نظرت فايقة إلى يزن وأردفت بنبرة صوت متألمة وعيون حزينة: _العيب طلع من عند يزن. رفع يزن بصره سريعًا ورمقها بنظرة بها ذهول، ثم تحدث بنبرة صوت حادة جنونية: _إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا مرت عمي. صدمة شلت حواس الجميع وجعلتهم غير قادرين على النطق. هنا جاء دور شريكها بالخديعة كي يجيد حبكة القصة ويصدق على حديثها الكاذب. تحدث بنبرة منكسرة أجاد تقمصها بإتقان:
_مرت عمك ما بتقولش تخاريف يا يزن، مرت عمك بتقول لك اللي عرفنا به الحكيم ومكناش عاوزين نقوله لجل شكلك قدام أهل السرايا يا ولدي. تنهدت فايقة بأسٍ رسمته على وجهها ببراعة، وتحدثت وهي تنظر إلى ليلي التي تبكي بحرقة: _ليلي من وقت ما عرفناها امبارح من لما عدنا من مصر وهي يا قلب أمها، دمعتها ما نشفتش من على خدها ومبطلتش بكى. نفت نجاة قائلة بنبرة حادة مشككة:
_بطلي شغل الثلاث ورقات بتاعك ده يا فايقة، وقومي هاتي لي التحاليل اللي أنا متأكدة إنها حتكشف كدبك. _وأنا أكذب في حاجة زي دي ليه يا نجاة؟ إيه المصلحة اللي حتعود عليا من كده؟ جملة نطقتها فايقة بنبرة مليئة بالثقة. أجابتها تلك المشتعلة: _عشان تخبي على عمايلك السودا والبلاوي اللي شربتيها لبيتك، واللي أنا متأكدة إنها السبب في تأخير الحمل عندها. وأكملت باتهام:
_وبدل ما تيجي تقولي الحقيقة وتطهري حالك، تقوم تجيب العيب عند ولدي سيد الرجالة. انتفض قلب ليلي وارتعب داخلها عندما نظر لها يزن مستغربًا حديث والدته الغامض بالنسبة له. نهضت فايقة سريعًا وتحدثت بتلبك خشية انفضاح أمرها: _الله يسامحك على ظُلمك ليا يا أختي، على العموم أنا هطلع أجيب لك التحاليل وأوديها لأي دكتور هنا، وإنتي تعرفي إني مبقولش غير الحقيقة وربي شاهد عليا.
وجه قدري بصره نحو نجاة وتحدث بنبرة قوية أجاد تقمصها بعدما نظرت له فايقة طالبة العون منه والمساندة: _أنا مش فاهم لازمته إيه التشكيك ده يا نجاة، ما جوزك وولدك قاعدين منطقوش أهم، إشمعنى إنتي اللي اعترضتي وبتكذبي حديثنا؟ كانت أشبه بـ هرة شرسة على أتم استعداد لغرس حوافرها الحادة داخل لحم أي شخص يحاول أذية صغارها. رمقته بنظرات غاضبة وأجابته بقوة جديدة عليها لا تعلم مصدرها:
_لأن محدش يعرف خبايا مراتك وتخطيها العفش جدي يا أبو قاسم. وهنا هتف عثمان الذي عقد لسانه جراء صدمته من تلك الكارثة التي حلت بحفيده، فتحدث مستفسرًا: _عمالة تلفي وتدوري على إيه يا نجاة، متقولي طوالي تقصدي إيه بحديثك ده؟ نظرت له فايقة مستعطفة إياها بأن تلتزم الصمت وتحفظ السر الذي لا يعلمه سوى كلاهما وليلي. تحدثت نجاة بقوة ضاربة نظرات فايقة التوسلية عرض الحائط:
_أنا أقول لك على اللي بقى لي سنتين كتماه في بطني وجافلة عليه خشمي يا عمي، وإنت احكم بيناتنا. واسترسلت بقوة وهي تشير بيدها إلى فايقة: _الست فايقة بقالها سنتين عتلف ببنتها عند دجالين المركز كله من وقت ما اتجوزت لحد دلوقتي، شربتها وصفات وخلطات ياما وأنا كنت ساكتة ومخروسة على أمل إن الحمل يتم وأشوف عوض ولدي بيجري قدام عيني. دبت رسمية على صدرها وتحدثت باستنكار إلى فايقة:
_يا حومتي، هي حصلت الدجالين يا مرة يا خرفانة إنتِ، وأمنت لبنتك كيف تدخل عند الناس العفشة دي يا حزينة؟ اتسعت عيون يزن بذهول وحول بصره لتلك المنكمشة على حالها تنظر عليه بترقب ورعب كالجرو المذعور. حين هتفت فايقة مداعبة عن حالها وابنتها من تلك الاتهامات التي من الممكن أن تفسر بشكل خاطئ لدى الجميع:
_أنا مهملتش بنتي دقيقة واحدة لحالها مع حد يا عمة، رجلي كانت سابقة رجلها في أي مكان بتدخل فيه، والناس اللي كنت بروح لهم كلهم محترمين وسمعتهم الطيبة سابقة. هدر بها عثمان بنبرة صارمة وعيون مصدومة: _سمعة مين اللي سابقة يا مرة يا خرفانة يا أم عجل ناقص، هما دول يعرفوا ربنا من الأساس عشان يكون عندهم أخلاق؟ ثم حول بصره على قدري الذي يجلس داخل المقعد يكاد من شدة خجله وزعره أن يختفي بداخله، وتحدث متهكمًا:
_وإنت يا دلدول الحرمة يا اللي محسوب عليا كبيري وإنت أصغر عيل في الدوار دماغه توزن عشرة من عينتك، كنت تعرف باللي عم تسويه غراب البين دي ويا بنتك؟ نطق سريعًا مخلصًا حاله من غضب والده الذي يشبه الإعصار: _الله الوكيل ما عرفت غير دلوقتي يا حاج، أنا زيي زيكم. رمقه عثمان بنظرة اشمئزاز قائلاً بتهكم ساخر: _ما إنت لو راجل صح ومالي عين بنتك سنية مكانتش استغفلتك وعملت اللي على كيفها يا خلفة الشوم والندامة.
وقف يزن سريعًا وتحرك إلى موضع جلوس ليلي وأمسك كف يدها وسحبها بعنف قائلًا وهو يصفعها بقوة على وجهها: _مش هو لوحده اللي مرته عم تستغفله ومش معتبراه راجل ودايرة على كيفها يا جدي. نطق كلماته الغاضبة بعيون تطلق شزرًا، نزلت الصفعة على وجنة ليلي جعلتها تتهاوى بوقفتها. فشهقت نساء العائلة ووضعت ورد يدها على فمها بذهول. حين جرت فايقة على صغيرتها واحتضنتها قائلة بنبرة غاضبة وهي تنظر بشرًا إلى يزن: _اقطع يدك اللي مدتها على بنتي.
