخ!"
وفي الخلفية، كان فيه صوت البنادق بيتدربوا عليها الشباب، وعبد الله وسطهم، بيشاور لهم على الخريطة وبيقول تعليمات.
---
🌙 أما في القاهرة – المستشفى العسكري
كان مومن قاعد على سريره… رجله في الجبس، ونظراته معلقة في السقف. دخل الدكتور وقال له بصوت هادي:
"الحمد لله الرصاصة خرجت من رجلك، لكن للأسف مش هتقدر ترجع تبقى ظابط ميداني."
سكت، بص لها وهو بيحاول يخبي الدمعة.
"يعني إيه مش هرجع؟ أنا… اتعلمت، وتحملت، وكان حلمي من وأنا صغير… الشرطة مش وظيفة، دي كانت حياتي."
الدكتور بص له بتعاطف:
"بس لسه قدامك طريق… يمكن مش نفس الحلم، لكن ربنا هيفتحلك باب تاني… ويمكن تكون رسالتك أكبر."
اتنهد مومن تنهيدة فيها وجع… كان حاسس إن عمره اللي تعب فيه طار، لكن جوه قلبه، كان في صورة واحدة بتقرب… بنت واقفة قدام الرصاصة… اسمها رهف.
---
كان مومن قاعد على الكرسي جنب الشباك، نظراته تايهة في الفراغ، ووشه شاحب شوية… الملف الطبي على الترابيزة، وجنبه صورة الأشعة اللي أكدت إن رجله مش هتسمح له يرجع ميداني تاني.
دخلت رهف بهدوء، ومعاها ورد أبيض، ابتسمت وهي بتقرب منه وقالت:
"هو انت درست حقوق جوه كلية الشرطة؟"
بص لها مومن، كأنه بيصحى من حلم:
"طبعًا… القانون مادة أساسية، بندرسها من أول سنة."
قعدت رهف جنبه، ومدت له وردة:
"طيب الحمد لله… أصل أنا جبت مجموع حقوق، وكنت محتارة أدخل ولا لأ، بس طالما انت درستها، يبقى لازم أكمل."
ابتسم لأول مرة من يوم العملية:
"انتي بتفكري تدخلي حقوق بسببي؟"
هزت راسها وقالت ببراءة:
"جزء كبير، آه… وبعدين، هو ممكن أكون نائبة عامة عشان أعرف إن النائب العام شغلته مش بعيدة عن الشرطة… بيدور ورا الأدلة، بيحقق، بيقدم المجرم للمحكمة… برده بيحمي الناس بس من مكتب مش من شارع."
سكت لحظة، ورجع نظره لها وفهم إيه عاوزة تقول:
"يعني شايفاني نائب عام؟"
ضحكت وقالت:
"شايفاك إنك مش لازم تحبط… الظابط اللي فيك مش هيموت، هيغير بدلته بس."
كانت بتتكلم بعفوية، لكن كل كلمة قالتها كانت بتداوي جرح جوه قلبه. مد إيده وخد الوردة منها، وقال بصوت واطي:
"يمكن ده الطريق اللي لازم أمشيه فعلاً… شكراً يا رهف."
"أنا جنبك دايمًا… حتى لو الطريق اتغير، أنا مش هبعد."
---
الدنيا كانت بتظلم، والهدوء مسيطر على المكان، بس قلب إيمان كان بيصرخ من الخوف. من ساعة العصر وهم بيجهزوا ليها خيمة خاصة… الخيمة اللي كان المفروض تبقى بداية "حياة جديدة"… لكنها شايفاها نهاية كل حاجة كانت بتحلم بيها. كانت قاعدة على بطانية بسيطة، وشوية هدوم بيضة مرمية جنبها، وريحة البخور مالية المكان.
دخلت واحدة من البنات، ومعاها صحن فيه مية، وقالت بابتسامة مزيفة:
"يلا يا عروسة… لازم تغتسلي، عبد الله جاي بعد شوية، والشيخ هيجي يقرأ عليكم الفاتحة."
نظرات إيمان كانت مجمدة، وشعرها مقشعر، وهي بتهمس لنفسها:
"أنا إزاي أوصل لكده؟ أنا كنت بذاكر… كنت بكتب أحلامي في كشكول… كنت بحلم أبقى طبيبة… مش عروسة في معسكر!"
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل السابع 7 - بقلم صفاء حسني
وقفت البنت تراقبها وهي بتتكلم:
"يا بنتي ده جهاد، وده جوزك اللي ربنا اختاره ليكي، إنتي هتبقي زوجة مجاهد، ده شرف كبير."
اتشنجت إيمان، وكأن الكلام بيخبط في قلبها:
"شرف؟! الشرف إن جسمي يتعري هنا؟ في خيمة؟ من واحد أنا معرفوش؟! هو ده اللي سماه أبويا دين؟ فين الدين اللي بيرحم؟ اللي بيخلي الإنسان يختار؟!"
قربت منها البنت وقالت:
"إوعي تتكلمي كده، هيتقال عنك مرتدة!"
اتنفست إيمان بصعوبة… دموعها بتنزل بدون صوت، بس قلبها بينهار بصوت عالي:
"أنا اتحكم عليا أكون زوجة مش بإيدي… أنا هفضل طول عمري أكره اللي عمله فيا أبويا… بس مش هسكت… مش هسكت."
***
داخل خيمة مظلمة – قبل القصف بساعات
كانت إيمان قاعدة على طرف فرشتها، عنيها معلقة في الأرض، وإيدها بتتحرك بعصبية على طرف طرحتها، لكن قلبها كان بيصرخ:
"أنا مش قادرة... مش قادرة أكمل كدة!"
دخلت الخيمة فجأة واحدة من نساء التنظيم، ست في آخر الأربعينات، بوشها الجامد ونظرتها الباردة، كانت بتتسمّى "أم بيان"… وهي واحدة من أقرب المقربات لزعيم التنظيم.
قربت منها بخطوات ثابتة، وقفت فوقها، وبصوت هادي لكن مليان سم:
"فاكرة إنك ممكن تلعبي علينا؟ فاكرة إنك لو سكتّي أو انسحبتي محدش هياخد باله؟"
رفعت إيمان عينيها، وعنيها مليانة دموع وارتباك:
"أنا… أنا مش..."
قاطعتها "أم بيان" وهي ترمي ورقة مطوية قدامها:
"دي صورة بيت أهلك الجديد… عارفة ده فين؟ في قلب الواحات… في منطقة مقطوعة محدش يوصلها… وإحنا اللي نقلناهم هناك... عشان نقدر نحميهم… أو نؤذيهم."
شهقت إيمان، وقلبها وقع في رجليها:
"يعني... نقلتوهم غصب عنهم؟!"
قربت منها أكتر، وقعدت على ركبها قدامها، وهمست بصوت بارد:
"إحنا نقدر نعمل أي حاجة… ولو خرجتِ عن طوع عبد الله، أو رفضتي ليلة كتب الكتاب، أو حتى حاولتِ تهربي تاني... ساعتها، مامتك... وأخوك الصغير... هيموتوا، واحد واحد، وإنتي السبب."
نزلت دمعة من عين إيمان، لكنها مسحتها بسرعة، ونظرت لها بصدمة وصمت، لسانها مش قادر ينطق، لكن قلبها كان بيقول:
"أنا متكتفة، واللي بحبهم مربوطين برقابتي… بس لسه فاضل شوية قوة... شوية إيمان... يمكن ألاقي مخرج."
قامت "أم بيان" وخرجت من الخيمة، وهي ترمي وراها بكلمة:
"فاضل ساعات… جهزي نفسك."
***
داخل خيمة إيمان - قبل لحظات من إجبارها على الطاعة
إيمان كانت قاعدة على الأرض، عينها في الأرض، وإيدها بتترعش، زوجة رئيس التنظيم واقفة قدامها، عنيها مليانة تهديد:
"لو رفضتي، مش بس هنعاقبك… إحنا نعرف نجيب أمك، ونخليها تدفع التمن عنك!"
كأن السكينة دخلت في قلب إيمان… كل صوت جواها سكت، ماعدا نبضات قلبها اللي بتصرخ:
"يارب… نجّيني… أنا مغصوبة… مش بإيدي."
دخل عبد الله، ماسك إيدها بإجبار… إيدها كانت ساقعة، وهو بيحاول يقرب منها، همست بصوتها المكسور:
"أنا مش ليك… بس أنا تحت رحمتكم… سامحني يارب."
وفجأة…
دوّي صوت مرعب في السماء… طيارة حربية بتكسر حاجز الصوت… وصوت انفجار يهزّ المعسكر!
الكل خرج يجري… صرخات… تكبيرات… تراب مالي المكان…
صرخ شاب من التنظيم:
"إيه اللي بيحصل؟!"
رد عليه واحد وهو شايل سلاحه:
"بشار الأسد ضرب علينا قنابل… الروس مشاركين… لازم نهرب فوراً!"
ارتبكت الوجوه، والكل بدأ يجري من غير ترتيب…
صرخ صوت من بعيد:
"هنرجع تاني… ومش هنسيب حقنا! كل طاغية قتل فينا مسلم، هنحاسبه! إحنا هنفضل قوة، وهنكمل الجهاد في سبيل الله!"
في وسط الهلع ده، إيمان وقفت من بعيد… بتتنفس بصعوبة، وبتبص للسماء المليانة دخان، دموعها نازلة وهي بتهمس:
"شكراً يارب… إنت الوحيد اللي سمعتني…"
***
(في ممرات المستشفى، الصبح بدري، الجو هادي، صوت الكراسي المتحركة وموظفين بيندهوا على الحالات)
كان مومن قاعد على الكرسي المتحرك، لابس جاكيت خفيف فوق ملابس الخروج، عيونه بتبص قدامه، لكن فكره سرحان… رجله لسه بتوجعه، بس الوجع الحقيقي كان في قلبه.
الممرضة بتزقه بهدوء، وهو بيسأل:
"هي خرجت؟ رهف؟"
هزّت راسها وقالت بهدوء:
"أيوه… قبل شوية، أهلها جم وخدوها… بس طلبت تسيبلك ظرف."
استغرب مومن، وخد الظرف من الممرضة، كان مكتوب عليه بخط ناعم: "مومن"
فتح الظرف، وقرأ:
"كنت عايزة أودّعك بنفسي، بس خفت الدموع تفضحني… مش هقول غير كلمة واحدة: ماكانش ينفع أسيبك… حتى لو المقابل حياتي."
اتحرك مومن ببطء لحد ما خرج من باب المستشفى، وهوا بيرجع براسه ورا كأنه لسه بيستنى تشوفه، لكن كانت عربيتها اختفت.
***
خارج المستشفى - سيارة بتتحرك ببطء
كانت رهف قاعدة في الكرسي الخلفي جنب الشباك، وشها باين فيه إنها تعبانة، لكن عنيها بتدور… بتدور عليه.
ولما مرّت العربية جنب باب المستشفى… شافته!
مومن واقف بيتسند على عصاه، ماسك الظرف في إيده، ورفع عينه… والعينين اتقابلوا!
