إهتز قاسم بوقفته وأرتجف كامل جسده عندما وجدها تقف أمامه بهيئتها الجنونية والغير مستوعبة لما يدور من حولها، تنظر إليه بمقلتيها المذهولتان والكثير من الأسئلة المؤلمة تراودها وتكاد تفتك برأسها. نظرت إليه وسيدان موقفها هما التشتت والذهول.
نظر قاسم إليها بذهول وبدأ صدره يعلو ويهبط من شدة رعبه، صدمة شلت حركته وربطت عقدة لسانه. بصعوبة حاول أن يتحرك ويسحبها بجواره إلى الخارج ويغلق ذلك الباب من خلفه ولا ينظر لما بداخله من حقيقة عارية. لم يرد لمعشوقته أن يصاب قلبها البريء بأذى الإطلاع على خباياه.
تسمرا كلاهما وحبست أنفاسهما حينما استمعا إلى صوت تلك إيناس الهادر من الداخل وهي تتحدث بنبرة يملؤها الدلال بأسلوب أنثوي قد اتبعته مؤخراً لتجبر قاسم على تعود أذنيه لاستماع تلك الكلمات حتى يصبح الأمر لديه عادي، وبعدها ستبدأ بجذبه إليها من جديد رويداً رويداً. هكذا أوهمت حالها أنها بهذه الطريقة ستحصل على استرجاع قاسم وتملك قلبه كقبل. إيناس بنبرة أنثوية رقيقة:
_لو اللي على الباب الدليفري الخاص بالسوبر ماركت، ياريت تحاسبه وتجيب لي الحاجة على المطبخ لأني محتاجة السكر للقهوة ضروري يا حبيبي. وهنا قد تأكدت تلك التي ذبحت على يد متيمها من حديث حارس البناية الذي حدثها به منذ قليل حين كانت تسأله عن إذا ما كان قاسم بالأعلى لتصعد لمقابلته.
شعرت بعالمها ينهار تحت قدميها، غصة مرة وقفت بحلقها وكأن القصبة الهوائية أُغلقت بفضلها واحتجز الهواء المفترض وصوله لرئتيها مما جعلها تشعر بالاختناق. شعر بطعنة قاتلة داخل صدره شطرته لنصفين حينما رأى صدمتها ومعاناة روحها وذهولها الذي أصابها وظهر بعينيه. بصعوبة بالغة أخرج صوته الواهن وأردف قائلاً بنبرة مهتزة متعجبة: _صفا! نظرت داخل مقلتيه بتمعن وتساءلت بنبرة مشتتة ونظرات تائهة غير مستوعبة ما يجري من حولها:
_ليه يا قاسم، عملت فيا ليه كده؟ جصرت وياك في إيه لجل ما تتجوز عليا وأني لساتني عروسة؟ شعر بأن ساقيه لم تعد تتحمل جسده وروحه المهترئة جراء الصدمة. وأردفت هي قائلة بقلب محترق: _لما سألت بواب العمارة إذا كنت موجود فوق لجل ما أطلع لك، رد وقال لي إن لساته واصل من نص ساعة هو ومرته. وأكملت وهي تهز رأسها برفض تام: _مصدقتش حالي وجلت أكيد الراجل ده مخبول ولا شارب حاجة توهت عقله. ورفعت بكفي يداها ولوحت بهما في الهواء بوهن وضعف:
_جلت لحالي أكيد يقصد حد تاني غير حبيبي. مالت برأسها لليمين قليلاً وأردفت بنبرة مهزوزة وعينان تكونت بداخلهما لمعة الدموع التي تريد من يفسح لها الطريق كي تعلن عن عصيانها: _مهو مش معقول حبيبي يدبحني بسكينة تلمة ويخوني وأنا مفاتش على جوازنا إلا يدوب شهرين. إبتسمت بجانب فمها بطريقة ساخرة وأردفت بتهكم على حالها:
_طول ما أنا طالعة لهنية وأنا بقول لحالي مستحيل الكلام الفارغ ده يكون حقيقته، قاسم ما يعملش فيكِ كده يا صفا، مستحيل. وبلحظة تحولت نبرتها الواهنة ونظرتها المنكسرة إلى نبرة غاضبة ونظرة حادة كالصقر وتحدثت: _بس فُجئت من وهمي وتغفيلي وجيت ما مرتَك الجديدة نادتك بحبيبي. أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه وتحدث بنبرة متألمة لأجلها: _الموضوع مش كيف ما وصل لك يا صفا، تعالي نروح لشقتي وأنا هناك هفهمك على كل حاجة. ضيقت عيناها
وتساءلت بنبرة ساخرة: _شقتي؟ أومال دي شقة مين، لتكون قاعد في شقة المدام وعلى حسابها يا ابن النعماني؟ تنهد بأسى لحالة الذهول والألم والحسرة التي انتابتها جراء ما اكتشفته وتحدث وهو يمسك كف يدها ليحثها على المغادرة بصحبته: _إهدي يا حبيبتي وأنا هفهمك على كل حاجة. نفضت يده سريعًا ونظرة اشمئزاز ملأت مقلتيها وهي ترمقه بها مما جعل الحسرة تملأ داخله وتألمت روحه لأجلهما.
خانتها دمعة ضعيفة فرت هاربة من عينيها مما أشعل روحه وكاد أن يصرخ من شدة تمزقه الذي أصاب قلبه جراء دمعتها الغالية التي نزلت بفضله. انوت الرحيل كي لا تضعف وتزرف الكثير من الدموع ويراها بضعفها المهين لكرامتها الشامخة. إستدارت وهرولت سريعًا إلى موضع المصعد استعدادًا للمغادرة. صاح باسمها عالياً مما جعل إيناس تخرج من المطبخ لترى مع من يهمس قاسم.
إتسعت عينا إيناس وهي ترى صفا أثناء وقوفها أمام باب المصعد وهي تواليها ظهرها وتضغط زر استدعائه تحت صياح قاسم الذي تحدث برجاء: _استنيني يا صفا، هجيب مفاتيح عربيتي وأجي لك حالاً. قال جملته على أمل أنها ستنتظره وتستمع بطاعة لحديث زوجها، كما عودته مدة الشهرين المنصرمين. يندلف سريعًا للداخل تحت سؤال إيناس التي استغلت الفرصة التي أتتها على طبق من ذهب دون السعي إليها: _فيه إيه يا حبيبي، مين دي؟
نزلت كلمات تلك اللعوب على قلبه المغدور شطرته ومزقته وهدمت ما تبقى من كبريائه وشموخه العالي. أغمضت عينيها بألم ونزلت دموعها عنوة عنها. لحسن حظها أتى المصعد في غضون ثواني وذلك لأنه كان يقف بالدور الأعلى لشقة قاسم مباشرة.