جرى فارس وأمسك يزن محاولًا تهدئته وتحدث: _مش كده يا يزن، امسك حالك. أسرع قدري ووقف بجانب زوجته وابنته وتحدث موبخًا ابنه: _هو ده اللي ربنا قدرك عليه بعد ما ضربت اختك قدام الكل يا خلفة الندامة؟ ثم حول بصره إلى يزن وتحدث بنبرة خالية من الرجولة والشهامة والأصول: _وإنت يا عرة الرجالة، بدل ما تداري خيبتك وعجزك جاي تستقوي على بنتي وتضربها عشان تداري ضعفك.
جحظت أعين يزن وشعر بطعنة برجولته. شعور مميت بالعجز والخجل والنقصان تملك منه حتى أنه لم يقو على رفع عيناه في أحد من المتواجدين. وقعت الجملة على قلب فارس أحرقته لأجل ابن عمه وصديقه الصدوق بل وشقيقه ورفيق دربه، وتحدث بنبرة ملامة: _إيه اللي بتقوله ده يا أبوي؟ نظرت مريم من وسط دموعها الغزيرة إلى فارس باستحسان لما قام به من أجل شقيقها.
حين جرى عليه زيدان الذي شعر بابن شقيقه الذي يعتبره ولده الذي لم يحظ بإنجابه، وحاوطه بذراعه وتحدث إلى قدري قائلًا بنبرة غاضبة وعيون تطلق شزرًا: _إيه السم اللي حيعمل من خشمك ده يا بني آدم إنت؟ تحرك منتصر سريعًا إلى قدري وأمسكه من تلابيب جلبابه وهزه بعنف وتحدث: _بدل ما تتشطر على ولدي وتدبحه بحديثك ده، روح ربي مراتك القادرة اللي دايرة على كيفها وملبساك العمة يا عرة الرجالة.
جرت رسمية على أنجالها وهي تصرخ بعلو صوتها محاولة التهدأة والفصل بينهما، وزيدان الذي وقف يتوسط شقيقاه محاولًا بشدة فكاك قبضة يد منتصر الخانقة لقدري. هدر عثمان بعلو صوته ودق بعصاه الأبنوسية الأرض وأردف قائلاً بنبرة حادة: _بعدوا يدكم عن بعض يا ولد منك له، والله عال يا أولاد عثمان، جاء اليوم اللي أشوف فيه عيالي ماسكين في هدوم بعض وبيتعاركوا قدامي.
ابتعد الجميع عن بعض جراء حديث عثمان، وأمسكت رسمية بتلابيب زيدان وهي تتهاوى وتغمض عيناها قائلة بنبرة ضعيفة مستنجدة: _إلحقني يا زيدان. صرخ زيدان باسمها وحملها بين ساعديه تحت صرخات وارتياب الجميع وجرى بها سريعًا لداخل حجرتها وقام بتمديدها فوق التخت وجرى عليها عثمان بهلع محاولًا إفاقتها.
بادر فارس بالاتصال على دكتور ياسر وأبلغه بالحضور الفوري. أما يزن الذي ما زال متسمرًا بوقفته بعيون متحجرة غير واعٍ لما يجري من حوله وكأن روحه قد فارقت الحياة ولم يتبق منه سوى جسده البالي وفقط. تحركت تلك الباكية وقابلت وقوفه وتحدثت بدموعها وهي تتلمس كف يده بترقب: _يزن.
فاق على حاله وجذب يده بحدة ثم رمقها بنظرات مشتعلة مشمئزة وانسحب للخارج تاركًا المكان بأكمله. اتجه إلى حدائق الفواكه المتواجدة بغرب النجع، وجلس بها شاردًا بائسًا حزينًا على حاله وما آل إليه.
داخل السرايا، أتى ياسر وأجرى الكشف على رسمية التي اكتشف أنها مصابة بداء السكري ويرجع هذا بسبب تقدمها بالعمر وهذا ما ساعد بارتفاع شديد بضغطها. أعطاها الدواء المناسب لحالتها وتحرك للخارج مع فارس. لاحظ وقوف مريم واقفة بجانب ورد ونجاة وهي تبكي بانهيار تام لأجل ما أصاب شقيقها وانتهت بما حدث لجدتها من انهيار تام. اشتعلت روحه وصرخ قلبه متألمًا لأجل دموعها الغالية، فتحدث موجها حديثه إلى الجميع وهو يختصها بالنظر:
_اطمنوا يا جماعة، الحاجة كويسة وإن شاء الله حالتها هتتحسن أكثر بعد ما أخذت الأدوية. نظرت إليه مريم بضعف ألمه كثيرًا، ثم تحدثت إليه ورد بامتنان: _ربنا يطمن قلبك يا دكتور. شكرها وانسحب مستأذنًا للخارج تحت استغراب فارس من تصرف ياسر ولكنه نفض من دماغه سريعًا لأجل الوضع الراهن لأهل المنزل.
أسرع الجميع إلى حجرة رسمية وجدوها تتمدد وسط عثمان وزيدان الممسك بكف يدها برعاية يتحسسيه بحنان ليبث الطمأنينة لقلب غالية قلبه وأول من عرف الحب على يدها، والدته الحنون القاسية. نظر عثمان على الجميع بوجه حاد وتحدث أمرًا بصرامة: _يلا كل واحد ياخد مرته وعياله وعلى فوق معايا، ما يعزش حد هنا واصل. كاد زيدان أن يتحرك أوقفه صوت عثمان الذي تحدث قائلًا: _خليك إنت جار أمك يا زيدان.
انتفض قلب زيدان من شدة سعادته، هو بالأساس لا يريد ترك يد غاليتة. وأكمل وهو ينظر إلى ورد موقرًا إياها ومعظمًا من شأنها كعادته في الآونة الأخيرة وكأنه بهذا التعظيم يعتذر منها على ما بدر بالماضي والظلم الذي وقع عليها سابقًا من جميع العائلة: _وإنتي يا أم الدكتورة، ادخلي المطبخ اعملي لحماتك شوربة الخضار اللي قال عليها الدكتور.
اشتعل داخل فايقة وكاد قلبها أن يصرخ من شدة الغضب والغيرة وهي ترى الجميع بدأ يمقتها وينجذب لتلك الساحرة الشمطاء على حد تفكيرها ووصفها لها. أجابته ورد بنبرة طائعة: _من عيوني يا عمي. ونظرت إلى رسمية وتحدثت إليها بنبرة حنون: _ألف سلامة عليكِ يا مرت عمي. أمالت لها رسمية بعرفان وذلك لعدم قدرتها على الحديث.
