تحميل رواية كوثر بقلم Lehcen Tetouani pdf
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
ولدت على شاطيء البحر من إمراة مجهولة الهوية وجدها صياد في احد الليالي الصيفية ملفوفة ببطانية زرقاء على متن قاربه الصغير. أخذها إلى زوجته والطفلة الصغيرة تبكي بكاء تقطع عليه الأفئدة. استغربا الزوجان بدورهما من هذه الفعلة الشنيعة وكيف لقلب ام ان تترك قطعة منها في البراري دون الشعور بالذنب والخزي والعار. حملت زوجة الصياد واحتضنت الملاك الصغير لكي تهدأ وبالفعل سكتت عن الصراخ ومنذ ذلك الحين اصبحت الحضن الذي تلجأ إليه في كل وقت. تبنى الصياد وزوجته الطفلة سمياها علماها القراءة والكتابة واصول وفقه دينها...
رواية كوثر الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
ولدت على شاطيء البحر من إمراة مجهولة الهوية وجدها صياد في احد الليالي الصيفية ملفوفة ببطانية زرقاء على متن قاربه الصغير.
أخذها إلى زوجته والطفلة الصغيرة تبكي بكاء تقطع عليه الأفئدة.
استغربا الزوجان بدورهما من هذه الفعلة الشنيعة وكيف لقلب ام ان تترك قطعة منها في البراري دون الشعور بالذنب والخزي والعار.
حملت زوجة الصياد واحتضنت الملاك الصغير لكي تهدأ وبالفعل سكتت عن الصراخ ومنذ ذلك الحين اصبحت الحضن الذي تلجأ إليه في كل وقت.
تبنى الصياد وزوجته الطفلة سمياها كوثر علماها القراءة والكتابة واصول وفقه دينها وهي في سن صغيرة.
في يوم من الأيام إجتاح القراصنة الشاطيء وسرقوا كل الاطفال الذين يعيشون في ذلك المكان ومن بينهم كوثر التي لم يستطع والديها بالتبني ان يخلصاها من شرهم حتى انهم قتلوا والدها بطعنة مميتة إثر إشتباكه معهم.
حملت باخرة القراصنة مجموعة من الاطفال وأخذتهم بعيدا مخلفين وراءهم قلوبا تبكي على فلذة اكبادهم.
قطعت الباخرة مسافة طويلة حتى وصلوا إلى سوق كبيرة يباع كل شيء فيها الحلال والحرام هناك.
سواء يبيعون النساء والغلمان والذهب والحيوانات وكل ما يباع فيها مسروق من كل البلدان هي سوق سوداء بمعنى الكلمة.
أما كوثر فقد بيعت لإمرأة غير مسلمة ارادتها ان تكون خادمة لها فاخذتها معها لبيت ميسور الحال تعيش هي وزوجها الفظ.
فيهمابين ليلة وضحاها اصبحت كوثر في عالم ثاني غير عالمها لاتعلم من تفاصيله شيئا والمجهول ينتظر بقية ايامها اما الخوف والرعب يحتضن جسدها النحيل.
أخذت الإمراة كوثر إلى غرفة صغيرة لاتحتوي إلا على سرير وطاولة صغيرة واغلقت عليها الباب بالمفتاح دون محاولة ان تتفوه بكلمة.
باتت كوثر وهي ترتعش من الخوف فهذه اول مرة تبيت بعيدا عن احضان والدتها.
وفي الصباح الباكر فتح الباب ولكن هذه المرة رجل من فتحه الذي إنهال عليها بالصراخ و بكلام غير مفهوم.
ذعرت كوثر من هذا الشخص المخبول الذي إنقض عليها فجأة كالوحش أمسكها من ذراعها وأخذها إلى غرفة مليئة بالروائح الكريهة وعلى ارضيته قيء ومجموعة قرورات خمر فارغة مبعثرة هنا وهناك على ارضية الغرفة.
بعدها قذف كوثر بقوة على الارض وهو يصرخ بكلام غير مفهوم ويلوح بيديه إتجاه الاوساخ ورمى امامها دلوا به ماء وغسول ومنشفة.
فهمت المسكينة مالذي اراده منها ذاك الرجل.
كانت كوثر لاتستوعب مما يحدث لها في تلك الاونة ذرفت دموع ودموع عبأت بها الفراغ المتبقي من مياه الدلو.
مسحت كوثر الارضية فلحسن حظها انها شاطرة في اشغال البيت فوالدتها بالتبني علمتها التنظيف والطبخ اليسير ولكن فعلت ذلك واحشاءها تكاد تفرغها فمن يتحمل ان يمسح القاذورات كهذه وخاصة في سنها المبكر هذا.
بعد إنتهائها حاولت كوثر ان تخرج من الغرفة وتوجهت في ركن من اركان المنزل وإذ بالرجل نفسه يترصدها و يحملق في عينيها المرتعبتين بشرارة وحشية ثم تركها ومضى إلى غرفته.
بعد مدة حضرت تلك التي إشترتها من السوق فاخذت كوثر من يدها لتعرفها على المطبخ.
حاولت ان تكلم كوثر وتفهم منها لغتها ولكن عبث لم تستطع كلاهما الفهم على بعضهما البعض وبعد ذلك اصبحت الإشارات هي التواصل الوحيد للتعامل مع الصغيرة.
مرت الايام والشهور على هذا النحو فالخادمة الصغيرة تعودت على لؤم وشر صاحب البيت وبعض الحنية والرأفة من المرأة ربما أحست بعطف إتجاه الصغيرة لانها لم ترزق بالاطفال البتة وبدأت تحميها بدورها من شر زوجها الذي وصل به احيانا بتعذببها وضربها على اتفه الاسباب.
في يوم من الايام وفي ظلمة الليل سكر الزوج كثيرا عن غير عادته وغاب عقله عن الوعي وتوجه مباشرة إلى غرفة كوثر.
رواية كوثر الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
كان زوج المرأة غير المسلمة دائمًا سكرانًا، بالكاد يصحو من سكره. لكن في ذلك اليوم، ربما زاد الجرعة، ذهب عقله وزاغت بصره إلى مكان لم يعتد أن يذهب إليه ليلاً، وهو غرفة كوثر.
أخذ الرجل يترنح ويتمايل حتى وصل إلى باب الغرفة. فتحه بقوة، فوجد كوثر جالسة على بساط صغير، ملفوف رأسها بوشاح أبيض. في الحقيقة، منذ مجيئها لذاك المنزل، لم تنقطع عن صلاتها وتلاوة القرآن في قلبها، الذي حفظته سابقًا عن ظهر قلب من والديها بالتبني. كانت تفعل ذلك خفية عن الزوجين لكي لا تنال عقابًا منهما، فهي تعلم جيدًا أن ديانتهم غير ديانتها، وذلك ظاهر من تصرفاتهما والمعتقدات التي يتبعانها.
عندما رأته، فزعت المسكينة وظنت أنها ستعاقب وتُعنّف كما ألِفَتْه قبلاً. ولكن لم يخطر ببال طفلة صغيرة أن هناك أكثر من الضرب والعنف. والرجل كان في نيته شيء أكبر من تخيلاتها.
انحنت كوثر على نفسها ولملمت أطراف قدميها لتحتضنهما، وأومأت رأسها مابينهما وهي تتمتم بصوت خافت. بينما الرجل يتقدم بخطواته نحوها، وعيونه حمراء كلها شرر، يرى في تلك الفريسة شهوته القذرة. فالخطيئة كانت من مبادئ أولوياته، وليس لها حدود أو قوانين خاصة لتردعه.
تخطى أكثر بخطوات متمايلة تنساق نحو كوثر، ففجأة تعثر في إناء الوضوء الذي لم ينتبه لوجوده مابين قدميه، وسقط على إثرها سقطة واحدة على حافة الطاولة. ارتطم فيها رأسه وطُرح صريعًا، والدماء تسكب بغزارة شكلت بركة كبيرة على سطح الأرضية.
رفعت كوثر رأسها على حس السقطة، وعندما رأت المنظر هلعت وأصبحت تصرخ بهستيريا. وأعادت تغمض عينيها من جديد. سمعتها المرأة وأتت لغرفتها على جناح السرعة. فصعقت بدورها من المنظر البشع، وتوجهت نحو كوثر واحتضنتها وأخرجتها من الغرفة، وذهبت بعدها نحو الهاتف لتتصل بالطوارئ.
بعد أقل من أسبوع، عقب الحادث الشنيع، أُخذت كوثر إلى السجن حتى تثبت إدانتها أو تبرأتها إثر كيفية موت الرجل في غرفتها. وبعد التحقيقات المكثفة، اكتشفوا الحقيقة أن كوثر لم تكن مجرمة في حق المتوفى. والبصمات وبعض الأدلة أثبتت ذلك.
في تلك الأيام، لم تترك زوجة المتوفى كوثر، بل كانت لها عونًا في إخراجها، وشهدت على زوجها أنه الملام الوحيد في وفاته. فهي لم تتأثر بموته لأنه كان دائمًا سيء المعاملة معها ولم يحترمها قط كإنسانة ثم كزوجة. لذلك لم ترحمه في شهاداتها لدى الشرطة.