كانت إيناس تترقب التفاتتها إليها كي ترى وجه تلك القبيحة فاقدة الأنوثة مثلما أخبرها عدنان. تعجبت لإنوسة جسدها الخلفي. أما صفا التي أصرت على عدم استدارتها لعدم قدرتها على المواجهة مع تلك الشمطاء خاطفة زوجها الخائن. كم ودت أن تلتفت لترى تلك التي سحرت متيمها وجعلته يرمي بوعوده لها ولأبيها وجدها عرض الحائط. منعها اقترابها من حافة الانهيار التي لم ولن تسمح لأيًا كان بأن يراها على تلك الحالة المزري. في غضون ثواني كانت تدلف إلى المصعد وتضغط زر الإغلاق وهي تواليها ظهرها ويليه زر الهبوط دون الاستدارة مما أحبط إيناس التي كانت تتشوق لرؤيتها.
خرج سريعًا بعدما التقط مفاتيح سيارته وجاكيت حِلته الذي خلعه عنه أثناء حضوره ووضعه على مقعد المكتب بعناية خشية إفساد مظهره. شعر بإحباط عندما وجد المصعد يتحرك للأسفل. جن جنونه وهرول إلى الدرج يتدلاه سريعًا كالذي يسابق الريح تحت صياح إيناس وأسئلتها التي لم يعر حالة حتى عناء النظر إليها. مما استشاط داخل تلك التي شعرت بأمر غريب. هرولت سريعًا إلى الداخل واتجهت إلى الشرفة المطلة على مدخل البناية لترى منها كيف هي هيأة تلك صفا.
خرجت صفا من المصعد وهي تهرول إلى الخارج. ولحسن حظها وجدت سيارة تمر من أمامها فأشارت لها سريعًا وتوقفت. صعدت وتحدثت إلى السائق: _مدينة نصر لو سمحت. وجدت من يخرج من مدخل البناية ويشير إلى السائق ليتوقف. تحدثت سريعًا: _إتحرك بسرعة من فضلك. وتحرك تحت صياح قاسم الذي شعر بحزن تملك روحه. قبض على يده وشدد عليها حتى ابيضت يده وظهرت عروقها ثم.
نفضها في الهواء بحركة تدل كم الغضب والجنون اللذان انتاباه تحت نظرات إيناس التي تشتعل بالأعلى على اللهفة التي رأتها بداخل عين قاسم. دبت بأرجلها الأرض غضبًا لعدم استطاعتها رؤية تلك التي ارتدت نظارتها الشمسية ودلفت سريعًا داخل السيارة وهي تنظر بوجهها أسفل قدميها. ولكن ما لفت انتباهها هي أناقة تلك الصعيدية وتناسق ألوان ثيابها وخطواتها المتناسقة التي تدل على ثقة وثبات تلك صفا. وهذا ما تعارض كليًا مع وصف عدنان لها.
تحرك قاسم سريعًا لداخل الجراج الخاص بالبناية واستقل سيارته وتحرك باتجاه الطريق التي سلكتها صفا. بات يدور بعينيه باحثًا عن السيارة. دق بكف يده طارة القيادة بعنف حينما لم يجد للسيارة أية أثر. زفر بضيق، ثم أخرج هاتفه وضغط على رقمها ليهاتفها. أخرجت هاتفها وضغطت فوق رقم أمل التي عادت إلى داخل الفندق مجددًا استعدادًا لمغادرته بسيارة النقابة التي ستقلهم إلى محطة القطار المتجهة إلى مدينة سوهاج. تحدثت إلى أمل بصوت واهن ضعيف:
_إنتوا فين يا أمل؟ إستغربت أمل نبرتها وأجابتها بهدوء: _إحنا وصلنا الفندق وبنتجمع ومستنيين الميعاد اللي هنتحرك فيه لمحطة القطار. هتفت صفا برجاء: _متخليش السواق يتحرك بيكم للمحطة إلا لما أجي، أني في طريقي وإن شاء الله نص ساعة بالكثير وهكون عندك. سألتها أمل مستغربة: _إنتِ مش قولتي إنك رايحة لجوزك وعاملاها له مفاجأة وهتباتي معاه النهاردة؟ إيه اللي خلاكي تغيري رأيك بالسرعة دي يا بنتي؟ تنفست عاليًا وأجابتها بنبرة مختنقة:
_مجدرش أتكلم دلوقتي يا أمل. بالكاد أنهت مكالمتها، وما أن وضعت الهاتف بحقيبة يدها حتى استمعت إلى صدح صوته لتخرجه من جديد لترى بشاشة نقش اسم ذابح روحها الذي هاتفها أكثر من سبع مرات أثناء هذا الوقت الضئيل. ضغطت زر الرفض بنظرات حادة وقلب يغلي. صرخ ذلك الذي يستقل سيارته ويتحرك بها كالمجنون وهو يبحث بعينيه داخل الشوارع عن سيارة الأجرة التي استقلتها. ما عاد يعلم وجهته وإلى أين يذهب ليعثر على جوهرته. نظر أمامه وحدّث
حاله بألم: _إلى أين رحلتي وتركتي فؤادي يحترق حزنًا عليكِ غاليتي، ألم تشعري باحتراق روحي وقلبي الصارخ لأجلكِ، الرحمة أميرتي فقلبي لم يحتمل فكرة البُعاد. عودي لقلبي قبل أن يفقد دقاته رعبًا من فكرة رحيلك عنه. قلبي يا الله يشتعل نارًا، ساعدني ولا تتركني بتيهتي وغربتي وحيدًا. طرت بمخيلته فكرة توجهها إلى المطار، فهي بالتأكيد ستذهب إليه لتستقل الطائرة المغادرة إلى سوهاج. تنهد وعلى الفور عدل وجهته ليتجه إلى
المطار وحدث حاله بتفاؤل: _مليكة فؤادي وأسرت قلبي، أنا آتٍ إليكِ مولاتي وسأخر راكعًا تحت قدماكِ ولن أكِلُ عن طلب السماحِ حتى تحني عليّ وتوهبيني العفو والغفرانِ. وحينها قسماً برب السمواتِ لأشقن أضلوعي ولأدخلنك بأعماق صدري حتى أخفيكِ عن عيون الناسِ. من نافذة السيارة، استمعت لرنين هاتفها فنظرت إلى شاشته ووجدتها والدتها التي أرادت أن تطمئن عليها. وما أن ضغطت صفا زر الإجابة حتى هتفت ورد وتساءلت باهتمام ولهفة:
