الفصل 12 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم روز امين

المشاهدات
27
كلمة
7,658
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

التفت سريعًا ينظر خلفه. اتسعت عيناه بذهول حين تفاجأ بوجود يزن يقف أمامه. ينظر إليه بتمعن، فعاود الحديث مرة أخرى على عجل وهو ينهي المحادثة مع إيناس بمراوغة: "طب مع السلامة أنت الوقت يا باشا، وأنا هبقى أكلمك في وقت تاني." ودقق النظر في عين يزن وتساءل بتعجب وحذر: "خير يا يزن، فيه حاجة؟ أجابه يزن باقتضاب وعيون مشككة: "أنا اللي جاي لجل ما أسألك، هو فيه إيه بالظبط يا قاسم؟ قضب جبينه وتساءل مستفهماً:

"تقصد إيه بحديثك ده، يا ريت توضح سؤالك لأني مبحبش الكلام العايم ده." نظر يزن داخل عينيه بقوة وتساءل بنبرة حادة: "كنت بتكلم مين في التليفون يا قاسم؟ وأكمل مفسراً: "دي مش أول مرة تقوم من مكانك وتيجي هنا وتجعد تتحدث وإنتَ بتتلف حواليك كيف اللي عامل عاملة." استشاط داخل قاسم من تساؤل ذلك المتداخل وأجابه بحدة بالغة: "كنك اتخلت يا يزن، مالك إنتَ باللي بكلمه، مركز ويايا ليه كده؟ تحدث إليه يزن بحديث ذي مغزى:

"اسمعني زين يا قاسم وحط الكلمتين دول حِلقة في ودانك، صفا لو اتأذت منك ورب الكعبة ما هرحمك." رفع حاجبيه باستنكار ثم هتف قائلاً بصياح غاضب: "الزم حدودك ومتنساش إن اللي بتتكلم عليها دي تبقى مرتي، يعني عرضي وشرفي اللي مهجبلش تلميحاتك السخيفة دي عليها." واسترسل حديثه مفسراً بنبرة حادة: "اسمع يا واد عمي، أنا ملاحظ إن من يوم ما جدك خطب لي صفا وإنت اتغيرت وياي ومعاملتك اختلفت وبعدت عني، وعارف إنك كنت رايدها لحالك."

وأكمل مفسراً: "بس خلاص يا يزن، صفا بقت مرتي رسمي وكُلها سواد الليل وهتنام في حضني، وإنت اتجوزت أختي." وأكمل مهدداً بعيون محذرة: "يعني إنتَ اللي لازم تخلي بالك من حديثك وأفعالك زين لأني مابسامحش في اللي يأذي اللي يخصني حتى لو بنظرة، فاهمني يا يزن؟ أجابه يزن بملامح وجه محتقنة بالغضب: "جرى إيه يا قاسم، هما خدوا بالصوت ليغلبوكم ولا إيه، جوام قلبت الترابيزة عليا وركبتني الغلط." وأكمل مفسراً بنبرة فخورة:

"أني ما أنكرش إني كان نفسي صفا تكون من نصيبي وده لأني عارف قيمتها صح، كان عاجبني عجلها الواعي وأخلاقها الزينة اللي أي راجل يتمناها تكون في مرته، بس خلاص من وقت ما اتجوزت ليلي وأني رضيت بنصيبي ومتجي الله فيها، وصفا بالنسبة لي بقت زيها زي مريم أختي بالظبط." وكلامي ليك دلوقتي من باب خوفي عليها لأني فعلاً بعتبرها أختي." أردف قاسم قائلاً بنبرة رخيمة: "مليش صالح إني بكل الحديث اللي قولته ده ولا يخصني يا يزن." وأكمل مهدداً

وهو يشير إليه بسبابته: "وخليك فاكر زين إني عملت اللي عليا ونبهتك عشان أكون خليت من ذنبك." قال كلماته تلك وتحرك عائداً إلى حيث يجلس الأصدقاء تحت غضبه واستغراب يزن من كم بجاحته. قطع طريقه صوت جده الهادر الذي أشار إليه فتحرك إلى مجلسه. وتحدث الجد وهو يشير لذاك الضيف الهام الجالس بجانبه: "مد يدك وسلم على جناب المأمور يا قاسم يا ولد."

رسم قاسم ابتسامة مزيفة فوق ملامحه بالرغم من شدة اشتعاله الذي أصابه من حديث ذاك اليزن المتداخل في أمور غيره من وجهة نظره. وبالفعل مد يده وتحدث باحترام ونبرة وقورة: "أهلاً وسهلاً يا أفندم، نورت الفرح وأسعدتنا بتشريف جنابك." نظر له مأمور القسم التابع للمركز باستحسان معجباً بلباقته وفطنته في الحديث وتحدث مبتسماً: "الشرف ليا أنا إني أحضر وأتأنس بوجودي مع الحاج عتمان النعماني وعيلته العريقة." ابتسم له قاسم وتحدث منسحباً:

"بعد إذن معاليك يا باشا ومرة تانية شرفتنا سعادتك." وانسحب متجهاً لجلسة الشباب، قابله عدنان الذي وقف أمامه يسأله باهتمام: "مالك يا قاسم، شكلك متضايق كده ليه؟ أجابه بنبرة حادة محاولاً السيطرة بكل قوته على ملامح وجهه كي لا يلاحظ أحد من الحضور: "الفضل يرجع للهانم أختك وغيرتها العامية اللي هتفضحنا يا عدنان." وأكمل بنبرة أمره: "اتصل بيها وعقلها يا عدنان وإلا قسماً بربي هيبقى ليا معاها تصرف مش هيعجبها ولا هيرضيها."