ثواني من الصمت… العربية عَدّت، لكنها كانت كافية تخلي القلبين يتلاقوا من غير كلام.
***
تحت الأرض - مخبأ التنظيم - ليل
نزلت إيمان مع عبد الله والبنات في نفق طويل، الحيطان حجر، والجو خانق، ريحة البارود والموت معلّقة في الهوا… العيون كلها مرعوبة، والمكان بيقفل عليهم كأنهم داخلين مقبرة مش ملجأ.
صوت رجل من التنظيم هتف:
"وصلتوا… استريحوا لحد ما نجهّز للتحرك على شرق سوريا، الوضع هناك بيحتاج دعم!"
شهقت واحدة من البنات، وقالت بصوت بيترجف:
"إحنا في سوريا وبشار الاسد قرار يموت شعبه ايه الحل ؟!"
سكت الكل، لكن كانت الصدمة بتتكتب على وشوشهم.
إيمان كانت ماسكة طرف طرحتها بإيدين بتترعش… لفت لوجه عبد الله، وعنيها مليانة صدق وخوف ووجع:
"عبد الله… لو فعلاً بتحبني وعاوز نكمل… تعالى نخلّص من ده."
استغرب، قرب منها وهو بيقول:
"نعمل إيه؟"
ردت بصوت واضح رغم الرجفة:
"نهرب! المكان ده مش جهاد… ده مقبرة."
قربت منه أكتر، ودموعها كانت بتحاول تنزل وهي بتحبسها:
"عبد الله… الناس دي بتؤمن بالموت أكتر من الحياة. شايف اللي بيحصل؟ الأبرياء بيموتوا… والبلد بتتدمر… التنظيم بيستخدم الدين سلاح، لكن مفيش دين بيحطك في طريق الرصاصة بإيدك! العلاج… المفروض يكون حياة… مش أداة للموت!"
سكت عبد الله، وبدأ يتنفس بسرعة… كلامها دخل قلبه، وبدأ يحس بالحقيقة اللى كان بيهرب منها طول الوقت.
فجأة… سمعوا صوت صراخ من فوق السطح… وصوت رجالة بينادوا من فتحات التهوية:
"الطيران رجع… جهّزوا نفسكم للتحرك فوراً! هدفنا شرق سوريا…"
إيمان بصّت لعبد الله وقالت:
"إما نكمل في الطريق ده… أو نكسر الدائرة… مع بعض."
***
وسط الفوضى – بعد هجوم الطيارة بدقايق
إيمان كانت واقفة مكانها، جسمها بيرتعش من الخضة، لكن جواها شعور واحد مسيطر عليها:
"لازم أهرب… دي فرصتي الوحيدة!"
الناس بتهرب يمين وشمال… الصراخ مالي المكان، التراب مغطي كل حاجة، والرجالة بينادوا:
"خدوا البنات! أسرعوا! هنرجع نتجمع بعد ساعة عند الوادي!"
استغلت إيمان الزحمة والدوشة، وسحبت طرحتها على وشها، وبدأت تتحرك في عكس الاتجاه… قلبها بيدق بسرعة… كل خطوة كأنها ماشية على سكاكين، لكن خطواتها كانت سريعة ومدروسة.
قربت من خيمة فيها شنط وإمدادات، فتحت شنطة كانت على جنب، لقت فيها عباءة قديمة وحجاب سميك، لبستهم بسرعة، غيرت شكلها… بقت شبه أي واحدة من أهالي القرية.
خرجت من ورا الخيم، ماشية على جنب، عينها بتلف يمين وشمال… حد شافني؟ حد لاحظني؟
لكن ربنا كان ساتر.
فجأة لمحت عربية تويوتا صغيرة كانت بتوصل بعض المصابين والسواق بيزعق:
"يلا اركبوا بسرعة! هننقل الجرحى للمستشفى الميداني!"
قربت إيمان بهدوء،
"أنا ممرضة… خدووني، أساعد في علاج الجرحى!"
بص لها بسرعة وقال:
"اطلعي ورا… بس خلي بالك!"
ركبت العربية، وشدت الطرحة أكتر على وشها… ومع أول طلعة للعربية… كانت إيمان بتودّع أول خطوة في طريق الجحيم، وبتبدأ طريق النجاة.
***
بعد سنوات — يظهر مومن ورهف
كانوا قاعدين على دكة في حديقة بيتهم، الجو هادي بعد المغرب، نسمة هوا خفيفة كانت بتحرك طرحة رهف القصيرة، مومن لاحظ إنها غيرت طريقة لبسها… البنطلون الجينز الضيق، والبلوزة القصيرة، والحجاب اللي بقى نص حجاب.
سكت شوية، وبص لها وقال بهدوء:
"إنتِ متغيرة يا رهف…"
استغربت كلامه:
"متغيرة إزاي؟"
قال وهو عينيه على الأرض:
"أنا متعود عليكي بفستان طويل وطرحة كبيرة… حتى مشيتك كانت هادية، بتحسي إنك بتعزفي وأنا بتفرج… دلوقتي؟ حسيت إني بشوف حد تاني."
رهف عضت شفايفها، وقالت بتحدي:
"يعني علشان لبست بنطلون، خلاص بقيت وحشة؟! أنا لابسة زي صحابي… مش ماشية غلط."
قرب منها شوية، وبص في عينيها:
"أنا مش بقول إنك وحشة… أنا بقول إني خايف عليكِ، خايف من التغيير اللي مش جاي من جواكي… جاي من ضغط حواليكي… من بنات بيقارنوا نفسهم بصور على السوشيال، مش بقيم حقيقية."
رهف سكتت لحظة، وبعدين قالت:
"أنا طول عمري بلون أبيض وأسود… عايزة أكون رمادي، أكون زي البنات، ألبس فستان فرحي زي ما أنا بحب، مش ضروري طرحة طويلة، نص طرحة كفاية، أنا مش ملاك يا مؤمن… أنا بشر."
مومن تنهد، وصوته فيه وجع كأنه في حلم وصحي:
"بس أنا لما حبيتك… حبيتك زي ما انتي. رهف اللي كانت بتضحك وهي مغطى شعرها من الهوا ومن عيون كل البشر … مش رهف اللي مستنية فستان على الموضة عشان تحس إنها جميلة."
سكتوا الاتنين… رهف دمعت عينيها وقالت بهمس:
"أنا مش بعدت عن ربنا… بس عايزة أحس إني مش مختلفة عنهم… حتى لو ليلة فرحي، أختار أنا شكلي… مش المجتمع ولا حتى إنت."
مومن وقف وقال بهدوء:
"الاختلاف عمره ما كان عيب… بس يا رهف… اللي بيحبك من قلبه مش هيبص على شكلك، هيبص على نورك… نور قلبك. بس برضه… القرار ليكي، أنا مش هفرض حاجة، بس حبيت أقولك… إن التغيير لو جاي من ضعف، عمره ما هيكملك… لكن لو من وعي، هيكبرك."
سابه ومشي، وهي فضلت قاعدة، وعنيها دمعت من كتر الحيرة.
***
بعد ما مشي مومن وسبها لوحدها على الدكة، فضلت رهف قاعدة، وعيونها معلقة في نقطة وهمية في السما، دمعة نزلت بهدوء من عينها، ومسحتها بسرعة، كأنها مش عايزة حتى الدموع تكشف ضعفها.
همست لنفسها بصوت مهزوز:
"لازم يشوفني أنا… يشوف رهف الحقيقة… مش رهف اللي بتحاول تبقى نسخة من إيمان… مش هقدر أعيش عمري كله بتمثّل عشان ياخد باله مني."
سكتت لحظة، وبصت لإيديها المرتجفة:
"كنت فاكرة لو قلّدت إيمان، هتشوفني… كنت فاكرة لو لبست زيها، مشيت زيها، اتكلمت بهدوء زيها، هتحبني… بس الحقيقة؟ أنا مش هي، ومش هكون هي."
تنهدت تنهيدة طويلة:
"أنا تعبت… تعبت من التمثيل… تعبت أضحك وقلبي بيصرخ، تعبت أخبي غيرتي انك بدور على ايمان إلا عمرك ما شوفتها … بس إيمان راحت… إيمان ماتت في سوريا، هي وعريسها، وهما بيجاهدوا في معركة كانوا مصدقين إنها لله… بس انتهت… وانتهى وجودها في حياتنا."
نزلت دمعة تانية وهي بتهمس:
"لو هتحبني، لازم تحبني أنا… بطبيعتي، ببنطلوني، بحجابي القصير، بأسئلتي الكتير، وبصوتي العالي أوقات… لو هتحبني، يحبني زي ما أنا… مش كنسخة معدلة من إيمان."
قامت من مكانها، ومسحت وشها بسرعة، وقالت بصلابة:
"خلاص يا مومن… أنا رهف، لو عرفت تحبني كده… أهلاً بيك. لو لا… يبقى مش مكتوبلنا."
دخل مومن يسلم على ام رهف وبعد الترحيب سألها :
"هو أنا ممكن أسأل حضرتك عن حاجة؟"
أم رهف بابتسامة هادية:
"طبعًا يا ابني… خير؟"
مومن:
"ممكن أسأل حضرتك سؤال محرج شوية؟"
أم رهف (بتبتسم وبتهز راسها):
"اسأل يا ابني، أنت مش غريب."
مومن:
"رهف… لبسها اتغير الفترة اللي فاتت… بقت تلبس بنطلونات وحجاب قصير وخلعت الحجاب الطويل، وده خلاني أستغرب… هي كانت كده دايمًا؟"
أم رهف (استغربت وضحكت بخفة):
"لا يا ابني، دي كانت فترة صغيرة جدًا… رهف بطبعها بتحب اللبس ده ومش محتشم بس وقتها كانت متأثرة بصاحبتها… اسمها إيمان، بنت جارتنا القديمة."
مومن (بان عليه التوتر وهو بيكمل):
"يعني كانت بتقلد صاحبتها؟"
أم رهف (بنظرة فاهمة):
"مش بس كده… كانت بتحاول تبقى شبهها بالظبط، وعرفت بعدين إنها كانت بتعمل كده علشان تلفت نظرك."
مومن اتجمد في مكانه… كأن الكلام وقع على ودنه زي صدمة كهربا، فتح بقه شوية، وسأل بصوت واطي:
مومن:
"عشاني…؟"
أم رهف (بابتسامة حزينة):
"آه… من وهي صغيرة بتحبك، حتى لم كنت تيجي تلعب عندنا، كانت بتستناك على السلم… بس بعد ما إيمان ماتت، رهف قررت تبقى نفسها تاني، وقالتلي: (مش هينفع أفضل صورة من حد تاني، لو هحب… لازم يتحبني زي ما أنا)."
مومن بص في الأرض، مش قادر يصدق إن كل اللي حصل كان بدافع حبها ليه.
سكت لحظة، مومن (بصوت متأثر):
"مين ايمان … وماتت ازى ؟"
أم رهف:
"آه… أهلها جبروها تسيب دراستها وتسافر، وجوزوها غصب عنها… وللأسف راحت في طريق محدش يعرف نهايته، وماتت قبل ما تعيش شبابها."