_طمنيني يا نور عيني، وصلتي عند قاسم؟ ما أن استمعت لصوت والدتها الحنون حتى شعرت بحاجتها الملحة للبكاء التي تحتجزه بكل ما لديها من قوة، لكنها تحاملت على حالها وتحدثت بنبرة ضعيفة لم تستطع إخراج غيرها: _وصلت يا أم صفا. سألتها ورد من جديد بنبرة حماسية: _جلتِ له يا صفا؟ إبتلعت غصة مرة داخل حلقها وشعرت بوجع شديد تملك بصدرها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بجمود: _مجلتش حاجة يا أمي. ردت ورد بنبرة لائمة:
_ليه يا بنتي مجولتيش له لحد دلوقتي؟ ثم فاقت من حالة الحماس وشعرت بصوت ابنتها، فمنذ أن نطقت بحروفها الأولى داخل المكالمة وهي تشعر بشيء غريب بابنتها لكنها فسّرته على أنه مجرد إرهاق سفر بفضل حالتها ليس إلا. سألتها بنبرة قلقة: _مالك يا بنتي، فيكِ إيه، ليكون قاسم زعل إنك سافرتي من غير علمه ونكد عليكِ؟ نطقت بضعف وصوت يريد أن يصرخ ويعلن عصيانه على الجميع:
_مجدرش أتكلم دلوقتي يا أمي، أني جاية في طريقي ولما أوصل هحكي لك على اللي حصل. أغلقت ورد الهاتف ثم وضعت كف يدها على صدرها وتحدثت بارتياب: _جيب العواقب سليمة يارب. وهنا خارت قوى صفا ولم تعد تستطع التحمل بعد. نزلت دموعها بغزارة وكأنها شلال كان محتجزًا وأُطلق له العنان. نظر لها سائق السيارة وتنهد بألم على حال تلك الحزينة لكنه فضل الصمت احترامًا لقدسية اللحظة.
ضلت تبكي وتبكي بمرارة وشهقت بألم حين تذكرت السبب الذي أتت من أجله. صباحًا. كانت تفتح باب شقتها لتستعد للمغادرة إلى المشفى لمتابعة عملها ككل يوم. وجدت مريم تنزل من الدرج الأعلى وهي تجاور فارس الذي يضم خصرها إليه ويهمس إليها بوجه هائم وعينان عاشقتان تلهمانها بنظراته التي تقابلها مريم بخجل ممزوج بالسعادة الهائلة.
إنفرج فم صفا وسعد داخلها بشدة حين رأت السعادة تهيم على هذا الثنائي التي تحمل لهما داخل قلبها البريء كل التقدير والمحبة والاحترام. وما زاد من فرحتها هو التغيير الشامل الذي أصاب فارس وحالة الاهتمام المفاجئ التي بات يغمر بها مريم ولاحظه الجميع حتى ليلي التي اشتعلت لهذا. خجل فارس وسريعًا قام بسحب ذراعه الذي يحيط به خصر مريم وتحدث متحمحمًا إلى التي وقفت تنتظر ذلك الثنائي باحترام: _صباح الخير يا مرت أخوي، كيفك؟
إبتسمت بسعادة لمناداته بزوجة أخي التي تعشقها لشعورها بتملك قاسم لها بتلك الكلمة وهذا الوصف. تحدثت إليه بابتسامة عريضة بينت صفي أسنانها من شدة سعادتها: _صباح النور يا فارس. وسألتهما باستغراب: _أومال جميلة فين؟ أجابتها مريم بهدوء: _جميلة بايته مع أمي. نظر فارس لكلتيهما وجد بعيونهما كلمات محتجزة تريد الخروج فأستأذن وتحدث إلى مريم بنبرة حنون تدل على مدى عشقه الذي تملك منه: _أنا هسبقك بس مهقولش من غيرك، متتأخريش عليا.
إبتسمت له بوجه بشوش وهزت رأسها بإيماءة خجلة أشعلت بها ناره الذي لم يعد لديه القدرة على السيطرة عليها كلما نظر لعيناها وكأنه يعوضها وحاله على ما فاتهما سابقًا. تحرك للأسفل تحت رعاية عيناي تلك العاشقة التي لم تحول بناظريها عنه حتى اختفى طيفه من أمام عينيها الهائمة. ونظرت من جديد إلى صفا وجدتها تبتسم بسعادة وهي تنظر لها بتتمعن. أمسكت كف يدها وتحدثت بنبرة بالغة السعادة:
_مبروك يا مريم، مبسوطة جوي من حالة الإنسجام اللي باينة عليكِ إنتِ وجوزك. وأكملت باستحسان: _فارس راجل صح ويستاهل جلبك اللي كيف الذهب. إبتسمت لها وتحدثت بخجل: _الحمد لله. وأكملت بحماس: _تعرفي يا صفا، حاسة حالي عايشة جوات حلم جميل جوي وخايفة أصحى منه. إبتسمت لها وطمأنتها ثم تساءلت بجدية: _صح هتسيبي شغلك ومهترجعيش المستشفى تاني يا مريم؟ أجابتها بنظرة رضا: _فارس عاوز كده، وحجة عليا إني أطيعه وما أزعلهوش مني.
أردفت بتساؤل حزين: _وإنتِ يا مريم، فين حقك، بسهولة كده تستغني عن حلمك لجل ما تريحي سي فارس؟ تنفست براحة وتحدثت بنبرة هادئة مستكينة: _فاكرة يا صفا لما عرضتي عليا إني أشتغل وياكِ في المستشفى، وجتها فرحتي ما كانتش سايعاني، حسيت إني أخيرًا هيُبجا لي عزو وجيمة بين الخلق وأحس بكياني. وأكملت بأسي ظهر بعينيها: _فارس ما كانش معتبرني موجودة في حياته يا صفا، وده خلاني أفقد الثقة في حالي وحسسني إني قليلة جوي بين الناس.