أشارت فايقة بيدها إلى ورد مانعة إياها من التحرك في طريقها إلى المطبخ وتحدثت إلى عثمان بنبرة منكسرة حاولت بها جذب النظر إليها ورجوعها إلى مكانتها العالية كما السابق: _خليني أنا اللي أعمل الشوربة لـ عمتي يا حاج، لأن أنا أدري الناس باللي بتحبه عمتي. هدر بها عثمان قائلاً بنبرة حادة وملامح وجه مكفهرة: _قلت لك اطلعي على مطرحك ومعايزش أشوف خلقتك قدامي، ما بتسمعيش الكلام ليه يا حرمة؟
هرولت إلى خارج الحجرة وبسرعة البرق كانت في نهاية أعلى الدرج. أمسك زيدان كف والدته وتحدث بصوت حنون: _سلامة جلبك يا ست الكل. نظرت إليه بحزن وانكسار المرض، فنزلت دمعة من عيناها وتحركت نحو أذنها جففها لها سريعًا ومال على جبهتها وقبلها بحنان. نظر عثمان إلى زيدان وضيق عيناه بتفكر ثم تحدث بنبرة تشككية:
_زيدان، أنا عاوزك تاخد ولد أخوك وتدلي بيه على مصر عشان تعيد له الكشوفات والتحاليل لأني مش مصدق ولا كلمة من اللي قالها أخوك هو والعجربة اللي اتجوزها. هزت رسمية رأسها بضعف وتحدثت: _عين العجل يا ولد عمي، ولد منتصر كويس وزين زي أبوه وجده. أومأ له زيدان بطاعة وتحدث باحترام: _من غير ما تقول يا أبوي، أنا كنت ناوي أعمل كده لأن كيف ما قالت نجاة، فايقة جرابها واعر كيف جراب الحاوي تمام، وبيرها غويط ملوش جرار.
تحركت فايقة إلى شقة ابنتها كي توبخها بعدما رأت انهيارها ونظرة الرعب بأعينها بالأسفل أمام الجميع مما جعلها مرتابة ليشُك بأمرها الآخرون. وجدتها متكورة على حالها فوق التخت تبكي بشدة.
وقفت تتطلع عليها بكره، رافضة حالة الاستسلام تلك التي تتملك منها. كم تبغض أن ترى وريثتها بكل هذا الضعف والهوان. كم تمنت لها أن لا يصيب قلبها بلعنة العشق ولا يميل لأحدهم بتاتًا كي لا يضعفها غرامها وتبقى صامدة أبية ولا يستطيع أي كان كسرها أو إذلالها تحت اسم العشق. تحدثت بنبرة حازمة وملامح وجه صارمة:
_فوقي لحالك وبطلي نوح يا بت، أنا مش حاسبك على اللي عملتيه تحت قدام الكل، مش وقته، بعدين حنتحاسبوا، بس عاوزاكي تجمدي وتثبتي قدام الكل عشان الموضوع يعدي على خير. صاحت بصراخ هيستيري: _كيف حيعدي يا أمي، يزن ضاع من إيدي خلاص، يزن مد يده عليا لأول مرة في حياته، وكل ده بسببك إنتِ. جحظت عيناي فايقة بشكل مخيف وراحت تتساءل بنبرة حادة: _بسببي أنا يا واكلة ناسك إنتِ؟
صح ناكرة للجميل كيفك كيف بقيت ناسك. بقى هي دي جزاتي بعد اللي عملته عشان مأكسركيش قدام اللي يسوى واللي ما يسواش يا حزينة؟ شهقت ليلي من شدة بكائها فتحدثت تلك المتجبرة عديمة القلب والمشاعر قائلة بنبرة حادة: _قومي يا بت ادخلي الحمام واتسبحي عشان تفوقي من حالتك المشندلة دي. وأكملت بنبرة قوية: _ما يعزش أشوفك كده، ما يليقش عليكي الضعف يا بت فايقة، يلا قومي.
قالت كلماتها الحادة الخالية من الإنسانية وانسحبت من المكان تاركة صغيرتها المنهارة دون أن تسحبها لأحضانها وتحاول طمأنة خوفها، أو حتى تحتوي ضعفها الذي يملأها.
هكذا هي فايقة النعماني، إنسانة عديمة الضمير، معدومة الحس والشعور حتى بمن يحمل جيناتها. فقد سحبتها دائرة الانتقام داخلها ونزعت من قلبها الرحمة حتى أنها أصبحت بلا شعور أمام أطفالها. عاشت حياتها بالكامل لم تحتوي صغارها، لم تتذوق حلاوة احتضانهم ولم تذقهم إياها. يا لكِ من مسكينة بائسة أيتها الفايقة، فقد خسرت وتخطتك الكثير من المشاعر الآدمية السامية وافتقدتها بسبب انتقامك الأعمى.
دَلفت فايقة مسكنها وجدت قدري يجوب المكان إيابًا وذهابًا ويبدو على ملامح وجهه الغضب الشديد. وبمجرد رؤيته لها حتى تحرك سريعًا وقابل الوقوف وتحدث بنبرة ملامة مرعبة: _جلت لك بلاش منية الموضوع المجندل ده يا فايقة، جلت لك الدنيا حتولع من حوالينا مصدقتنيش، وأديها حتتطربق فوق نفوخنا وهنتفضح قدام الكل كله. نظرت له بقوة وتحدثت بنبرة واثقة:
_اهدي يا قدري وامسك حالك أومال، مفيش حاجة حتتكشف ولا حد حيعرف أيتها حاجة، التحاليل وهديهالهم يروحوا بيها وين ما بدهم. وأردفت وهي تنظر أمامها بتعمق: _التحاليل سليمة وحتقول إن العيب من يزن وإن بتي صاغ سليم، ما أحنا مدفعناش الفلوس دي كلها في حتة ورقة وفي الآخر نقف خايفين كده. رجعت بذاكرتها إلى قبل شهرين من الآن عندما أخبرتها ليلي وهي في قمة سعادتها قائلة: _كان اللي مستنيينه من زمان حصل يا أمي. تساءلت فايقة مستفسرة:
_خير يا ليلي، وإيه مالك فرحانة قوي كده؟ أجابتها بكبرياء وهي ترفع قامتها لأعلى: _خير بالجوي يا أمي، شكل كده زماني حيحصل لي وهترحم من كلام اللي يسوى واللي ما يسواش. ضيقت فايقة بين حاجبيها ونظرت لها بعدم استيعاب فتحدثت ليلي مفسرة حديثها بنبرة خجلة بعض الشيء: _الدورة الشهرية ما جتش لي الشهر اللي فات، بس أنا ما أخدتش في بالي وجلت يمكن متخربطة زي ما حصل معاي قبل كده، بس الشهر دي كمان ما جتش ومعادها فات من أربع أيام. وأكملت
وسعادة الدنيا بعينيها: _شكلي حبلى يا أمي. شعرت فايقة بسعادة الدنيا تسكن قلبها وبرغم أنها شبه تأكدت من حمل صغيرتها إلا أنها نوهت عليها بألا تخبر أحدًا وبالأخص يزن لحين ذهابهما إلى الطبيب والتأكد من صحة الخبر. وبالفعل بعد يومين ذهبت إلى الطبيب وأخبرته بما تشعر. وبعد أن أجرى الكشف عليها أخبرها بعدم وجود حمل وطلب منها إجراء بعض الفحوصات. وبعد أن قامت ببعض الفحوصات وذهبت بها إليه وتفحصها جيدًا. نظر لها بشك قائلاً:
_التحاليل ظاهرة لي إن فيه مشكلة، بس مش هقدر أحددها بالظبط غير بتحاليل تانية عشان الصورة تكتمل قدامي وأتأكد من شكوكي. سألتة فايقة بتخوف تحت نظرات ليلي المرعبة: _اللي هي إيه شكوكك دي يا دكتور؟ أجابها بعملية: _بلاش نسبق الأحداث يا مدام وخلينا ننتظر نتيجة التحاليل الجديدة. أفضل. كتبت له نوع الفحص الذي يريده منها إجراؤه.