خرجت كوثر من السجن منكسرة، خائفة من الأيام القادمة. وكان كل حلمها في تلك الأثناء أن تختبئ في أحضان والدتها بالتبني وتنسى كل ما مر بها مؤخرًا. وحلمها قد يتحقق لها ذات يوم دون أن تعلم.
عادت مع المرأة التي شاءت الأقدار أن تعيش في منزلها من جديد. لم تكن كوثر متذمرة هذه المرة، فالشيء الوحيد الذي يعيق صفو مكوثها في ذاك المنزل الغريب قد أُزيح من أمامها بوفاته. أما ربة المنزل، فهي طيبة معها، تعاملها بحنية. ومع الأيام، أدخلتها إلى مدرسة خاصة لتتعلم لغتها كي تستطيع التعامل معها أكثر سلاسة وتفهم.
وبالفعل، تعلمت كوثر لغة المرأة في رقم قياسي، فهي ذكية من صغرها ولديها القدرة على الحفظ بطريقة عجيبة. وعلى هذا، تقربت من المرأة أكثر وأصبحت تعامل كأنها صاحبة البيت، وكل طلباتها تستجاب، وكأن كوثر تبنت للمرة الثانية من هذه المرأة التي أصبحت مع الوقت تعاملها كدرجة ابنتها الحقيقية.
في أحد الأيام، مرضت المرأة كثيرًا، حمى مرتفعة اجتاحت جسدها، ولم تجد من يعتني بها إلا كوثر. التي سهرت عليها بدورها مدة ثلاثة أيام بلياليها، تقوم بتخفيض درجة حرارتها بالأدوية الطبية التي وصفها لها طبيب كشف عليها في منزلها. والعلاج الثاني التي كانت تتبناه الصغيرة هي رقيتها بالقرآن.
تضع يدها على جبهة المريضة وتقرأ عليها بعض السور الشافية، وفي الليل كذلك ترتل على مسامعها وهي مستيقظة بصوت مسموع سور قصيرة وبعضها طويلة حتى تنام المريضة في هدوء وسكينة، وهكذا حتى شفيت كليًا.
بعد شفائها، لم تنس المرأة تلك الكلمات التي أراحت قلبها وهي في عز مرضها. سألتها من أين أتت بذلك الكلام. فأخبرتها كوثر أنه ليس بكلامها، ولكن هو كلام الله المنزل على عباده.
وبعدها، أرادت المرأة أن تتوغل أكثر في فهم هذا الدين التي سمعت عنه قبلاً، ولكن لم تجرؤ يومًا أن تخترق نصوصه. ولأول مرة دخل كتاب الله في ذاك المنزل، التي ابتهجت كثيرًا كوثر بوجوده أمامها وتحمله متى أرادت دون خوف أو عتاب. لتقرأ آياته القرآنية على مسامع المرأة، فتعلق قلبها أكثر بسماع كلماته المريحة التي تترجمها لها كوثر بعد أن تنتهي من كل آية أو سورة.
رواية كوثر الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
مرت خمس سنوات كبرت فيهم كوثر قليلاً. كبرت في تفكيرها وإدراكها للأمور التي حولها أكثر من جسدها وجسمها النحيل الذي لم يتغير كثيراً.
علمت كوثر أن المرأة التي تعيش عندها أصبحت مهيأة لدخول الإسلام. فاقترحت عليها أن تسافرا إلى بلدها الأم، وهناك تعلن شهادتها أمام عالم رباني. وفي نفس الوقت تلتقي بأمها التي لم تنسها ولو ليوم واحد.
نال اقتراح كوثر استحساناً على قلب المرأة. فهي أحبت الإسلام الذي قرأت عنه كثيراً في السنين الأخيرة وأرادت أن تعلن إسلامها، ولكن خوفها من أهلها والأشخاص المحيطين بها حال دون ذلك. فجعلت الأمنية مخبأة في قلبها لحتى كشفت عنها كوثر.
قررا أخيراً السفر إلى بلد كوثر في أواخر الأسبوع. ويا لفرحة كوثر على هذا الخبر.
سافرت كوثر مع المرأة التي أصبحت بمثابة والدتها. إذ قررت أن تناديها بـ "ماميتا". لاحقاً، أصبحت ماميتا تأتي في المرتبة الثانية بالنسبة لقلب كوثر بعد أمها بالتبني، حيث وجدت عندها الاحتواء بعد سرقتها وهي صغيرة من بين أيدي لصوص لا ترحم. وبعد الظلم الذي اشتراها كعبدة تخدم على نظافة قذوراته وأوساخه فوق استطاعة قدرتها العمرية. ولولا هذه الإنسانة التي ألقى الله في قلبها حب كوثر، لما ضاعت في أرض الله الواسعة دون علم مصيرها كيف سيكون.
بعد يومين من السفر، وصلت أخيراً كوثر وماميتا إلى البلد الذي ولدت فيه. ومنذ نزولها من الباخرة، دموع كوثر لم تستطع إيقافها والفرحة طرقت أخيراً وجدانها.
ورغم تعب السفر، لم تحاول أن تبحث كوثر عن بيت والديها بالتبني. هي تتذكر الأسماء الكاملة لوالديها، واسم الشاطئ الذي يقربه البيت الصغير الذي ترعرعت فيه وهي طفلة صغيرة. أما المنطقة بالتحديد، فالسنوات أنستها إياها.
بعد السؤال هنا وهناك، استطاعت كوثر الوصول أخيراً إلى البيت الدافئ الذي تربت فيه. حينها فقد اجتاحتها نوبة الذكريات الجميلة. ذكريات والدها والقارب الصغير الذي كان يأخذها عليه أحياناً في وسط البحر لصيد الأسماك ثم بيعها. ووالدتها التي كانت تعلمها كيف تطبخ وهي تردد بعض الآيات والسور كي تحفظها. ذكريات جميلة أرادت كوثر أن تحيي البعض منها بعد عودتها.
طرقت كوثر الباب كثيراً. ظنت لوهلة أنه لا يوجد إنسان بداخلة. بعد هنيهة، فتح الباب طفل صغير في سن الرابعة تقريباً، الذي حير كوثر من يكون بالضبط.
سألته عن والدتها بذكر اسمها، فأخبرها أنها بالداخل ولكنها متوعكة قليلاً.
دخلت كوثر وخطواتها سريعة وعينيها تبحث عن والدتها في كل أركان المنزل. وعندما رأتها ملقاة على السرير، أصبح قلبها يخفق بقوة ونادتها: "أمي أمي، ها أنا عدت من جديد إليك".
كانت والدة كوثر متعبة جداً، ولكن ما إن رأت وسمعت صوت كوثر حتى هل قلبها ونهضت من فراشها كأنها صبية. سارعت لاحتضان كوثر والدموع تتمازج مع دموع ابنتها التي افتقدتها كثيراً وجعلت من فراقها أياماً وحشة وغلظة بدونها.
التقت كوثر مع والدتها أخيراً بعد غياب دام تقريباً ست سنوات. فأخبرتها مالذي حدث لها في تلك السنين من الألف إلى الياء. كما عرفتها على ماميتا وأخبرتها من تكون وأنها من أنقذتها من الضياع المحتم.
ومابين الأخذ والرد في الكلام، سألت كوثر والدتها من يكون هذا الصبي الجميل. فكانت المفاجأة أنه أخوها الأصلي من أمها الحقيقية.
صعقت مسامع كوثر من والدتها بالتبني. هو ذاك الصبي الصغير الذي أخبرتها أنه أخوها من والديها الحقيقيين. والديها التي لم تسأل عنهما يوماً كوثر من يكونان. عكس أي شخص في مكانها مر بالظروف التي مرت بها، خاصة أنها تعلم منذ صغرها الحقيقة كاملة. كيف وجدها والدها بالتبني على قاربه وهي رضيعة في اللفة. ربما لم تسأل لأنها وجدت الأمان والسلام والطمأنينة ما بين أحضان من ربياها منذ اليوم الأول من ولادتها.
ولأول مرة، سألت كوثر والدتها من تكون أمها الحقيقية وكيف أتى هذا الطفل لهذا البيت.
فأخبرتها القصة كاملة التي أخفيت عنها منذ ولادتها لهذه اللحظة.
رواية كوثر الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
سألت كوثر والدتها:
من تكون أمي الحقيقية؟ وكيف أتى هذا الطفل لهذا البيت؟
فأخبرتها القصة كاملة التي أخفيت عنها منذ ولادتها لهذه اللحظة.
قالت لها: أمك يا كوثر في الحقيقة، قبل أن تتركك في قارب والدك، فعلت ذلك عمداً. قبل ولادتك، بحثت كثيراً عن المكان المناسب والأسرة التي تستطيع أن تستأمن على فلذة كبدها.
حيث علمت عنا أننا لا ننجب أطفالاً، ووالدك كان إنساناً معروفاً أمام الجميع بخصائله الحميدة وأخلاقه الطيبة.
وحكاية أمك كبقية القصص، أحبت شاباً بجنون. وعندما علم أن أمك حامل بك، لم يتركها ولم يكن نذلاً، بل واجه عائلتها وعرض الزواج من ابنتهم.
ولكن عائلة والدتك رفضوا رفضاً قاطعاً الزواج منه، لأن والدك كان يُنسب إلى عائلة بينها ثأر منذ القدم، واستحالة أن يرتبط أحد أفراد من كلتا العائلتين.