وبلحظة تحول الأسي إلى تفاؤل وهتفت بسعادة: _لكن دلوقتي فارس بقى بيهتم بيا واعترف لي إني حبيبته ومبقاش قادر يستغني عن جُربي واصل. وأكملت وهي تضحك بسعادة: _أنا وجميلة بقينا جوات حضن جوزي طول الوقت، هعوز إيه من الدنيا تاني يا صفا. كانت تستمع إليها بوجه مشرق سعيد لأجلها. وفجأة توقفت مريم عن الابتسام ونظرت إلى صفا بتردد وسألتها: _كيفه دكتور ياسر؟ أخرجت صفا تنهيدة حارة دلت على كم الوجع التي لمسته من
روح ذلك العاشق معدوم الحظ: _شاغل نفسه طول الوقت في الشغل، ربنا معاه. ثم تفوهت باستحياء: _مريم، هو إنتِ كنتِ عارفة إنه يكن لكِ مشاعر جواتة؟ تنهدت بأسي وتحدثت بنبرة حزينة: _كنت حاسة من نظراته. وأكملت بتبرير:
_بس والله يا صفا ما ليا ذنب في كل اللي حصل ده، أنا عمري ما عشمته بحاجة ولا شجعته بنظرة على إنه يتمادى في مشاعره ناحيتي، ولولا إني خجولة ومليش كلام مع الرجالة كنت جلت له لجل ما يفوق من غفلته اللي كان حابس حاله جواتها دي. بس لما لاقيتُه بيخلق الفرص لجل ما يتجرب مني ويتحدث وياي، أخدت جرار إني لازم أخبره. وبالفعل كنت مستنية أي فرصة لجل ما ألمح جدامه وأخبره إني ست متزوجة عشان يشوف حاله بعيد عني. وتنهدت بأسي وأكملت:
_بس ربنا كان مرتب إنه يعرف بالطريقة دي، وأكيد ربنا ليه حكمة في كده. تنهدت صفا وتحدثت وهي تشير لها بالتحرك: _الحمد لله على كل حال، دكتور ياسر راجل محترم وأكيد هيحارب إحساسه وينسى الموضوع كله. هي بس مسألة وقت. تمنت مريم هذا وتحركا ثم سألتها وهي تنظر إليها بتتمعن: _مال وشك يا صفا، لونك متغير بقالك يومين. أنزلت بصرها للأسفل وتحدثت بنبرة خجلة: _معرفش أجول لك إيه يا مريم، شكلي كده حامل. أمسكت مريم يدها لتحثها
على الوقوف وهتفت بسعادة: _جد حامل يا صفا؟ وضعت سريع يدها فوق فمها لتحثها على الصمت وأردفت قائلة: _وطي صوتك يا مريم لحد يسمعنا، أني لسة متأكدتش، هروح النهارده أخلي أمل تعملي تحليل لجل ما أتأكد وبعدها هجول لك كله. حضنتها مريم بسعادة وتمنت لها الراحة والاستقرار مع زوجها.
داخل مسكن فايقة التي لم تخرج منه منذ كشف خطتها وفضحها أمام الجميع وذلك بناءً على تعليمات قدري بذاته وذلك بعدما أخجلته وجعلته يظهر أمام العائلة بصورة لا تمت بصلة لنجل النعماني الكبير. وما أثار خجله وجعله يستساغ غضبًا وينقلب عليها هو شعوره بنبذ الجميع له حتى نجلاه. تحرك هو للأسفل ومنه إلى الباب الخلفي للمنزل المطل على الحديقة الخلفية وتحرك للخارج مباشرة من الباب الخلفي للحديقة كي لا يصطدم بأبيه.
تحركت هي الأخرى إلى الطابق الأعلى واتجهت إلى مسكن ليلي الزوجي والذي أصبح فردي بعدما أصدر يزن أوامره للعاملات وجعلهم يجمعون جميع أغراضه ونقلوها بغرفته السابقة كي يستقر بها بشكل مؤقت إلى أن يجلس مع حاله ويعيد ترتيب أحواله.
باتت فايقة تدق جرس الباب حتى ملت من الانتظار غير المجدي بالنفع. شعرت بالخطر على ابنتها فنزلت إلى مسكنها من جديد وتناولت المفتاح الخاص بمسكن ابنتها ودلفت إلى غرفتها سريعًا لتتفقدها. وجدتها تجلس القرفصاء فوق سريرها محتضنة ساقيها وتبكي بمرارة.