مومن سكت شوية، وهو بيحس إن الصورة بدأت تكتمل قدامه، رهف بنت بتتلون…
***
بعد غياب أسابيع – طلب مومن يقابل رهف خارج المنزل في كافيه كانت فرحانه انها هتقابله
كان منتظر مومن فى كافية الجو كان هادي، والأنوار خافتة حوالين الترابيزات، مومن قاعد مستني، شايل هم المواجهة...
رهف وصلت، لابسة بنطلون جينز واسع وبلوزة طويلة، وحجاب قصير بألوان هادية.
قعدت قدامه، سكتوا شوية… بس هو كان واضح عليه التوتر والتصميم.
مومن (بص لها بنظرة ثابتة وصوت هادي بس حازم):
"بصّي يا رهف… أنا ساكت بقالي كتير، وبحاول أفهم وأستوعب، بس دلوقتي لازم أتكلم بصراحة."
رهف (بصوت قلق):
"اتكلم، أنا سامعاك."
مومن (نبرته جدّة):
"من أول يوم شفتك فيه، كنتي لابسة لبس محترم، لبس بيعبّر عنك… ووقتها حسيت إنك بنت مختلفة، عن كل البنت ، بس لما بدأتِ تتغيري، حسّيت إنك بتحاولي تبقي حد تاني… وتبرريه بكلمة: (أنا عايزة أكون نفسي)."
رهف (رفعت حاجبها باستغراب):
"وأنا فعلاً عايزة أكون نفسي، مش نسخة من حد، أنا بصلي وبحب ربنا، بس اللبس مش هو الدين."
مومن (شد نفسه وبصلها بعين حاسمة):
"أنا مش بتكلم عن اللبس كلبس… أنا بتكلم عن مبدأ، عن هوية، عن احترام ما ابتدينا عليه. أنا نائب عام وبحقق بالعدل ، وأبقى مسئول قدام ربنا عنك. لو هنكمل، يوم الفرح تلبسي زي ما عرفتك، فستان محتشم، حجاب طويل، ومافيش لف ولا دوران، ولو مش عاجبك… يبقى كل واحد يروح لحاله."
رهف (نزلت عيونها، قلبها بيخبط، ودموع محبوسة):
أنا آه كنت بقلد صديقتي لكن لاقيت نفسي مش عارفه أكون زيها وكل ما البس لبسها افتكرها وانهار
مومن (بصوت أهدى لكنه جاد):
"أنا عايزك تلبسي زي رهف… رهف اللي شفتها من الأول، ومادام عاوزة تكون نفسك معرفتنش عن نفسك من البدايه ليها وليه دلوقتي بعد ما كتبنا الكتاب عاوزة تصغيرني أقدم اهلك وأهلي وفجاة قررت تتمرد وتغَيّر كل حاجة بعد ما ضمنت قلبي. وده حقي لو دخلتي بيتي… يبقى تسمعي كلامي، مش عشان أتحكم… لكن عشان نعيش براحة واحترام."
رهف ما ردتش، بس عنيها كانت بتقول حاجات كتير… بين الضعف والحب والتمرد والخوف من الخسارة.
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل الثامن 8 - بقلم صفاء حسني
خرج مومن ورهف من الكافيه.
الهدوء بينهم كان زي سكوت بعد عاصفة.
ركبوا العربية، ومافيش ولا كلمة اتقالت. كل واحد غرق في تفكيره، وكأن الصمت بيحكي أكتر من الكلام.
الكاميرا تركز على ملامح مومن وهو سايق، نظراته على الطريق، لكن باله معاها.
رهف بصه سريعة ليه، وبعدين تنزل بعينيها على إيديها المرتعشة.
وصلوا قدام بيتها.
مدت إيدها تفتح الباب، لكن صوته قطع الصمت:
"فكري في كلامي يا رهف… مش بطلب حاجة ضدك، بس اللي بينا لازم يكون فيه وضوح من البداية."
رهف هزّت راسها بخفة، ما ردتش، بس عينيها كان فيها وجع وحيرة.
نزلت من العربية، وقبل ما تقفل الباب، بصت له نظرة سريعة، كأنها بتسأله: "لو كنت أنا… من غير تقليد… هتفضل تحبني؟"
مومن رجّع عنيه للطريق، وشغل العربية ومشي، يسيب وراه رهف واقفة تحت نور خافت قدام البيت، شايلة في قلبها أسئلة كتير.
رهف في الحمام، ميّه سخنة نازلة من الشاور، بتحاول تهدي نار التفكير اللي جواها.
صوتها الداخلي بيهمس:
"هو بيحبني… ولا بيحب الصورة اللي كنت بقلدها؟ وإزاي أعيش بنفسي وأنا خوفت أخسره؟ أنا مش عارفة أرجع زي زمان، بس مش عايزة أكون غيري كمان…"
تنزل دمعة وسط الميّه، وهي بتحط إيديها على وشها، وبتتنهد تنهيدة وجع… مش بس من كلامه، من كلامها مع نفسها كمان.
تخرج رهف من الحمّام، لابسة بيچاما قطن بسيطة بلون هادي، وشعرها مبلول مربوط ورا، ووشها عليه أثر البخار، لكن عينيها هي اللي كانت باينة فيها الحرب الحقيقية.
تقف قدّام المراية… تبص على نفسها، وتتأمل ملامحها… كأنها بتحاول تفتكر هي مين قبل ما تقلد أي حد.
تمد إيدها على درج التسريحة، تفتح صندوق صغير فيه حاجات زمان: خاتم صغير، دبوس حجاب طويل، صورة لها في الشبكه مع مومن وهى بالحجاب المحتشم، وجواب كانت كتبته ايمان.
تمسك الصورة… تبتسم ابتسامة شجن.
"إيمان… حاولت اكون زيك عشان الفت نظره، رغم اكتشفت إنك كنتِ قوية… وأنا ضعيفة. تقليدك زمان… لكن شكلي وأنا بقلدك عمره ما كنت أنا."
تقوم من قدام المراية، تروح تقعد على السرير، تجيب الموبايل، تبص على رقم مومن، وتحط الموبايل على صدرها وهي مغمضة عنيها.
"أنا محتاجة أختار… مش عشانه… عشاني. أنا عايزة أكون حد لما يحبني، يحبني أنا… مش صورة حد تاني."
الإنارة تبقى هادية جدًا، وتبان دمعة ساكنة على خدها، مش دمعة حزن… دمعة اعتراف.
وتكون قاعدة على طرف السرير، عينها سابحة في الفراغ، وإيديها بتفرك بعض من التوتر.
صوت مومن بيرن في ودنها: "لو هتدخلي بيتي، يبقى تسمعي كلامي…"
تحط إيديها على وشها وتتنهد:
"أنا اتسرعت؟ يعني علشان حبيت أكون على طبيعتي… ممكن أخسره؟ بس برضو أنا مش عايزة أعيش في صورة مش بتاعتي."
قامت من على السرير، وقفت قدام المراية، بصت لنفسها وهي لابسة البنطلون والحجاب القصير، وبعد لحظة… فتحت الدولاب وطلعت الطرحة الطويلة والفستان الواسع القديم.
"هو ده أنا اللي هو حبني بيها ومن وقت ما قررت تاخد مكان ايمان فى حفلة التخرج وهو شافك كدة … طب ليه اتغيرت فجأة؟ عشان شوية صحاب؟ ولا عشان أثبت إن ليّا شخصية؟"
سكتت شوية، ومسكت موبايلها وبعتت له رسالة:
"مومن، أنا محتاجة وقت أراجع نفسي… أنا مش ضدك، ولا ضد كلامك، بس بحاول ألاقيني وسط كل الزحمة دي… مش هلبس اللي يزعلك، ومش هغيّر كل حاجة دفعة واحدة… بس كمان عايزة تحبني عشان أنا، مش عشان شكلي مهما كان هو طبعي. أنا هغلب خوفي، وهحاول أكون أقرب ليكمن غير ما أخسر نفسي. لو فعلاً بتحبني… استناني."
رمت الموبايل على السرير، ومسحت دمعة نزلت على خدها، وقعدت تفكر:
"أنا لازم أرجع رهف اللي كانت بتعرف توازن ما بين الحياء، والحرية… اللي كانت بتعرف تحب من قلبها، من غير ما تتوه."
مومن قاعد لوحده، النور خافت، ورايح جاي بعنيه على شاشة الموبايل، والرسالة اللي جاية من "رهف" لسه مفتوحة… كأن الكلام نزل على قلبه بحنين ووجع في نفس الوقت.
قرأ الجملة الأخيرة تاني: "أنا هغلب خوفي، وهحاول أكون أقرب ليكمن غير ما أخسر نفسي. لو فعلاً بتحبني… استناني."
شد نفس طويل، وراح سند ضهره للكرسي، بص للسقف، وكأنه بيسترجع لحظات زمان… لما شافها لأول مرة في الحفلة، ولما كانت دايمًا بتضحك وهي لابسة واسع وحجاب طويل وتحاول تقرب له بشوية خجل وحياء.
"أنا حبيتك بالشكل ده… بالبساطة دي… بالطيبة دي… مش عايزك تكوني نسخة من حد… بس برضو مش عايز أصحى في يوم، وألاقي اللي في قلبي ضاع واتبدّل."
وقف من مكانه، ومسح وشه بإيده، وفتح الموبايل وكتب الرد:
"رهف… أنا مش عايزك تلبسي حجاب طويل بالعافية، ولا تتغيري بالعافية… أنا عايزك تفتكري أنتِ كنتي مين، وإزاي كنتي بتلمعي من غير ما تقلدي حد. أنا مستنيك، بس مستني رهف اللي عرفتها، اللي حبتني بطريقتها، وخافت عليّا من غير ما تجرح كرامتها. لو هترجعي لي… رجعي بنفس الروح، مش بنفس اللبس… لأن اللي في القلب… أكبر من كل حاجة."
قفل الموبايل، وتنهد براحة، كأن قلبه رجع يهدى بعد ما قال اللي جواه.
***
🎬 مشهد داخلي – صباح اليوم التالي – غرفة رهف
رنة موبايل بتقطع الصمت…
رهف بتكون قاعدة على السرير، لابسة إسدال صلاة، ولسه عنيها فيها آثار السهر والتفكير.
ترد بتردد:
"ألو؟"
"صباح الخير يا رهف… جاهزة؟ هنروح نتفرّج على فساتين الفرح النهارده."
سكتت لحظة… صوتها يخرج بنعومة متلخبطة:
"آه… حاضر، هدخل أجهز وأنزل."
"هعدّي عليكي خلال ساعة. بس المرّة دي رايحين على أتليه محجبات. قلت أكون واضح من الأول."
رهف ابتلعت ريقها، ماعلقتش… لكن في قلبها حصل ارتباك خفيف ما بين الخوف والرضا.
"ماشي… هستناكم."
قفل الخط.