وبالفعل ذهبتا إلى المعمل من جديد وقامت ليلي بعمل الفحص المطلوب منها وبعد يومين ذهبتا للطبيب من جديد متخفيان كعادتهما حيث قامت فايقة بإخبار رسمية بأن والدتها مريضة وعليها الذهاب لزيارتها والاطمئنان عليها بصحبة ليلي. ذهبت إلى المعمل وأحضرت الفحوصات ثم اتجهت إلى الطبيب مرة أخرى وجلستا تترقبان حديث الطبيب الذي ظل يتفحص التقرير بتعمق شديد. أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره وتحدث بملامح وجه تسيطر عليها الشفقة:
_للأسف يا مدام ليلي، التقارير بتؤكد عدم وجود أي بويضات عندك نهائي. _معناها إيه الكلام ده يا دكتور؟ جملة مستفسرة نطقت بها ليلي بعدم فهم. أجابها الطبيب بأسف: _يعني حصل لك انقطاع مبكر للبريود وللأسف حملك أصبح مستحيل، بالبلدي كده كأنك دخلتي في سن اليأس بس في سن مبكر جدًا. صاحت به فايقة قائلة بحدة: _إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا دكتور الهَم إنتِ؟
كظم الطبيب غيظه من أسلوبها الفظ الخالي من آداب الحديث ولباقتها، لكنه راعى مشاعرها وعذر حدة حديثها الناتج عن ما أصابها من ذهول جراء ما استمعت. وتحدث مفسرًا بنبرة تعقلية بعدما قام بضبط النفس:
_دي مش تخاريف يا مدام، دي النتيجة الطبيعية بعد كل العك والجهل اللي عملتيه في بنتك، كمية الأدوية الكثيرة اللي اديتها لها مع الأعشاب والخلطات الخزعبلية اللي كنتي بتشربيها لبنتك عملت لها لخبطة في الهرمونات، مع طول المدة واستمرارك في اللي بتعمليه تحولت من لخبطة إلى خلل في الهرمونات. واسترسل حديثه بنبرة ملامة:
_بنتك كان عندها مشكلة بسيطة هي اللي مأخرة الحمل وكانت ممكن تتحل بس بالهدوء والصبر، وده الكلام اللي أنا قلته لحضرتك لما جيتي لي بيها بعد جوازها بشهرين. وأكمل بأسف: _بس حضرتك ما صبرتيش وبقيتي بتوديها كل أسبوعين تقريبًا لدكتور شكل، وده طبعًا على حسب كلامك اللي قلتيه لي من يومين. وأكمل لائمًا وهو ينظر لتلك ليلي الباكية بانهيار:
_ويا ريتك اكتفيتي بالأدوية لوحدها، ده إنتِ كنتِ بتديها خلطات مجهولة المصدر وتغليها وتشربيها لها على الريق. هز رأسه يمينًا ويسارًا وتحدث بأسف: _للأسف يا مدام، إنتِ دمرتي بنتك بإيديك وضيعتي عليها فرصة إنها تبقى أم. مقتته بنظرات ساخطة وتحدثت وهي تهم بالوقوف: _أنا اللي ضيعت بنتي يا واكل ناسك إنت، الله الوكيل شكلك كده مفهم تحت رجليك، عمال تخرف وتخربط بالكلام وعاوزني أصدق تخاريفك دي؟ وأكملت بنبرة ساخرة:
_قال إيه، بتي اللي مكملتش الثمانية وعشرين سنة وصلت لسن اليأس، يأس لما يأخذ أجلك. وتحدثت آمرة بنبرة صارمة لابنتها الباكية: _قومي بينا يا بت عشان نشوف حكيم بيفهم صح. أخذت ابنتها ونظر الطبيب إلى طيفهما ثم تحدث بوجوه مشمئز: _ست جاهلة متوحشة.
مرت الأسابيع سريعًا وما أن علمت من صفا عن أمر الحكيم الشهير حتى تشبثت بالفكرة واتجهوا إليه سريعًا على أمل أن يكون تشخيص الطبيب السابق خاطئ. وطلب الطبيب منهما القيام بعمل فحوصات ليزن ومريم كي يطلع على نتائج الحالة جيدًا. وفي صباح الأمس، فاقت باكرًا حيث غفت بمسكن قاسم بعد انتهاء حفل الزفاف، ثم ذهبت بصحبة زوجها إلى معمل التحاليل الشهير الذي أرسلهما إليه الطبيب وذلك لدقة تقاريره.
وقف قدري أمام السكرتير المختص بتسليم التقارير الخاصة وأخبره أنه يريد مقابلة المختص كي يستفسر منه عن نتيجة الاختبارات بدقة. وبالفعل اتجهوا إلى مكتب المختص الذي نظر إلى الاختبارات وتحدث إليهما بعدما تفحصها جيدًا: _تحاليل الأستاذ يزن بتأكد إنه هو سليم 100%. ومعندوش أي موانع للخلفة. وأكمل بتعابير وجه غير مبشرة بالمرة:
_للأسف تحاليل الأستاذة ليلي بتؤكد عدم قدرتها على الحمل نهائيًا، البويضات عندها منعدمة، ونسبة حدوث الحمل مستحيلة بسبب دخولها في مرحلة انقطاع الطمث المبكر. صدمة ألجمت لسان قدري وفايقة التي فقدت الأمل الأخير لها بهذه الكلمات التي وقعت عليها كصاعقة صعقت معها جميع آمالها وكسرت قامتها. ولكنها لم تكن فايقة إن استسلمت لقدرها وللواقع، ستحارب إلى نهاية المطاف إلى أن تحصل على كل شيء تريده.