تنهدت براحة حين وجدتها تجلس بصحة تامة أمامها. وبرغم قلقها الذي أصابها على ابنتها إلا أنها لم تجرؤ على التحرك إليها إنش واحدًا وجذبها وإدخالها إلى أحضانها كي تطمئن روح صغيرتها وتبث داخلها شعور الراحة والسكينة. تلك هي فايقة، لا يوجد بقاموس حياتها ما يسمى بالحنان ودعم من تحبه، بل تعتبره هذه التصرفات ضعفًا لها. تحركت إلى الشرفة بخطوات ثابتة وفتحتها لتنير تلك الغرفة شديدة الظلام. ثم نظرت إليها وهتفت بنبرة حادة:
_عاملة في حالك ليه كده يا بت؟ الدنيا كانت خلصت إياك؟ رمقتها تلك الغاضبة بمقلتها الحادة النظر وهتفت بنبرة ساخطة: _ما عايزاكِش أشوف حد، همليني لحالي وإطلعي برة. زفرت فايقة بضيق وتحسرت على حال صغيرتها التي تتملك منها روح الاستسلام سريعًا عكس والدتها. تحركت وجلست بجوارها وتحدثت: _أهملك تموتي حالك إياك، أني مش جلت لك قبل سابج ما أحبش أشوفك ضعيفة وخايبة كده. وأكملت بملامة: _عشمِتِ فيا حريم الدوار يا حزينة. إتسعت
عيناها بذهول وهتفت بحدة: _إنتِ محساش بالمصيبة اللي وجعتيني فيها؟ أني بسببك اتحكم عليا إني مبقاش أم طول حياتي، ما أعرفش أشيل جواتى حتى عيل من جوزي، ده غير حبيبي اللي عشت عمري كله أحلم بالليلة اللي هيضمني فيها لجوات حضنه ويبجا ملكي لحالي، حتى دي استكترتيه عليا وضيعتيه من يدي بعمايلك السودة. أني بجيت وحيدة يا أمي، هقضي اللي باقي لي من حياتي في الأوضة الضلمة دي لحالي. وخبطت بكفي يداها على فراشها وتحدثت بصراخ:
_حبيبي مهينامش في فرشتي تاني بسببك، اتحكم عليا أعيش لحالي على فرشة باردة. ناقصها روح حبيبي. وانتِ كل اللي هامك وشاغل بالك ورد ونجاة اللي عشمِتوا فيكي؟ ملعون أبوهم أبو تفكيرك وغضبك وحقدك اللي خلاني ماشية وراكِ كيف العامية. وأكملت بتساؤل مشمئز: _نفسي أعرف جلبك دي مصنوع من إيه؟ حجر صوان؟ أجابتها برأس مرفوع وعينان تشبه حدة الصقر خالية من المشاعر:
_ومين جالك إني عندي جلب من الأساس، الجلب دي للناس الضعيفة، الجلب يضعف ميقويش، الجلب يخلي صاحبه ذليل كيفك كده يا بت قدري، وأكبر دليل على حديتي دي حالتي أنا وإنتِ. وأكملت وهي تتحرك بالغرفة وتشير إليها: _بصي لحالك في المرايا وشوفي جلبك العاشق وصلك لإيه. وأكملت وهي تنظر إليها بوجه غاضب وعينان مخيفتان من شدة اتساعهما:
_العشق خلاكي ضعيفة وخلاكي عبدة ذليلة عند راجل ميسواش كيف ابن المركوب اللي اسمه يزن، ابن نجاة لما شاف عشقك ولهفتك عليه ساج دلالة وشاف حالك عليكِ يا حزينة. ثم أردفت قائلة بتفاخر وكبرياء: _وأني جدامك أهو، عمري ما بللت ريج أبوكِ بكلمة زين ولا حتى نظرة رضا، ومع كده بيعيط عليا ويتمنى لي الرضا أرضي وأظن دي شيفاه بعينك كيف الشم. شبكت بضعف وتحدثت بوهن: _يزن غير أبويه.
كلهم واحد، رجالة ناقصة خسيسة، الواحد منهم أول ما يحس ويشوف العشق في عين الصبية، يبعد عنها وتسجت من نظرة، ويروح يدور على واحدة ما بتعبروش ولا شيفاه جدامها لجل ما يرسم عليها ويخليها تحبه ويحس إنه بكده بقى راجل رغم إنه بيتحول لعبد ذليل عندي. كلياتهم صنف واحد، صنف واطي ميستاهلش دمعة واحدة من عين حرمة. وتحركت إليها من جديد وسحبتها من يداها وتحدثت بعدما وجدت هدوئها واقتناعها بحديثها:
_قومي اسبحي وإلبسي خلجاتك لجل ما نروح للشيخ عرفان. وأكملت بنبرة حماسية وصلت إلى ليلي: _أيقولوا عنده خادم هيخلي الراجل خاتم في يد مرته وطايع لأوامرها. وأكملت بوعيد: _وحياتك عندي يا غالية ما هيرتاح لي بال غير وأني جايبة لك ابن نجاة ومخليه ذليل وراكع تحت رجليكِ. إتسعت عينا تلك البلهاء بذهول وهتفت متسائلة بلهفة: _صح الحديث دي يا أمي؟ هتخلي يزن يرجع لي بجد؟ إبتسمت لها فايقة ووضعت يدها فوق شعر رأسها
تتلمسه وتحدثت بنبرة قوية: _ميتا أني جلت لك حاجة ومحصُلتش؟ إنتفضت ليلي من جلستها بحماس وتحركت سريعًا إلى المرحاض لتنفيذ أوامر والدتها كعادتها. وبعد حوالي ساعة كانت تدلي الدرج بتفاؤل، بجانب والدتها. وما أن لمحتها رسمية التي كانت تخرج من المطبخ بجانب ورد التي تحمل صنية فوقها ثلاثة أكواب من مشروب الشاي الساخن. حتى صاحت بنبرة حادة: _لابسة ورايحة على وين يا غندورة؟ كظمت غيظها الشديد من لكنة عمتها الساخرة بداخلها،
وتحدثت بنبرة هادئة: _رايحة أنا وبنتي لجل ما نطل على أمي العيانة يا عمة. رفعت رسمية وجهها إليها وتحدثت وهي تشير بسبابتها إلى الأعلى: _إطلعي على شقتك وإتلمي فيها يا مرة يا سو، وإحمدي ربك إن لساتك قاعدة في الدار بعد عمايلك الشوم دي كلها. وأكملت بنبرة تهديدية غاضبة وهي تشير بيدها: _الله الوكيل لولا إن أخوي وصاني عليكِ قبل ما يموت، لكنت قتلتك بيدي دي وخلصت عيلتي من شرك يا واكلة خيرنا وناكراه. تحدثت ليلي
بحدة مداعبة عن والدتها: _ملوش لزوم الكلام ده يا جدة، وبلاش تكوني ظالمة، أمي من حقها تزور جدتي العيانة. تنهدت رسمية بأسى لعلمها أن حفيدتها تتحرك بأوامر من والدتها بلا عقل كالتابع. وحزنت كثيرًا على حال ليلي التي يبدو على هيئتها أنها لم تستوعب الدرس الذي تعرضت له بمنتهى القسوة. يبدو أنها لم تستفق إلا على كارثة كبرى ستحرق معها الأخضر واليابس بحياتها البائسة. تحدثت رسمية إلى حفيدتها بقلب منكسر لأجلها:
_تعالي معايا يا ليلي، جدتك العجوز رايدة تتحدث وياكِ شوية. ثم رمقت فايقة بحدة وصاحت بها عالياً: _وإنتِ يا واكلة ناسك، إطلعي على فوق وما أشوفش خلقتك تحت واصل.