***
🎬 مشهد خارجي – قدام بيت رهف – بعد ساعة
مومن مستني في عربيته، لابس قميص بسيط وبنطلون غامق، شكله مرتب وفيه جدية.
رهف تنزل… لابسة عباية شيك، لونها سكري، وحجاب منسدل ببساطة، بدون مبالغة.
يركبلها الباب، تبتسم بخجل، وهو ما بيقولش ولا كلمة، لكن نظراته بترصد كل تفصيلة في شكلها.
"شكلك هادي… شكلك شبه نفسك."
"دي أول مرة أبقى شبه نفسي بجد."
يسكتوا لحظة، قبل ما هو يقول:
"الأتليه ده مختلف… مش بس عشان الفساتين، أنا عايزك تشوفي إنك ممكن تفرحي… من غير ما تضحي بشخصيتك."
تبتسم رهف بخجل… وتبص على الشباك وعينيها فيها أمل صغير، بيتولد من جديد.
***
رهف قاعدة على كرسي قدام المراية، لابسة فستان بروفة، لونه سكري ناعم، بس واضح عليها التوتر.
بتبص في المراية بنظرة مشوشة، تحاول تضحك… لكن عينيها فيها قلق كبير.
صوت البنات حواليها بيملأ المكان بحيوية:
"أنا شايفة فستان ستان منفوش، يا رهف! لازم تبقي ملكة بجد… مش هنتنازل!"
"أنا شايفة ده أحلى، هادي وبسيط… شبهك!"
"أنا بقى عاجبني ده القصّة المودرن، قصير من قدام وطويل من ورا… جامد جدًا!"
رهف بتبتسم بخفة، لكن تحاول تخبي توترها:
"مش عارفة… خايفة أختار حاجة وأندم… عاوزة أفرح، بس من غير ما أخسر نفسي…"
"إنتي خايفة من إيه؟ مومن؟ ولا من نفسك؟"
سكتت رهف، ضمت إيديها على بعض، ونظرتها للمراية تغيرت…
"أنا عملت حاجات كتير عشان أوصل له… غيرت شكلي، غيرت طريقتي… بس النهارده، أنا عايزة أفرح وأنا على طبيعتي. مش حابة أكون نسخة من حد… حتى لو كان ده هيبعده عني."
البنات سكتوا شوية، نظراتهم فيها تقدير، بس في نفس الوقت حيرة.
"اللي بيحبك، هيقبلك زي ما إنتي… بس خدي بالك، الفرحة يوم واحد… بس القرار باقي."
"وبعدين… مهما لبستي، لو قلبه معاكي… خلاص، كسبتي الجولة!"
رهف تضحك لأول مرة من قلبها، وتقوم تمشي بين الفساتين.
تقف قدام فستان كلاسيك محجّب، كم طويل، قماشه ناعم من الدانتيل، ومطرز بتطريز بسيط حوالين الوسط… حجاب طويل نازل بنعومة على الأكتاف.
"هقيس ده… حاسة إنه يشبهني دلوقتي."
يقطع شرودها لما الموبايل رنّ بنغمة واتساب جديدة، رقم مش مسجل… دولي… لكن له طابع غريب.
فتحت رهف الرسالة… وفي لحظة، عيونها دمعت من غير ما تنطق بكلمة.
"يارب تكوني لسه فاكراني… أنا إيمان."
سكت الزمن… الموسيقي اتحولت لصمت… وال صوت الداخلي جواها بدأ يصرخ: "معقول؟ بعد كل السنين؟" "إيمان… عايشة؟!"
رجعت تتنفس بصعوبة، والبنات حواليها مش فاهمين دموعها المفاجئة.
مسحت بسرعة، وكتبت بإيديها المرتجفة: "إيمان؟ إنتي؟ إنتي فين؟ إزاي؟!"
لكن مفيش رد… كانت الرسالة دي كأنها فتحت باب من الذكريات… الطفولة… الرصاص… فستان الزفاف… والوداع الأخير.
رفعت رهف عنيها للمراية، وفي قلبها سؤال بيكويها: "يا ترى إيمان بعدت الرسالة… عشان تهنيها؟ ولا عشان تطلب منها حاجة أخيرة؟"
بعد دقائق كانها ساعات وصلت رسالة واتساب – من "إيمان" – بعد دقائق طويلة من الانتظار:
"ربنا أنقذني من الموت بأعجوبة يا رهف… ياااه، أنا كنت بموت كل يوم وأنا وسطهم… من مخبأ لمخبأ، ومن بلد لبلد… كل لحظة كانت كأنها نهاية، وكل صوت رصاصة كنت بحسبها نهاية. مش هكدب عليكي… اتكسرت، اتعذبت، واتهدّيت من جوايا، بس كنت بدعي ربنا كل يوم إنه ينجيني ويرجعني يوم أشوفك… قدرت أهرب من سوريا عن طريق البحر، رحلة مرعبة بس ربنا كان معايا، ودلوقتي أنا في تركيا… بحاول أبدأ من جديد. المهم… إنتي عاملة إيه؟ طمنيني عليكي… وعلى ابن القاضي انتم بخير … وعلى حياتك كل ما اسمع فى الاخبار المصري، ان ظابط استشهد بكون بتقطع جوي … المهم وحشتيني أوي يا رهف، أنا لسه مش مصدقة إن عرفت اكلمك كده بعد كل السنين دي…"
---
تنظر رهف الى الرساله ومش مصدقة نفسها وردت:
"الحمد لله يا إيمان… دخلت كلية حقوق، وخلصت السنة دي. أربع سنين كانوا تحدي، بس كنت ماشية ورا حلمي… وورا حبّي. كنت دايمًا بحس إنك معايا، دعم ليا، وصوتك بيشجعني في كل موقف صعب. ابن القاضي بقي جوزى دلوقتي انكتب كتبنا وجوزك عامل ايه"
كتبت الكلمه وهى بتختبر مشاعر ايمان.
"الف مبروك ياقلبي الحمدلله انكم بخير"
واتنهدت بوجع:
"لم هربت جوزى لحقنى لما اكتشفوا انى هربت فضلوا يدور عليا كتير، ولم وصل ليا شرط عليه نفضل فى تركي ونقطع علاقتنا بيهم لو عايزين او يطلقنى لكن هو كان مخنوق منى علشان اعتبرني صغرته اقدمهم"
سالتها رهف:
"لو عرفت ترجعى ارجع وسيبك من هناك انا عرفت ان ولدك مات ومامتك واخوك الصغيره رجعوا عاشوا فى الشقة"
هزت راسها ايمان:
"لاسف دخلت هجري غير شرعي ومعنديش اي اثبتت هواي. ادعلي المهم الف مبروك يارب تكون بخير"
تنهدت رهف:
"حاسة ان مومن … اتغيّر، مش هو اللي كان زمان. بقى متشدد… اشترط عليّا ألبس فستان بكم وحجاب طويل… محدش يصدق إنه كان ظابط شرطة، دلوقتي بقى نائب في النائبة العامة ، لكن تحسي انه اصبح متشدد مش عايزين اكون على طبيعتى"
---
ارسلت رساله إيمان:
"وماله يا رهف؟ هو التدين حرام؟ في فرق كبير يا قلبي ما بين التديّن… وبين التشدد أو الإرهاب. الدين عمره ما كان ضغط أو فرض، الدين حب، وستر، وحرية اختيار، مش أوامر وتهديد. عارفة؟ أنا دلوقتي بشتغل في تصميم أزياء المحجبات، ومصممة فستان فرح جميل… شيك، محتشم، وأنثوي جداً. أبعتهولك لو عجبك… خلي أي أتيليه يصممه ليكي، وتكوني أجمل عروسة… وأنا من بعيد هدعيلك من قلبي."
***
كان فستان أشبه بحلم أنيق ومحتشم… اتصمم من قماش الحرير الكريب الناعم، لونه أوف وايت مائل للسكّر، بسيط في لونه لكن فخم في تفاصيله.
الكمّان كانوا طويلين ومنفوخين بنعومة، مزينين بخيوط تطريز يدوي على شكل ورود صغيرة بتلمع بلون فضي ناعم.
الصدر كان مغلق تمامًا، بخط طولي من أزرار مغطّاة بنفس القماش، وخصر الفستان اتحدد بـحزام رفيع مطرّز بخيوط فضية ناعمة، أبرز رشاقتها.
الجيبة كانت واسعة لكن ناعمة في حركتها، بتنزل بنعومة من الخصر لحد الأرض، ومع كل خطوة كانت بتتحرك زي موجة رقيقة.
الخمار كان طويل وشفاف بطبقة مزدوجة، بنفس لون الفستان، ومثبت بـبروش فضي على الجنب، بسيط لكنه لافت للنظر.
كل قطعة من الفستان كانت بتنطق برُقيّ أنثوي… بلمسة إيمان.
حجاب ساتان مطفي أوف وايت، ملمسه ناعم زي الحرير، ولفّته بسيطة راقية، مغطّي شعرها ورقبتها ونازل بانسيابية على كتفها، بدون مبالغة أو طبقات كتير… لكن اللمسة الخاصة كانت بروش فضي صغير على شكل هلال مرصّع بحجر أبيض لامع، هدية قديمة من إيمان لبِستها يوم فرحها بكل فخر.
الطرحة كانت طبقتين من الشيفون الناعم، أول طبقة قصيرة لحد نص الظهر، والتانية طويلة لحد الأرض، خفيفة جدًا وكأنها ضباب بيلفها، فيها تطريز بسيط وردات صغيرة بتبرق لما ييجي عليها الضوء، تطريز متناسق مع فستانها من غير أي مبالغة.
الجزء المميز الحقيقي؟ إن فيه جزء من نفس الطرحة كان ملفوف برقة وأناقة حوالين منطقة الصدر، متثبت فوق الفستان بطريقة عبقرية، بيخفي تفاصيل الجسم بشكل محتشم لكن أنيق جدًا… مش مجرد تغطية، ده تصميم ذكي، خلى الكل يشوف إن الحجاب مش ضد الجمال، بل هو الجمال بذاته.
والتاج؟ تاج رفيع من الكريستال، بسيط ولامع، زى خط نور مرسوم على جبينها، مخلّي الطرحة ثابتة وبيكمّل جمال الملامح الهادية اللي كانت بتلمع من الفرح والخجل في نفس الوقت.
***
كانت القاعة مزدحمة… الكل بيضحك وبيتكلم… لحد ما النور خف شوية، واتفتحت الستارة بهدوء، ودخلت رهف.
الصمت نزل على المكان… الكل اتشد.
مفيش ولا كلمة اتقال… بس العيون كلها قالت نفس الحاجة: "سبحان اللي جمّلها."
مومن كان واقف جنب المنصة… أول ما شافها، حس إن قلبه وقع من مكانه.
اللي قدامه مش بس عروسة… دي رهف اللي وقفَت قدامه يوم الرصاصة، اللي حبته من غير ما تقول… واللي دلوقتي، قدام الناس كلها، بقت حلم اتحقق.
ملك قربت منها، حضنتها وهمست في ودنها: "ده مش فستان بس يا بنتي… ده قصة حب لبستك."