شعر عدنان بريبة من حدة وغضب قاسم وتحدث سريعاً كي يهدئه: "طب ممكن تهدي ومتوترش نفسك عشان محدش ياخد باله، وبالنسبة لموضوع إيناس ده سيبه عليا، أنا هتصل بيها حالاً وأحاول أفهمها خطورة الموقف، وكمان هتصل بماما وأخليها تتكلم معاها وتحاول تهديها." ثم استرسل حديثه بتفسير في محاولة منه لتهدئته من ناحية شقيقته: "بس أنا عاوزك تعذرها بردوا يا قاسم وتحط في اعتبارك إنها بتعمل كده من باب حبها ليك وغيرتها عليك." أجابه بعيون

متسعة ونبرة معترضة غاضبة: "وأهو بسبب غيرة سعادتها ابن عمي سمع كلامي معاها ووقف يتأمر ويتشرط عليا." وأكمل أمراً بنبرة حادة: "كلمها وعقلها يا عدنان، أنا مش ناقص جنان كفاية عليا اللي أنا فيه." داخل منزل زيدان

كانت الفتيات مازلن يتراقصن ويتهادين بأجسادهن متماشين مع نغمات الموسيقى ومندمجان لأبعد الحدود حتى استمعن لصوت الجدة الهادر وهي تصدح بالمكان وتُشير بيدها إلى الفتاة التي تُشرف على جهاز الـ D.G. الخاص بتشغيل الأغاني لتحثها على التوقف. وتحدثت بوجه حاد ونبرة صارمة: "بكفياكم كده يا بنات ويلا كل واحدة تلبس خلجاتها وتستر حالها زين لجل ما تروحوا مع أمهاتكم وتسيبوا العروسة لجل ما ترتاح شوية." وأكملت وهي تنظر إلى صفا تحت

همهمات واعتراضات الفتيات: "الدكتورة قدامها يوم طويل بكرة ولازم ترتاح لجل ما تكون فايقة ليلتها." تحدثت ملك ابنة صباح متوسلة لجدتها: "خلينا شوية كمان يا جدة بالله عليكي، الليلة حلوة وإحنا ما بنلموش كل يوم." تحدثت رسمية بوجه صارم: "اسمعي الحديث يا بت صباح وجولي حاضر." دبت الفتاة بأرجلها الأرض في حركة اعتراضية وبدأن الفتيات يرددن ردائهن الأسود لتستر به ثيابهن المتحررة وتحركن للخارج تحت اعتراضهن. وتحدثت ورد إلى رسمية:

"هحضر السفرة حالاً يا مرت عمي لجل ما ناكل لقمة سوا كلياتنا." أومأت لها رسمية وتحركت ورد للداخل تحت اشتعال قلب فايقة وهي ترى تقرب ورد من رسمية والأغرب استجابة رسمية لحديثها ووجهها اللين وهي تحدثها. شعرت بالخطر يحوم حولها. أمسكت صباح ابنتها الصغرى التي لم تكمل عامها العاشر وأوشت لها بأذنها أن تذهب إلى قاسم وتستدعيه كي يأتي إلى هنا لغرض ما في نفسها. وبالفعل خرجت الفتاة تبحث عنه، وجدته يجلس بجانب أصدقائه فهمست

إليه بجانب أذنه قائلة: "أستاذ قاسم، أمي بتقول لك إنها عاوزاك في بيت خالي زيدان لجل ما تسلم عليك وتبارك لك هي وخالتي علية."

أومأ لها بطاعة وتحرك بجانبها. دلف للداخل بجانب صباح التي كانت تنتظره في فراندة المنزل كي لا يستأذن وترتدي صفا شيئاً لتستر به جسدها، فهي أرادت أن يراها بكل تلك الأنوثة والجمال بعد علمها من والدتها أنه كان ينوي فض الخطبة، ليرى بعينيه كم هو مخطئ وأيضاً لتحرق روح فايقة التي ترى الغيرة والحقد بعينها كلما نظرت لجمال وجسد صفا وكأنها ضرتها وليست زوجة نجلها البكر.

يجلسن جميع نساء وفتيات العائلة حول المنضدة الكبيرة التي احتوت الجميع وتحدثت ورد وهي تتفحص الجميع بعينيها: "عمتي صباح وينها؟ تحدثت صباح الواقفة بمقدمة الباب بنبرة مبتسمة حماسية: "أني جيت أهو يا أم صفا، بس وياي ضيف جاي يسلم على عماته ويشوف عروسته." وما أن انتهت من جملتها حتى ارتبكت صفا بجلستها وانتفض جسدها وبات يرتعش خجلاً ورعباً. في حين تحدثت صباح إلى مريم أمراً: "استري شعرك يا مريم لجل قاسم ما يدخلك."

وقت مريم واتجهت سريعاً إلى الداخل في حين وقفت تلك الخجلة لتلحق بها ولكن يد صباح كانت أسرع منها حين تحركت وأجبرتها على الجلوس من جديد فوق مقعدها. وتحدثت بنبرة دعابة تحت استشاطة فايقة وغليان قلبها: "رايحة فين يا دكتورة، ناسيه إنه خلاص بقى جوزك إياك." تحدثت بصوت عالٍ حماسي: "ادخل يا عريس." حمْحَمَ ليعلن عن دخوله وتحدث بنبرة واثقة عالية: "السلام عليكم." ونظر إلى جدته وتحدث بنبرة لينة محبة: "كيفك يا جدة." ومرر بصره على

الجميع وتحدث لزوجة عمه: "كيفك يا مر... وبلحظة توقف عن الحديث وأبت باقي كلماته أن تخرج امتثالاً لتلك اللحظة وهولها. ابتلع لعابه الذي سال عندما وقعت عيناه على تلك الجالسة تنظر بصحنها وتكاد تموت خجلاً من هول الموقف.

نظر إلى ملامحها وجمالها الأخاذ، شفتاها الكنزة المهلكة والتي اكتست بلون الطلاء النبيتي الذي جعل منها شهية بشكل مثير لمن ينظر إليها، يحثه داخله ويحرضه على الهرولة والإسراع إليها وجذبها والتهامها بدون سابق إنذار ليتذوق عسلها السائل الشهي. نزل ببصره إلى فتحة ثوبها المستديرة والتي تظهر وتكشف عن بداية نهديها البيض بمظهره الذي يدعوه للجنون.

