تقف على مشارف الدور الخاص بهم. تقف على بداية السلم المؤدي إلى الأعلى، تستكشف المكان من حولها كأنها تائهة. لا يدلها سوى ذلك الشخص الذي يعتبر زوجها. تتعلق يدها بيده، تتحرك مسلوبة الإرادة. تتفحص المكان من حولها، يتكون من ممر طويل نسبياً به باب يفصل الجناح عن باقي القصر. يشرف على صالة واسعة بها أثاث راقٍ، يتفرع منها غرف النوم الكبيرة. بالزاوية توجد غرفة الطهو والمرحاض المختفيان تماماً من الصالة.
يتصل بينهم ممر طويل وواسع. تقدموا معاً إلى الداخل. قطع السكون حولهم نبرته النافرة التي بها بحة سخرية: "ادخلي يا عروسة برجلك اليمين، دا انتي هتشوفي أيام سودة على اللي عملتيه." ابتسمت بسخرية مردفة بألم: "مش هتكون أسود من اللي شفته." عقد حاجبيه متسائلاً في نفسه عن حاله الحزن التي تسيطر عليها وبحة الألم التي بنبرتها. أغفل تفكيره بها، مصيحاً بها بقسوة: "انتي كمان هتردي؟ ما انتي واحدة مش متربية." جزت على أسنانها بغضب،
مصيحة بوجهه بغضب عارم: "اخرص يا حيوان! أنا متربية غصبن عنك وعن عشرة زيك." صفعة مدوية آخرستها، جعلتها تسقط أرضاً من شدة الألم الذي يعصف وجهها وروحها أيضاً التي انكسرت. بعد ذلك القلم الذي دمر كبرياءها إلى أشلاء. كانت تبكي لسوء حظها وابتلائها بهذا الرجل الذي تزوجها ودفع ثمنها كأي شيء مادي مثلها مثل أي أثاث بالمنزل. اشتراه لتسليته أو حتى يعبث بها مثلما يشاء.
تصاعدت شهقاتها المكتومة ورجفة جسدها عندما أحست بأنه دلف إلى إحدى الغرف مبتعداً عنها. أجهشت بالبكاء وهي تناجي ربها. لما فعل بها هكذا؟ لما لم ترزق بزوج يعينها على الحياة ويكون بينهم قصة عشق يعيشونها بكل جوارحهم؟ كانت تدعو بزوج يكن لها الأب قبل الزوج، يمدها بالحنان والعاطفة التي كانت محرومة منها طوال فترة حياتها. استعاذت من الشيطان الذي جعلها تعاتب ربها على ما ابتلاها به. هي لا تعلم أين الخير. حمدت ربها وهي تكفف دموعها.
خرج من الغرفة وجدها على حالتها تلك، فصاح بها بقسوة وصوت جهوري جعلها تنتفض من مكانها: "انتي لسه قاعدة عندك؟ قومي غيري هدومك دي." قامت من مكانها بتثاقل، تشعر بتحطم قلبها، تشعر بانسحاب روحها. تسير هزيلة إلى أقرب غرفة وجدتها بطريقها. دلت إليها رغماً عنها بدافع أن تختفي من أمام عينيه المحدقة بها. أغلقت الباب خلفها بقوة في وجه ذلك المحدق بها. توجهت إلى الفراش وألقت جسدها الهزيل عليه بإنهمك وتعب.
ظلت تحدق للسقف لفترة طويلة، لا تشعر بروحها. ملت من البكاء، لا تريد حتى أن تزرف ما يعبر عن آلامها، فتلك الدموع لن تعبر عن كمية الوجع التي بداخلها. عزمت على الوقوف لتغير ثيابها تلك التي تعوق حركتها وتشعرها بعدم الارتياح. يكفيها أن ذلك هو ثوب بداية سجنها في سجن ذلك الأحمق. وقفت أمام الفراش تحاول أن تصل بيدها إلى سحاب الفستان.