***
الدقايق بتمشي ببطء، وصوت الموسيقى الهادية شغال في الخلفية، الكل مستني لحظة دخول العريس…
دخل مومن من باب القاعة، لابس بدلة سودة بتلمع تحت الأضواء، قميص أبيض، كرافت بسيطة، وحذاء جلد شيك، بس اللي كان لافت أكتر من لبسه هو ملامحه الجديدة… لحية خفيفة مرسومة بدقة، مدياله وقار وهيبة، وعينيه فيها نضج راجل شاف كتير، لكن جواه لسه في طفل بيحب أول حب في حياته.
كان بيبص قدامه بثبات… لحد ما شافها.
رهف… واقفة على بُعد خطوات، ماسكة طرف فستانها، ضحكتها خفيفة، عيونها فيها فرحة خجولة… الفستان بتصميمه المختلف، والحجاب اللي لافف صدرها برقة، والطرحة اللي بتنزل كأنها سحابة نور حوالين وجهها، خلّوه يتجمّد في مكانه ثواني.
شهق بدون ما يحس… قلبه دق، كأنها أول مرة يشوفها، اتقدّم ناحيتها ببطء، وهو لسه مدهوش، ولما قرب منها قال بصوت هادي وناعم:
"أنا… مش مصدق… إنتي أجمل مما كنت متخيّل…"
بص في عيونها بابتسامة راضية، ولمح تفاصيل الفستان الهادية، قرب منها وهمس:
"شكرًا إنك استجبتي لطلبي… الفستان محتشم وجميل… بس الأجمل إنك انتِ اللي لابساه."
رهف خدت نفس طويل وهي بتحاول تمسك دموع الفرح، وردّت بخجل:
"أنا اللي بشكرك… كنت خايفة ما يعجبكش، بس كنت حابة أفرّحك زي ما دايمًا فرحتني بكلامك واهتمامك."
ابتسم مومن، ورفع إيدها بهدوء، وطبع قبلة خفيفة على ضوافرها:
"النهاردة أنا أسعد راجل في الدنيا… وربنا يعلم قد إيه كنت بحلم باليوم ده."
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل التاسع 9 - بقلم صفاء حسني
بعد انتهاء الفرح والتصوير وفرحة أسرة رهف وأسرة مومن، وصلوا لحد البيت ولسه داخلين. باب الشقة اتقفل وراهم بهدوء.
مومن وقف على الباب، بيبص حواليه. كل حاجة متجهّزة، بسيطة، بس مريحة.
رهف وقفت جنبه، إيديها ماسكة طرف فستانها، عينيها في الأرض وخدودها محمرة.
لحظة صمت مرت بينهم، صوت أنفاسهم بس هو اللي واضح.
مومن
أخيرًا بقينا تحت سقف واحد.
رهف
(بهمس مرتبك)
كنت خايفة اليوم ده ما يجيش.
مومن بص ليها، قرب منها بشويش، وحط إيده على كتفها.
مومن
(بحنان)
وأنا كنت بدعي يجي. كنت بستناكِ من سنين، حتى من قبل ما أعرفك صح.
رهف
(بنظرة خجولة)
وأنا... غيرت كتير في نفسي عشانك... بس دلوقتي نفسي أكون نفسي... وتحبني زي ما أنا.
مومن قرب أكتر، لمس خدها بلطف.
مومن
أنا حبيتك في كل حالتك... وقت ما كنتي بتقلدي، ووقت ما رجعتي تكوني إنتِ.
أنا مش عايز غير قلبك... مش لبسك، ولا شكلك... بس قلبك.
رهف اتنهدت، دمعة نزلت على خدها، لكنها ابتسمت.
رهف
(بصوت مهزوز)
هو ليه أول لحظة معاك فيها وجع وفرحة مع بعض؟
مومن
(وهو يضمها)
يمكن عشان إحنا اتعذبنا كتير... وقلوبنا اتربت على الصبر.
حضنها حضن دافي... حضن أمان بعد خوف، وبعد ضياع سنين.
كانت لحظة حب مش بصوت عالي، لكن بنبض قلبين قرروا يبتدوا سوا.
دخلوا غرفة النوم، كان النور الخافت من الأباجورة بينور وشها، وهي واقفة قدامه، قلبها بيرف من التوتر والفرحة والخجل.
قرب منها بلطف، عينيه بتلمع بالحب، ومد إيده بهدوء ولمس كفها، لمسة فيها كل الحنية والطمأنينة.
قال بصوت هادي:
مومن
أنا مش مستعجل على حاجة... يكفيني إنك جنبي.
دمعت عينيها، وقالت وهي بتهمس:
رهف
وأنا... عمري ما حسيت بالأمان كده قبل كده.
حضنها حضن طويل... حضن دافي زي حضن الوطن.
نسيت كل الخوف، كل الوجع، وكل اللي فات.
وفي لحظة صمت ناعم، كانت قلوبهم بتتكلم لغة ما يعرفهاش غير الحبيبة اللي لقوا بعض بعد سنين من الغربة والضياع.
كان بين كل نفس ونفس، وعد صادق.
وبين كل لمسة، عهد جديد بالحب والرحمة.
خلع ليها الفستان وهى دايبة فى حضنه وبدأ يحرك أيده على جسمها وهو سعيد إنها ما بين احضانه ثم ملابسه.
ورهف استسلمت له تماماً، غارقة في دفء أحضانه، شعرت بأن كل همومها تذوب مع كل لمسة لطيفة على جسدها. أغمضت عينيها مستمتعة بلحظة حميمية خاصة، بينما هو يقبلها بحنان ثم يهمس لها كلمات عذبة بعشقك كانت تُشعِرُها بأمانٍ لم تشعر به من قبل. بدأ يقبل عنقها ثم كتفيها، تَسَرَّبَتْ أَنْفَاسُهُ إلى شَعْرِهَا، مُنْغَمِساً في عِطْرِهَا الْفَوَّاح. كانت لحظة سحرية، خالية من أي قلق أو خوف، مليئة فقط بالحب والرقة.
ثمّ بدأ يُقبِّلُها بِشَغَفٍ مُتَزَايِدٍ، تَزَايَدَتْ مَعَهُ شِدَّةُ أَحْساسِهَا، تَغَمَّرَتْ بِاللَّذَّةِ وَالْهَيَامِ. انْسَابَتْ أَيْدِيَاهُ بِرَوَاقَةٍ عَلَى جَسَدِهَا، مُسْتَكْشِفاً كُلَّ زَاوِيَةٍ مِنْهُ، مُسْتَحْضِراً أَعْمَقَ مَشَاعِرِهَا. وَفِي ذَلِكَ الْعُنْقَانِ الْحَمِيمِيِّ، تَوَحَّدَا فِي وَحْدَةٍ لَا تُشْبِهُ إِلَّا حُبَّهُمَا الْخَالِصَ. وَكَأَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ تَوَقَّفَ عِنْدَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لِيَشْهَدَ أَعْظَمَ مُظْهَرٍ لِلْحُبِّ وَالْهَيَامِ.
انغمسا في عالمهما الخاص، نسياناً لكل ما حولهما. لم يكن هناك سوى لمساتهما وأنفاسهما المتلاحقة، وكلمات الحب التي همستها شفتاهما. كانت لحظة من النقاء والانسجام، لحظة تُخلِّدُها الذكريات في أعماق قلوبهما. في صمتٍ عميقٍ، تَكَلَّمَ الحبُّ لُغَةً فَصِيحَةً، فَهَمَاها قُلُوبُهُمَا بِدُونِ حَاجَةٍ إلى كَلِمَاتٍ. وَفِي نِهَايَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ السَّاحِرَةِ، غَفَوَا بَعْضُهُمَا فِي أَحْضَانِ بَعْضٍ، مُتَحَابِّينَ بِشِدَّةٍ لَا تُوصَفُ.
في تلك اللحظة، شعر هو بقوة مشاعره تجاهها، غمرته سعادة لا توصف أمام جمالها وسحرها. لم يكن مجرد شهوة جسدية، بل حبٌّ عميقٌ يتجاوز الحدود، حبٌّ يُشْعِرُهُ بِالْكَمالِ وَالْإِكْمَالِ. كان يُحِسُّ بِقُرْبِهَا مِنْهُ كَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْهُ، وَكَأَنَّ قَلْبَهُ يَتَوَحَّدُ مَعَ قَلْبِهَا فِي إِيقَاعٍ وَاحِدٍ. أما هي، فكانت تَغْمُرُهَا مَشَاعِرٌ مُتَضَارِبَةٌ، مَزْجٌ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالْشَّهْوَةِ، بَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالتَّرَدُّدِ. لَكِنَّ حُبَّهَا لَهُ كَانَ أَقْوَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَدْ أَذَابَ خُوفَهَا وَأَطْمَأَنَّ قَلْبَهَا. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَجَاوَزَتْ خُطُوطَ التَّرَدُّدِ، وَاسْتَسْلَمَتْ لِحُبِّهَا بِكُلِّ قُوَّتِهَا. كَانَ حُبُّهُمَا مَلْحَمَةً تُحَاكِي أَعْمَقَ مَشَاعِرِ الْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ.
بعد ساعات من الحب وسط الأنوار هادية، نور خفيف جاي من الأباجورة على الكومود.
رهف قاعدة على طرف السرير، لابسة روب بسيط بلون وردي هادي، شعرها مبلول شوية من البخار، وخدودها وردي من الخجل.
مومن واقف على بعد خطوات، بيبصلها بنظرة مشبعّة بالدهشة كأنه لسه مش مصدق إنها بقت زوجته.
اقترب منها بهدوء... وقعد جنبها على السرير.
مومن
(بصوت واطي)
آنتى عارفة قد إيه اللحظة دي كنت بحلم بيها؟
رهف
(وهي تبص له بخجل وعيونها بتلمع)
وأنا كمان... كنت بعد الأيام.
مد إيده، ومسح بكفّه على طرف خدها بلطافة.
مومن
(بهمس)
كل التعب، كل الزعل... راح دلوقتي. بقت رهف ليا، وكل الدنيا بقت أهدى فجأة.
رهف حطت إيدها على إيده، نظرتها كانت فيها خجل بس حب حقيقي.
رهف
(بصوت متقطع)
أنا... يمكن مش كاملة، يمكن لسه بتغير... بس أنا بحبك، وعاوزه أكون ستك، وبيتك، وكل حياتك.
قرب منها أكتر، وباس إيدها، وقال:
مومن
كفاية عليا إنك لسه رهف اللي قلبها لسه بينبضلي... أنا مش عايز غير حضنك وقت ما الدنيا تزنّ عليا... ونظرتك دي، تفضل ليا أنا بس.
رهف بصّت له، عيونها لمعت بدموع الفرح، وقالت:
رهف
أنا مش هكون غير ليك... من النهاردة، ولآخر نفس.
ضمّها لحضنه، حضن هادي ودافي، وسكنوا في بعض.
الدنيا برا كانت ليل، لكن جوا القلوب دي كان فجر جديد بيبدأ.