رعشة سرت بجميع أجزاء جسده ورغبة ملحة تطالبه بالاقتراب وضمها بشدة إلى صدره. فاق من حالته على صوت صباح الساخر وهي تحدثه بسعادة لرؤيتها تشتت وذهاب عقل ابن شقيقها الواضح كوضوح الشمس: "مالك اتسمرت بوقفتك كده ليه يا قاسم، ما تجرب تسلم على عروستك وتبارك لها." أومأ أما تلك التي تكاد تزْهَق روحها من شدة خجلها فتحدثت هامسة إلى عمتها بنبرة معاتبة: "ميصحش كده يا عمه، أبويا لو عرف هيخرب الدنيا." ضحكت صباح وتحدثت بوجه ساخر:

"تعالي يا قاسم اسمع مرتك بتقول إيه، جالت أبوها هيخرب الدنيا لو عرف إنك دخلت هنا وشفتها وهي كده." "مخلص عاد يا صباح، مكانش له لزوم التمثيلية اللي عملتيها على قاسم دي، كل ده لجل ما توري له قد إيه بت أخوكي زينة في الزواج؟ كانت تلك جملة ساخرة يملؤها الحقد والكراهية نطقت بها فايقة بملامح وجه غاضب. أجابتها ورد بقوة اعتراضاً على حديثها المهين لجمال ابنتها:

"بتي جمر في ليلة تمامه من غير زواج ولا غيرة يا أم قاسم، وعمتي صباح ممحتاچاش تعمل تمثيليات لجل ما... ولم تكمل جملتها لمقاطعة رسمية للجميع بصوت هادر: "خلاص يا حرمة منك ليها، بكفياكم حديث ملوش لازمة لحد كده." ثم نظرت إلى ذاك المسحور وتحدثت بنبرة حادة كي يستفيق من تلك الحالة التي لا تليق بحفيدها الأكبر: "مش هتجرب تسلم عليا ولا إيه يا قاسم؟ وأخيراً وعى على حاله وتحرك إليها وهو يحمحم كي ينظف حنجرته مما أصاله وتحدث وهو

يقبل مقدمة رأسها بإجلال: "لا إزاي، كيفك يا جدة وكيف صحتك؟ أجابته: "بخير طول ما أنتَ واخواتك و ولاد أعمامك بخير يا سبع." ثم نظر لتلك التي تنكمش على حالها ويرتعب جسدها وتحدث وهو يبتلع لعابه: "مبروك يا صفا." أجابته بصوت ضعيف ومازالت عيناها تستقر داخل صحنها: "الله يبارك فيك."

وقف يتطلع إليها والحرج سيد موقفه. لا يريد أن يتحرك للخارج ويتركها، يريد البقاء أطول مدة كي يشبع ناظريه من رؤياها التي تسره وتدخله في شعور لذيذ أحبه ويريد الاستمتاع به قدر المستطاع. ولكن كيف له فعل ذلك؟ تحدثت نجاة كي تخرجه من موقفه ذاك: "ما تقعد تاكل ويانا يا قاسم." وكأنه بحديثها قد وجد قارب نجاته فتحدث إليها مبتسماً: "أني فعلاً جعان يا مرت عمي ومأكلتش حاجة من الصبح." تحدثت ورد بترحاب وعزم: "طب اقعد يا ولدي."

قاطعتها فايقة بنبرة حادة كي تمنع ولدها من الجلوس مع هؤلاء العقارب التي تبغض وجوههن جميعاً بشدة، ورد التي تغار منها وتتمنى زوالها من الحياة بأكملها كي تشفي غليلها، صباح وعلية لشدة حبهما وتعلقهما بزيدان وورد والود الدائم بينهما، حتى نجاة تكرهها للعلاقة الودودة بينها وبين ورد. تحدثت بحدة وهي تنظر إلى نجاة بجمود: "ويقعد ياكل ويانا ليه يا نجاة، ده جده الله أكبر عامل وكل يكفي محافظة سوهاج بحالها." ثم نظرت إلى

ولدها وتحدثت بنبرة صارمة: "اطلع خلي فارس يخلي الطباخين يجهزوا لك سفرة زينة وكل لحد ما تشبع يا ولدي." أجابها وهو يسحب مقعداً بجانب رسمية وأردف قائلاً بنبرة تأكيدية ضارباً بحديثها عرض الحائط: "بس أنا ما عايزتش آكل غير مع جدتي وعماتي يا أمي." ابتسمت صباح وتحدثت بنبرة كيدية وهي تنظر إلى فايقة لتحرق روحها وتشعل داخلها: "تسلم يا واد أخوي ويخليك لعماتك يا جلب عماتك."

ثم نظرت إلى صفا وتحدثت إليها لتكمل على ما تبقى من صبر ذاك القاسم وتجعله يخر ساجداً تحت أقدام ابنة شقيقها الغالي: "قومي يا صفا هاتي لي قزازة حاجة ساقعة من المطبخ أبلع بيها الوكل." تحدثت ورد الجالسة بجانبها وهي تهم بالوقوف: "هقوم أنا أجيب لك يا عمه، أصل البنات اللي جايبهم زيدان بياكلوا جوة وحرام أجومهم من على الوكل." جذبتها صباح من ذراعها وأجلستها من جديد وتحدثت إلى صفا بإصرار:

"بس أنا عايزة صفا هي اللي تجيبها لي يا ورد." ابتلعت صفا لعابها بعدما فهمت مغزى حديث عمتها ولكن لم تستطع معارضتها لاحترامها الزائد لها فتحدثت بهدوء: "حاضر يا عمتي." وقفت تحت أعين ذاك المراقب لها وما أن تحركت وبان قوامها الممشوق وكشفت عن ساقيها المتناسقة شديدة البياض حتى بدأ صدرها يعلو ويهبط من شدة الاشتياق الذي اجتاحه بلحظة.

نظرت فايقة إلى حالة صغيرها واستشاط داخلها واشتعل من تلك الصفا التي يبدو وكأنها ستسيطر على قلب ولدها وتجعله منه زيداناً آخر بعائلة النعماني. ولكنها سرعان ما ابتسمت بتشفي حين تذكرت عشقه الهائل لتلك القاهرية التي ستقهر قلب صفا وبالتالي سينفطر قلبي زيدان وورد على صغيرتهما وتُشفي صدرها من النار الشاعلة به منذ سنوات عدة ولم تنطفئ أبداً. وما كان تفكير ليلي ببعيد عن والدتها فتحدثت إلى عمتها بنبرة ساخرة ذات معنى:

"منورة يا عمه." أجابتها صباح بعدم قبول لتلك الدائمة التعالي عليها: "بوجودك يا بت أخوي." أسرعت هي لتختفي من أمام عينيه، وبرغم عدم رؤيته لها إلا أنها شعرت بها وهي تتأكل كل إنش بجسده. التفت إلى المطبخ بأنفاس متقطعة. وجدت مريم تجلس فوق مقعد جانبي رغم ارتدائها لردائها الأسود الذي ستر جسدها وشعرها بالكامل، فتحدثت إليها باستغراب: "جالسة هنا لوحدك ليه يا مريم؟ تحدثت إليها مريم بهدوء: "بريح راسي شوية من صوت المزيكا والناس."