استمعت إلى صوت قدري وهو يحثها على الوقوف ليغادرا، نظرت إليه بنظرات حادة كالصقر وتحدثت: _اقعد يا قدري، عندنا عرض زين قوي للدكتور. نظر لها المختص وتحدث مستفسرًا: _عرض! عرض إيه ده يا أفندم اللي بتتكلمي عنه؟ أجابته بثبات انفعالي: _تاخد كام وتبدل التحاليل دي. جحظت أعين قدري في حين وقف المختص وتحدث إليها بنبرة حادة: _إنتِ بتقولي إيه يا ست إنتِ، اتفضلي اخرجي برة بدل ما أطلب لك الشرطة وألبسك قضية رشوة. تحدث
قدري إليها بنبرة حادة: _قومي يا أم قاسم وبكفيانا فضايح لحد كده. لم تلتفت إلى حديث زوجها ولم تعيره أي اهتمام، ثم وضعت ساق فوق الأخرى ونظرت إلى المختص وتحدثت بنبرة واثقة قوية: _100 ألف جنيه وتغير لي التحاليل وتخلي عيب الخلفة من يزن. ابتلع الرجل لعابه ونظر لها بتشكيك ثم نفض رأسه من الفكرة وكاد أن يتحدث قاطعته هي بتحدي:
_150 ألف وتعملي تقرير ما يخرش الماية وجبل ما آخده من إيدك حتنزل وياي في أي بنك أسحبهم لك حالًا، وده آخر كلام عندي يا إما أروح لأي واحد غيرك يعملي كل اللي أنا عيزاه بربع التمن ده. سال لعاب الرجل فتساءلت هي بنبرة حادة: _جلت إيه يا دكتور؟ تحدث قدري محذرًا إياها: _بلاش يا فايقة، الحكاية اللي بتفكري فيها دي لو انكشفت حتخفلج على دماغنا ويمكن تكون فيها نهايتنا. سبقها المختص بالرد بعدما أغراه المال:
_أنا حكتب لك تقرير وأظبطهولك بحيث مفيش مخلوق يقدر يشك فيه. وأكمل لإقناعه: _وأظن محدش حيُشك في مصداقية معمل عريق وكبير زي المعمل ده. وبالفعل زور لهم المختص التقرير وتوجهوا بعدها مباشرة إلى المطار كي يستقلا الطائرة المتوجهة إلى سوهاج. عودة للحاضر. سألها قدري بنبرة قلقة: _العمل إيه دلوقتي يا فايقة لو الموضوع اتكشف؟ أجابته بنبرة باردة واثقة:
_بسيطة يا قدري، حنقول الموظف لخبط وهو بيحط نتيجة التحاليل عند يزن، والموظف بقى بتاعنا خلاص، حنكلمه وهو هيصدق على كلامنا قدامهم ويجيب لهم التقرير الحقيقي وخلصنا. تنهد بحيرة وتوجس من أمر تلك المتجبرة التي لا تترك شيء للظروف ودائماً تخطط لكل شيء بطريقة رائعة. بالأسفل، طلب عثمان من زيدان وورد المبيت معه داخل السرايا تحسبًا لأي جديد يحدث في حالة رسمية ووافق زيدان بترحاب هو وزوجته.
أما يزن فكان اليوم هو أسوأ يوم مر به منذ أن نشأ وترعرع وكبر. تأخر الوقت كثيرًا وهو ما زال بحديقة الفاكهة. هاتفته نجاة ومنتصر ومريم كثيرًا لكن دون جدوى وذلك لغلقه هاتفه للهروب مبتعدًا عن الجميع.
شعر بالتعب والنعاس فساقته رجله إلى المشفى. حاول فتح غرفة الكشف الخاصة بصفا أو ياسر وذلك لوجود سرير كشف بهما، لكن لسوء حظه كانتا مغلقتين. تحرك لغرفة أمل وفتحها وتحرك سريعًا إلى السرير الخاص بالكشف وتمدد بجسده المرهق عليه. لم يكمل دقائق حتى غفى بثبات تام من شدة إرهاقه.
ليلة حالكة صعبة قضاها الجميع ما بين منكسر وحزين وآخر مرعب من فكرة انكشاف أمره، ما عدا ثنائي العشق الذي غرد طائر حبه فوق عشهما السعيد فجعلهما وكأن روحيهما طائرة سابحة في جنة الغرام. كان يجذب جسدها إليه لاصقًا إياه بجسده بحميمية، واضعة هي رأسها فوق ذراعه الممدود لها بحنان. ينظر كلاهما داخل عيون الآخر بهيام. تحدث مداعبًا إياها وهو يتلاعب بخصلات شعرها الحريري بين أصابع يده:
_شفتي كنتِ حارمة حالك من إيه بالمخدة اللي كنتِ حاشراها بيناتنا. وأكمل: _بذمتك متعة نومك جوه حضني دي مبتحخليكيش تفكري إنك تولعي في مخدة الشوم دي أول ما نرجع؟ ضحكت عاليًا وتحدثت إليه: _ما أنا سيبالك إنت المهمة العظيمة دي. وأكملت بنعومة سلبت بها عقله: _مش إنت وعدتني وإنت في القاهرة إنك أول ما نرجع سوهاج حتولع فيها؟ جذبها أكثر إليه وتحدث غامزًا بعينيه:
_ملحقتش، كان عندي مهمة أسمى وأعظم وأهم، بس أوعدك إن أول ما نروح حتكون دي أول مهمة أقوم بيها. ثم مال على شفتيها وقبلها بحنان وأكملا حديثهما ومداعـ ـباتهما التي تقرب روحيهما أكثر وأكثر، ثم غفا بأحضان بعضيهما بقلوب سعيدة مطمئنة. ضل فارس جالسًا طيلة الليل بجانب مريم المنهارة لأجل شقيقها، يربت على كتفها بحنان، لا يدري أيداوي جراحها أم جراحه، فحقًا الألم مشترك بينهما والوضع منتهي السوء للجميع.
في الصباح، أتت أمل باكرًا كي تستعد لتجهيز حجرة الكشف الخاصة بها وتجعلها لائقة لاستقبال المرضى. فتحت باب غرفتها وإذ بها ترى يزن ممددًا على السرير الخاص بالكشف يغط في نوم عميق. اتسعت عيناها من هيئته وتملك الغضب منها فتحركت إليه وتحدثت بنبرة حادة: _إنت يا محترم. فُزع يزن من حدة صوتها وجلس سريعًا يتلفت وهو مذعورًا، يستكشف المكان من حوله حتى استقرت عيناه على تلك الغاضبة التي تحدثت من جديد وهي تضع يداها داخل خصرها:
_ممكن حضرتك تفسر لي إيه اللي أنا شايفاه قدامي ده؟ وأكملت بتهكم: _مستشفى محترمة دي ولا لوكاندة يا باشمهندس. وضع كف يده فوق وجهه وفركه بتعب ولا مبالاة وكأنه لا يستمع لصراخها من الأساس، وهذا ما أثار جنونها وزاد من حدتها حيث هتفت قائلة بشدة: _هو حضرتك مش سامعني، ولا أنا هوا واقف قدامك؟ وقف منتصب الظهر يهندم من ثيابه وتحدث متهربًا من عينيها:
_أنا آسف يا دكتورة، أنا كنت هنا وتعبت فجأة وملقيتش غير أوضة الكشف بتاعتك هي اللي مفتوحة. وأكمل معتذرًا: _أنا آسف وأوعدك مهتتكررش تاني. شعرت بحالة البؤس والألم اللذان يخرجان من صوته وعلمت حينها أنه يواجه مشكلة عميقة وأنه ليس بخير. على الفور تراجعت وتحدثت بنبرة هادئة: _إنت كويس؟
أومأ لها باستسلام دون النظر بعينيها وتحرك متجها إلى الخارج بجسد هزيل يتهاوى وروح تائهة. نظرت أمل عليه مشفقة على حالته التي ولأول مرة تراه عليها. انتبهت حين وجدت مريم تسرع إلى شقيقها وتحدثت بنبرة متلهفة: _إنت فين وسايبنا هنموت من الجلج عليك يا يزن؟ إنت كويس يا أخوي؟ هز لها رأسه وتحدث بصوت هزيل ضعيف: _أنا بخير. أردفت قائلة بنبرة حزينة:
_أبوك وأمك عم يموتوا عليك. ناموا طول الليل، يلا يا حبيبي روح خد دوش وغير هدومك دي ونام، وإن شاء الله خير. تحرك وأكمل طريقه بجسد هزيل منهزم. نزلت دموع مريم فتحركت أمل التي كانت تستمع حديثهما الدائر أمام باب غرفتها. وقفت أمام مريم وتحدثت: _أستاذة مريم، إنتِ كويسة؟ هزت مريم رأسها نافية فسحبتها أمل من يدها وتحركت بها للداخل وأجلستها قائلة بنبرة مساندة: _ارتاحي وأنا حطلب لك عصير ليمون يهدي أعصابك.