وهنا وقعت الصدمة على أمك، فبعد فضح حملها، أصرت عائلتها التخلص نهائياً من هذا المولود الذي لم يرزق بعد، وذلك بإجهاضه.
ولكن والدتك أصرت على الحفاظ بك وعانت من عائلتها الأمرين.
وعندما حان موعد ولادتها، ولدتك أمك على الشاطئ وتركتك على القارب خوفاً من عائلتها أن يتخلصوا منك، ولن تراك مجدداً.
بعد وضعك في القارب، هربت أمك ووالدك براً إلى بلدة مجاورة، بعد أن تأكدا أننا أخذناك وقبلناك مابيننا.
بعد مرور السنين، وبالضبط بعد وقوع سطو القراصنة على أطفال المنطقة، عادت أمك للبحث عنك وهي تحمل هذا الصبي، الذي كان آنذاك عمره سنتين.
وكم تعبت وندمت وبكت وقاست وتألمت لما سمعت أنك اختطفت من القراصنة.
ولكن قلبها كان يحدثها دائماً أنك بخير وستعودين إلى منشئك ذات يوم.
منذ تلك الفترة وأمك لم تيأس برجوعك، وكانت دائمة المجيء عندي، خاصة بعدما علمت أني أصبحت وحيدة بعد قتل والدك.
كانت تساعدني في العيش وتتفقد أحوالي من فترة إلى أخرى، حتى أصبحت لي كصديقة وأعز فل.
فلولا هي لما علمت كيف أصبح حالي من بعد رحيلكما أنت ووالدك.
وهذا الصبي هو ونس وحدتي الآن، حيث يتركه والداه ويذهبان للعمل، ومساءً يأخذانه ليعودا إلى منزلهما.
فهما استقرا هنا أخيراً بعد أن توفى والد أمك، أي جدك يا كوثر.
هذه هي كل القصة، ولم يبق إلا القليل وستجدين والديك الحقيقيين هنا أمامك، وسيندهشان لما سيرونه.
فأمك صادق حسها فعلاً، ولقد عدت مابيننا ياعزيزتي من جديد.
لم تندهش كوثر كثيراً مما سمعته من والدتها، فهي أصبحت لا تتأثر بشيء.
ربما تجمدت مشاعرها من الأحداث التي عاشتها وراء بعضها البعض وهي مازالت صغيرة.
بعد لحظات، طرق الباب، وعلمت كوثر أنه حان الوقت لمواجهة الحقيقة، حقيقة رؤية والديها الأصليين.
فأصرت أن تفتح الباب هي، وفي يديها الوشاح الأزرق الذي خبأته لها والدتها بالتبني يوم وجدت كوثر على القارب وهي رضيعة ملتفة به.
وما إن فتحت الباب كوثر على مصراعيه، حتى وجدت صورة جميلة لامرأة حسناء متشبطة بيد رجل حسن المظهر، علمت أنهما والداها.
بصراخ أخيها وهو ينادي ماما بابا من ورائها، وهو يجري نحوهما ليحتضنهما.
أما والدة كوثر، عندما رأت الوشاح الأزرق، خفق قلبها بشدة وأصبحت ترتجف، وتمسك بذراع زوجها بقوة.
واليد الأخرى تقوم بإشارات الصليب على وجهها، ثم سقطت مغشاة عليها.
لم تتوقع يوماً كوثر أن والديها الحقيقيين هما ليس مسلمين، وتعجبت للقدر أن يمنحها أجمل وأحن وأرقى ثلاث أمهات من ديانات مختلفة في الدنيا.
وهل يا ترى ما الذي مازال يخبئه لها القدر بقية حياتها.
سعدت كثيراً كوثر باللمة العائلية التي أحاطت بها عن دون غيرها بثلاث أمهات ذوات جنسيات وديانات مختلفة.
كل واحدة منهن لها معزة خاصة في قلبها، والغريب أنهن يجتمعن على مائدة واحدة يأكلن من نفس الطعام، وهن مسرورات بأن كوثر هي من جمعتهن على طاولة واحدة فوق أرض واحدة ومنزل واحد.
مع الأيام، تعرفت كوثر على التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة التي طرأت على البلدة منذ أن رحلت عنها.
فكم وجدت اختلافاً واضحاً بها، وهي تتذكر القليل من ملامح الأماكن والعادات وطباع الناس التي كانت تتصف بها سابقاً.
ومن بينها ذلك الشاطئ الذي خلف وراءه مشهداً مروعاً باختطافها آنذاك، بأنه اختلف كثيراً وأصبح على شطه سفن وبواخر عملاقة، وأناس تصطف بكثرة من كل عرق ولون.
كما تعرفت على والدها عن قرب، الذي أبهرها عقله، كيف يفكر بحكمة ورزانة، وبالأخص أخاها الصغير الذي سيطر حبه على قلبها في وقت قصير.
فهو ليس بشقي، إنما هو خجول وطيب، بالرغم من صغره، فهو لم يمانع أن يعتني بنورية التي تبنت كوثر قبل أن تسرق، ويفعل ذلك في الوقت الذي كانا يعملان فيه والداه خارج المنزل.
ولكن الفرحة لم تكتمل لكوثر، ككل فرحة يأتي بعدها حزن.
كأي فرحة زائرة تعد بالمغادرة في وقت قصير على الفور.
تفاقمت حالة نورية للأسوأ، وكان عليها أن تستبدل كليتها في أسرع وقت، وإلا لم يبق لها إلا أسابيع فقط.
بعد أن علمت كوثر بالخبر، لم تستطع أن تفارق نورية في مرقدها ولو للحظة، ولم تدع يدها التي كانت تقبلها كلما تناديها باسمها.
فهي اشتاقت لليد التي حنت على رأسها وعلى حضنها التي كانت تلجأ إليه في عز خوفها وفرحها عند الطفولة، ذاك الحضن الذي مازالت تحتاج إليه حتى وإن يظهر عمرها الحالي عكس ذلك.
وفي تلك الأثناء، قررت كوثر أن تفعل المستحيل لكي تنقذ أمها نورية.
رواية كوثر الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
قررت كوثر أن تفعل المستحيل لكي تنقذ أمها نورية، وبدأت بالبحث عن طبيب متمرس مختص في جراحة الكلى. بالرغم أن ماميتا نصحتها أن تأخذ نورية معها وتعودان إلى أوروبا، فهناك الطب متقدم ولها من المعارف ما يسهل عليها شفاؤها، ولكن نورية رفضت رفضًا لا نقاش فيه، فهي تريد أن تموت في وطنها وتدفن تحت ترابه.
حزنت كثيرًا كوثر من الفرصة التي ستضيعها نورية من يدها، قد تكون سببًا في شفائها، ولكنها لم تستسلم. وبمساعدة والدها، قاما بإيجاد طبيب مختص، والذي هو في الحقيقة شخص يقربها من طرف عائلة والدها.
التقَت كوثر بالطبيب المختص في علاج مرض الكلى، وكم دهشت حينها عندما وجدته شابًا في مقتبل العمر، عكس ما ظننته أنها ستجد رجلاً مسنًا. ولكنها علمت بعد ذلك من والدها آدم أن الشاب هو متخصص في نفس الأمراض المتخصص فيها والده.
يقوم بفحص المرضى، والذي يجده أن مرضه متفاقم وعليه أن يجري عملية فورية، يقدم المريض لوالده ليتمم بدوره العلاج عن طريق تتبع خطوات متتابعة حتى يأخذ قراره الأخير، إما المريض يقوم بالعملية أو أنه فات الأوان على ذلك ولم يبق سوى أن يكمل علاجه بتناوله للدواء وقدر عمره عند الذي خلقه.
لم تتحدث كوثر مع الطبيب كثيرًا، سوى أنهما تعرفا على بعضهما البعض بصفة خاصة بسبب وجود قرابة من بعيد من طرف عائلة والدها. وأخبرها أيضًا أنه على دراية بقصتها، الذي علمهم إياها والده منذ فترة طويلة.
وسعد أنها عادت إلى أحضان وطنها وعائلتها وهي بخير وبكامل صحة وسلامة.
ثم بعد ذلك أخبرها أنه سيقوم بمتابعة فحص والدتها شخصيًا، ووصف لها تحاليل وأشعة. ليثبت أين وصل حدود مرض نورية، وطمأنها أن الطب تقدم ويوجد دواء لكل مرض.
أحست كوثر بالراحة قليلًا عند تحدثها مع جوني ومنحها أملًا في علاج نورية. وفي طريق عودتها مع والدها، لم تنس كوثر أمر ماميتا، والتي من أجله جاءت إلى ديار العرب حتى تشهر وتعلن إسلامها.
فعرجت عند أقرب مسجد وطلبت من والدها أن يعود للمنزل ثم لن تطيل وتوافِيه على الفور. فدخلت هي بمفردها داخل المسجد تبحث عن إمامه، فوجدته بمساعدة بعض الناس هناك يقوم بخطبة مصغرة يجمع فيها بعض من الشباب والرجال يوعظهم ويشرح لهم أمور دينهم ودنياهم.
حينها انتظرت كوثر بعيدًا عن المجلس وهي تسمع إلى كلامه المؤثر حتى فرغ من الخطبة وقابلته لتروي له قصة ماميتا التي تريد أن تنطق الشهادتين وتكون بعد ذلك امرأة مسلمة حرة بعيدة عن ديانتها ومعتقداتها التي أصبحت لا تؤمن بها مع الوقت.