ظلت تتمايل للخلف بوقفتها لكي تصل إليه، لكنها بالخطأ وضعت قدمها على ذيل الفستان وهي تتراجع للخلف، مما جعلها تتعثر بوقفتها، تقع أرضاً مخرجة صرخات عاليه من أثر تلك الوقعة التي هدمت كيانها وجعلت قلبها يهوي أرضاً. دلف إليها عندما كان خارجاً من غرفة تبديل الثياب، فسمع صوت صرخاتها. فأسرع بالدلوف إليها حتى يطمئن عليها ولوهلة. شعر بقلبه يهوي من أثر قلقه عليها.
وقف صامداً بمكانه يحدق بها وهي منتكسة أرضاً تحاول القيام من مكانها، لكن ذلك الفستان الثقيل يخفي جسدها بينها. اقترب منها محاولاً كتم ضحكاته من هيئتها المشعثة. جلس على عقبيه أمامها، يطبق شفتيه معاً حتى أصبح فمه مثل الخط الرفيع حتى لا يظهر ضحكته. تمتم بنبرة أجشة بها حشرجة من أثر كتم ضحكاته: "انتي بتلعبي جومباز؟ ثم انفجر ضاحكاً بصخب من أثر هيئتها المقلوبة وذلك الفستان الذي يغمسها به.
حاولت الحركة بنفور غاضب، تحاول رسم علامات الغضب وهي تحاول الوقوف. متمتمة بكلمات سريعة غاضبة مثل الأطفال، تخرج بها ضجرها. فهي كلما غضبت أو توترت تنفتح في الحديث الكثير بدون أي داعي: "اوعى كدا! اللهي يجمبزوك جامبزتي يا شيخ! ما إحنا نلبس خيمة على شكل قولة وأنت تلبسلي بدلة وتبقى ملك زمانك. أما إحنا لازم نشيل خيم ورانا. جاتكو قرف على اللي عاوزين يتجوزوا والجواز خدنا منكم إيه غير قلة القيمة؟ وتيجي تقولي انتي بتلعبي جومباز!
ما عندك حق تقولي كدا." كانت تتحدث بسرعة فظيعة وهو مبحلق بها بزهول وأعين متسعة. ابتسامة تتسع عندما تفشل في القيام لحالها. لكنه صاح بها بحدة عندما شعر ببوادر صداع من كثر ثرثرتها: "افصلي شوية! التلاجة بتفصل، انتي مبتفصليش ليه؟ صمت عن الحديث، عقدت حاجبيها وكومت فمها بنفور، وهي تمد يدها نحوه حتى ينتزعها من على الأرض الصلبة. متحدثة باقتضاب: "عاوزة أقوم." هز رأسه بابتسامة على حالتها وتصرفاتها الطفولية.
قبض على يدها، ساحباً جسدها بقوة جعلتها تقوم من مكانها بسرعة خاطفة مصطدمة بجسده العريض بقوة. جعلته يرتمي على الفراش من خلفهم وهي فوقه متشبثة بملابسه بقوة، مغمضة العين تتنفس بقوة على وجهه. حيث أصبحت بجسدها كاملاً فوق جسده. ظل محدقاً به ومن هيئتها الجميلة وما زاد خفقات قلبه واندلاع النيران بصدره. أنفاسها الساخنة التي تلحف وجهه جعلته مخدر تماماً، متناسياً أي شيء حوله. فتحت إحدى عينيها والعين الأخرى مغلقة.