دلف ياسر سريعًا بعدما شاهد خروج يزن بتلك الحالة المزري وسأل مريم باهتمام ولهفة بعدما رأى دموعها: _فيه إيه يا أستاذة مريم، هو الباشمهندس ماله؟ وقفت وتحدثت وهي تجفف دموعها بكف يدها الرقيق: _خير يا دكتور، مفيش حاجة. وتحدثت منسحبة بهدوء وذلك لحرصها الدائم على التواجد مع ياسر بمكان يجمعهما سوياً: _بعد إذنكم. تحركت للخارج ونظر ياسر إلى أمل وسألها مستفسرًا: _هي إيه الحكاية يا دكتورة؟ أجابته بنبرة متأثرة:
_تقريبًا كده الباشمهندس بيمر بأزمة نفسية بسبب ما، تعابير وجهه بتقول إنه اتعرض لصدمة شديدة هزت كيانه بقوة، وغالبًا الصدمة دي خاصة بالعيلة، لأن الأستاذة مريم هي كمان عندها نفس الأعراض لكن على أخف وبشكل مبسط. قطب جبينه وتساءل بطريقة دعابية: _إنتِ متأكدة إنك تخصص نسا وتوليد؟ ابتسمت له بهدوء فأكمل هو: _حضرتك بتتكلمي بمهنية متخصص نفسية. تنهدت وتحدثت بنبرة محملة بالألم:
_هموم الناس وقلوبهم المكسورة مش محتاجين دكتور عشان يقدر يشوفهم جوه عيونهم اللي بتصرخ من الألم، هما محتاجين حد بيحس مش أكتر. نظر لها بتعمق وتأكد من أن بداخل قلبها ندوب عميقة ناتجة عن جرح لم يُشف بعد، فتحدث هو متعمدًا كي يخرجها من حالتها: _دكتور صفا كلمتك النهارده؟ حركت رأسها نافية وأردفت: _النهارده لا، لكن كلمتني امبارح كانت بتطمن على سير العمل. داخل كافيه بوسط مدينة سوهاج.
تجلس ماجدة بصحبة صديقتها أحلام تتناولان الطعام بشهية عالية. تحدثت أحلام ناصحة لصديقتها: _أنا لو منك ما أسيبش الفرصة اللي جت لي على طبق من دهب دي تضيع من إيدي أبدًا. نظرت لها وتساءلت بتهكم: _وكنتي حتعملي إيه بقى يا أذكى أخواتك لو كنتِ مكاني؟ أجابتها أحلام بنبرة جشعة:
_كنت حطلب منه يجيب لي دهب ويحط لي في البنك مبلغ كده محترم، وأهدده لو ما نفذش حروح لأبوه وأقول له على جواز حفيده التاني على بنت ابنه، واللي حصل بموافقة وحضور قدري بذات نفسه. ضحكت ماجدة ضحكتها الشهيرة الرقيعة مما جعل أبصار الرجال المتواجدين داخل المكان تتجه إليها فتحدثت غير مبالية بنظراتهم: _ده أنا أبقى أكبر مغفلة لو عملت كده، إنت عشان ماتعرفيش قدري وشرَّه سهل عليكي تقولي كلامك ده. وأكملت وهي تنظر لها بعيون متسعة:
_يا بنتي اللي زي قدري ده مستعد يعمل أي حاجة عشان يحافظ على اللي هو فيه، حتى لو حتوصل إنه يخلص مني. وأكملت وهي تسترخي للخلف فوق مقعدها: _وبعدين أنا من مصلحتي إني أفضل الحضن الحنين لقدري، أهو بيصرف عليا ومعيشني في هنا وعز ما كنت أحلم بيه. وأكملت وهي تنظر أمامها بتفكر: _وبعدين مين اللي قال لك إني ما فكرتش إني أستغل موضوع جواز ابنه على بنت أخوه ده. وابتسمت لصديقتها وأشارت إلى مقدمة رأسها وتحدثت بتفاخر:
_بس بالعقل يا أحلام، الموضوع محتاج تخطيط صح عشان ما يبانش إني بهدده وبحطه قدام الأمر الواقع. ضحكت صديقتها بخفة وسألتها متلهفة: _أنا برضه قلت أكيد ماجدة مش حتسيب فرصة زي دي تعدي من تحت إيديها من غير ما تستفيد منها، قولي لي بقى على خطتك الجهنمية؟ ضحكت ماجدة بشدة وأجابتها بمراوغة: _لما يبقى ييجي وقتها حقول لك أكيد.