بارك الشيخ كوثر التي بسببها أدخلت امرأة في ديننا الحنيف، وقدم لها موعدًا بعد يومين بأن تحضر هي وماميتا ليعرفها كيف تنطق الشهادتين بنطق سليم وبكل نية وصدق.
عادت كوثر إلى منزل نورية فوجدت الجميع مجتمعين على قهوة المساء. ففرحت حينها كوثر ماميتا بالخبر، فهنأها الجميع بدخولها الإسلام. فبالرغم من أن والدي كوثر على ديانة غير ديانتها، إلا أن الأمر لم يكن يزعج أحدا. فكل فرد يهتم يحترم بعضه البعض ولا يتدخل في شؤون معتقداته ودينه. ويدركون جيدًا أين تقف حدودهم في تدخلهم للطرف الثاني.
في تلك الأثناء، دق أحدهم على الباب وعندما استقبله آدم، عرفه بنفسه أنه صاحب البيت، وعلى صاحبته أن تفرغ المكان فورًا.
لم يستغرب آدم من طلب الرجل ولا حتى نورية في تلك اللحظة، بل من استغرب من الموضوع حقيقة هي كوثر، كيف يحق للرجل أن يخرج نورية من بيتها؟
فروت بعد ذلك لها نورية الحكاية منذ البداية، من يوم تركتهم ومالذي حدث من ورائها.
فبعد وفاة زوج نورية في اليوم نفسه الذي اختطفت فيه كوثر، والذي قُتل على يد القراصنة، بعد مرور شهر تقريبًا من وفاته، ظهرت أسرته فجأة وبدون مقدمات تطالب بكل ما تركه زوجها، بما أنها لم يكن له أولاد يحملوا كنيته. ومن بين تلك الأشياء التي يريدون أخذها هو المنزل والقارب.
وأردفت نورية توضح كل ما مر بها من ظلم في تلك الآونة.
أخبرت كوثر أنها بعدما طردوها أصبحت تتنقل من منزل لآخر تستأجره ببعض النقود التي تركها لها زوجها والتي خبأتها من أهله الطماعين، مع بعض النقود التي كانت تجلبها من وراء عملها البسيط ببيع بعض الأسماك التي تشتريها مباشرة من قوارب الصيد ثم تعيد بيعها وهي طازجة.
إلى أن خانها جسدها ومرضت ولازمت الفراش ما بين فترة وأخرى. فشفق على حالها في تلك المدة المريرة التي تمر بها أحد أصدقاء زوجها عندما علم بحالتها، فمنحها بيته الذي كان فارغًا وطلب أن تمكث فيه معززة مكرمة ولا تفكر في تعب الإيجار والتنقل من مكان إلى مكان.
ومنذ سنين وهي بهذا المنزل لا أحد داس على طرفها أو أزعجها. ومنذ فقط قرابة حوالي أسبوع علمت بوفاة ذلك الشخص النبيل الذي حزنت عليه كثيرًا، فهو الوحيد الذي ساندها في عز محنتها.
كما أدركت يقينًا أنه سيأتي يوم ويدق أحدهم على الباب مطالبًا باسترداد حقه. واليوم جاء الوقت المعهود وها هم الآن قدموا بمطالبة حقهم في ميراث زوجها. والحق يرجع إلى أصحابه حتى وإن طال الزمن.
رواية كوثر الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
تأسفت كوثر لما آلت إليه والدتها بالتبني بعد وفاة الذي رباها، وشعرت للحظة أنها سبب في كل ما حدث لهما، من مقتل والدها وشقاء نورية.
في تلك الأثناء، اقترح عليها آدم أن ينتقلوا جميعًا إلى منزله، وسيوفر ذلك عليهم عناء الطريق من أخذ وإعادة ابنهما بينه وبين منزل نورية أثناء فترة عملهما. فبالرغم من أن المنزل صغير مساحته بعض الشيء، إلى أنه يكفي بالغرض. وغرض آدم من اقتراحه هو جعل كوثر تعيش وتندمج في وسط أسرتها الحقيقية، فكفاها غربة وحان الوقت أن تستقر مع من هم من دمها.
وبعد المشاورة والأخذ والرد وطرح بعض الاقتراحات كإيجار مثلاً منزل قريب من منزل آدم، الذي رفض الفكرة بتاتًا. وبالتالي كان القرار الأخير الرحيل جميعهم إلى منزل والد كوثر.
وبالفعل في اليوم الموالي، جمعت جميع الأغراض التي بالمنزل وانتقلت نورية وماميتا وكوثر إلى منزل عائلتها الحقيقية، التي هي أول مرة تدخل عتبته. حين ذاك انشرح قلبها للمكان عكس ما كانت تتوقعه، فأخذت غرفة أخيها المربعة الشكل لتشاركها مع ماميتا، بينما انتقل أخيها إلى غرفة أقل مساحة من غرفته السابقة.
وكم ترجته كوثر أن يبقى معهما بالغرفة، لكنه رفض بنية أنه أحيانًا يستضيف أصدقاءه المقربين للمبيت عنده، كما أنه يحب اللعب ولا أحد يستطيع تحمل إزعاج طفل يلعب مع أصدقائه أو حتى بمفرده. فضحك الجميع على كلامه، فبالرغم من صغره إلا أنه يعرف كيف يوصل الفكرة التي تخص ناحيته فيقنعك بكلامه في الأخير.
مر يومان من لقاء كوثر بالطبيب. فبعد قيامها بالتحاليل والأشياء المستلزمة منها، أخذت النتائج برفقة نورية وأعطتها للطبيب لكي يطلع على التحاليل والأشعة السينية. وبعد قراءته للنتائج وفحصه لنورية، تغيرت ملامحه فجأة، وكان تغيره واضحًا كوضوح الشمس أمامهما.
فأخبرته نورية أن يباشرها بالحقيقة مهما كان الوضع سيئًا، فهي لا تخاف من الموت وتستطيع أن تصمد وتتقبل الواقع. تردد الطبيب كثيرًا من قول حقيقة مرض نورية، ولكنه في الأخير قال إنهما لابد أن يعلمهما بالتقرير الطبي عن حالتها. حينها أخبرها أن إحدى كليتيها ميؤوس منها، والأخرى تعمل بشكل بطيء وقد تتوقف في أي لحظة.
هنا وقفت كوثر من على الكرسي وقالت للطبيب إنها مستعدة أن تمنحها إحدى كليتيها. عندما سمع الطبيب كلام كوثر، عقب على كلامها أن الأمر ليس بهذه السهولة، فالعملية خطرة، وخاصة أنها حتى الآن لم يطبق الطب على أرض الواقع تجربة التبرع للمريض، فكله ما زال مبنيًا على ورق والتطبيق لا يزال في طور الإنشاء.
فذكرت كوثر الطبيب بالعملية الأخيرة التي تم تبادل الكلى فيها، والإعلام الذي تابعها بأهمية كبيرة، حيث كانت ثورة القرن.
طأطأ الطبيب رأسه وأخبرها أن الإعلام يخفي دائمًا الحقيقة. فالعملية التي تتحدثين عنها وأشغلت الرأي العام فشلت فشلاً ذريعًا، وقررت الصحة العالمية أن تخفي الحقيقة نهائيًا، لأنه في حينها لم يته فقط المريض، بل أخذ معه قريبه الذي أراد التبرع له لإنقاذ حياته وهو بكامل صحته. ولكن بعد هذه الضجة، خرج طبيب وصرح عن هذا الموضوع بأنه حدث خطأ بسيط لم يكن في الحسبان وأدركه الأطباء، ولكن بعد فوات الأوان، وذلك بانقطاع الأكسجين فجأة على المريضين، ولم يكتشف الأطباء الخطأ في ذاك الحين.
ولكن كوثر لم تسكت، بل أردفت كلامها تقول إن أكبر الأطباء صرحوا أنهم مستعدون أحسن استعداد للقيام مجددًا بزرع الكلى للمرضى، ونتائجها هذه المرة ناجحة مائة بالمائة.
عاتبها الطبيب لماذا تريد المجازفة بحياتها، فالأمر كله ما زال مبنيًا على مجرد فرضيات والقيام بتجارب على الإنسان، ولن تكون لهم سوى مجرد حقل تجارب لهم.
هنا تدخلت نورية وطلبت من كوثر أن تهدأ، فالأمر لا يستدعي إلى كل هذه الجلبة، فما كتبه الله لها سيكون، وهي كلها راضية. كما أنها انفعلت وأخبرتها من أين أخذت هذه الفكرة، وكيف لها أن تتوقع بأنها ستدعها تخاطر بحياتها، فهي ترفض الفكرة وعليها أن تخرجها من رأسها نهائيًا.
لم تأخذ كوثر بكلام الطبيب ولا حتى نورية، بل طلبت من الطبيب على جنب أن يأخذ لها موعدًا مع والده، وما كان عليه إلا أن يوافق تحت إصرارها وعنادها. وكان الموعد في اليوم التالي صباحًا.
رواية كوثر الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
عادت كوثر ونورية إلى المنزل وهما مهمومتان. الحزن بادٍ على وشوشهن والصمت طغى على مجلسهما. فارادت كوثر أن تخفف قليلاً على نورية، فلم تجد سوى أن تأخذها معها إلى بيت الله لتحضر جلسة النطق بالشهادة لماميتا.