وقعت عيناها بعينه المبحلقة بها. أجهشت بالصراخ من موقفها. لكنه أطبق على فمها بكفه، قالباً جسدها على الفراش حتى أصبح هو يعتليها وانقلبت الآية تماماً. اتسعت عيناها وشحب وجهها. ابتلع الآخر لعابه من هيئتها تلك، متمتماً بنفس ثقيل: "مسمعش صوتك." حركت رأسها بالموافقة، مخرجة بعض الهمهمات من فمها الذي يسيطر عليه. بأسر بيده، ضحك بداخله على هيئتها. رسم الجدية على وجهه، متحدثاً بمشاكسة كأنه وجد متعته في غضبها الطفولي
وثرثرتها وزعرها الطفولي: "بتقولي إيه؟ زادت في همهمتها وتحركها أسفله بوجه محتقن. قبض وجهه محاولاً كتم ضحكاته: "مش فاهم، كلميني عربي." اتسعت عيناها، ظاهراً لون عيناها الفيروزي الذي اختلط بحمار العين من شدة الغضب. عضت على يده المكممة لثغرها، جعلته ينتفض من فوقها مسرعاً جالساً على الفراش متأوهاً بألم. اعتدلت وجلست الأخرى تناظره شزراً. همت واقفة تملس بيدها على فستانها بتحدٍ وانف مرفوع، متمتمة بأمر:
"اتفضل نادي لسهيلة عشان تفكلي الفستان عشان مش عارفة." صمت قليلاً يستوعب ما قالته ليدخل في نوبة ضحك صاخبة، متمتماً من بين ضحكاته: "عاوزة إيه يا اختي؟ جاءت وهي ما زالت تتحدث بعجرفة: "بقولك نادي لسهيلة تفكلي الفستان مش عارفة أعمله." حاول كتم ضحكاته، متمتماً: "طب بزمتك لما أنزل يوم فرحي أنادي لسهيلة تساعدك عشان تخلعي الفستان اللي أنا معرفتش أعملهولك يبقى منظري إيه قدام الناس اللي في البيت؟
حتة فستان معرفتش أفكهولك زراير بتاعته يبقى هتصرف في الباقي إزاي؟ أجيب أمي تشجعني؟ حاولت كتم ضحكاتها وكتم تلك النيران التي تتوهج بوجهها من أثر تلك الكلمات التي توضح ما يريده بها. لكن شحب وجهها عندما علمت بنواياه. ابتلعت لعابها بخوف شديد وهي تبتعد عنه بخطواتها للخلف. أحس بخوفها تجاهه وبشحوب وجهها الذي ظهر فجأة على وجهه. تنهد بحرج، متمتماً بلطف: "خليني أساعدك، متخافيش، أنا جوزك."
ارتعش جسدها وهي تراه يقترب بخطواته نحوها. شعرت ببوادر دموع بمقدمة عينيها، لكنها هدأت من حالها ورفضت سقوطهم أمامه، مشجعة حالها على الصمود. فليس أمامها إلا هو حتى تتخلص من ذلك الفستان. وصل إليها واضعاً يده على كتفها، مديراً جسدها إليه. شرع في فك مقدمة الفستان المعقودين بزرارين صغيرين، من ثم شد سحاب الفستان الذي انكشف من خلاله بشرة ظهرها البيضاء. تلامست أنامله بشرتها البيضاء تلك بشوق جارف.
تصاعدت أنفاسه حتى وصلت إلى بشرتها. ارتعش جسدها من تلك اللمسة التي ظنتها بدون قصد منه. أحست بأنفاس ساخنة تلحف عنقها، جعلتها تنتفض تواجهه بوجهها وتتراجع للخلف، تشعر بانقباض قلبها من هيئته التي كانت تشير بأنه بعالم آخر. جرعت لعابها بتوجس وقد شحب وجهها. هتفت بنبرة جادة لكنها خرجت مهتزة: "خلاص، هعرف أكمل. اتفضل بره." فاق من ما هو به على كلماتها تلك التي جعلته يهبط إلى سابع أرض عندما كان محلقاً بسابع سماء.
زفر بضيق متوجهاً للخارج، متمتماً بنزق: "أنا مستنيكي بره لحد ما تخلصي." بعد خروجه من الغرفة، تركت لدموعها العنان حتى تنساب على وجنتيها. تزداد شهقات بكائها ورجفة شفتاها، تشعر بوحدتها في ذلك المكان. تشعر بالغربة. تريد أن تبتعد كل البعد عن هنا. هذا ليس بمكانها. لما هي هنا؟ ترتدي ذلك الفستان؟ هي مكانها بغرفتها تحضر لدروسها، ليس لأي أمر آخر. حاوطت كتفها بذراعيها، تشعر بالبرودة تتسرب إليها.
عندما شعرت به يقترب منها بتلك الطريقة. سارت هزيلة الكتفين نحو الخزانة التي أخرجت منها إحدى مناماتها القطنية الوردية، ودلفت إلى المرحاض الملاحق للغرفة لتبديل ثيابها. أخذت وقت بالداخل كأنها تعاود شتات نفسها، لكن لم تقدر على أن تتقبل الأمر. لا تقدر على ارتسام القوة. حاولت جاهدة نفي تلك الفكرة التي تواردتها وهي أن تتخلص من حياتها البائسة تلك قبل أن تتعرض لما سيفعله معها ذلك الرجل. دلف إلى غرفتها عندما تأخرت كل ذلك الوقت.