هزت لها رأسها بهدوء ثم تحركت إلى المبرد وفتحتها وأخرجت منه بعض عبوات المياه الغازية وتحدثت إليها باستعطاف وهي تبسط لها ذراعيها: "ممكن يا مريم بعد إذنك تطلعي الحاجة الساقعة دي لعمتك." وأكملت وهي تنظر أرضاً ويبدو على وجهها الحزن: "أني كمان تعبت ومحتاجة أريح راسي شوية." أجابتها مريم بابتسامة ترحاب وهي تمد يدها وتتلقى منها تلك العبوات: "حاضر يا صفا." ثم تمعنت النظر بوجهها وتساءلت باستفسار:

"مالك يا صفا، هو أنا ليه ملاحظة إن فرحتك غايبة؟ ابتسمت بجانب فمها ساخرة وأجابتها بنبرة صوت تظهر كم هي متألمة، محبطة: "ومين فينا فرحته كانت كملت يا مريم لجل فرحتي ما تكمل، كلياتنا ماشيين في طريق عكس إرادتنا ومجبرين نكملوا فيه غصب عنينا لجل ما نطيع أوامر جدي اللي هي في مصلحة مين؟ وأكملت وهي ترفع كتفيها باستسلام: "مخبرش." اقتربت منها مريم وأردفت قائلة باستغراب:

"بس إنتِ عاشقة قاسم وريداه يا صفا، يبقى فين الغصبانية في الموضوع؟ "ملعون أبو العشق اللي يمحو معاه الكرامة." جملة تفوهت بها صفا بنبرة حادة وعيون غاضبة. وأكملت بنبرة حادة بائسة: "ما عايزاهوش أنا العشق ده اللي يعزل الواحدة منا ويخليها تحس إنها رخيصة ومفروضة على اللي قدامها." كانت تستمع إليها بعقل مشتت وتحدث حالها وتلومها: يا الله منكِ يا مريم، أتلك هي من كنتِ دائمة الحقد عليها؟

انظري بعينيكِ وتمعني في حال تلك المسكينة التي تدعو للتعاطف والشفقة؟ ألهذه الدرجة خدعكِ غرامك الموهوم لذاك القاسم فا ابتعدتي عن مبادئك وخدعكِ حدسكِ وبتِ تحقدين على تلك المتألمة التي لطالما عاشت وحيدة بدون أشقاء، ولطالما حاولت الاقتراب منكِ وليلي ولكن حقدكما عليها كان يجبركما على النفور وإبعادها بشتى الطرق. مدت يدها وتحدثت بنبرة مرتجفة من أثر تأنيبها لحالها:

"ممكن يا صفا تجبلي نبقى أصحاب وإخوات وتشاركيني همك وحزنك، وأي حاجة مزعلاكي أنا موجودة لجل ما أسمعك وأشاركك في الحل." نظرت إليها باستغراب للتغيير المفاجئ ثم ابتسمت بوهن وأجابتها: "أنا طول عمري وأني بعتبرك أختي رغم محاولاتك لصدّي في القرب منيكي يا مريم." أجابتها مريم باستياء من حالها: "عندك حق يا صفا." وأكملت بنبرة خجلة: "أنا آسفة." تحدثت صفا بدعابة كي تخرجا كلتاهما من تلك الحالة:

"مفيش أسف بين الإخوات يا مريم، بس لازم تعرفي إنك بإكده فتحتي على نفسك باب مهيتقفلش أبداً لأني هغرقك في مشاكلي النفسية التي لا تُعد ولا تُحصى." ابتسمت لها مريم بإخوة وأجابتها: "وأنا تحت أمرك يا صفا." ثم تحدثت بدعابة: "هروح أخرج الحاجة الساقعة لعمتك صباح بدل ما تاجي تشرب من دمنا أنا وإنتِ بدل الكولا دي." ابتسمتا الفتاتان وبالفعل تحركت إلى الخارج وظلت صفا بصحبة حزنها.

_خرجت مريم وأعطت لعمتها طلبها تحت استغراب الجميع لعدم حضور صفا واستشاطة قاسم من تصرفات تلك العنيدة التي تصر على حرمانه من لذة النظر إليها بحالتها المهلكة تلك. دلف زيدان بعد الاستئذان من الجميع وتحدث إلى قاسم بابتسامة: "الفرح كله مجلوب عليك برة وأتاريك قاعد هنا وسط الحبايب يا سي قاسم." وقفت صباح وتحركت لتقف بجانب شقيقها القريب من قلبها وأردفت قائلة بابتسامة بشوش:

"أني اللي شيعت له لجل ما ييجي يقعد ويانا شوية ونتونس بيه يا أخويا." لف ذراعه حول كتفي شقيقته باحتواء وقبل مقدمة رأسها قائلاً بنبرة حنون: "ربنا يديم جمعتنا ويبارك فيها وفيكم يا أم محمد." ثم نظر إلى ورد بعيون عاشقة وكأنه برؤيتها قد وجد ضالته. ابتسمت له خجلاً فتحدث هو مداعباً إياها تحت أنظار الجميع: "جرى إيه عاد يا أم العروسة، ما تكبريش واصل إنتَ ولا إيه، اللي يشوفك يجول عليكي أخت صفا الصغيرة." ضحكت له وتحدثت بدعابة:

"لما تبطل إنتَ بكش أبقى أنا أكبر يا زيدان يا نعماني." يغمز لها بعينيه وتحدث قائلاً بدلال: "تعرفي عني كده بردوا يا زينة الصبايا، ومن ميتا كان العاشق بكاش." تحدث قاسم مداعباً كلاهما تحت نظرات فايقة الحارقة التي لو خرجت نارها لأشعلت نجع النعمانية بأكمله: "أنا بقول نجوم إحنا نروحوا على السرايا ونطلب اتنين ليمون لعمي ومرته قبل ما نمشوا ونسبوهم لحالهم."