فرحبت نورية بالفكرة، وحينئذ انطلقن جميعهن إلى المسجد. حتى والدة كوثر، فهي أرادت أن تشاركهن الحدث، فهي معهن في الضراء قبل السراء، ولن تتركهن في يوم مميز كهذا.
كانت الجلسة مؤثرة كثيراً. ومن لم يبكِ في تلك الأثناء، خاصة عندما كانت ماميتا تلفظ بالشهادتين.
رغم أنها وجدت صعوبة شديدة في النطق السليم للكلمات، بما أنها لغتها بعيدة كل البعد عن لغة الأم، لغة الكتاب، لغة الله.
وكانت كوثر هي من كانت تترجم لها كلام الإمام ونصائحه لماميتا. واقترح عليها أن دخولها للإسلام لا يقتصر على النطق بالشهادتين فقط، بل تستطيع التوغل في كسب معرفة المعنى الحقيقي لجمال القرآن أكثر، وذلك بحفظ بعض السور منه لتستطيع قيام الصلاة بها أيضاً، والتي وجب عليها فرائضها منذ اللحظة التي أعلنت فيها إسلامها.
كما اقترح عليها الإمام أن ارادت أن تحفظ بعضاً من السور، والتي ستبدأ منها القصيرة فقط حتى تألف النطق بالحروف الأبجدية. فهناك أخوات يقمن بمساعدة حفظ القرآن للذين يرغبون ذلك في الفترة الصباحية.
وافقت ماميتا فوراً بعد أن ترجمت لها كوثر ما الهدف الأخير من كل ذلك. ولم تدع نورية الفرصة، فهي تريد شيئاً يريح ويهدأ ويطمئن قلبها في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها بالذات، ولا يوجد أجمل من ذكر وتلاوة القرآن.
فطلبت من كوثر أنها هي من ستكون مرشدة ماميتا للطريق مابين المنزل والمسجد، واتفقا على ذلك، رغم اعتراض كوثر في البداية بسبب سوء صحة نورية، فهي تخاف عليها وهي خارج المنزل.
في اليوم التالي، ذهبت كوثر بمفردها دون دراية نورية إلى الموعد الذي حدده لها الطبيب مع والده.
ومن كان ينتظرها في الرواق هو الطبيب نفسه.
لم تستطع كوثر أن تستوعب أنها ستفقد نورية في أي وقت دون أن تفعل لها شيئاً لينقذها. خاصة بعدما أوضح لها والد الطبيب المختص في أمراض الكلى، بأن تضحيتها لن تزيد من عمر والدتها بالتبني إلا عدة أيام فقط.
وأردف يوضح لها بالتفصيل أنها حتى ولو نجحت تبادل الكلية، ستخسرها في عدة أيام لا أقل ولا أكثر، لأن جسدها أصبح لا يتحمل المقاومة وبعض الخلايا الداخلية تلفت وأصبحت لا تعمل.
وأتم يقول لها: "حتى هي، يقصد كوثر نفسها، لن تسلم. قد تحدث للعملية مضاعفات والجرح قد يتعفن وتنتكس نجاح العملية برمتها في أسبوعها الأول. لذلك عليها أن تتخلى عن الفكرة وترضى بالقدر".
خرجت كوثر من عند الطبيب وهي محبطة، تبتلع دموعها الغزيرة التي تنهمر على وجنتيها. ومن رافقها إلى الخارج الطبيب الذي كان معها منذ بداية اللقاء، وذلك طلباً من والدها آدم الذي كان يتتبع خطوات ابنته من بعيد، إذ أنه خاف عليها في كلتا الحالتين، إن قامت بعملية التبديل أو برفضها. فكلاهما سيحزن ابنته كثيراً، فهو أصبح يعلم ما الذي تعنيه لها نورية.
طلب الطبيب من كوثر أن لا تذهب للمنزل مباشرة وهي على هذه الحالة المزرية. فطلب منها أن يأخذها إلى مكان تستطيع أن تستعيد فيها أنفاسها قليلاً، ثم تعود للمنزل إن أرادت بعد ذلك.
فوافقت كوثر بعد إلحاح الطبيب بأنها لن تندم على الذهاب معه.
وبالفعل، المكان الذي أخذها الطبيب إليه كان جد ساحر. بحيرة زرقاء تسبح عليها طيور البجع الجميلة، وكل ما حولها كان عبارة حشيش كثيف ونباتات طويلة الشكل. مابين أغصانها الرفيعة أزهار متنوعة الألوان، مما أضاف للمكان جمالاً ورونقاً.
شرح قلب كوثر للمنظر، التي بهرت بجماله وروعة. وسألته مصاحبة ببسمة نورت وجهها الحزين قليلاً: "كيف له أنه اكتشف هذا المكان بالرغم من المسافة البعيدة مابينه وبين عمله أو منزله؟".
فروى لها الطبيب قصة اكتشافه للبحيرة. أخبرها أن ذاك اليوم لا يود أن يذكره.
رواية كوثر الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
بدأ الطبيب يروي لكوثر قصة اكتشافه للبحيرة.
أخبرها أن ذاك اليوم لا يود أن يذكره.
في أحد الأيام، طلب منه صديقه المقرب أن يأخذ ابنته الوحيدة للمستوصف في اليوم التالي.
كان صديقه سيسافر لأمر ضروري يخص عائلته الكبيرة.
قال له الطبيب إن الفتاة الصغيرة يظهر عليها شحوبة وتسترجع كل ما تأكله.
فطمأنه الطبيب أنه سيفعل وسيجدها بخير عندما يعود من سفره المستعجل.
وضح لها وهو يقص عليها القصة أن تلك الفترة لم يكن طبيباً بعد.
في اليوم التالي، نسي الطبيب أمر الفتاة نهائياً وكأن أحداً حذف من ذاكرته ما طلبه منه صديقه المقرب.
الوقت الذي تذكر فيه الأمر أصبح مساءً.
ذهب بسرعة إلى منزلها وهو يأمل أن تكون الفتاة الصغيرة بخير.
أردف الطبيب يحكي لكوثر ما جرى وكأنه يرى المشهد من جديد وهو متأثر جداً.
ما إن وصل إلى باب منزل صديقه حتى وجد هناك أناس كثر.
فزع وخاف أن يصدق ظنه.
تابع التقدم للأمام وكأنه يعود للخلف بخطوات.
وبعدها أصبح يستطيع سماع صراخ والدتها تنوح وهي تذكر اسم ابنتها.
وهي تعاتبها كيف تخلت عنها وتركتها بمفردها من جديد.
هناك أحس الطبيب أنه تسمر في مكانه وتجمدت عروقه.
وكل فكره: ما الذي سيقوله لصديقه بعد أن يعود من سفره؟
وبعدها علم أن الفتاة لم تحتمل ارتفاع درجة حرارتها حتى لفظت بآخر نفس لها وهي في حجر والدتها.
والدتها لم تستطع أن تفعل لها شيئاً وهي تنتظر صديق زوجها.
زوجها كان قد وصاها عنه قبل سفره بأنها تتكل عليه بأخذ ابنتها للمستوصف.
في تلك الأثناء، لم يستطع الطبيب الدخول.
عاد أدراجه وهو يجري ويركض دون توقف.
دموعه كانت لا تريد أن تتوقف.
كان يؤنب ضميره ويعاتب نفسه أنه هو من قتل وحيدة صديقه العزيز.
حتى وصل إلى ذاك المكان.
ومنذ ذلك الوقت أصبح مكانه المفضل وخلوته عند حزنه وضجره وحتى فرحته.
سألته كوثر: ما الذي حدث بعدها مع صديقه؟
فأخبرها في يوم الدفن عندما رآه صديقه ترك كل شيء وهجم عليه كالوحش.
طاح يضربه ويركله بأقصى قوة لديه.
فلم يدافع الطبيب على نفسه.
ترك صديقه ينفس عن كامل غضبه ويخرج كل سخطه حتى تعب وخانه جسده.
وعندما أراد السقوط، أمسكه الطبيب واحتضنه وهو يطلب منه السماح والغفران.
فهو لا يقصد.
وبعدها امتزجت دموعهما مع بعضها البعض.
تبكي على نفس الشخص وهي الفتاة الصغيرة التي كانت معزتها على قلبيهما كلاهما نفس المعزة.
ومن ذلك اليوم عاهد الطبيب نفسه أنه سيبذل قصارى جهده لكي تكون له الفرصة في إنقاذ الأرواح ما استطاع.
فدرس حينها الطب.
تأسف الطبيب لكوثر بعدما روى لها القصة.
فهو أراد لها أن ترتاح قليلاً فزاد من بؤسها وحزنها ضعفان.
ولكن بعد تلك القصة، أردفت وراءها حكايات وقصص تقص من طرفهما والتي تكاد لا تنتهي كلما التقيا هما معاً.
وكأنها تعلن أيضاً عن بداية قصة خاصة جديدة هما بطلاها وهي قصة حبهما.
مرت بعض الأيام ونورية تتناول دواءها بإنتظام.
فأحست أنها أحسن عن ذي قبل بكثير.
فطلبت من كوثر أن تلبي طلبها الأخير.
فمنحتها مدخرات حياتها.