خرجت هي من المرحاض في نفس الوقت الذي دلف إليها. وقفت متخشبة بوجهها الصافي الذي اصطبغ باللون الأحمر من شدة البكاء، يظهر خلفها شعرها المنسدل خلفها كأشلال من الحرير. وقف الآخر يتأمل حالتها الرقيقة تلك، يشعر بغصة بحلقه. أصاب قلبه عندما وجد آثار دموعها تلك. تنهد بحديثه: "تعالي يلا عشان تاكلي." ابتلعت لعابها مستندة على حافة الباب، تكتسب منها قوتها، تحاول الصمود أمامه. خرج منها صوتها المتحشرج من أثر البكاء وبنبرة مقتضبة:
"مش عاوزة أكل." زفر بضيق من عنادها، مردفاً بحنق: "مش مهم أنتِ، بس أنا عايزك تاكلي." صاحت به بغضب بعدما أوصلها إلى قمة غضبها: "قلتلك مش هاكل، انت مش بتفهم." امتقع وجهه، لكنه حاول الحفاظ على بروده: "هتقومي وإلا أقومك أنا بطريقتي." ضربت الأرض الصلبة بقدمها، مردفة بغضب وعناد: "مش هقوم ووريني هتعمل إيه." توجه نحوها بخطوات سريعة، لم يجعل لها فرصة بالهروب أو التصرف للنجاة من براثنه.
حملها فوق كتفه كشوال بطاطا وتقدم بها للخارج، وهي لم تكف عن الصياح والصراخ والركل بقدمها: "نزللللللللني! نزلنبييييييي يا حيواااااااااان! ضرب مؤخرتها بيده جعلتها تصمت عن صياحها. شعرت بإندلاع حرارة بوجهها من أثر فعلته. همت على استرسال شتائمها له، لكنه قاطعه بضحكته الخبيثة: "أنا دلوقتي عرفت إزاي هسكتك بعد كده." ثم وضعها على أحد المقاعد التي أمامها طاولة مفروشة عليها أشهى الأطعمة. جلست على مضض بوجه مقتضب وعابس.
جلس الآخر بجوارها وشرع بتناول الطعام. نظر إلى الأخرى الجالسة، الشحوب يملأ وجهها، تائهة بملكوت آخر. ترك على الطاولة، مما أدى إلى ارتعابها. انتفضت بجلستها وهي تراه يهدر بها بصوت عال: "هي كلمة واحدة وهتتسمع، اخلصي كلي ومن غير نفس." صمتت، لم تعترض على شيء، لكن دموعها كان لهم رأي آخر وأشرع في الهبوط. تنفس بعمق، ملقياً معلقته بإهمال على الطاولة، مصيحاً بها: "هتاكلي وإلا آكلك أنا غصب عنك." ازدادت شهقات بكائها،
متمتمة بعند ونبرة هالكة: "مش هاكل." وقف من مكانه وشرارات الغضب تندفق من وجهه، متمتماً بتهديد: "خلاص أقوملك بقا." ارتعب وجهها واتسعت حدقتاها رعباً، متحدثة: "خلاص، خلاص، هاكل." حاولت كتم بكائها وبدأت بتناول الطعام وهي ما زالت تبكي وتأني بضعف. التقطت معلقتها بيد مرتعشة لتغرسها بالطبق المحمل بالطعام. رفعت معلقتها أمام فمها، شعرت بإنسحاب قوتها تماماً. شعرت ببركان متوهج بداخلها وبألم يعصف بداخلها بقوة.
ألم سنوات حياتها المدفونة يتصاعد عليها حالياً. وقعت منها المعلقة المحملة بالطعام وشعرت بوقوف العالم حولها. خفقات شديدة بقلبها جعلتها تصرخ بوجع وانهيار، تبكي بهيستيريا. لا تشعر بشيء سوى الألم الذي يعصفها. تريد أن تتخلص منه. إلى متى ستظل هكذا مسلوبة الإرادة؟ كانت تظن أنها حياة مؤقتة وستذهب وسيأتي شريك حياتها يعوضها ويغمرها بحنانه. لكن لا فائدة من الحياة.