قهقه الجميع وتحدث زيدان وهو يتلفت باحثاً بعينيه عن قرة عينه غاليته الصغيرة، نسخة أمها الحبيبة: "صفا وينها؟ تحدثت ورد وهي تشير إلى المطبخ: "جوه في المطبخ، ادخل لها." وما أن نطقت حتى وقف ذاك القاسم منتفضاً من مقعده وبسرعة البرق كان يختطف وشاحاً موضوع فوق مقعد جانبي وتحدث وهو يسبق خطوات عمه مهرولاً: "لحظة يا عمي من فضلك."

ودلف سريعاً إلى المطبخ وجدها تجلس واضعة رأسها بإهمال للخلف تستند على ظهر المقعد وما أن استمعت إلى خطواته حتى انتفضت من جلستها وأردفت بتساؤل مرعب من هيئته وحركته المسرعة: "فيه إيه؟ أجابها وهو يقترب عليها فارداً الوشاح ولفه على ذراعيها وصدرها مخبئاً إياهما بعيداً عن نظر زيدان: "أبوكي جاي." نظرت له باستنكار من فعله وتحدثت بنبرة اعتراضية يشوبها الغضب متناسية أمر ثيابها الكاشفة: "نعم، وإنتَ جاي تداريني من أبويا إياك؟

رمقه بنظرة غاضبة وكاد أن يتحدث لولا دخول زيدان الغاضب الذي تساءل بنبرة ساخرة: "إنتَ اتجننت إياك يا قاسم، بتداري بتي مني؟ أجابه بوجه صارم ونبرة جادة لا تقبل المزاح: "معلش يا عمي، بس ماينفعش تشوفها كده." وأكمل بحديث أقنع زيدان وتلك الغاضبة: "لا الدين ولا العرف ولا حتى الأصول تجول إنها تنكشف عليك بملابسها دي." نزلت كلماته المحقة عليها جعلتها تخجل من حالها. حين هز زيدان رأسه بموافقة وتحدث إليه بتفاخر:

"عجبتني يا واد النعماني، دكر بصحيح يا قاسم، طالع لجدك." ابتلعت هي لعابه وتحرك زيدان إلى أميرته وحاوط وجهها الرقيق بكفي يديه ناظراً داخل عينيها الفيروزية وتحدث بنبرة مرتجفة حزينة: "خلاص نويتي الرحيل وهتسيبي زيدان لحاله يا جلب زيدان؟ تنهدت بهدوء وأجابته بعيون تتلألأ بها حبات اللؤلؤ المسماة بدموعها: "أسيبك وأروح فين بس يا حبيبي، ده أنتَ جلب صفا من جوه اللي لو فارقته روحي من بعده تفارقني." أجابها ومازال ناظراً بعينيها:

"بعد الشر عن روحك يا جلب أبوكي." ثم أدخلها في أحضانه وبات يربت فوق ظهرها بحنان تحت استغراب قاسم الذي ينظر لهما بذهول حتى أن دموعه كادت أن تفرط منه من شدة جمال علاقتهما الرحيمة المترابطة. وبالوقت ذاته شعر بشعور غريب عليه ولاول مرة يزوره، شعور بالغيرة القاتلة الذي تخلل إليه تحت استغرابه هو شخصياً، لكنه فسره أنها غيرة مشروعة وطبيعية كونها أصبحت زوجته.

شعر بأنه يقف كالعازول بين الأب وقرة عينه، فقرر الانسحاب حتى يفسح لهما المجال ويعطيهما بعض الحرية كي يعبر كلاهما للآخر عن ما بداخله. خرج وتحدث إلى الجدة باحترام: "أني خارج لجل ما أرحب بالضيوف يا جدة، تؤمري بحاجة؟ ردت عليه بنبرة حنون: "ما يأمرش عليك ظالم يا ولدي."

خرج وتلاه زيدان بعد قليل إلى الخارج وانضموا لاحتفالات الرجال التي مازالت قائمة. وخرجت صفا وتحركت للأعلى، خلعت عنها ثوبها ثم توجهت للمرحاض وأخذت حماماً دافئاً كي يزيل عناء يومها وارتدت منامة بيتية مريحة وتحركت للأسفل كي تنضم إلى مجلس نساء العائلة من جديد وجلسن يتسامرن. كانت تقبع فوق تختها متقوقعة على حالها، تبكي بحرقة على رجلها التي اختارته بنفسها.

فتحت كوثر الباب بحدة دون استئذان ونظرت لتلك القابعة بعيون تطلق شزراً وكادت أن تلقي بكلماتها الحادة الملامة التي كانت تنويها بعدما هاتفها عدنان وأبلغها ما حدث منها واستماع ابن عم قاسم لحديثه معه. تنفست بصوت مسموع ثم زفرت بضيق وتوجهت إلى التخت وجاورت ابنتها الجلوس وتحدثت بنبرة خالية من مشاعر الأم التي تشعر بصغيرتها، ولكن ها هي كوثر بتجبرها وجمود مشاعرها: "إنتِ عاملة في نفسك كده ليه يا بنتي؟

نظرت لها إيناس بضعف ودموع منسابة، فأكملت كوثر متلاشية دموعها وتحدثت لائمة بحدة: "بتعيطي على إيه، أومال لو ما كنتيش عارفة إنها جوازة مصلحة وهو مجبور عليها، وإن دي هتكون مغارة على بابا اللي قاسم هيكبش منها ويحط في حجرك إنتِ وأولادك كنتي عملتي إيه؟ اعتدلت بجلستها وتحدثت وهي تجفف دموعها والغيرة تنهش صدرها: "مش قادرة أتحمل يا ماما، قلبي واجعني أوي، كل ما أتخيل إن قاسم هياخد واحدة غيري في حضنه النار بتقيد في جسمي كله."