نظرت لها بعيون حادة كالصقر وهتفت بنبرة حاقدة وهي تنظر إلى ورد التي تجاور نجاة الجلوس فوق الأريكة بهدوء، وهي تنتظر مجيء رسمية للبدء في تناول مشروبهم سوياً. وما زاد حقدها عليها هو جلوسها بأريحية وملامح وجه يظهر عليها الارتياح والسكينة وكأنها أصبحت سيدة القصر الآمرة الناهية بعد السلطة التي أعطاها لها كل من رسمية وعثمان. _حاضر يا عمة، أنا هسمع حديثك وأطلع أغير هدومي وأنزل لجل ما أباشر على تجهيز الغدا في المطبخ.
إتسعت عينا رسمية نتيجة غضبها العارم وهتفت بقوة: _هو إنتِ يا مرة محساش بالمصيبة اللي وجعتي حالك فيها وطبجت على راسك؟ كيف هتنزلِ وتجعدي وسطنا من تاني بعد ما سكينة غدرك رشجت جوة قلوبنا كلياتنا يا حزينة. وأكملت باستغراب: _وبأي عجل يا مرة يا خرفانة مفكرة إني هخليكي تخطي برجليكِ اللي تنكسر المطبخ من تاني، شيفاني مرة مدبوبة لجل ما أمن لك على وكل أولادي وأحفادي بعد العملة المنيلة اللي عملتيه في يزن؟ وأكملت بنبرة حادة:
_مطبخ العيلة اتحرم عليكِ من اليوم اللي اتكشفت فيه خيانتك وخستك وجلة أصلك، ودي أوامر كبير العيلة يا واكلة ناسك. كانت تستمع بقلب يشتعل غضبًا وهي تشاهد قذائفها التي تخرج من فم عمتها وتتجه إلى صدرها لتفتك به وتزيد من اشتعاله. فقد تحولت رسمية وأصبحت جلادتها التي تسعى دائمًا لتضليل حجمها أمام الجميع، بعد أن كانت الداعم الرئيسي لها والتي كانت دائمًا ما تستمد منها قوتها. وهذا ما تسبب في تجبرها وطغيانها على الجميع.
تحدثت إلى رسمية وهي ترمق ورد بنار شاعلة: _بلاش تحكمي عليا وتشمتي فينا اللي يسوي واللي ميسواش من غير ما تسمعي أسبابي يا عمة. رمقتها ورد بنظرة حادة لعلمها أنها تقصدها لا غيرها بحديثها المهين. في حين هتفت رسمية بنبرة قوية: _اللي عملتيه ما يحتاجش تفسير يا أم عجل ناقص، واللي ما تسواش هي المرة اللي الغدر بيجري في دمها وفتنت ووجعت بين الإخوة وبعضيها. ثم حولت بصرها إلى ورد وتحدثت بنبرة نادمة:
_أنا دلوقتي عرفت الفرق بين الذهب الخالص الأصيل، وبين اللمعة اللي كانت بتضوي في الضلمة ومن خيبتي كنت فاكراها دهب خالص. وأكملت وهي تحول بصرها إلى فايقة وهتفت بنبرة حادة ورمقتها بنظرات مشمئزة: _لكن طلعت لمعة صفيح ومصدية كمان.
نهرتها بشدة جعلتها تتحرك إلى الأعلى عنوة عنها بقلب يغلي من شدة اشتعاله بنار الغيرة. أما رسمية فتحركت بجانب ليلي وسحبتها إلى حجرتها كي تتحدثا بعيدًا عن الكل. واستها ونصحتها بحنان بالابتعاد عن أفكار والدتها التي ستقضي على ما تبقى بينها وبين يزن، وذلك بعدما احتوتها داخل أحضانها وشددت من ضمتها لتطمئن روحها. جارتها ليلي بحديثها لتجعلها تطمئن لها.
ثم تحركت إلى مسكن والدتها وقصت لها ما دار بينها وبين جدتها ووعدت والدتها أنها لن ولن تتخلى عن حقها في امتلاك قلب وجسد وروح يزن، ولهذا ستفعل كل ما بوسعها لتحصل على مبتغاها، مما أسعد فايقة لعدم تخلي وريثة عرش حقدها عن انتقامها وعدم التخلي عن الامتلاك المرضي. تلك الصفة المشتركة بين كلتيهما. داخل المستشفى بعد الظهيرة.
تحركت صفا داخل غرفة الكشف الخاصة بدكتورة أمل، وقد أخبرتها بما يجري لها من تغيرات هرمونية وجسدية. أخبرتها أمل أن جميع البوادر تشير إلى حمل مؤكد ولكن يجب عمل فحص دم للتأكد. سحبت منها عينة دم وأجرت فحصها وبعدها تحركت صفا لتباشر عملها من جديد. وبعد حوالي نصف ساعة تحركت أمل إلى مكتب صفا وجلست فوق المقعد تنتظر. حيث كانت تجري فحص مريضة. انتظرت حتى خرجت الحالة وتوجهت إليها مباشرة لتزف لها البشارة وهتفت بنبرة حماسية:
_مقولتليش يا دكتورة، نفسك في ولد ولا بنوتة رقيقة شبه مامتها؟ نزلت تلك الكلمات على قلبها البريء كهطول الماء على نبتة صالحة فأروتها وترعرعت وتراقصت أوراقها. هتفت بنبرة متلهفة: _إنتِ متأكدة من كلامك ده يا أمل؟ ثم وضعت كف يدها سريعًا فوق أحشائها وتحسستها بشعور غريب ولأول مرة ينتابها، شعور رائع لم تستطع كل الكلمات المكتشفة وصفه. إقتربت أمل عليها وتحدثت بابتسامة سعيدة لأجل تلك الخلوق: _مبروك يا دكتورة.
رفعت وجهها إليها وتساءلت بعيون لامعة بفضل تجمع دموع السعادة بها: _البيبي عندي كام أسبوع يا أمل؟ أجابتها أمل بنبرة عملية: _السونار هو اللي هيجاوبك على سؤالك ده. توجهت كلتاهما إلى غرفة الكشف. فحصتها أمل وأخبرتها أن جنينها يبلغ من العمر شهران مكتملان، أي أنه وُضع داخل رحمها منذ ما حدث بينها وبين محبوبها ليلة الزفاف. إبتسمت بخجل.