لم ترَ سوى تلك السكين على الطاولة، التقطتها وهمت على إنهاء حياتها والتخلص من ذلك الألم الذي يعصفها. لكنها وجدت من يقبض على معصمها يلتقط منها تلك السكينة. التي عندما أخذها منها صرخت بكل قوتها، تريد أن تنتهي من تلك الحياة. قبض على جسدها بذراعيه يحاول منع تحركها وتهدئتها. لم يجد أمامه سوى صفعها على وجهها حتى تفوق. هوى على وجنتها بيده جعلها تسقط مغشياً عليها بين يديه من أثر اندفاعها وتدهور نفسيتها.
انحنى يضع يده أسفل ساقيها، يحمل جسدها الواهن متوجهاً بها نحو الغرفة. وضعها على الفراش متأملاً هيئتها المؤلمة تلك بيأس. غمرها بالغطاء حتى تنعم بدفئه. وقام من مكانه متوجهاً إلى الأريكة الموضوعة بالغرفة. جلس عليها، دافناً وجهه بين يديه. زفر بقوة وهو يتساءل عن أمرها ولما حدث معها. لما يريد تأديبها على ما فعلته وبنفس اللحظة يريدها بين أضلعه يخفيها عن العالم، يغمرها بكل ما تحتاجه.
لما أحس بنصل حاد انغرس بقلبه عندما رأى هيئتها الخائفة التي تحولت للجنون والبكاء بهيستريا. أخذ يتصارع بين عقله الذي يهتف بحديث عكس قلبه تماماً. تحدث عقله بلوم يعنفه: "انت لي مقدرتش تعملها حاجة لي؟ حسيت بالذنب لما شوفتها كده؟ كله من قلبك." القلب: "أنا مغلطش في حاجة، أنا مش قادر ومش مستحمل أذيتها لما شوفتها كده، ضعفت." العقل: "عشان انت ضعيف وهو مشي وراك عشان كده مقدرش يأذيها." القلب: "هو بيحبها وانت لازم تقتنع بده."
العقل: "لا، يستحيل يكون بيحبها، هو مش ضعيف عشان يقع في الحب." القلب: "والحب مش ضعف، الحب هيزيدك قوة مش هيضعفك، هتتقوي بالشخص اللي انت بتحبه." العقل: "متسمعش كلامه، هيضيعك، لازم تنتقم منها." القلب: "لا يا أسر، متسمعش كلامه، انت من امتى وانت بتستقوي على الضعيف؟ انت مش شايف حالتها عاملة إزاي؟
دي بنت لسه صغيرة، سابت حضن أبوها وأمها غصب عنها وده بسبب أبوها وحبه للفلوس وجات ليك، لازم انت تكون الحضن اللي تستقوى فيه مش تخاف منك. ما شوفتش حالتها لما ضربتها أو لما زعقتلها؟ انت بتلومها على إيه؟ فكر فيها وحط نفسك مكانها لو انت مكانها كنت هتعمل إيه." العقل: "الصراحة هو لأول مرة يقنعني، هو عنده حق يا أسر، انت عمرك ما استقويت على الضعيف." صدح صوت همهمات من ناحية الفراش قطعت تفكيره تماماً.
انتفض من مكانه ذاهباً نحوها بلهفة. وجدها تتعرق بشدة، تتحرك في فراشها بقله راحة. تمتمت بكلمات ضعيفة وأهنة: "ارحمني، أرجوك، أنا بنتك، انت لي بتعمل فيا كده." صرخت عالياً منتفضة من مكانها تلهث بقوة غير قادرة على تنظيم أنفاسها من هول ما رأته. أخذ جسدها بين أضلعه، يدفنها بها، يربت على خصلات شعرها بحنين، متمتماً بهدوء: "بس، مفيش حاجة، ده كابوس بس، اهدي، اهدي."
أجهشت في البكاء بين أحضانه وازدادت شهقاتها وارتجافة جسدها بين أضلاعها. أخذ يمدها بكلماته المهدئة. حتى شعرت بالارتياح والاستكانة بين أضلاعه. تنظمت أنفاسها ودلفت بثبات عميق، متشبثة بطوق نجاتها الذي سينجيها من تلك الدوامة المليئة بالوحوش التي تهاجمها.