وأخبرتها أنها كانت تحتفظ وتدخر المال على حسب حاجاتها ليوم تتمناه وتحلم به منذ مدة طويلة.
وهو الذهاب لزيارة كعبة الله والطواف ببيته العتيق.
لم تستغرب كوثر من طلب نورية.
فهي منذ أن أصبح عقلها الصغير يدرك معنى ما حولها، كانت تعلم يقيناً أن التي ربتها مؤمنة تقية قريبة من الله عز وجل.
وهي من علمتها التقرب إلى الله بالصلاة والدعاء.
ولولا نورية التي دخلت في حياة كوثر في مرحلة نشأتها وعلمتها المعنى الحقيقي لإنسان مسلم، لما أصبحت كوثر بعد اختطافها والتعرض للأسى وكل الشر الذي رأته في حياتها وهي طفلة بريئة.
تحولت تلك البريئة إلى إنسانة شريرة تملك في قلبها الحقد والغل الكثير وتنتقم من الجميع بسبب كل ما عاشته من سوء.
في تلك الأثناء، أصبحت كوثر تبحث في كل مسجد تسأل أئمتها عن كيفية الذهاب إلى حج بيت الله.
ومن حسن حظها، أشفق عليها إحدى الأئمة الصالحين عندما سمع أن نورية في مرحلة متأخرة من مرضها.
فأخبرها أن هناك مجموعة بعد يومين ستنطلق لأداء الحج.
فإن أرادت أن تنضم لهم فلا مشكلة لديهم.
ولكن بما أنها مريضة، عليها فقط أن تأخذ أحد أفراد عائلتها لترافقها.
لتساعدها في قضاء حوائجها إن تعبت فجأة.
فالرحلة متعبة وطويلة جداً وقد تكون خطرة على حياتها.
ليكون الأمر واضحاً بالنسبة لهم.
وأخبرها بكل الترتيبات وما يستدعي لسداده واليوم الذي سينطلقون فيه.
وعلى كوثر أن تخمن وأن قبلت عليها بإبلاغه.
رواية كوثر الفصل التاسع 9 - بقلم Lehcen Tetouani
كان القرار صعباً جداً بالنسبة لذهاب نورية إلى الحج وهي في حالتها هذه المزرية، ولكن إصرارها أسكت جميع من أراد عكس مناها. ومن كان مرجحاً للذهاب معها هي كوثر نفسها، ولكن عندما علمت ما في قلب ماميتا، فتحت لها المجال لتكمل شغفها وحبها بالتعرف أكثر على دين الله الحنيف. وفي نفس الوقت هو هدية لها كعربون على ما فعلته من أجلها في وسط الجحيم الذي أنقذتها منه. لولا هيكان الوقت قياسياً، فبالكاد نورية وماميتا جهزتا نفسيهما للذهاب لزيارة بيت الله.
وبالفعل، بعد يومين انضمتا إلى المجموعة التي ستسافر إلى الحج. وكم كان سفرهما مؤثراً، الكثير من البكاء والأحضان التي لا تكاد تفترق على بعضها البعض. وتمنت لهما كوثر أن يجدا السلام والراحة والطمأنينة التي يستحقانها. فهما كلتاهما لهما قلب أبيض، رغم أنهما من عرقين مختلفين.
مرت قرابة شهران وكوثر لا تنام من خوفها على ماميتا ونورية، التي لم تسمع عنهما أي شيء أثناء سفرهما بزيارة الكعبة الشريفة. وفي تلك الفترة، التهت كوثر بخوض تدريب يومي كيف تكون ممرضة، ليس بالمعنى الحقيقي، ولكن كيف تقوم بمساعدة الجرحى في تقطيبهم وأخذ الإبر العضلية التي يحتاجونها، إلى غيرها من أمور التمريض. وذلك بمساعدة الطبيب الذي اقترح عليها أن تدخل المستشفى وتقوم بتعليم التمريض لكي تكون مهنتها المستقبلية. فوافقت كوثر على الفور في الوقت التي أرادت أن تعمل فيه وتقوم بكسب مالها بنفسها، رغم أن والديها لم يبخلا عليها شيئاً.
وفي الصباح، حيث كوثر تريد الاستعداد للذهاب إلى العمل، إذ بالباب يدق. وعندما فتحته، أصبح الطبيب يركض نحو غرفة كوثر وهو يهتف: "ماميتا قد عادت، ماميتا هي هنا، قد عادت".
فأسرعت كوثر تركض بدورها نحو الباب، والفرحة تغمر قلبها. أخيراً عادتا من كانت تنتظرهما بشغف وتحسب كل ثانية منذ أن سافرتا قرابة شهرين.
ولكن المفاجأة غير المتوقعة كانت صدمة بعد فرحة بالنسبة لكوثر. فماميتا موجودة، ولكن نورية لم تكن حاضرة معها، والباب أغلق من ورائها.
قالت كوثر: "فأين هي نورية؟"
قالت ماميتا: "نورية توفيت يا عزيزتي، ادعي لها بالرحمة".
هكذا كان كلام ماميتا بالحرف، فهي أول مرة تنطق باللغة العربية. مع أنها لغة كوثر التي تفهمها وتحفظها ظهراً عن قلب. ولكن هذه المرة لم تفهمها، أو ربما لم تستوعبها جيداً. فأعادت عليها ماميتا الكرة وهي تحضنها بقوة وتبكي على كتفيها، التي تطبطب عليهما وتضمها بحنية إلى صدرها بكلتا يديها.
فانهارت أثناءها كوثر لتسقط على الأرض وهي مشدوهة، تنظر في عيون ماميتا. أترى حقيقة ما ذكرته في تلك اللحظة؟ وغرغرة الدموع التي تملأ جفنتيها ولا تود النزول، وكأنها هي أيضاً لا تريد الاعتراف بأنها الحقيقة، حقيقة فقدان أمها للأبد. أمها التي ربتها وأحسنت تربيتها، والتي عادت كوثر من أجلها لكي تسترجع تلك الأيام الخوالي الجميلة التي أمضتها معها دون الإحساس بالخوف. ولن تجد مثلها عند أي شخص بالدنيا، مثل ذلك الأمان والحنان، وذاك الحضن، ومدى العطف والعطاء اللامحدود التي منحته بدون شروط لكوثر.
بعد أن هدأت كوثر والجميع سكتت دموعهم عن البكاء، أرادت كوثر أن تعلم كيف ماتت نورية. فأخبرتها بالتفصيل ماميتا مالذي حدث لها، فهي الوحيدة التي كانت ترافقها عند أداء فريضة الحج.
فقالت: "في اليوم الأول، بل حتى الأسبوع الثاني، كانت نورية بخير. تتحدث مع الجميع وتسأل عن أمور مناسك الحج بشغف. كانت فرحة كالطفلة الصغيرة، تحرص على وجباتها وتتناول أدويتها بانتظام في أوقاتها، كما كانت تفعل في المنزل بالضبط. ولكن مع مرور الأيام أكثر، لاحظ الجميع تغير نورية. فهي تعبت فجأة. والحمد لله أنه كان معنا في المجموعة المرافقة طبيب، فأعلمنا أنها تعبت من مشوار الطريق. ولم تتحمل درجة الحرارة المرتفعة أثناء السفر".
وأردفت تقول ماميتا: "في الحقيقة، كلنا تعبنا، فالمشوار جد صعب تحمل مشقته. وما زاد الطين بلة هي ارتفاع الحرارة التي جفت عروقنا. ومع ذلك، كانت نورية صامدة وتتبع كل ما يطلبه منها الطبيب. هي قالت لي عند وعكتها الأخيرة أنها تريد أن ترى بيت الله الحرام، ويأخذ الله أمانته بعدها كما يشاء".
كان الطبيب هو من يترجم لي حينها كلامها عندما يكون حاضراً معنا.
فسألها آدم هذه المرة: "إن وصلت نورية فعلاً إلى البيت الحرام أم توفيت أثناء الطريق؟" سألها آدم وهو يستمع باهتمام، هو وزوجته والطبيب، إلى الترجمة التي كانت يتلقونها من طرف كوثر، والذين كانوا متأثرين كثيراً بسماعهم كيف ماتت نورية الطيبة، والتي فارقتهم على حين غرة.
فأتمت ماميتا وهي تجيب أسئلتهم: "بل وصلت نورية إلى الكعبة وطافت بها عدة مرات، ودعت للجميع عند الحجر الأسود. ولكن في المساء تفاقمت حالتها، وعند أخذها إلى المستشفى وقبل وصولها، كانت روحها صعدت إلى السماء. حزنت كثيراً عليها، وكم كان علي صعب أنا بالذات إكمال المناسك بمفردي، وهي التي اعتدت عليها أن ترافقني منذ البداية. ولكن هي محظوظة بموتتها تلك، الله أحبها وأخذها عنده من المكان المبارك، والذي دفنت فيه أمنية كل مؤمن ومسلم".
رواية كوثر الفصل العاشر 10 - بقلم Lehcen Tetouani
إنما للورد عشاقالفصل العاشر ..
تناثرت دموعها بين السطور، نُقشَ حزنها بين الزهور، نخر الوجع قلبها بلا هوادة، اعتادت على غزو الألم داخلها حتى باتت ذات مناعة قوية ضد الصدمات تحتملها كما تحتمل وخزة الإبر !!