عند ايمان كانت نايمه لكن زي كل يوم تحلم نفس الحلم نفس المشهد.
الصورة تهتز... صوت أمواج... صوت ناس بتصرخ.
إيمان واقفة على مركب صغير مهزوز في نص البحر، الهوا بيضرب في وشها، والمية بتدخل من كل ناحية.
الدنيا ظلمة ومطر وبرق، والناس حواليها بتصرخ:
"الحقوا الطفل!"
"المركب بتغرق!"
صوت الستات بيعيّطوا، والرجالة بتحاول تمسك المركب.
وفي طفل صغير متعلق في إيد مامته، الموجة تاخده من إيدها!
إيمان تصرخ:
"لااااااااااااا!!"
تحاول تمد إيدها، لكن المركب يهتز تاني، وهي تقع على ركبتها.
وشها يتغرق ميه... نفسها يتقطع.
تفتح عيونها على طفل بيغرق في الميه أدامها.
طفل كان من يومين بيلعب وبيضحك في المخيم.
والنهاردة بيغرق وبيختفي من تحت عيونها.
صوت موج... صراخ.
صوت داخلي بيقول لها:
"هو ده الطريق اللي اخترتيه؟ الموت؟"
إيمان تبص حواليها، تلاقي ناس من المخيم بيغرقوا واحد ورا التاني.
ست حاضنة بنتها وبتبكي:
"قولت لك متروحيش... قولت لك..."
صوت السفينة بيصفر... المركب تقلب.
إيمان تصرخ في الحلم:
"حد ينقذهم... ياااااااارب!!!"
فجأة تصحى من الحلم.
إيمان تصحى بفزع، وهي بتنهج وبتمسك قلبها. العرق مغرق جسمها.
تبص حواليها. تتأكد إنها في الأوضة، في أمان، لكن عيونها مليانة دموع.
وتقول بصوت واطي وهي بتبص للسقف:
تقترب سيدة كبيرة من العمر تحضنها وهى وتتحدث معها.
لسه الحلم يا إيمان انسي يا بنتي. عارفه الموقف كان صعب عليك هجرتك من سوريا ل تركي وموت وغرق ناس كتير قدامك.
تنهدت إيمان.
"كنت فاكرة الزمن هينسيني... بس الذكرى مرّت تاني كأنها لسه بتحصل."
وسط الموج، لكن الشاطئ مليان بأجساد مرمية، ناس بتصرخ، وناس بتعيّط، وناس ما بقيتش تتنفس.
وسط الزحام، كانت إيمان نايمة على جنب، هدومها مبلولة، جسمها بيترعش، عنيها نص مفتوحة، والدموع نازلة بدون وعي.
أطفال بيصرخوا، نساء بتتشبث بأي حاجة عايمة، وشاب بيغرق وهو ماسك بيد أخوه الصغير.
وإيمان بتعيّط:
"يا رب... نجيني بس... مش عايزة أموت كده..."
تفتح عينيها على صوت نسائي هادي.
سيدة كبيرة في العمر، ملفوفة بعباءة تركية، بتقرب منها وبتمد إيديها، تغطيها ببطانية، وتهمس لها وهي بتطبطب عليها:
"لسّه عايشة... الحمد لله."
إيمان بصعوبة بتهز راسها، وبتهمس بصوت ضعيف:
"أنا... أنا فين؟"
السيدة تقعد جنبها على الرمل، وتحاول تهديها:
"في تركيا يا بنتي... عديتي البحر، عديتي الموت... بس إنتي لسه بتتنفسي، وده كفاية."
تدمع عيون إيمان وهي بترد:
الحمد لله.
السيدة تمسك إيديها وتسألها:
"اسمك إيه؟ وعندك كام سنة؟ وفين أهلك؟"
إيمان بصوت مبحوح:
"اسمي إيمان... عندي 18 سنة... وأهلي في مصر."
السيدة تندهش:
"مصرية؟! مش سورية؟"
هزّت إيمان راسها بالإيجاب، وقالت وهي بتحاول تقوم:
"أنا مش لاجئة زي الباقي... أنا هربانة من تنظيم... من جحيم أكبر..."
وبدت تحكي قصتها... من لحظة التهديد، للجواز الإجباري، للمخيم، للهروب، للبحر من غير هوائية أو أوراق... ولحد ما وصلت لهنا.
منزل السيدة - غرفة صغيرة
إيمان قاعدة على الأرض، والسيدة الكبيرة اللي بقت تُعتبر أمها التانية، بتحضنها بحنية:
"انسِ يا بنتي... ده كان كابوس، وعدّى."
تنهدت إيمان:
"بس لسه قلبي هناك... عند اللي راحوا، وعند اللي لسه عايشين في نفس الجحيم."
السيدة تمسك وشها وتقول:
"ربنا نجّاكي لحكمة... يمكن علشان تكوني نور لناس تانية، يمكن علشان تعيشي وتكبري وتحققي رسالتك... ويمكن علشان في حد مستنيك."
تقرب من الشباك. تبص للنجوم. وتهمس:
"يارب، أنا لسه عايشة... ولسه ضميري صاحي... بس امتى هرجع أعيش من غير خوف؟ امتى؟"
شقة مومن - الساعة 6 المغرب
كان مومن راجع من شغله مرهق، شنطته على كتفه، بيخلع بدلته بسرعة، ووشه باين عليه الإرهاق والتعب.
مومن
(بصوت عالى)
رهف!!
مافيش رد. يدخل المطبخ. فاضي. السفرة مافيهاش أكل.
يمسك موبايله ويتصل بيها، بيرن مرتين قبل ما ترد.
رهف
(بصوت هادي وضحكة)
أيوه يا حبيبي، وحشتني.
مومن
(بعصبية مكتومة)
إنتي فين؟!
رهف
(بهدوء)
أنا في النادي مع البنات، كنا بنتغد سوا... ماما هنا كمان، تحب أكلمها؟
مومن
(صوته بيعلو وبيغلي)
يعني راجع من شغلي تعبان، ومفيش لقمة أكل، ولا حتى إنتي في البيت؟! كل يوم كده يا رهف؟ النادي والنادي! أنا متجوز ولا عايش لوحدي؟!
رهف
(بتحاول تهدي الموقف)
مومن حبيبي، والله كنت ناوية أرجع بدري، بس البنات مصممين نفضل شوية... وقلت طالما ماما موجودة.
مومن
(يقاطعها بصوت عالي)
حرام عليكي... تعبت من دلعك بجد! هو أنا متجوز ولا راجع لبيت فاضي كل يوم؟! مش كل شوية النادي وماما وصحابي، المفروض فيه مسؤولية! أنا مش بقولك اقعدي في البيت، بس على الأقل حسّي إني راجل تعبان راجع يلاقي بيت بيتحس فيه براحة!
رهف
(بصوت واطي متأثر)
ماشي يا مومن... هارجع حالًا.
مومن
(بغضب وقفل المكالمة)
ارجعي بسرعة قبل ما أنفجر!
ينزل الموبايل من إيده وهو بيتنهد، باين عليه الزعل، مش بس من الموقف، من الخيبة. من الإحساس إنه مش لاقي الونس اللي كان فاكره.
الليل
الإضاءة: خافتة، التوتر مالي الجو.
مومن واقف، وإيده على خصره، باين عليه الغضب والانفجار جواه.
رهف داخلة متوترة، شنطتها في إيدها، ونظراتها على الأرض.
رهف
(بصوت منخفض)
أنا آسفة يا مومن... معرفتش أرد عليك بسرعة... البنات.
مومن
(يقاطعها وهو بيرفع صوته)
اسكتي بقى! اسكتي! كل يوم نفس الكلام... كل يوم النادي والبنات! إنتي فاكرة الجواز ده لعبة؟!
رهف
(بعصبية مكبوتة)
أنا مش بلعب يا مومن... أنا بس... محتاجة وقت! أنا لسه بتأقلم... ده جواز مش سجن!
مومن
(صوته بيرتعش من العصبية)
سجن؟ سجن يا رهف؟ ده بيتك! بيتك! أنا راجل شقيان طول اليوم، أرجع ألاقيكِ بتضحكي في النادي؟!
رهف
(بنبرة دفاع)
وإنت طول الوقت بتعاملني كأني خدامة! فين مومن اللي كنت بحبه؟ فين الحنية؟
مومن
(انفجر)
مات! مات من كتر الهم! أنا مش لاقي منك غير دلع وزهق وهروب... إنتي اتغيرتي يا رهف! إنتي حتى لبسك اتغير... إيه اللي حصلك؟!
رهف
(بدأت تتوتر وتتنفس بسرعة)
أنا اتغيرت عشانك! عشانك يا مومن! بس أنت... أنت مش شايفني خالص... مش سامعني!
مومن
(بصوت عالي جدًا)
لأ شايفك... شايفك جدًا... شايف واحدة أنانية، مش فارق معاها غير راحتها!
رهف
(عينها دمعت، وبصوت متقطع)
أنا... تعبت... مش قادرة أتحمل أكتر من كده.
وفجأة. رعشة بتاخد جسمها، بتحط إيدها على بطنها، وتتراجع لورا.
مومن بيقرب منها، لكن مش قادر يمسكها، وهي بتترنح.
رهف
(بهمس)
مش قادرة.
تقع على الأرض فجأة. مغمى عليها!
مومن بيصرخ:
"رهف!! رهف!!!"
يحاول يصحيها بسرعة، قلبه بيرجع يدق بسرعة، الخوف رجع له تاني زي يوم المستشفى.
ينقلها بسرعة على السرير، ويتصل بالإسعاف.
بعد شوية - المستشفى
الدكتور بيخرج عليه، ومومن واقف متوتر وبيعض شفايفه من القلق.
الدكتور
مبروك... مراتك حامل، والضغط كان عالي شوية من العصبية. لكن هي كويسة دلوقتي.
مومن
(بصوت مبحوح)
حامل...؟
يقعد على الكرسي، عينيه مغرورقة، مابين الصدمة والندم.
تمر الأيام، والروتين مبيتحركش خطوة واحدة.
كل يوم نفس الحكاية:
رهف تصحى، تلبس، وتتصل بصاحبتها، وتنزل على النادي.
تتمشى، تضحك، وتقول إنها بتعمل رياضة حمل.
وترجع آخر النهار تعبانة، تشتكي:
رهف
(وهي بتحط الشنطة وتدخل الأوضة)
كنت عند الدكتور... قال لي الحمل كويس بس لازم أتحرك كتير... بس بجد مش قادرة... جسمي كله مكسر.
مومن بيبصلها وهو ساكت.
قاعد على الكرسي، العصاية جنب رجله، وأمه في المطبخ هي اللي عاملة الأكل، ومخلصة كل حاجة في البيت.
بيعدي اليوم التاني زي اللي قبله.
مفيش يوم رهف دخلت المطبخ.
مفيش يوم شافت طلبات البيت.
والحِمل كله على أم مومن اللي بدأت صحتها تضعف من كتر الشيل.
مشهد - قبل الولادة بساعات
الليل دخل، والبيت هادي.