عندما شعر باستكانة جسدها الغض بين يديه وتنظم أنفاسها، حاول إرجاع جسدها وإبعادها عنه، لكنه وجدها متشبثة به، لا تريد تركه مثل الطفل المتشبث بوالدته خوفاً من الأشخاص الذين حوله. تنهد براحة ودفنها بين أضلاعه، معتدلاً على الفراش، مستنداً بظهره على الوسادة، ضاماً جسدها فوق صدره. وأخذ يتشبع بملامحها الهادئة البسيطة، راسماً على ثغره ابتسامة هادئة جذابة.
تنهد بعمق عندما شعر بالعجز عن وضع سبب مقنع لما فعلته وعن انهيارها وتبدلها بالكامل وزعرها منه. عزم على معرفة كل شيء يخصها من سهيلة وبما كانت ترمي بكلماتها نحوه. تخللت أشعة الشمس الغرفة وداعبت ملامحها الرقيقة. عقدت حاجبيها عندما أحست بثقل عليها. فتحت عيناها بصدمة، ومن ثم أغلقتها بسرعة من الضوء الذي اخترق عينيها. رفرفت رموشها حتى تتعود على الضوء بسرعة.
زاغت عيناها حولها حتى وجدت ذلك الذي يقبض عليها نائماً، يحيطها ويحكم عليها بقوة، يسند بوجنته على رأسها. تململت بحرص تحاول أن تتهرب من قبضته، لكنها لم تقدر على فك قيضه. زفرت بحنق وهي تجز على أسنانها، تهتف بصرامة وصوت عال: "انت يا أخ، انت يا عم، انت! فتح عينيه ببطء، يحاول استيعاب الأمر. تمتم بنبرة متحشرجة من أثر النوم: "صباح الخير. حد يصحى حد كده." حاولت التباعد عنه وفك قيضه، متمتمة بنفور:
"انت إيه اللي جابك هنا وإيه اللي منيمك جنبي؟ حدق بها بصدمة، متحدثاً بجدية: "انتي مش فاكرة حاجة خالص؟ نهضت من مكانها بعدما فك قيضها: "لأ." رفع حاجبيه، متمتماً بزهول رسمه على وجهه بجدية: "بجد والله مش فاكرة أي حاجة حصلت امبارح." جرعت لعابها بتوجس. قبضت على يدها بقوة، تشعر بإنسحاب الدماء من أوصالها عندما أشار لها بكلماته أنه تمم زواجهم. صاحت به وتهجم وجهها وصرخت باكية: "عملت فيا إيه يا حيوان! ازدادت صرخاتها المتهجمة.
قطع هو صوت صرخاتها وبكائها بصياحه: "بس، اخرصي! معملتش حاجة. أنا اتجوزتك على سنة الله ورسوله." انتهى كل ما حدث لها ليلة البارحة. تذكرت ذلك الكابوس الذي راودها ليلة البارحة الذي كان به أبوها يعنفها بالسب والضرب وانتهى به الأمر بأنه قذفها من فوق جبل عالٍ وظلت تحلق بالجو حتى التقطتها يد لم ترَ صاحبها، بل كل ما تتذكره هو تلك الندبة التي كانت على طرف يده.
تسللت دمعة فاره من مقلتيها، هابت أن تندفع أمامه، فأزالتها بقسوة قبل أن يراها الآخر ويشفق عليها. لكنه رأى ما فعلته وأخذ يتأمل ملامحها الجامدة حتى يرى فيما كانت تفكر. تمتم بنبرة حازمة مليئة بالقسوة: "بعد كده لو شوفتني بموت قدامك متدخلش." تنفس بقوة وأطبق على شفتيه من كثرة الغضب. شد قبضته على غطاء الفراش، جاهراً بها: "بت! إنتي! أنا صبري نفذ! إنتِ تتلمي معايا وتظبطي كده، لا أحسن قسما عظما لأندمك على كل اللي حصل وصدر منك."