لم ترتكب ذنبٍ لتعيش هذا الوجع، لقد سئمت من الجميع، لا ترغب برؤية أحد يكفيها البقاء بمفردها في راحة بال،
تلك الزهرة التي كانت متفتحة تبهر كل من يرآها ذبلت وهلكت،صارت كطائر صغير فتح عيناه لم يجد حوله سوىٰ حشائش،أسفله أرض صلبة لم يتحملها جسدها البض الرقيق، وأعلاه سماه التحليق؛ لكنه مسلوب الجناحين لا يعلم شيء يُدعى "الحرية" لقد حتم عليها الأمر بالبقاء !!
امسكت بالفستان الذي اهداه لها حينما سكبت والدته العصير فوقها تستنشقه فهي لم ترتديه بتاتًا لشعورها بالنفور نحو كل شيء كان يملكه ويجلبه لها !!
مُرتسمة ابتسامة وجع فوق شفتيها، شعورٌ يكاد أن يقتلها مستحوذ عليها لا تعلم سببه بعد !!
لِمَ تنحب بشدة وتذرف الدموع لفقدانه هكذا ؟!
لِمَ لا تستطيع العيش في سلام دون التفكير في شيءٌ بغيض خاص به يزعجها ؟!
لِم تشعر بالغدر نحو ذاتها وكأن لها يد فيما حدث له ؟!
ضاقت أنفاسها من الألم وغامت عيناها بالعبرات لتجلس على الأرض وتضم قدميها إلى صدرها محتضنة إياها وتهتف باكية بحرقة: كنت فاكرة بموتك هعيش سعيدة وفرحانة، اكتشفت إنك زي اللعنة هاتفضل محاوطني، حتى يوم ما مشيت سيبت أثر ليك، حتة منك جوايا ..
بتر حديثها مع ذاتها طرق خفيف على الباب استمعت له جيدًا ولم تبالي للرد على الطارق والذي دخل فورًا بعد طرقهُ وكانت زوجة عمها التي جلست بجوارها هاتفة بحزن طفيف: فات أسبوع على موت فريد حبيبي الله يرحمه، كان نفسي ربنا يطول في عمره واشوف اولاده بس راح بدري وراحت معاه كل حاجة حلوة
لتتابع بتحشرج حزين وهي تنظر نحوها بوجه شاحب كالأموات: عايزاكي تهتمي بنفسك شوية ياورد واللي في بطنك كمان، هو ملهوش ذنب في حاجة
_"شكرًا يامرات عمي أنا واللي في بطني كويسين مش محتاجين سؤال ولا اهتمام من حد. "
تجاهلت ردها الشرس مُعقبة بغيظ مكتوم فهي أرادت صفحة جديدة معها لكنها بحديثها المُهين هذا جعلها تتراجع: طب قومي ألبسي علشان هاتروحي مع ماجد للدكتور يشوفك
اصطكّت أسنانها ببعض من تدخُلها في ما لا يُعنيها فردت بجفاء: قُلت محدش ليه دعوة بيا ولا يهتم بيا أصلًا، وفري اهتمام وخوف ليكِ ولصحتك
حدقتها الأخرى بطرف عيناها في استنكار قائلة ببرود: والله أنا بعمل كل ده علشان حفيدي مش علشانك
_"بصي هسيبك تكلمي نفسك وتهرتلي بكلام مافيش منه فايدة وهنزل تحت الجنينة، وياريت لو تبعدي عني طول فترة الحمل علشان مش حِمل اجيب حد شبهك. "
ابتسمت بغطرسة ثم تحركت تتمايل بمشيتها كي تثير الغضب نحو تلك المتعجرفة، كبحت غيظها منها لتقول بتواعد: والله لهوريكي ياورد، لمّا نشوف هاتفضلي كده لحد امتي.
****
بعد ساعة هبطت الدرج بوجه مكفهر حينما هاتفها "ماجد" بضرورة تواجدها بالأسفل لاستقبال "فيروز" التي جاءت كي تتحدث معها بأمر هام غامض بالنسبة لها، فلا يوجد حديثٍ يجمعهم سويًا؛ فلماذا ترغب في رؤيتها إذن؟
تنفست بعمق تحاول ضبط انفاسها المسلوبة من الفضول الذي استحوذَ عليها فتحدثت بتعالٍ: خير يافيروز، إيه الموضوع المهم اللي بيجمعنا وعايزة تقابليني علشانه
دُهشت من نبرتها المتعالية خاصةً بعدما فقدت نجلها؛ فتجاهلت هذا قائلة بجمود وغضب في آنٍ واحد: أنا جاية اخد ورد تقعد عندي
_" لحظة بس، يعني إيه تاخديها تقعد عندك؟ "
زفرت بحنق صائحة بانفعال بعدما فقدت السيطرة على تمهُلها الشديد نحوها: اللي سمعتيه ياكوثر، أنا عايزة ورد تبعد عن المشاعر السلبية والحزن شوية، كفاية عليها كدا
ارتسمت بسمة ساخرة فوق شفتيها قبل أن تُعقب باستخفاف: دا على أساس إنكم مشغلين أغاني هناك والا إيه؟
رمقتها بغيظ ثم وقفت في موضعها قائلة بعدوانية من سخرتها اللاذعة نحو حديثها: مش عارفة أنا بتكلم معاكِ ليه أصلًا، لا باخد منك حق ولا باطل، أنا هكلم الأستاذ محمود واتفاهم معاه أفضل
قهقهت بقوة كأنها أخبرتها مزحة للتو، مُغمغمة بنبرةٍ ساخرة: يعني مش بتاخدي مني حق ولا باطل وهتاخديه من محمود؟ وأنا بقول ورد طالعة دمها خفيف لمين، اتاريها طالعة لك
استشاطت غيظًا فبترت حديثها اللا جدوى منه معها ثم تحركت للخارج لاعنة إياها، داعية ربها أن يحرر قيود تلك "الورد" من هذا الجحيم الذي يخدش فوق جروحها المؤلمة !!
***
بعدما عاد من المشفى بصُحبة ابنة عمه صعد كي يوضّب حقائبه كي يعود كما جاء؛فمهما ابتعد عن الهموم يظل الحزن يرافقه دومًا كظله !!
فقدان شقيقه الأكبر وصديقه المقرب جعله يود ملاحقتهم؛ فالوحدة كالسُم، هذا الشعور القاتل الذي يهدد سعادته ويُعيق تقدمه نحو الحياة من جديد ..
فما هو إلاّ عابر سبيل يوضّب حقائبه كل حينٍ ليرحل ويعود مُتسائلًا ذاته لأي مدى سأبقى صامدًا ؟
ولِمَ خُلقتُ للمعاناة دومًا ولا يعاود لديّ الشعور بالسعادة سوى بصيص !!
اصطدم بوالدته التي هبطت الدرج بعد مشاجرة حادة مع زوجها من أجل بقاء"ورد" كالعادة، اشارت نحو حقيبته بعدم فهم ليتنهد مُغمغمًا بجمود: راجع لشغلي في بنى سويف
أومأت له بعينيها ثم اقتربت تقف قبالته مُردفة بحديثٍ غامض لكنه ذات مغذى: سافر، بس عايزاك تنزل بعد شهرين
دُهش من حديثها مُعقبًا بتساؤل: اشمعنا يعني؟
_" اسمع الكلام وخلاص ياماجد، مش وقت استفسار منك. "
أومأ لها على مضض ثم خرج كي يغادر لكنه اختلس النظر نحو تلك الصامتة كالمعتاد لا تتحدث مع أحد بتاتًا كأنها ترغب بالابتعاد والعيش لذاتها فقط ..
وضع أشيائه فوق المقعد ثم تحرك نحوها ببطء، جلس بجوارها مُربتًا فوق كتفها بخفة كي يلفت انتباهها نحوه فابتسم لها حينما نظرت نحو عيناه
لم تبادله الابتسامة صمتت تنظر بحيرة شديدة له، بتوجسٍ كأنه ذات الشخص سجينها !!
ترى بهِ "فريد" هذا السيكوباتي المختل ذهنيًا هل جنت تلك أم ماذا؟!
اغمضت جفونها بقوةٍ تعتصر قبضة يدها ثم عاودت النظر نحوه تنتظر حديثه بترقبٍ، تفهم نظراتها جيدًا فحمحم بصوته الرجولي قائلًا بنبرةٍ هادئة: ورد أنا راجع لشغلي دلوقتي مش هعرف ولا هقدر انزل دلوقتي خالص، فعلشان كده
اخرج من جيب بنطاله ورقة مطوية ليضعها فوق المنضدة امامها مُستكملًا حديثه برجاء خافت: دا رقمي وفي عنوان شغلي لو حسيتي إنك محتاجة ليا كأخ وسند كلميني، أنا مقدر كرهك لينا ودا حقك طبعًا لإنك ماشوفتيش أي حاجة تدل على الخير ليكِ بس خلاص وجودك معانا بقى أمر واقع دلوقتي، مافيش مفر يعني، خصوصًا ابن أخويا فريد
بترت حديثه الخجول نحوها لتبتلع ريقها بصعوبة تؤمى له بتحشرج حزين: فهمت ياماجد، فهمت خلاص إني هفضل هنا تحت طوعكم مش هاخرج ولا هاعيش حياتي خلاص، بعد ما فريد مات افتكرت إني هكون حرة، بس طلعت غلطانة وجدًا كمان، بس يلا الإنسان طول ما هو عايش بيتعلم
لغزٌ ، غموضٌ ، تشتتٌ ، كل هذا بها تمنى لو يعلم مغذى حديثها المجهول هذا كي يعاونها كي تقف على قدميها من جديد بهيئة قوية !!