ضحكت اثنتيهما بخلاعة واكملا طعامهما مع حديثهما الذي لا ينتهي تحت نظرات الرجال على تصرفاتهم وضحكاتهم الخليعة. مر أربعة أيام على هذا اليوم المرير الموجع للجميع. وصل فارس إلى المشفى كي يصطحب مريم معه عائدًا بها إلى منزلهما، حيث كان يمر من جانب المشفى وقرر أن يمر عليها ويصطحبها لأجل أن لا تتأخر على ابنته الغالية. دلف إلى رواق المشفى وجد دكتور ياسر يقف بجانب موظف الاستعلامات ممسكًا بيده دفتر يتفحصه باهتمام. تحرك
فارس إليه وتحدث بوجه بشوش: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نظر إليه ياسر ورد باحترام ووجه مبتسم: _وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا وسهلًا فارس باشا، وأنا أقول المستشفى نورت ليه، أتاري حضرتك مشرفنا. ابتسم فارس لكلمات ذلك الرجل المجامل وتحدث بمثلها: _المستشفى منورة بوجودك يا دكتور. أردف ياسر متسائلًا: _ياترى جاي للباشمهندس يزن؟
وقبل أن يجيبه دلف من مدخل المشفى رجل يصرخ من شدة الألم الناتج عن كسر مضاعف لساقه. التفت ياسر سريعًا إلى منبع الصوت، وأستدار من جديد وبسط يده بالملف وأعطاه إلى موظف الاستعلامات وتحدث إليه: _دخل ده للآنسة مريم وخليها تراجعه كويس عشان محتاجة إنهاردة. وتحرك سريعًا إلى المريض، انفرج فاه فارس وتحدث بصوت ضعيف بالكاد مسموع لديه: _آنسة؟ يا سنة سوخة يا ولاد، بقى مرتي أنا بتتقال عليها آنسة بعد سنتين ونص جواز؟ وأكمل
بتوعد وهو ينظر لأثر ياسر: _ماليش عينه أنا إياك ولد المركوب ده! ودلف على عُجالة لتلك الجالسة بالمقعد المتواجد خلف مكتبها، تحرك إلى مكتبها ومال عليه بجذعه وتحدث إليها بنبرة حادة: _الدكتور اللي اسمه ياسر بيقول للموظف دخل الملف للآنسة مريم، هي الهانم مجتش هنا إنها متجوزة إياك؟ ولا أنا ماليش عينيك يا بت منتصر؟ كانت منكبة تنظر على الملف الذي وصلها للتو مع الموظف، رفعت وجهها ونظرت باستغراب على ذلك الذي يبدو من صوته الغضب
الهائل وتساءلت مستفسرة: _فارس، إيه اللي جابك هنا؟ اعتدل بوقفته ونظر لها وتحدث بنبرة صارمة: _جاي آخدك عشان نروح مع بعض، وبعدين مجاوبتيش على سؤالي ليه؟ بيقول لك ياسر بيقول للموظف الآنسة مريم، ماليش عينه أنا إياك واكل ناسه دي؟ تنهدت بأسف ووضعت كفيها فوق المكتب وشبكتهما ثم تحدثت بلامبالاة استشاط غضبه: _وهو حيعرف منين إنك جوزي، ولا أنا متجوزة من الأساس؟ نظر لكفيها واتسعت عيناه حين لم يجد بهما خاتم زواجهما، استشاط
بداخله وتساءل بنبرة غاضبة: _فين دبلة جوازك يا أستاذة، أتاري الراجل عم يناديكي بآنسة، عندي حق طبعًا وإنتِ عاملالي فيها ولا السندريلا سعاد حسني في صغيرة على الحب. نظرت له بعيون منكسرة وتحدثت بنبرة حزينة متألمة: _دبلتي وجعت في بلاعة الحمام من أكتر من شهر، وجوزي ما أخدش باله ولا حتى لاحظ الموضوع إلا دلوقتي. شعر بحزنها وتألم لأجلها ولم يدري لما شعر بالغيرة الشديدة وتحدث بنبرة حادة لم يستطع تمالك حاله:
_وإنتِ ليه ما جولتليش يا مريم عشان ما أجيب لك دبلة غيرها؟ نظرت داخل عينيه بانكسار وإحباط، تحطمت روحه من نظرتها وشعر كم هو صغير بأعين حاله فتحدث وهو يبتلع لعابه بحزن: _طب يلا بينا عشان آخدك على المركز قبل ما نروحوا وأجيب لك دبلة بدل اللي وجعت.
تحركت معه بعدما انتهت من مراجعة الملف وإعطائه للموظف كي يوصله إلى ياسر، واستقلت السيارة بجانبه وذهب بها إلى المركز ودلفا إلى محل المصوغات الذهبية، وانتقى لها خاتمًا بنفسه وألبسها إياه برقة استغربتها مريم واستغربت حاله ككل حين تحدث: _الخاتم حياكل من إيديكي حتة، أول مرة ألاحظ إن إيديكي ناعمة قوي كده. ابتسمت مريم بمرارة وتحدثت بنبرة ساخرة: _تطور هايل يا فارس بيه. وأكملت بنبرة استسلام: _يلا بينا عشان نروح لجميلة.
شعر أنه مقصر بحق زوجته وأنها تستحق أفضل من تلك معاملة، فأمسك كف يدها ليحثها على الوقوف، ثم تحدث إلى بائع المجوهرات قائلاً: _عاوز سلسلة رقيقة عليها حرف الـ F، وزيها بس على أصغر لطفلة صغيرة وعليها نفس الحرف. أومأ له الجواهرجي بطاعة وتحرك لإحضار طلبه. حين تفاجأت مريم بتغيره وشعرت بالسعادة قليلاً من اهتمامه وتحدثت بنبرة ساخرة: _كده الموضوع اتحول لتهور ومبقاش تطور. ضحك عاليًا وتحدث إليها بغمزة وقحة:
_هو إنتِ لسه شفتي تهور. أمالت نظرها للأسفل بحزن فتحدث هو سريعًا: _لسه حاخدك عند بتاع الكباب والكفتة وأشتري لك عشان عارف إنك بتحبيه، وكمان حعدي على محل الحلواني الكبير اللي هنا في المركز وعجيب لك منه البسبوسة بالمكسرات اللي بتحبوها إنتِ وجميلة. وأكمل بتساؤل محب مهتم: _ها، عاوزة أيتها حاجة تانية يا ست البنات؟
اتسعت عيناها بذهول واستغراب مما تراه عيناها وتسمعه أذناها من ذلك الذي عاشت معه وعرفت على يده المعنى الحقيقي للإهمال وكسر الخاطر والنفس منذ زواجهما وإلى الآن. سعد داخلها بعدما أمسك القلادة وألبسها إياها وتحدث بنبرة سعيدة: _مبروك عليكي يا مريم.
وأصطحبها ممسكًا كف يدها وتحرك بها داخل الأسواق ليبتاع لها كل ما تشتهي نفسها أو تشير عليه عيناها، مما أسعدها لا لأجل ما ابتاعته، ولكن لشعورها بالاهتمام والاحتواء التي ولأول مرة تعيشه مع زوجها. *** ☆***☆ *** ☆***☆*** رواية قلبي بنارها مغرم بقلمي روز أمين. داخل مدينة شرم الشيخ.
انتهت من ارتداء ملابسها بالكامل وهيأت حالها استعدادًا للخروج. وقفت منتظرة خروج متيم روحها من المرحاض كي يصطحبها إلى مطعم خارج الأوتيل ليتناولا عشائهما سويًا. تحركت إلى شرفة الجناح وباتت تمشط بعينيها معالم المكان وهي تنظر إلى وجوه المارة بتعمق، وبلحظة انتبهت وخُيل لها مرور أحد الوجوه المألوفة لبصرها. عادت ببصرها سريعًا إلى حيث رأت شبح هذا الوجه وباتت تتفحص الوجوه بتعمق متلهفة رؤيته، لكنها للأسف لم تعثر على شيء لشدة زحام الشارع المكتظ بالمارة.