مومن قاعد بيقرأ جريدة، وبيسمع صوت رهف من بعيد، وهي داخلة من الباب ومتكلمة في التليفون:
رهف
آه يا ستي كنت عند المدربة... وقالتلي أنا بطلة، بس الحمل عامل شغل عالي.
مومن سمعها، وسكت. لكن في قلبه نار، وبيحاول يكتمها عشان الجنين اللي في بطنها.
عدّى على نفسه وقال:
"خلاص... فاضل كام يوم وربنا يفرجها."
مشهد - وجع الولادة
الساعة كانت بعد نص الليل.
البيت كله نايم.
فجأة صرخة عالية صحّت الكل!
رهف
(بصوت عالي)
آاااه... مومن... بطني... هيموتني.
مومن نط من مكانه، وأمه خرجت تجري من أوضتها.
أم مومن
جالها الطلق! بسرعة يا مومن! لازم نلحقها على المستشفى!
مومن مسك التليفون، وهو بيتصل بالإسعاف وبيزعق:
"الحقونا بسرعة... مراتي بتولد!"
أمه كانت بتلبّس رهف، وهي بتترعش من التعب، ورهف عرقانة ووشها شاحب.
رهف
(بهمس وتعب)
أنا مش قادرة... أنا بموت يا مومن.
مومن شد على إيدها وهو بيبصلها بحنية وقلق:
"هتكوني بخير... وربنا هيقومك ليا وللولاد... اصبري بس."
المستشفى - غرفة الولادة
الجو: توتر وقلق، وفيه دموع فرحة وعيون بتراقب الساعة.
مومن قاعد في الاستراحة، وشايل هم فوق هم. بيبص في الأرض، وإيده على عصايته، ودماغه مليانة أفكار.
صوت بكاء أطفال بييجي من بعيد.
بتفتح الممرضة الباب.
الممرضة بابتسامة:
مبروك يا حضرة الملازم... جالك ولد وبنت... الأم كويسة والحمد لله!
مومن وقف، وكأنه نسي الإصابة، بس تعب رجله رجّعه مكانه.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال:
"الحمد لله."
بعد شوية - داخل غرفة الولادة
رهف نايمة على السرير، عرقانة، ضعيفة، بس مبتسمة ابتسامة أم لأول مرة.
على صدرها طفلين صغيرين ملفوفين في بطاطين بيضة.
رهف
(بصوت تعبان)
بص ليهم... دول إحنا يا مومن.
مومن قرب منهم، لمس بإيده الصغيرة الضعيفة بتاعت بنته، وبص لولده، وابتسم رغم كل حاجة.
لكن رهف عينها خانتها. ودمعة نزلت.
"بتعيط؟"
"أنا خايفة يا مومن."
رواية خائنة خلف جدران الحب الفصل العاشر 10 - بقلم صفاء حسني
سألها مؤمن وهو مستغرب:
"خايفة مني أنا؟ والا زعلانة إنك بقيت أم؟"
هزت رأسها رهف بالنفي:
"مش منك... ولا من الأطفال... من نفسي... أنا حتى مش قادرة أخدم نفسي. إنت شايل همي... هعرف إزاي أشيل هم اتنين كمان؟"
مد إيدها مؤمن، ومسكها بقوة رغم ضعفها:
"هتتعلمي وأنا معاك وهصبر عليكي، ومع بعض يا رهف... إحنا الاتنين لسه بنبدأ الرحلة... يمكن تكوني خايفة دلوقتي، بس أنا عمري ما كنت أقوى غير وإنتي جنبي."
رهف بصت فيه... وسكتت... وحضنها مؤمن بحنان وهو بيبص في وش أولاده.
قال بهدوء:
"ربنا ما يحرمني منكم... ويوصلني بيكم لآخر العمر."
قطع حديثهم دخول الدكتورة. بعد ما طمنت الدكتورة مؤمن إن رهف بخير والتوأم بخير... دخل الأوضة وهو بيحاول يخبي دموع الفرحة اللي في عيونه. قرب منها بهدوء وهو شايفها مرهقة وتعبانة، بس عينيها بتلمع من الفرحة.
قعد جنبها، مسك إيدها بحنان، وبص للبيبيات اللي نايمين جنبها وقال بصوت واطي:
"إحنا لسه ماسميناهم... عايزة تسميهم إيه يا رهف؟"
رهف ابتسمت بهدوء، عينيها دمعت، وافتكرت رسالة إيمان بعد ما عرفت إنها حامل.
***
في مساء هادي، كانت رهف قاعدة في أوضتها، بتحط إيدها على بطنها وبتبتسم، لحد ما جالها تسجيل من إيمان. ضغطت "تشغيل"، وسمعت صوتها باين عليه مكسور وتعبان:
فتحت الموبايل، سمعت رسالة صوتية جاية من إيمان بصوت كله شوق ولهفة:
"أخبارك إيه يا ماما رهف؟ طمنيني عليكي، قلبي معاكي كل لحظة."
ابتسمت رهف، رغم تعبها، وسجلت صوتها بهدوء:
"تعبانة أوي يا إيمان... بس ماشية... ضريبة الأمومة بقى."
جالها رد بسرعة من إيمان، بصوت كله حنية:
"ألف سلامة عليكي يا قلبي... ربنا يقومك بالسلامة يا أحلى أم... طب قولتيلي، اخترتي أسماء؟ وعرفتي النوع؟"
ضحكت رهف بخفة وقالت في التسجيل:
"لسه والله... أنا عاوزة تبقى مفاجأة، أحسن..."
ردت إيمان بضحكة دافية، فيها أمل وذكريات:
"في الحي اللي أنا ساكنة فيه... كل الأولاد والبنات أساميهم ليها معاني حلوة أوي... لو بنت، سميها حياة، دي الحياة كلها، ولو ولد، سميه ميرت... ده اسم تركي، معناه الشجاع والصادق... زيك كده يا رهف... أنا نفسي ولادك يطلعوا شبهك... قلب نضيف وشخصية قوية."
رهف قعدت ساكتة شوية، صوت إيمان خلى دموعها تلمع، وبإيدها لمست بطنها، وقالت بصوت واطي:
"حياة... وميرت... أسامي حلوة أوي يا إيمان..."
بعتت تسجيل آخر بخجل:
"كنت عاوزة أطلب منك طلب يا رهف... بالله عليكي، أنا عارفة إنك حامل ويمكن الموضوع صعب عليكي، بس والله ماليش غيرك... أنا مشتاقة لماما جدًا، نفسي أسمع صوتها. أنا عارفة إنك الوحيدة اللي تقدري توصلي لبيتنا... عاوزاكي تروحي وتخليها تكلمني... ادّيها الرقم ده وخليها تتصل. أنا... مش هنسى المعروف ده طول عمري، يا رهف."
رهف قلبها وجعها من الكلام، ومشاعرها خدت وقتها، ردّت بتسجيل قصير فيه حنان وبساطة:
"عيب عليكي يا إيمان! إحنا أخوات... عيوني ليكي، هروح وأوصلهالك بنفسي، ومتقلقيش، هتكلميها... وعد."
***
بعد يومين... شارع هادي، مليان شجر وعصافير بتزقزق، الجو كان فيه ريحة ذكريات. رهف ماشية ببطء، إيدها على بطنها اللي بدأ يظهر فيها الحمل، ووشها فيه ابتسامة دافية.
بصّت حواليها، ولمحت سور المدرسة اللي كانت بتلعب قدامه زمان، ضحكت وقالت بصوت خافت:
"هنا كنا بنقف نعدي الكورة... كنت أنا والأطفال دايمًا فريق واحد، عمرنا ما خسرنا، حتى وإحنا ضد العيال."
عدت كام خطوة، ووقفت قدام عمارة قديمة نسبياً، فيها روح البيت. لمست بطنها وقالت:
"بصوا يا حبايبي... ده بيت ماما القديم، وهنا كنت ساكنة، وده..."
بصّت فوق، وقالت والدموع بتلمع في عينيها:
"دي كانت شقة طنط إيمان... صاحبة قلب من دهب، أمكم كانت بتحبها جدًا، وهي كانت الأخت اللي ربنا ما كتبهاش لي..."
قربت من باب الشقة وابتسمت وهي بتاخد نفس عميق:
"يلا بينا، هندخل نزور مامتها... لازم تعرف إن في قلوب لسه بتفتكر بنتها وبتدعي لها."
وبصوت حنين، وهمس للأيام:
"وحشتينا يا إيمان... بس وعد هساعدك ترجعي ليهم."
رهف طلعت على السلم بتنهيدة، قلبها بيخبط بسرعة، مش قادرة توصف إحساسها. وقفت قدام باب شقة أم إيمان، خبطت خبطتين بخفة، وبعدها الباب اتفتح بهدوء. أم إيمان، ست كبيرة، شعرها فيه خصلات بيضا، ووشها طيب، فتحت الباب وهي مستغربة، ولما شافت رهف، اتجمدت لحظة.
رهف ابتسمت بخجل:
"أنا... رهف، كنت صاحبة إيمان... فاكراني؟"
عنينا الست دمعت فورًا، حضنتها بقوة وقالت بصوت مهزوز:
"رهف! يا بنتي! دي إنتي كنتي أكتر واحدة إيمان بتحبها... تعالي، تعالي يا حبيبتي."
دخلت رهف وعيونها بتلمع، قعدوا في الصالون، والست جابت عصير، لكن رهف قالت فجأة بصوت فيه رهبة ولهفة:
"هو ممكن تكلميها؟... يعني، اتصلك بيها؟"
أم إيمان ما اتكلمتش. اتصلت رهف وحطت التليفون على ودن أم إيمان.
رن مرة... رن تانية... و"ألو" بصوت ضعيف اتسمع.
"أيوه... معايا؟"
وصوت إيمان جالها، مهزوز من البكا، دافي وناشف في نفس الوقت:
"ماما... أنا... إيمان."
الست شهقت، وقامت واقفة، قلبها وقع مكانه، الدموع غرقت عيونها، والموبايل وقع من إيدها. مسكته بسرعة وقالت بصوت بيرتعش:
"إيمان؟! إيمان يا بنتي؟! إنتي فين؟! إنتي عايشة؟! ليه سكتّي كل ده؟! ليه سبتيني؟!"
إيمان حاولت تتماسك وقالت:
"ماما... سامحيني... غصب عني... أقسم بالله غصب عني... كنت مجبورة... كنت محبوسة جوّه ناس مش بترحم... بس قلبي معاكي كل لحظة."
الست قعدت على الأرض، وشها في الأرض، ودموعها نازلة بحرقة:
"كنت بموت كل يوم يا إيمان... كل يوم بنده اسمك ومفيش رد... كنت بحضن هدومك وأنام عليها... ليه يا بنتي؟ ليه؟"
"منه لله أبوك أخدك مني."
إيمان بدأت تنهار، وقالت بصوت مخنوق:
"أنا كمان كنت بموت كل يوم... بس وِعد، مش هسكت تاني... رهف جنبك دلوقتي، خليها تديكي الموبايل، هتفتحه واتساب، وهبعت لك منه كل يوم، رسائل، صور، صوتي... أي حاجة تطمنك... بس إوعي تقفلي الباب... إوعي تعتبري إني بعدت عنك بإرادتي."