نظرت صفا إلى الأمام بتفكر، وتذكرت المؤتمر الطبي المقرر إقامته بعد يومين داخل محافظة القاهرة والتي كانت قد أخبرت ياسر وأمل أنها ستعتذر عن حضوره وذلك لما بدأت تشعر به مؤخرًا من إرهاق شديد والخمول الذي غزا جسدها بالكامل. وهذا ما جعلها تقدم على قرار عدم حضورها المؤتمر الهام لها كطبيبة.
لكنها الآن قد قررت الذهاب بعدما أصبحت على دراية بما يحدث لها من تغيرات ولسبب أهم، وهو نيتها بمفاجأة حبيبها بوجودها أمام عينيه وإسعاده وهي تزفه له بشارة خبر قدوم من سيأسر قلبيهما ويجعلهما أكثر ترابطًا مما هما عليه. هتفت بنبرة حماسية: _بجول لك يا أمل، أني قررت أسافر وياكم وأحضر المؤتمر بعد بكرة. ضيقت أمل عينيها وأردفت باستفسار:
_إنتِ مش بلغتينا إمبارح أنا وياسر إنك مرهقة ومش هتحضري، إيه اللي خلاكي تغيري رأيك بالسرعة دي؟ تنهدت بسعادة وأردفت شارحة: _حابة أعمل مفاجأة لجوزي وأشوف رد فعله وأنا بخبره عن الحمل. قامت أمل بالإثناء على تفكيرها وشجعتها على اتخاذ الخطوة وهتفت بنبرة عملية: _أوكِ يا صفا، بس كده هنضطر نلغي تذاكر الطيران ونحجز في القطر المكيف، لأن الطيران خطر على الحمل في أوله.
وافقتها صفا الرأي، وغادرت المستشفى سريعًا وتحركت بلهفة لتخبر والدتها وهي في قمة سعادتها. أما ورد التي لم يسعها عالمها شدة فرحتها بهذا الخبر السعيد وقابلته بدموعها الساخنة. طلبت صفا من والدتها عدم إخبار والدها بهذا الخبر لحين سفرها إلى قاسم وإعلامه، ثم بعدها ستخبر الجميع.
وأتفقت مع والدتها ألا تخبر أحدًا من أهل المنزل وذلك لجعل سفرها مفاجأة لمتيم روحها. أخبرت والدها بسفرها للمؤتمر عبر الهاتف وذلك لتواجده خارج المنزل لمتابعة أعماله التي تتزايد وتتوسع بشكل كبير للغاية. أخبرته بذهابها للمؤتمر فقط وأخذت منه السماح وطلبت منه سرية الخبر. ثم تحركت إلى عثمان الذي كان يأخذ قسطًا من الراحة بحجرته وأخبرته بسفرها وايضًا أكدت عليه السرية التامة. وتحججت بعدم إثارة غضب وحنق فايقة وليلي عليها، وإثارتهما وافتعال المشاكل إذا علما أنها ستسافر لحضور مؤتمر خاص بعملها وذهابها بعد ذلك لمفاجأة قاسم. لكنها لم تخبره ولا أباها عن خبر حملها.
وافق عثمان بعدما اقتنع بحديث حفيدته الذي يتسم بالعقلانية وسعد داخلة لتطور علاقة صفا بقاسم وأثنى على تقربها لزوجها تحت خجل صفا الشديد من جدها. بنفس التوقيت داخل مدينة القاهرة. قررت إيناس اللعب مع قاسم بوضع خطة محكمة لاستدعاء مشاعره إليها من جديد كذي قبل، ولكن بطريق مختلفة وذلك بعد محاولاتها الكثيرة التي باءت جميعها بالفشل الذريع. فحينها تأكدت أن لا أمل للوصول لقلبه عن طريق إثارة رجولته وإغرائه بأنوثتها.
فقررت اللعب على عقله من الاتجاه العملي. وبعد التفكير والفحص الدقيق استقرت على صيدها الثمين. ذهبت إلى شركة كبرى لصاحبها رجل الأعمال الشهير، الذي يدعى أمجد التهامي والذي لُفقت له من قبل منافسيه عديمي الشرف قضية إعطاء مبالغ مالية كرشوة لموظفين بالدولة.
مما ساء سمعته وأُلقي القبض عليه وتم معه التحقيق بحضور أكبر محامي اسمًا بالبلاد وما زال التحقيق جاريًا. وخرج بكفالة مالية كبيرة وبضمان محل إقامته. وقررت النيابة عدم السماح له بمغادرة البلاد لحين انتهاء التحقيقات وثبات التهمة أو نفيها عنه. مما جعله يغضب من محاميه ويطلب منه التحرك بأقصى سرعة وأن يفعل كل ما بوسعه كي يثبت براءته ويحسن من وضعه أمام الرأي العام.
طلبت إيناس من سكرتيرتها الخاصة السماح لها بمقابلته وأعطتها بطاقة التعريف الخاصة بعملها. نظر بها أمجد وتحدث إلى سكرتيرته بلا مبالاة وهو ينظر داخل البطاقة مضيقًا عينيه: _إيناس عبدالدايم، ودي عايزة مني إيه دي كمان؟ أجابته بعملية: _ما أعرفش يا أفندم، كل اللي قالتهولي إني أبلغ حضرتك إنها محتاجة تقابلك ضروري بخصوص قضية حضرتك. وقالت لي أبلغك إن حل قضيتك عندها.