وأكملت بصياح: "غصب عني يا ناس أنا بردوا بشر وبحس وأغير." رمقتها كوثر بنظرة معاتبة وتحدثت بحدة: "وغيرتك دي هي بردوا اللي خلتك تنسي اتفاقه معاكي وتتصلي بيه في وسط الفرح وهو محذرك ومحرج عليكي إنك متتصليش بيه." قطبت جبينها وتساءلت باستغراب: "وإنتِ عرفتي منين إني اتصلت عليه؟ أجابتها كوثر بنبرة غاضبة: "هو ده كل اللي همك عرفت منين، عرفت من عدنان، قاسم قال له يكلمني ويخليني أعقلك."

انتفضت من جلستها واقفة بحدة ودارت حول حالها بالغرفة بغضب وتحدثت إليها بنبرة ساخطة: "والله عال، هو البيه هيبدأ يشتكيني ليكم من الوقت." ردت عليها مفسرة بنبرة غاضبة: "قاسم مكنش بيشتكي، ده ابن عمه سمعه وهو بيتكلم معاكي وشكلهم كده شدوا مع بعض في الكلام لأن عدنان بيقول لي إن قاسم كان شايط ومولع وهو بيكلمه." ثم تحدثت بحدة ناهراً إياها بعتاب:

"كان عقلك فين يا إيناس وإنتِ بتعملي كده، مفكرتيش إن ممكن الموضوع يتعرف وجده يحكم عليه ما يتجوزكيش وتطلعي من المولد بلا حمص؟ "تقدري تقولي لي لو ده حصل، ساعتها هتعملي إيه في عمرك اللي اتسرق منك وإنتِ قاعدة مستنية البيه." وأكملت بجشع: "ولا الفلوس والعز اللي هنغرق فيه من الجوازة دي وحياتنا اللي هتختلف 180 درجة، مين اللي هيعوضك عن كل ده يا مجنونة؟ رفعت قامتها لأعلى وتحدثت بغرور:

"من الناحية دي ما تقلقيش يا ماما، قاسم بيحبني ومتعلق بيا ولا يمكن يسيبني تحت أي ظروف." ردت عليها كوثر بنبرة ساخرة: "وهنعمل إيه بحبه ده يا حبيبتي ولا بقاسم نفسه من غير فلوس جده." وأكملت بتهكم: "هو إنتِ فاكرة إن قاسم بتاعك ده يسوى حاجة من غير فلوس عيلته؟ أجابتها إيناس: "متنكريش إن قاسم حد شاطر جداً في مجاله والدليل على كده إنه قدر يثبت نفسه في السوق في سنين قليلة." أردفت بتهكم قائلة بتقليل من شأنه:

"قاسم بتاعك ده مجرد محامي مغرور ولولا مكتبه الشيك اللي في أرقى مناطق البلد ولا كان حد سمع عنه ولا حتى لمح طيفه." وأكملت بتفسير: "الناس في بلدنا يا بنتي أهم حاجة عندهم المظاهر، وقبل ما يسألوا عن شطارة المحامي أو الدكتور أو غيره، بيسألوا الأول عن أتعابهم كام ومكاتبهم فين عشان يتفشخروا قدام الناس ويتباهوا إنهم راحوا للمكان وللاسم الفلاني." أطلقت تنهيدة طويلة ثم أكملت مهددة إياها بإشارة من سبابتها:

"لآخر مرة هنبهك وهقول لك حطي عقلك في راسك واعقلي يا إيناس." وأكملت بنبرة هادئة كي تهدئ من غضبها: "اهدي خالص وحاولي تكتمي غيظك وغضبك جواكي عشان ما تخسريش كل حاجة في لحظة غباء منك." زفرت إيناس بضيق وتحدثت: "خلاص يا ماما فهمت، اتفضلي بقى اطلعي بره، عايزة أقعد لوحدي." أومأت لها بتفهم وبالفعل خرجت لتجلس بصحبة زوجها ضعيف الشخصية، وجلست إيناس تعيد حساباتها من جديد لتتماشى مع الوضع الحالي. داخل منزل زيدان

مازالت جميع نساء العائلة مجتمعات منتظرات انتهاء احتفال الرجال بالخارج. وبدون مقدمات شعرت بألم حاد يهاجم جانبها الأيسر بشراسة فتأوهت بخفة وهي تمسك جانبها بيدها. لاحظت ورد تغير ملامح وجه صغيرتها فسألتها متلهفة: "مالك يا بتي؟ أجابتها صفا بملامح وجه منقبضة متألمة: "معرفش يا أمي، لقيت جنبي وجعني مرة واحدة كده." تحدثت نجاة بنبرة صادقة: "الله أكبر، محسودة يا نظري، دي عين الحريم اللي تندب فيها رصاصة يا دكتورة." لوت فايقة

فمها وتحدثت بنبرة تهكمية: "والحريم هيحسدوها على إيه إن شاء الله؟ محدش حلو غيرها إياك." وأكملت بتفاخر وكبرياء وهي تنظر إلى ابنتها المجاورة لها: "هتيجي إيه هي في ليلي بتي ليلة حنتها ولا ليلة دخلتها." أطلقت صباح ضحكة تهكمية وأردفت قائلة بنبرة ساخرة: "جال على رأي المثل، خنفسة شافت ولادها على الحيط جالت ده لولي ملضوم في خيط." أطلقت علية وصباح ضحكاتهما الساخرة واستشاط كل من فايقة وليلي التي تحدثت بنبرة حادة غاضبة:

"تقصدي إيه بحديثك ده يا عمه؟ ردت عليها فايقة بنبرة تهكمية وهي تتبادل النظر بين صباح وعلية بحقد: "عمتك تقصد إن أنا الخنفسة وإنتي بتها يا عين أمك." نظرت لها متسائلة بنبرة غاضبة: "مش كده بردك ولا أنا غلطانة يا عمه صباح؟ كادت صباح ترد لولا استماعهم للتي أطلقت صرخاتها بتألم قائلة: "آاااااااه، جنبي هيموتني يا أمي."