الست خدت الموبايل من رهف وهي بتبكي:
"أنا مش هقفل... أنا عمري ما قفلت... أنا مستنياكي من سنين يا إيمان... بس أوعي تتأخري تاني... قلبي كبر على الوجع."
رهف قعدت جنبها، ومسكت إيدها بهدوء:
"هي بتحبك... بس الظروف كانت أقسى من الخيال... دلوقتي هي بتدور على حضنك، زي ما انتي كنتي بتدوري على صوتها."
***
رجعت رهف ببصّتها لمؤمن، وهمست بصوت ناعم:
"نسميهم... حياة وميرت."
مؤمن سكت لحظة، وعيونه كانت بتلمع وهو بيبص لوش التوأم. وبعدين بص لرهف بابتسامة كلها دفء ودهشة:
"حياة... اسم جميل، تنور دنيتنا بضحكتها... ميرت؟ اسم جديد... معناه إيه؟"
ابتسمت رهف بحنان وهمست:
"ميرت اسم تركي... معناه الشجاع، الصادق، اللي قلبه نضيف... كنت عاوزة اسميه كده عشان يكون زيه."
ضحك مؤمن بخفة وقال وهو بيحضن إيدها:
"اللي هيكون سند حياة في كل خطوة... بس المشكلة إن بتاع الصحة افتكرني بألحن الاسم! قالي: ميرت إيه؟ إنت لدغ؟ فـ أحسن نسميه مراد، اسم عربي واضح، ومعناه القصد والنية... وده اللي إحنا عاوزينه لولدنا، يكون له نية طيبة وقلب قوي."
رهف ضحكت، وقالت وهي بتبص للتوأم:
"يبقى حياة ومراد... يا رب يكونوا من اسمهم نصيب."
مؤمن قرب منها، حضنها بحنان وقال:
"مبروك علينا يا رهف... مبروك على عيلتنا الصغيرة."
وفي اللحظة دي دخلت مامت إيمان، ووشها منور بالفرحة، وقالت وهي بتقرب من السرير:
"ألف حمد لله على سلامتك يا بنتي... إيمان طلبت مني أكون جمبك، وأفضل معاكي لحد ما تقومي بألف سلامة."
رهف حضنتها... وفي عينيها كانت دمعة... مش دمعة وجع، دي دمعة حب وامتنان وسكينة، وكأن القدر بيعوضها بلحظة أمان ماكنتش بتحلم بيها.
قربت من رهف ومسكت إيدها بحنان:
"مش عارفة أشكرك على معروفك إزاي يا بنتي."
"ألف حمد لله على سلامتك يا بنتي... إيمان طلبت مني أكون معاكي، وأفضل جمبك في كل لحظة... لحد ما تقومي بالسلامة."
رهف حضنتها، ودمعة صغيرة نزلت من عيونها، دمعة امتنان ودفء وارتياح... وكان في اللحظة دي، كل حاجة حوالين رهف بقت أهدى، وكأن وجود أم إيمان كان طبطبة من السماء.
كان أول مرة يشوفها مؤمن. وقف قدام باب الأوضة، وعيونه وقعت على السيدة الكبيرة اللي بتساعد رهف تهز الطفل الصغير، والتانية بتغير لحياة. قلبه دق لحظة، حسّ إنها مش غريبة... بس انسحب بهدوء من غير ما يسأل.
مش وقته يسأل، كفاية اللي في قلبه.
استمرت أيام رهف ما بين راحة ودلع، وعبء كبير واقع على كاهل الست الكبيرة، وأم إيمان اللي كان عندها إحساس غريب، كأنها بترد دين قديم لحد غالي.
رهف كانت بتصحى متأخر، وتسيب الولاد للستّين، بحجة إنها تعبانة أو مش نايمة كفاية.
مؤمن كان بيرجع من شغله يلاقي البيت هادي، بس مش منظم. يلاقي حياة نايمة على صدر أم إيمان، ومراد بيعيط في حضن التانية، ورهف لسه بتجهز نفسها عشان تنزل النادي أو تقابل صاحبتها.
وفي كل مرة، بيكتم غضبه... وبيعدي.
بس السؤال بيكبر جواه: هل دي الأم اللي كان بيحلم إنها تشيل البيت والولاد معاه؟ ولا اتسرع لما صدق إن التغيير كان حقيقي؟
وكان في قلبه حاجة مش قادر يواجهها، كأنه بيهرب من لحظة الحقيقة... زي ما هرب من السؤال وقت ما شاف الست اللي شبه حد من ذكرياته.
في بيت مؤمن... كانت الشقة مليانة دفء، صوت ضحك "حياة" وهي بتلعب مع جدتها، وصوت بكاء "مراد" وهو في حضن مامت رهف، الكل بيتحرك حوالين الأطفال بحنية، كأنهم أغلى ما في الدنيا.
دخل أبو مؤمن، وهو شايل معاها هدايا، ووشه مليان شوق.
قعد جنب ابنه، وبص على الأحفاد وهو بيضحك:
"سبحان الله... هما فعلاً واخدين منك كتير يا مؤمن."
ضحكت مامت مؤمن:
"الحمد لله، ربنا يحفظهم... رهف وأهلها شايلين معاهم الحمل كله، وبنقضيها سوا."
كانت القعدة لسه فيها دفء، وضحك خفيف بيخرج من قلب الستات وهما بيحكوا عن أيام زمان.
مؤمن وقف بهدوء، وخبط خفيف على طرف الترابيزة:
"عن إذنكم... عندي شغل الصبح بدري، ولازم أروح المكتب أرتب شوية حاجات."
والدته (بقلق بسيط):
"مش هتبات هنا؟ خلاص خلّيك يا ابني، البيت منور بيك."
مؤمن (بهدوء):
"هبات في المكتب، أريح دماغي شوية هناك... وبلاش تقلقي، هكلمك لما أوصل."
سلم عليهم واحد واحد، وبص لرهف نظرة سريعة... فيها ألف علامة استفهام، بس مخبيها ورا وش ثابت.
ركب عربيته، ومشي من غير كلام كتير.
دخل مؤمن مكتبه، شال البدلة ورماها على الكنبة، وفتح زرارين من قميصه.
الهدوء كان سيّد المكان.
فتح الشباك، سحب نفس طويل، وبعدين قفله تاني، وسحب الستارة. راح ناحية الكرسي، قعد شوية، وبعدين قام، دخل الأوضة الداخلية اللي فيها السرير.
تمدد على السرير، وبص للسقف... وساب كل حاجة تسكت.
الأنوار خافتة، والمكتب ساكن... بس دماغه كانت صاخبة بأسئلة مش لاقي لها إجابة.
غمض عينه، وقال في سره:
"ليه كل ما أفتكر إن الحكاية خلصت... أكتشف إنها لسه بتبتدي؟"
وغط في نوم هادي... يمكن يلاقي إجابة في الحلم.
***
قربت مامت رهف من الراجل، وسلّمت عليه بحفاوة:
"أهلاً وسهلاً بيكم أعرفكم... ده، زي اختي في الله... ربنا جبر بخاطرنا ببناتنا."
سأل الأب بهدوء وهو بيبص في وش أم إيمان:
"حضرتك حاسس إني شوفتك قبل كده؟"
هزّت رأسها بابتسامة فيها وجع:
"أيوه... أنا كنت في الحي وبنتي اسمها إيمان كانت زميلة لأولادكم في المدرسة بس مشوفتش بنتي بقالي سنين... كانت بنتي الوحيدة، وخدوها مني... مرة واحدة لقيناهم نقلوها من مصر على سوريا، وبعدين على تركيا، وهناك... حبسوها، اتجوزت واحد منهم... ومن ساعتها معرفتش عنها حاجة، غير بس من رهف."
سكت الكل، لكن الراجل حس بشيء... صوت الأم... الاسم... إيمان...
"اسم بنتك إيمان؟ إيمان عبد السلام؟"
اتسمرت الست مكانها:
"أيوه... تعرفها؟"
بكت أم إيمان بحرقة:
"دي بنتي... دي إيمان... كانت تبعتلكم جوابات زمان لفي شنطة أصدقاء ليها أو أقدم بيتكم... ولما خدوه، كنت حاسة إنها مش ناسيه بلدها ولا أهلها."
مد إيده أبو مؤمن ومسح دمعتها:
"بنتك شريفة... اللي عملته واجب علينا نحافظ عليه. وأنا لازم أرجع حقها... وحقك."
***
بعد يومين – في مكتب مؤمن…
كان مؤمن بيقلب في الملفات، وبيحاول يركز في شغله الجديد، لكن عقله مشغول بكلام والدته عن الست الكبيرة اللي شافها، واسم "إيمان" اللي اتكرر أكتر من مرة.
دخل عليه أبوه "محمد" وهو باين عليه مهموم.
محمد (بجدية):
"مؤمن… محتاج منك خدمة، وعاوزك توصّلني بظابط أمن دولة… حد ثقة."
مؤمن (مستغرب):
"خير يا بابا؟ في حاجة؟"
محمد (بص له بحدة):
"من غير أسئلة يا مؤمن… لو بتحب أبوك وبتثق فيّ، اعملي اللي بقولك عليه، بس بسرعة."
سكت مؤمن لحظة، وبعدين قال:
"حاضر… هكلم الأستاذ سامي، كان معايا في التدريب، واتنقل مؤخرًا على الجهاز."
في نفس اليوم – في مكتب أمن الدولة…
قعد "محمد محسن" قدام الضابط سامي، ووشه كله جدية وإصرار.
سامي (بهدوء):
"تشرفنا يا أستاذ محمد… مؤمن كلّم عنك كتير. خير؟"
محمد (بص في عينه):
"أنا جاي أتكلم عن بنت… أبوها كان فى تنظيم وباع بنته، وغسلوا دماغه، واترمت في وسط تنظيمات إرهابية. بس… البنت دي – من جواها – كانت بتنقذ البلد وهي وسطهم. كانت بتبعتلي رسائل، على رقمي الشخصي…"
تنهد وهو بيخرج موبايله القديم من جيبه، وفتح صورة رسالة قديمة وهو بيتكلم مع ظابط أمن دولة سابق، وبيبلغه:
"جالي رسائل كتير من رقم مجهول. كل مرة بيحصل هجوم أو خطر… ألاقي رسالة قبلها بيوم أو ساعات. وكل مرة كنت بقول… اللي بيبعتلي دي، إما ملاك… أو حد عنده قلب كبير قوي. وفي مرة الرسالة كان فيها اسم الشهيد اللي هيتصاب… والمكان… والساعة. مقدرتش أمنع العملية، بس أنقذت أرواح ناس تانية… وفي آخر رسالة، جات من تركيا، وبتقولي فيها: أنا ماليش ذنب… بس عاوزة أخلّي البلد دي آمنة… مش عاوزة غير أمي تعرف إني عايشة. ومن يومها الرسائل وقفت."
"عايز أساعدها ممكن."