استغرب استماتتها لمقابلته ثم طلب منها أن تسمح لها بالدخول. دلفت وتحدثت وهي تبسط ذراعها إلى الذي وقف احترامًا لها: _سعيدة جدًا بوجودي قدام قامة عظيمة ومثل مشرف في عالم الأعمال زي حضرتك يا أمجد بيه. أومأ لها باستحسان وتحدث بنبرة عملية جادة: _أهلًا أستاذة إيناس، ياريت تدخلي في الموضوع على طول نظرًا لوقتي الضيق. أومأت له بتفهم وجلست بعدما أشار هو لها وتحدثت بنبرة واثقة:
_كان الله في العون يا أفندم، على العموم أنا جاية ومحضرة كلامي المختصر لأني عارفة ومقدرة مشغوليات ووقت حضرتك الثمين. وأكملت: _أنا جاية أأكد لحضرتك إن خيط حل قضيتك أصبح في إيديا. أرجع ظهره للخلف وقضب جبينه ونظر لها بتتمعن واستغراب وهو يحرك مقعده يمينًا ويسارًا. فأكملت هي بثقة عالية:
_ما تستغربش حضرتك، أنا ليا أسبوع ببحث وبدور بطرقي الخاصة لحد ما وصلت لبداية الخيط، وتقدر تقول إن قضيتك أصبحت منتهية وفي انتظار اطلاع هيئة القضاء الخاصة بالقضية على الأدلة اللي هتخليهم يحكموا بالبراءة من الجلسة الأولى. سألها بنبرة صارمة وملامح وجه جامدة: _إنتِ متأكدة من الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده ولا جاية تعملي شو وتضيعي وقتي؟ بس قبل ما تتهوري وتجاوبي، إنتِ عارفة الأول إنتِ قاعدة قدام مين؟ وأكمل بنبرة تهديدية:
_وعارفة لو كلامك ده طلع فنكوش أنا ممكن أعمل فيكِ إيه؟ تنهدت وأجابته بثقة: _أنا مش صغيرة ولا غبية يا أفندم عشان أجي ألعب مع حد بحجم حضرتك. وأكملت بكبرياء وهي تتحدث عن قاسم: _أظن حضرتك سمعت عن مكتبنا، وعن اسم قاسم النعماني اللي كان حديث المدينة طول المدة اللي فاتت، وده بعد ما اترافع في قضية المستشار عصام مجدي اللي كان متهم بغسيل أموال، وبفضل جهوده وذكائه حولها لقضية رأي عام وكسبها بشرف ونزاهة في وقت قياسي. تنفس عاليًا
وأجابها بثناء: _وده السبب الرئيسي اللي خلاني أسمح لك بمقابلتي بعد ما السكرتيرة قالت لي إنك من مكتب قاسم النعماني. تحدثت إيناس بتفاخر وهي ترفع قامتها للأعلى: _أنا مش مجرد محامية في مكتب قاسم النعماني، أنا زوجته وشريكته في كل نجاحاته اللي وصل لها. واسترسلت حديثها بثقة عالية أعجبت أمجد:
_وصدقني يا أمجد باشا، أنا لولا متأكدة إن براءة حضرتك هتظهر للعلن في خلال أسبوع واحد بس بعد تولي مكتبنا لها، ما كنت جيت لحضرتك وعرضت عليك إننا نتولاها. وأكملت لتزيده من الشعر بيت: _ومش بس كده، إحنا هنكشف قدام الرأي العام كل شخص كان له يد في الخطة الدنيئة اللي اتعملت لتسويء سمعة حضرتك الطيبة، وهنرفع لك قضية رد شرف وتعويض مادي كبير. تحدث إليها أمجد قائلاً بوعد:
_عارفة لو الكلام اللي بتقوليه ده اتنفذ زي ما بتقولي، أنا هكافئك بمبلغ عمرك ما كنتِ تحلمي بربعه. وأكمل بنبرة عملية: _اعتبري ملف القضية اتسحب من هشام عبدالجواد وأصبح على مكتب قاسم النعماني، وأنا هتصل بيه بنفسي وأخليه ييجي لي هنا عشان نتكلم في تفاصيل الواقعة. سال لعابها وسعد داخلها من وعده وتحدثت قائلة: _المكافأة دي شئ مفروغ منه يا باشا، أنا بتعامل مع أمجد باشا التهامي، بس أنا ليا طلب خاص عندك. أشار لها بالحديث فأكملت:
_أنا عايزة حضرتك تأكد على أستاذ قاسم إني أشتغل في القضية دي معاه. ضيق عينيه مستغربًا وهتف قائلاً: _حضرتك بتطلبي مني أتدخل وأطلب من جوزك إنه يشغلك معاه في القضية؟ مش غريبة شوية دي؟ وبعدين إزاي بتقولي إنك بحثتي ولقيتي طرف الخيط، إنتِ اشتغلتي على القضية بدون علمه ولا إيه؟ أجابته بنبرة قوية:
_دي تفاصيل صغيرة مش عايزة أشغل حضرتك بيها، كل اللي ممكن أقولهولك إن أستاذ قاسم جاد جدًا في شغله وفاصل بين حياتنا الخاصة والشغل، وهو مؤخرًا حابب يبعدني عن مشاركتي له في القضايا عشان حياتنا الخاصة متتأثرش، ونقعد طول الوقت نتكلم عن القضايا حتى في البيت. أجابها أمجد: _يظهر إن أستاذ قاسم راجل حكيم وبيحب الاستقرار المنزلي وبيحبك، بدليل إنه عاوز يعيش حياة هادية معاكِ. إبتسمت بغرور وتحدثت بتأكيد مزيف:
_ده حقيقي، لكن أنا مش حابة قراره ده وشايفة إن مشاركتنا في قضايا المكتب بتزيدني خبرة وتعلي من مكانتي واسمي في المكتب معاه.
اقتنع أمجد بحديثها الموضوعي وبالفعل هاتف قاسم وحدد له ميعاد وطلب منه اصطحاب إيناس رفقة معه مما أثار استغراب قاسم. ذهب بالفعل بصحبتها وبعدما اتفقا طلب منه مشاركة إيناس معه وبرر ذلك بأن إيناس لديها المعلومات، وصارحه بأنها هي التي أتت إليه وطلبت منه تحويل ملف القضية إلى مكتب قاسم، فلهذه الأسباب أصبحت مشاركتها بالقضية مشروعة.
في بداية الأمر رفض قاسم هذا الشرط بشدة. استغربها أمجد، لكنه وبعد إصرار أمجد عليها اضطر على الرضوخ والموافقة، نظرًا لما ستحققه هذه القضية من مكاسب معنوية وشهرة واسعة لمكتبه وتجعل من اسمه مرتفعًا فوق جميع نظرائه.
حقًا كان من الصعب على قاسم رفض شرط أمجد التهامي رجل الأعمال ذو الاسم الرنان والشهرة الواسعة والسمعة الطيبة. وما جعل قاسم يتنازل ويقبل بهذا الشرط هو سحب ملف القضية من مكتب قامة كبيرة في عالم المحاماة وإرسالها لمكتبه الذي لا يضاهي مكتب هذا المحامي الشهير. وهذا كفيل بأن يرفع اسمه لعنان السماء، وإنه لمن الغباء رفض تلك الفرصة التي أتت إليه على طبق من ذهب ولن تتكرر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!