وقفن الجميع وبتن يتحركن بهرج ومرج باتجاه تلك المتألمة عدا فايقة وليلي التي وقفتا تتابعان الوضع من بعيد دون أدنى اهتمام. وتحدثت الجدة بهلع: "مالك يا دكتورة؟ أجابتها بصراخ وهي تعتصر جانبها بكف يدها: "هموت يا جدة، نار جايدة في جنبي." تحدثت ورد وهي تلتقط هاتفها المحمول سريعاً وتضغط على زره: "أنا هكلم أبوكي لجل ما يشيع يجيب لك حكيم حالاً." قاطعتها صفا بإشارة من يدها وتحدثت بتوجه تحت غضب ليلي وغيرتها:

"كلمي يزن يا أمي، دكتور ياسر أكيد وياه بره." أومأت لها وبالفعل هاتفت يزن الذي أسرع إلى ياسر ودلف به للداخل سريعاً. لمحه قاسم الجالس بجانب عدنان واستشاط داخله حين ظن أن يزن دلف للداخل كي يهنئ صفا، ولكن ما شغل باله أكثر هو ذلك الشخص الغريب الذي لم يتعرف عليه لعدم لقائهما من ذي قبل.

داخل الغرفة المتواجدة بها صفا، كانت تجلس فوق التخت متألمة تجاورها الجلوس رسمية التي ارتسم الهلع فوق معالم وجهها رعباً على غاليتها وصغيرة ولدها، ويقف ياسر يتابع الكشف عليها باهتمام بعدما بدلت ثيابها بأخرى محتشمة تناسب الشرع والعرف. تساءلت الجدة باهتمام: "خير يا ولدي، صفا مالها؟ أجابها ياسر بملامح ثابتة مطمئناً إياها:

"اطمني يا أمي، دكتورة صفا بخير، هي بس يظهر إنها متوترة شوية وما ارتاحتش ولا نامت من الصبح، فالتوتر عمل لها تهيج شديد في القولون العصبي." ضيقت ورد عينيها وتساءلت مستفسرة بهلع: "قولون إيه يا دكتور اللي بتتكلم عنه، بتي بتشتكي من جنبي وأني خايفة لاقدر الله ليكونو المصران الأعور." أجابها بابتسامة هادئة: "متقلقيش حضرتك، الأعراض اللي عند الدكتورة صفا ملهاش علاقة نهائي بالتهاب الزايدة الدودية." وأكمل مفسراً:

"ولعلم حضرتك القولون لما بيلتهب بيأثر على الجنبين أول حاجة." تحدثت صفا متألمة: "أرجوك يا دكتور ياسر تديني أي حاجة بسرعة، مش قادرة أتحمل الألم." تحدث إليها وهو يخرج إبرة مسكنة من الحقيبة الخاصة بعمله كطبيب والتي كانت بالسيارة المصطفة خارج القصر وجلبها له يزن بطلب منه بعدما رأى حالة صفا: "حالاً هديكي إبرة عضل وهترتاحي بعدها على طول."

قاطعه اقتحام ذاك الثائر للغرفة والذي تحدث بنبرة ساخطة بعدما استمع لجملته الأخيرة قائلاً بلكنة قاهرية: "طب ينفع كده تغامر بإيدك وهي كل رأس مالك يا دكتور." حول بصره لذاك الغاضب وتساءل بعدم فهم: "حضرتك بتكلمني أنا؟ تحرك إليه وشد قامته واقفاً بشموخ كالجبل وتحدث بفحيح وهو يلتقط من بين يده تلك الإبرة قائلاً بعيون تطلق شزراً: "وهو فيه حد غيرك هنا بيتعدى حدوده وبيحط نفسه قدام القطر."

ثم نظر لتلك المرتعبة التي انكمشت على حالها من دخول ذاك المتهور وأردف قائلاً بغيظ من بين أسنانه بطريقة تهكمية وهو يشير لها بتلك الإبرة التي بيده: "هريحك أنا، متخافيش." قطب ياسر جبينه وتحدث باستغراب وهو ينظر للإبرة: "إيه اللي إنتَ عملته ده يا أستاذ." وأكمل وهو يبسط كف يده إليه بلهجة حادة: "اديني الحقنة من فضلك عشان أحقن بيها المريضة." اقترب منه أكثر وأصبح أمام وجهه مباشرة ينظر إليه بمعالم وجه منكمشة تنم

عن مدى غضبه وتفوه بتوعد: "إنتَ شكلك مصر على فقدانك لأهم طرف في جسمك برغم إني حذرتك وده مش عشانك." واسترسل نافياً يهز رأسه: "خالص، أنا كل اللي عامل حسابهم هما المرضى المساكين اللي محتاجين إيدك الحلوة دي عشان تكشف عليهم وتزيل عنهم الأوجاع." وأكمل بنظرة حارقة كادت أن تشعل ذاك الياسر من حدتها: "والوقت اطلع بره من غير مطرود وحالاً." تحدثت ورد باعتراض: "والحقنة يا قاسم؟

وبسرعة البرق حول بصره لزوجة عمه ورمقها بنظرة مشتعلة وتحدث ناهراً إياها: "مرات عمي." انكمشت ورد على حالها ونظرت رسمية إلى قاسم بشموخ وكبرياء وسعادة. ثم أعاد النظر لذاك الواقف الذي ارتاعب من نظرته وبسرعة البرق كان يلملم أشياءه داخل الحقيبة وتحدث إلى صفا متحمحماً بنبرة خجلة: "أنا هكتب لك على نوع برشام هتاخدي منه حبتين مع الحقنة وهتبقي كويسة." وأكمل وهو يحمل حقيبته ويتجه ناحية الباب:

"وأنا هبعت لك ممرضة من الصيدلية حالاً تديكي الحقنة." قاطعه قاسم بنبرة حادة: "متشغلش بالك إنتَ، أنا هديها لها." اعتصر ياسر قبضة يده حتى برزت عروقه غضباً وخرج صافقاً الباب خلفه. وأخيراً ظهر صوتها المعترض وهي تنظر له وتحدثت باعتراض: "تديهالي إنتَ كيف يعني؟ حول بصره إليها ورمقها بنظرة مشتعلة وتحدث بنبرة تهكمية بلكنته الصعيدية:

"ده الوقت بس طلع لك صوت وبتعترضي، كان فين لسانك ده من شوية وإنتِ سامعة البيه وشيفاه بيجهز الحقنة وعاوز يديهالك في... وصمت غاضباً واسترسل حديثه بنبرة تهديدية: "على العموم مش وقته، بعدين، الحساب يجمع يا دكتورة." وتحدث وهو يمسك الإبرة أمراً إياها: "اتعدلي يلا عشان اديكي الحقنة." تساءلت الجدة باستفهام: "هو إنتَ بتعرف تدي إبر يا قاسم؟ أجابها بهدوء:

"أيوة يا جدة، وأنا في الكلية أخدت دورة إسعافات أولية واتعلمت أدي إبر وأعمل تنفس صناعي." تحدثت صفا رافضة باعتراض وهي تصرخ متألمة: "طلعه بره يا أمي وانديه لي عفاف الممرضة تديني الحقنة بسرعة، هموت." أجابها وهو يجز على أسنانه: "عفاف عفاف. إنتِ الخسرانة."