اختفى الشخص وكأنه سراب وتبخر بين الزحام. اهتز جسدها وانتفض رعبًا حين وجدت من يكبل خصرها ويحتضنها من الخلف. قطب جبينه وسألها مستغربًا حالتها ونظرتها المذهلة وجسدها المنتفض بين يديه: _إيه يا حبيبي، مالك؟ تنفست الصعداء حين استمعت لنبرة صوت حبيبها واستكانت وتراخى جسدها بين يديه بعدما شعرت بالأمان في حضرته ثم تحدثت: _سلامتك يا حبيبي، بس كأني شفت حد أعرفه معدي بين الناس. ضيّق بين عينيه وتحدث إليها مستفسرًا:
_حد تعرفيه زي مين يعني؟ أجابته بعقل مشتت: _معرفش يا قاسم، هو كان معدي في وسط الزحمة ومعرفتش أميز هو مين ولا أنا شفته فين قبل كده بالظبط. لم يعطِ لحديثها اهتمام زائد وتحدث بلا مبالاة وهو يقبل وجنتها بحب: _تلاقي بس بيتهيأ لك يا حبيبتي. وابتعد قليلاً وامسك يدها وهو يحثها على التحرك قائلاً: _يلا بينا ننزل عشان أنا جوعت جوي. ابتسمت له ولامست ذقنه وتحسستها بيدها بحنان لمس قلبه وطمأن داخله وتحدثت هي: _يلا يا حبيبي.
بعد قليل كانت تجلس بالمقعد المقابل له، مبتسمة الوجه تنظر إليه وسعادة الدنيا تجمعت وسكنت قلبها ومقلتيها التي تغمره بنظرات تنطق عشقًا وحنانًا. أما هو فكان واضعًا يده فوق يدها الممدودة فوق الطاولة ممسكًا بها باحتواء مما جعلها تحلق في سماء العشق جراء سعادتها الهائلة. جاء النادل إليهما ليستفسر عن ما يريدانه. فسألها قاسم بلكنة قاهرية: _تحبي تاكلي إيه يا دكتورة؟ نظرت له وتحدثت خجلًا: _حاكل من اللي حتاكل منه.
انتفض قلبه من شدة سعادته بطاعة امرأته التي تعشق رجُلها لدرجة الانصياع التام والتشبه به. تحمحم وحاول التماسك ثم نظر إلى النادل وتحدث إليه: _هات لنا بيكاتا بالشامبنيون مع رز أبيض وسلطة خضرا. سأله النادل باحترام وهو يسجل ما يملي عليه: _تحبوا تشربوا حاجة مع الأكل يا أفندم؟ نظر لها قاسم فأجابته عيناها بترك الخيار له فتحدث: _هات لنا فيروز أناناس بس يكون ساقع ومشبر.
ابتسمت له لتيقنها أنه اختار هذا المشروب خصيصًا لتيقنه أنها تفضل شرابه عن غيره من المشروبات. رحل النادل وتحدث قاسم إليها مستفسرًا: _عاوزة حاجة تاني يا حبيبي؟ حركت رأسها نافية وتحدثت بعيون مغرمة: _عاوزاك دائمًا جنبي ومحاوطني بحبك وبحنيتك يا حبيبي. ابتسم لها بحنين وتحدث: _حتصدقيني لو جولت لك إني معرفش حرجع القاهرة كيف وأنا فايت قلبي وروحي في سوهاج. تعرفي يا صفا. رقبت حديثه بكل حواسها فأكمل هو:
_مبقيتش بحس بالراحة والسلام والسكينة غير وإنتِ نايمة جوه حضني. ونظر داخل عينيها وأردف بنبرة حنون: _غيرتيني جوي يا صفا، حولتيني من آلة للشغل لا بحس ولا بستمتع بأي حاجة، لإنسان بحس وبفرح وبخاف، بخاف وبترعب من فكرة بعدك عن حضني وحرماني من أماني وسلامي النفسي اللي ملجتوش غير جوه روحك يا صافية. وأكمل وهو ينظر داخل أعين تلك التي تستمع إليه بكل ذرة بجسدها: _تعرفي إن ليكي نصيب كبير من اسمك. ابتسمت وتساءلت مستفسرة: _كيف يعني؟
أجابها بنبرة مستكينة: _روحك صافية شفافة، بتشد أي حد يجرب منها وتطهرة وتصفي روحه من التشتت والضياع والحقد، طهرتيني من ذنوبي الكثيرة يا صفا. أردفت بنبرة هادئة وعيون تشع حنانًا: _إنت آخر واحد ممكن يعمل ذنوب أو يأذي غيره يا قاسم، ذنوبك كلها في حج حالك، دائمًا بتيجي على حالك وتأذيها عشان ترضي اللي حواليك. ابتسم بفم مقوس ساخرًا من حاله وتحدث بنبرة متألمة وعيون نادمة:
_إنتِ اللي بتقولي كده يا صفا، ده إنتِ أكتر واحدة أنا أذيتها بكلامي الأعمى وبغبائي وبأنانتي، ده أنا وقفت قدامك وجلت لك ما عايزاكيش، ومش أنا الراجل اللي غيري يختار له المرة اللي حتنام جوه حضنه. وأكمل بنبرة صارخة من شدة ألمها: _أنا دبحتك بغبائي وتمردي الأعمى يا جلبي. أشارت بيدها كي تحثه على الصمت وأردفت قائلة بنبرة بها رأفة على كليهما:
_انسى يا حبيبي، انسى كل اللي عدى كيف ما أنا نسيته ودفنته في وسط دفاتري القديمة وردمت عليه بعشقك اللي زهر جواتي وملى حياتي حب وسعادة وفرحة، نستني كل آلامي ودموعي اللي عدت. شعر بطعنة بقلبه وكأن أحدهم قام بكل جبروت بطعنه بخنجر حاد وبشق صدره وانشطاره لنصفين وتركه نازفًا متألمًا عاجزًا حتى عن الصراخ والتعبير عن اغتياله.
انتفض بداخله وزاد ارتعابه من فكرة علمها بما جرى وكيف سيكون مردود هذا الخبر المشؤوم على وقعها لو لا قدر الله علمت. أخرجه من حالة تألم ضميره الصارخ الذي يؤنبه طيلة الوقت حضور النادل الذي أحضر الطعام وبدأ برصه فوق الطاولة بشكل منسق وطريقة حرفية وتحدث إليهما بكل احترام: _سهرة سعيدة يا حضرات. بعد رحيل النادل تنفس قاسم عاليًا ونظر لها بعدما استعاد توازنه وتحدث بابتسامة مزيفة تحامل على إخراجها جراء همه الذي أصابه:
_يلا كلي يا حبيبتي. ابتسمت له وبدأا بتناول طعامهما تحت سعادتها التي تخطت عنان السماء وهي تحيا معه كل أول مرة!! يتبع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!