نهض من مكانه متوجهاً للخزانة، تناول منها ملابس بيتية، سروال أسود وتيشرت رمادي، متوجهاً بهم إلى المرحاض. أما الأخرى فتنهدت بألم عندما غاب بالمرحاض وتوجهت للخارج، تاركة تلك الغرفة التي تضيق تنفسها. خرج من المرحاض يجيب بناظريه الغرفة، لكنه لم يجدها. شعر بقلبه ينحدر من أعلى الهاوية، لكنه هتف باسمها بنبرة بها خوف وقلق من أن لا تجيب عليه. تأوهت من الخارج ودلفت الغرفة، متمتمة بنفور: "نعم." تنهد براحة، معتدلاً بوقفته بعدما
تنظمت أنفاسه المتضاربة: "كنتي فين؟ أجابته بنزق: "كنت بره في البلكونة بشم شوية هوا. ماتخافش مش ههرب يعني." قالت آخر كلماتها باستهتار. تحدث بحدة وبنبرة مهددة وشرار الغضب تدق بعينيه: "لا مش خايف، لأنك مش هتقدري تهربي." اخفضت رأسها وأسدلت كتفيها، متحدثة بألم وانكسار: "طبعاً ما انت عارف إن ماليش ضهر ولا ملجأ عشان أتحمى فيه. ما انت اشتريتني زي أي حاجة هنا في البيت ده."
رفع يده يقبض عليها، آخذاً شهيقاً وزفيراً، محاولاً كتم غضبه حتى لا يندم عن شيء سيصدر منه: "اهدي خلاص، بطلي، أنا هسيبك تهدي وهجيلك تاني." تركها وغادر الدور تماماً وتوجه للأسفل. فوجد سهيلة التي كانت خارجة من غرفتها متوجهة للأسفل. هتف باسمها فتوقفت تستدير له بنفور، متحدثة بحنق: "نعم، عايز إيه؟ رفع حاجبيه متعجباً من نبرتها وطريقتها: "انتي بتكلميني كده ليه؟ صاح بتهجم نحوه: "وعاوزني أكلمك إزاي يعني؟
أضربلك تعظيم سلام أول ما أشوفك؟ صاح باسمها، متحدثاً بنفاذ صبر: "سهيلة، احترمي نفسك واعرفي انتي بتتكلمي مع مين كويس ومتنسيش أنا مين." اهدأت من روعها وتحدثت بجدية تؤنبه عن ما فعله: "أنا مش ناسيه انت مين، بس انت اللي نسيت، انت اللي نسيت انت مين. انت أسر اللي كنت تعتبر بحر من الحنية والطيبة. تعمل كده؟ حرك رأسه معترضاً، محدقاً بعينيه بصدمة، هاتفا: "هو أنا يا بنتي عملت إيه؟ قبض حاجبيه، متمتماً بصرامة:
"وانا معملتش حاجة، أنا اتجوزتها على سنة الله ورسوله وانقذتها من العجوز اللي كانت هتضيع حياتها لو اتجوزته." تنهدت سهيلة، متمتمة برجاء: "ارحمها يا أسر، وبلاش تعاملها وحش، هي طول عمرها وهي تعبانة في حياتها، سيبها وطلقها وخليها تكمل حياتها." تحولت نبرته للرجاء وهو يطلب أن يعرف ما بها وما الذي مرت به: "سهيلة، ممكن تحكيلي عنها وعن حياتها واللي شافته في حياتها؟ يمكن أنا أقدر أعوضها عن ده كله." صاحت به باستنكار: "بعد إيه؟
بعد ما اتجوزتها غصب عنها وأهنتها واشتريتها بفلوسك عايز تذلها وتنتقم منها؟ أغمض عينيه، يشعر بضيق في صدره، متمتماً بضعف: "صدقيني حاولت أنتقم منها، مقدرتش، حاجة جوايا منعتني عنها. شكلها وهي بتعيط كان بيقطع قلبي، أنا بجد عايز أسرق قلبها. بس في حاجة غريبة من كلامها والكوابيس اللي بتجيلها وهي نايمة." أسرعت بحديثها عندما أحست بصدق حديثه وشعوره عنها: "أنا هحكيلك على كل حاجة، بس توعدني إنك هتساعدها وهتكسب قلبها."
تهللت أساريره، متمتماً بفرحة عارمة: "أوعدك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!