رمقته بنظرة حارقة وخرجت ورد سريعاً كي تبعث لعفاف. قابله يزن الذي بالفعل قد أتى بها ودلفت للداخل وأعطتها الإبرة بعد إصرار صفا على خروج قاسم من الغرفة، وبعدها استكانت ملامحها وهدأت حين زال الألم وتلاشى. أما بخارج الغرفة، وقف قاسم ينظر بوجه يزن بمعالم وجه محتقنة بالغضب وتحدث بحدة: "إنتَ كيف تتجرأ وتجيب الدكتور وتدخله على مرتي من غير ما تديني خبر؟ أجابه بمجابهة: "كنت عاوزني أروح آخد إذنك إياك وأسيبها بتصرخ من الوجع."

انكمشت معالم وجهه بالغضب وهتف بحدة ووعد: "أنا جلت لك من إشوي، وبعيدها عليك تاني لجل العشرة والقرابة اللي بيناتنا، إبعد عن مرتي واتجي شري يا يزن، وإلا قسماً برب العزة ما هعمل حساب لأي حاجة بعد كده وهتشوف مني وش ما كنتش أحبك تشوفه واصل." تحركت إليهما ليلي وتوسطت وقفتهما وتساءلت وهي تنظر على حدة وجوههم: "فيه إيه يا قاسم، مالك إنتَ ويزن واقفين لبعض كيف الديوك كده؟ أجابها قاسم وهو ينظر داخل عيني يزن بحدة:

"مفيش حاجة يا ليلي، كنت بقول ليزن يخلي باله من نفسه أصله غالي عليا جوي وحياته تهمني." ورمقه بنظرة حارقة وتحرك باتجاه الباب ودقه بعدما خرجت الممرضة ودلف للداخل وأغلق الباب خلفه وتحدث بهدوء إلى جدته وورد وعماته وجميع الموجودات حول صفا: "بعد إذن الجميع، عاوز صفا في كلمتين على انفراد." ارتعبت أوصالها وانتفض جسدها رعباً من هيئته المستشاطة. وتحمحم الجميع وتحدثت الجدة بعدما اطمأنت على صفا:

"وماله يا ولدي، مرتك ومن حقك تجعد وياها لحالك وتطمن عليها." ثم وجهت حديثها للجميع بأمر وهي تتحرك من فوق التخت: "يلا بينا منك ليها." وبالفعل خرج الجميع وتحرك ذلك الغاضب إليها ومال بجسده مقترباً عليها وتحدث بحدة: "أول وآخر مرة أشوف المسخرة اللي حصلت النهاردة دي، وإلا متلوميش غير حالك من اللي هيجرى لك مني." وأكمل متهكماً: "يعني لولا دخلت بالصدفة الهانم كانت كشفت جسمها جدام راجل غريب عادي جداً وبدون أي خجل."

واسترسل حديثه ملقياً عليها التهم بعيون تطلق شزراً من شدة غيرته المجنونة: "للدرجة دي جسمك رخيص عليكِ ومعندكيش حياء واصل؟ اتسعت عيناها بذهول وملامح مصدومة أثر حديثه وبلحظة تحولت إلى نظرات عدائية، واشتعل داخلها غضباً من إلصاقه إياها للتهم وتحدثت بحدة بالغة: "على أي أساس بنيت حكمك إني كنت هسمح له يديني الحقنة؟ وأكملت مبررة:

"بغض النظر عن إنه وضع عادي وطبيعي لو كنت سمحت له يديني الحقنة بصفته دكتور وجاي يعالجني، خصوصاً في ظل حالتي وألمي المبرح اللي كنت حاسة بيه وجته." "بس برغم كده عمري ما كنت هسمح له تعرف ليه؟ نظر لها يترقب حديثها فهتفت هي بحدة: "لأن خجلي وحيائي اللي اتهمتني من شوية إنهم معدومين عندي هما اللي كانوا هيمنعوني." وبلحظة قطعت حديثها ودققت النظر بعينيها وكأنها تذكرت شيئاً كان غائباً عنها:

"ثم تعالي هنا يا أستاذ، إنتَ بأي صفة واقف تحاكمني وسامح لنفسك تكلمني بالشكل المهين دي؟ أجابها بنبرة جامدة متهكمة: "يمكن بصفتي جوز الهانم مثلاً! اشتعلت عيناها وتحدثت إليه بنبرة حادة مذكرة إياه باتفاقهما: "على الورق، جوزي على الورق يا متر متنساش، يعني مش من حقك تقف تتأمر وتحاسبني كده." وأزاحت عنه بصرها وتحدثت بأسلوب حاد:

"ودلوقتي يا ريت تطلع بره لأني تعبانة وآخدة حجنة مسكنة والمفروض إني أنام وأرتاح لجل ما تجيب مفعول زين." اشتعل داخله واقترب من وجهها وتحدث بفحيح بنبرة غاضبة وعيون مشتعلة: "جلت لك قبل سابج إن لسانك طويل وعايز قطعة،" وأكمل بوعيد: "بس ملحوقة يا بت زيدان." أجابته بنبرة حادة ورأس شامخ مرتفع: "وأنا جلت لك قبل سابج، لسه متخلقش اللي يهددني ويخوفني، ولسه متعرفش بت زيدان زين يا متر."

رمقها بنظرة حارقة وتحرك للخارج بقلب يغلي صافقاً الباب بشدة زلزلت جدران الغرفة بأكملها. نظرت على طيفه وبلحظة انهار جبل الجليد التي كانت تتحامي خلفه بجمود ورمت حالها على وسادتها وسمحت لدموعها الانسياب كي تريح صدرها الذي امتلأ بالهموم والوجع ولم يعد لديه التحمل بعد. يتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...