بيت ريفي قديم، كانت الست العجوز قاعدة في صدر المكان، ملامحها فيها قوة وسيطرة كأنها صاحبة الكلمة الأخيرة. قعدت معاها مرات ابنها خديجة، اللي كانت بتحاول دايمًا تمشي البيت بهدوء عشان تتفادى مشاكلها. العجوز بصت للبنت الصغيرة اللي قاعدة تلعب ببراءة جنب أخوها الكبير، وبصوت تقيل مليان أوامر قالت وهي عينيها مليانة مكر: _البت كبرت يا خديجة، والعادة لازم تتنفذ أكتر من كده.. هتبقى قدام الناس مش نضيفة وسايبة..
خديجة رفعت حواجبها بضيق واستغراب، قلبها اتقبض وهي مش فاهمة تقصد إيه، وقالت بصوت متحشرج: _تقصدي إيه يا حماتي بالكلام ده؟؟ العجوز اتنهدت بسخرية، وبصوت فيه خبث: _أقصد إن البنت لازم نطهر... ها، وده فرض وواجب علينا.. مش علينا إحنا بس، ده على كل القرى. ولو معملناش كده هتبقى عيبة في وشنا، وهتسمعي أحلى فضيحة لما يعرفوا إن بنتك مش عروسة! الكلام وقع على قلب خديجة زي السكاكين، دمها غلى وغصب عنها صوتها علي بغضب
والدموع وقفت في عينيها: _أنا استحالة أعمل العادة السخيفة دي.. دي مش عادة، دي جريمة في حق كل بنت! أنا مقدرش أستغنى عن بنتي وأضيع مستقبلها..! العجوز ضربت الأرض بعصاها وهي بتعلّي صوتها الحاد: _واطي صوتك وانتي بتكلميني! نسيتي إني أنا اللي بمشي البيت بأوامري؟! وكلمتي مبتتكسرش مع أي مخلوق خلقه ربنا! ده كويس إني باخد رأيك وبعملك حساب.. طلعتي ولا بتفهمي حاجة! أنا اللي قولت عاقلة ومش هتعصي كلامي، بس خاب ظني فيكي!
صوتهم جلجل في المكان، وأدم سمع الجدال واقترب بخطوات مترددة، عينيه بتدور بقلق: _اهدوا يا جماعة، صوتكم عالي قوي.. خير ياما، في إيه؟ خديجة صوت شهقتها علي، دموعها كانت بتخنقها، والعجوز ردت باستنكار واحتقار: _أمك محتاجة تعيد نفسها من تاني، وقرارها ده هيجبلنا العار.. خديجة عينيها ولعت غضب وحسرة، رفعت صباعها في وشها وصرخت بحرقة: _إنتي اللي تفكيرك غريب! واستحالة أسيبك تتحكمي في حياة بنتي وتضيعيها بأسلوب تفكيرك المريض ده..!
وبعينين مليانة دموع وقهر، قامت وشالت بنتها براءة في إيدها وهي خارجة، والعجوز صرخت وراها بصوت مفزوع من الغضب: _يا قليلة التربية! يا بنت غندور بتاع الجاميس! نسيتي فضلي عليكي يا بنت غندور؟! أنا جبتك من الزريبة، وأبوكي كان مشغلك مرمطون طول النهار! مبقتيش بنت الزريبة ونايمة على ريش نعام غير بفضلي أنا! كلامها كان زي الطعنات، بس خديجة خرجت وهي بتترعش من جوا. قفلت الباب ودموعها مغرقة وشها، مسكت التليفون وكلمت
جوزها بصوت مليان رعب وقهر: _شوفت أمك يا محمود؟! عايزة تضيع بنتنا وتاخدها في سكة ضياع وعار.. بنتي يا محمود! لو حد قربلها أنا مش هسكت.. وربنا ما هسكت! محمود حاول يسيطر على صوته ويطمنها بهدوء: _اهدي يا خديجة.. لما أرجع من السفر هنتكلم، وأنا مش هخليها تعمل كده. خلي البت جنبك، وأنا بكرة هطب عليها وأمنعها بمعرفتي. كلامه هدي النار اللي مولعة في قلبها، دموعها نزلت وهي ترد بألم:
_بالله عليك يا محمود، أنا مش قد أمك.. سرّع طريقك والحقني أنا وبنتي.. قفلت التليفون وبصت على براءة، مسكت وشها بحنان وهي بتحاول تبين ثبات رغم إن قلبها بيتـقطع: _متقلقيش يا حبيبتي.. طول ما أنا عايشة، محدش هيقدر يلمسك.. براءة بصت لها ببراءة وطفولة وهي مش فاهمة: _هو في إيه يا ماما؟ أنا مش فاهمة لا منك ولا من تيته.. خديجة خدتها في حضنها ودموعها بتنزل على خدها:
_مفيش يا روحي.. أنا وستك شدّينا مع بعض، والسبب ماينفعش تعرفيه.. ده بتاع كبار. لكن في عينيها كانت غارقة في أفكار سودا، صور بشعة بتتخيلها عن مستقبل بنتها، وكأنها بتغرق ومفيش إيد بتنقذها. عدى يوم والصبح طلع، خديجة مدت إيدها جنبها ملقتش بنتها. قلبها وقع من مكانه، قامت بهلع ودوران عينيها زي المجنونة، خرجت تجري وهي بتصرخ باسمها بصوت يقطع القلب: _براءة.. براءة إنتي فين؟! يا لهوييييييي.. بنتي.. بنتي يا آدم..!
آدم صحي مفزوع على صوتها، خرج من أوضته بتوتر وخوف، وشه مصفر: _إيه يا ماما؟ مالك؟ اهدي! خديجة مسكت في هدومه وهي مش قادرة تتحكم في نفسها، صوتها بيرتعش وقلبها بيدق يخبط في ضلوعها: _الحقني يا آدم.. ستك المجنونة هتعمل جريمة في أختك..! آدم وقف متجمد لحظة، دماغه مش مستوعب: _مش فاهم.. هتعمل إيه؟ خديجة صوتها انكسر، عينيها دمعت وقلبها كأنه بيوقف: _ستك هتخلي أختك.. مش بنت..! مش قادره يا آدم.. أنا بموت..!
وشها شحب من كتر الخوف، وإيديها بترتعش بشكل هستيري، آدم اتخض وشدها بسرعة عشان ما تقعش، وقال وهو بيحاول يسيطر على رعبه: _ماما اهدي.. ده كلام فارغ! العادة دي خلصت من زمان.. أكيد ستي عقلها مخفش للدرجة دي.. اهدي! لكن فجأة، صوت صرخة براءة جاي من أوضة العجوز، الصوت اخترق جدار قلب خديجة وآدم زي خنجر. خديجة جريت بجنون ناحية الباب، بتخبط بجسمها وصوتها بيتفتت بين الصريخ والدعاء: _افتحي الباب! افتحواااا.. بنتييي!
لو حصلها حاجة أنا هسجنك يا عفاف! افتحييي! آدم بيرزع بجسمه كله على الباب، كل ضربة بتخلي البيت يرتج، وصوت أمه بيرتفع مع كل خبطة: _برااااااءة.. بنتييي لاااا.. افتحوااا! اللحظة كانت مشحونة، الخوف مسيطر، والزمن واقف على صرخة خديجة وارتطام آدم بالباب واول لما دخلوا كانت صدمه في وشهم، واتسمروا في مكانهم ووووو
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!