تملك به الشعور بالعجز من صمتها ثم استأذن ورحل دون أن ينبث بكلمةٍ أخرى معها، تاركًا إياها تُعاني من حديثه القوي الذي جعلها تستفيق من قوقعة الأمل الذي تجدد بداخلها وعاد لها بعد فراق مُعذبها !! ...
***
لقد اسقطها القدر في بئر مظلم لا نجاة منه وهي مكبلة الأيادي، كانت تشعر بالسعادة منذ معرفتها بضياع حبه وصارت لشخصٌ آخر، حينما غادر الحياة استحوذ عليها من جديد شعور الوجع والفقدان مرةً أخرى
تعلم جيدًا بأنه يستطيع الآن الزواج منها بسهولة؛ فلا يوجد عائق أمامه !!
امسكت حقيبتها تبحث عن مبتغاها لكنها لعنت ذاتها حينما تذكّرت بأنها استنشقته الأسبوع الماضي متواعدة بداخلها بأن تتركه وعدم العودة له بتاتًا؛ لكن الأمر ازداد سوءً عندما وجدت عيني"عاصي" تلمع بوميض الحب نحو تلك "الورد" من جديد وكل شيء كان يجول بخاطرها تبخر كالريح؛ فعادت إليه مرةً أخرى كي تتناسي حبها اللعين نحوه !!
شددت على خصلاتها المتمردة بقوةٍ ثم ركضت نحو الأريكة تجذب هاتفها لتُهاتف شخصٌ ما، جاءها الرد علىٰ الفور فتحدثت بانفعال: هات لي جرعات زيادة حالًا
_"والله يافروحة السوق واقف ومفيش خالص، بس هحاول اجيب لك حاجة تانية تريحك "
زفرت بعنف قائلة بشراسة لأولِ وهلةٍ تتحدث بنبرتها العدوانية هذه: اسمع، نص ساعة قدامك تتصرف لي، أنت موجود علشان مزاجي، أنا بديك فلوس مش بونبوني، سامع يافخري، نص ساعة بالظبط واقسم لك ما هيكون في بينا تعامل تاني وابقي دور على حد يديك بس نص الفلوس اللي بتاخدها مني
أغلقت هاتفها ثم قذفته فوق الفراش بعنف، اتجهت نحو المرحاض كي تغسل وجهها لتهدئة ذاتها قبل رؤية أحد لهيئتها المبعثرة تلك ..
****
استيقظ على صوت رنين هاتفه الصاخب، فتأفف بحنق ثم ضغط علىٰ زر الاغلاق كي يواصل نومه، لكن المتصل كان مصرًا على التحدث معه، قبض على الهاتف بقوة وأجاب بزمجرة: ايوة ياماما بترني لية؟
_"روحت اقنع كوثر إن ورد تقعد معانا رفضت وكنا هنتخانق، بص أنا دلوقتي في الطريق لمّا اجي نتكلم بس صحصح واستناني تحت في الجنينة "
ثم اغلق الهاتف واضعًا يده فوق عيناه يفركها بإرهاق لشدة احتياجه للنوم العميق، زفر بعمق مُتجهًا نحو المرحاض يغسل وجهه، يهبط لأسفل كي ينتظر والدته ..
بعد نصف ساعة هبطت الدرج تنظر يمينًا ويسارًا بتوجسٍ، بخطواتٍ متأنية بطيئة كالسلاحف، مبتلعة ريقها بصعوبة، داعية ربها أن تمر هذه اللحظة وهي تلتقي بهذا الشخص الذي عافر ليجلب ما يروق لها من تلك العقاقير!
تغلغل القلق داخل أوصالها، مستحوذًا عليها شعور الخوف من رؤية أحد لها. وجدت "فخري" يستند على سيارته بالخارج، ينفث دخان سيجارته مبتسمًا لها بازدراء، يتفحص بعينيه الجائعتين جسدها البض بوقاحة أغضبتها؛ مما جعله في كل مرة يتحكم بغضبه كي لا يفتك بها من شراستها معه بالحديث. فرغمًا عنه، وقع أسيرًا لها فبات يبتلع حديثها المُهين بتلذذٍ كحلوى شهية!
تقدمت منه، تقف قبالته مُغمغمة بغيظ مكتوم: جبت اللي قلت لك عليه؟
_" أمال هاجي علشان أشاهد جمالك يا روحي؟ "
تنهدت براحة، مخرجةً من بنطالها حفنة من المال، جعلته يبتلع ريقه بصعوبة لتبتسم بسخرية قبل أن تُعقب بغضب: مش بتقول السوق واقف، جبت إزاي بقى؟
قهقه مُجيبًا بهيام وعيناه تشع بالوقاحة نحو هيئتها الفاتنة، مما جعلها تبتعد خطوة للخلف: علشانك ممكن أعمل أي حاجة، أهم حاجة ننول الرضا من ناحيتك يا حبيبي.
_" أنت هتصاحبني ولا إيه؟ اتفضل خد فلوسك وهات الحاجة بتاعتي."
تنفست الصعداء بعدما انتهت من فعلتها والحديث معه بصعوبةٍ. وضعت الكمية الهائلة التي أعطاها إياها في جيب بنطالها من الخلف، والمتبقي وضعته في حقيبتها الصغيرة السوداء التي أحضرتها معها تحسبًا لأي شخص يراها.
اتسعت عينيها وفغرت شفتيها بأنفاسٍ تخرج ثقيلة من هول رؤيتها نحو الشخص الذي كان يجلس بجمود، ناظرًا نحوها بتمعنٍ شديد عندما وجدها تقف كالصنم، تحبس أنفاسها بصعوبةٍ متوجسةٍ من قدوم عاصفة هوجاء تحمل الكثير بين طياتها.
بدأ الزعر يدب أوصالها بشدة وهي تراه يتقدم نحوها. كانت تخشى معرفته بالأمر، والآن اتضح لها أنه قد علم بما تخفيه.
وقف أمامها بطوله الفارغ يتفحصها عن قُرب، فكتمت أنفاسها تعد بداخلها للعشرة في محاولةٍ لاستعادة هدوءها، بينما هو وجه حديثه لها باحتدام: مين اللي كان معاكِ برا؟
ابتلعت ريقها تبحث عن حديثٍ كاذب مراوغ تخبره به، فعقبت بتلعثم خافت: دا مندوب توصيل ليا أوردر.
رفع حاجبيه بشك مُغمغمًا بتساؤل حاد: متأكدة؟
_" هكدب ليه يعني يا عاصي؟ "
رمق علامات الارتباك البادية فوق قسمات وجهها بعدم ارتياح مُجيبًا بنبرةٍ تحذيرية: شكله مش بيدل على كده أبدًا، بس تمام هصدقك، هتندمي لو طلعتي بتكدبي يافرح
تشنجت ملامح وجهها بانفعال فأردفت بحدة: وأنا هكدب ليه يعني؟ قلت لك مندوب جايب أوردر ليا، إيه الكدب في كدا؟
_" قولي لنفسك بقى، وبعدين فين الأوردر اللي طلبتيه مش معاكِ ليه غير شنطتك؟ "
تلعثمت في الرد محاولة اجتذاب حديثٍ آخر كي يصمت عن حديثه الذي يحمل نبرات التهديد كأنه يُخبرها بأنها ستنال عقابًا وخيمًا إذا علم بتخبئة شيءٍ عنه.
بتر شرودها صوت "فيروز" المرهق ووجهها الشاحب ليركضا نحوها يحاوطا جسدها كي تجلس فوق الأريكة.
أغلقت جفونها متنهدة بعمق ثم وجهت حديثها نحو ابنها القلق بشأنها: عاصي اعمل أي حاجة وهات ورد تعيش هنا بالله عليك، مش مستحملة خالص أشوفها حزينة كدا.
لتستكمل بشفقة كلما تذكّرت هيئتها الموجعة لكل من يراها: كوثر قادرة مخليها تحت طوعها وماحدش ليه كلمة هناك غيرها.
شعرت "فرح" بالشفقة نحوها كونها وحيدة مثلها، تعلم جيدًا زوجة عمها تلك المتعجرفة، ذات هيئة قوية حينما تحدثت معها أدركت توجس الجميع منها وعدم الاحتكاك بها راحة شديدة!!
بينما "عاصي" لا يعلم هل يشعر بالشفقة والحزن نحوها أم بالسعادة لرغبة والدته الملحة نحو جلبها كي تبقى هنا؟!!
تنهد مُجيبًا بإصرار جعل قلب ينفرط من شدة الألم نحو حديثه الصادم: هجيبها هنا يا ماما غصب عنهم، هتجوزها كمان.
لم ترغب في سماع المزيد من السم الذي يخرج منه؛ فاستأذنت ثم هرولت لأعلى نحو غرفتها غافلة عن الأعين الحزينة التي ترمقها بوجع، لتوعدها الزائفة بأنها ستفعل ما بوسعها كي تتزوج بابنها. الآن تبخر كل شيء وباتت الوعود واهية!
" يُتبع " ..
" مــاهــي-عــاطــف."