الفصل 40 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الأربعون 40 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
33
كلمة
6,337
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

تتسلّل خيوط الشمس عبر الأشجار العتيقة. تغمر الحديقة بأشعتها الذهبية الناعمة. الأجواء هادئة، مُعبّقة برائحة الزهور والعشب الطازج. يجلس كلٌّ من "عثمان البحيري" وزوجته "سمر حفظي" إلى طاولة خشبية في زاوية الحديقة، وكأنهما يُعيدان اكتشاف كل لحظة معًا. وسط صمتٍ يملؤه الفهم المشترك والمحبة العميقة، ينظر "عثمان" إلى "سمر" بابتسامةٍ خفيفة. تجلس هي قبالته، مستمتعة بوجبة الإفطار التي أعدّها الخدم بتنسيق ذوقي رفيع.

يمد "عثمان" يده عبر الطاولة ملامسًا جانب وجهها وهو يقول بصوتٍ هادئ: -أنا حاسس إننا رجعنا بالزمن، كأننا بنبدأ من أول وجديد يا سمر. حتى البيبي الجديد بيفكرني بذكريات، رغم قسوتها علينا احنا الاتنين، لكن مشتاق لها جدًا. تبتسم له "سمر"، لكن عينيها تلمعان بمشاعر مختلطة. فكرة أن تكون أمًا للمرة الثالثة تحملها بداخلها، هي التي لا تتذكر المرتين السابقتين بالتفصيل. ولكن في الوقت نفسه تشعر بالكثير من التفاؤل لما يحمله المستقبل.

تخطف يد "عثمان" لتطبع قبلة رقيقة في باطن كفّه متمتمة: -فاكر لما كنت بتقول وتحكي لي إن الحياة مع ولادنا يحيى وفريدة كانت مليانة تحدّيات؟ المرة دي أنا حاسة إن ده أكبر تحدّي لينا. عثمان مبتسمًا: -صدقيني كل مرة بيكون لها طعمها الخاص، هاتفتكري كل حاجة. المهم دلوقتي، اللحظة اللي بنعيشها مع بعض هي الأهم. يملؤها شعورٌ قوي بالحب تجاهه. فتنتقل في كرسي بجواره، تضع رأسها على كتفه لفترةٍ قصيرة، قبل أن تتنهد براحةٍ.

يبدو عليها الارتياح مؤخرًا، بعد أن ضمنت معه الأمان الذي لطالما نشدته. كيف لها أن تنسى رجلٌ مثله؟ كيف لعقلها أن يقترف مثل هذا! *** خرجا بعد أن فرغا من تناول الفطور مباشرةً. تنطلق سيارة "عثمان" الفـارهة في الطريق المجاور للبحر الفيروزي الثائر. زوجته في الكرسي المجانب له، والأجواء الرومانسية ما زالت تحيط بهما. وبينما "عثمان" يقود بسلاسةٍ، تصدح موسيقى هادئة عبر جنابات السيارة.

إلا أن "سمر" شاردة في أفكارها ولا تستمع، كما لو أن ذهنها يسبح بين ذكريات الأمومة المفقودة والقلق على الجنين الذي ينمو في أحشائها. لكن برغم كل شيء، نظراتها لا تترك يد "عثمان" التي تمسك بالمقود بسيطرةٍ محكمة. -كنت خايفة لما اكتشفت الحمل! قالتها "سمر" بغتةً بصوتٍ خافت. وأكملت:

-خصوصًا وإني لسه حاسة نفسي جوّا دوّامة ومش قادرة افتكر تفاصيل حياتي اللي فاتت معاك ومع ولادنا. بس ده تالت طفل يا عثمان، يعني مسؤولية أكبر. انت شايف إن أنا قادرة؟ يرد "عثمان" بنبرةٍ مطمئنة بينما تركّز عيناه على الطريق: -انتي مش لوحدك في ده يا سمر، احنا مع بعض، وكل حاجة هتمشي زي ما ربنا كاتب لنا. اهم شيء تكوني هادية، وده عشان مصلحة البيبي اللي في بطنك لازم تحافظي عليه.

تلتفت إليه بنظرةٍ حانية، ثم تبتسم، وهي تشعر بالطمأنينة في قلبها بعد كلماته وتقول: -وانت كمان، يعني مش بس البيبي، انت لازم تكون معايا خطوة بخطوة وتاخد بالك مني. يبتسم لها وهو يرمقها بنظرة جانبية مفعمة بالحب. فكانت إجابة أبلغ من الكلمات. ضغط أحد مفاتيح السيارة لتسير أسرع قليلاً، وهو يشعر بمزيجٍ من السعادة والراحة في وجود "سمر" بجانبه. هذا الطفل الجديد سيكون بداية أخرى لفصلٍ جديد وسعيد في حياتهما، إنه بمثابة الأمل.

يصلا في غضون دقائقٍ إلى عيادة الطبيبة النسائية. يرافق "عثمان" زوجته إلى غرفة الفحص. الطبيبة امرأة في منتصف الأربعينات. تستقبلهما بإبتسامة هادئة ودافئة. بدت مخضرمة وناجحة في مجالها، وأنها معتادة على التعامل يوميًا مع مثل هذه الحالات. لكنها مع ذلك تُظهر اهتمامًا خاصًا بـ"سمر". فسّرته الأخيرة لأسباب متعلّقة بزوجها، فهو حتمًا من يبالغ في تقديرها أينما حلّت ولا يقبل إلا أن تُعامل بأفضل طريقة ممكنة.

تمضي الطبيبة قائلة بتوجيه ابتسامةٍ مُطمئِنة نحو الزوجين: -أهلاً وسهلاً بيكوا، ازيك انهاردة يا مدام سمر؟ قوليلي في أي حاجة جديدة حاسة بيها؟ تتنهد "سمر" بشيء من التوتر وتجيب بصوتٍ مليء بالحذر: -أنا الحمد لله تمام، مافيش حاجة جديدة بحس بيها، من حوالي شهر وشوية بس بدأت أعراض زي الغثيان والإرهاق والحاجات المعروفة دي. أنا بس جاية وكنت عايزة أطمن على البيبي عشان حاسة إني اتأخرت!

-اطمني خالص، انتي تابعتي معايا في المرتين اللي قبل كده وكنتي زي الفل، وهاتبقي زي الفل المرة دي كمان ماتقلقيش. -أيوه، بس حاسة المرة دي مختلفة شوية، يعني ده الحمل التالت، مش سهلة صح؟ هزّت الطبيبة رأسها: -لا خالص، ده اسهل فوق ما تتخيّلي، اتفضلي بس أكشف عليكي الأول. وأشارت لها نحو سرير الكشف. قامت "سمر" وعيناها لا تفارقان "عثمان". بعد خمس دقائق، "سمر" تستلقي فوق سرير الفحص النسائي.

عيناها تلمع قليلاً من القلق والتوتر لشعورها بأنها تخوض كل هذا لأول مرة. "عثمان" يجلس في كرسي صغير بجانبها. يمسك بيدها برفقٍ، يحاول أن يبعث فيها الطمأنينة. الطبيبة تجلس في الجهة الأخرى قبالتها، وتبدأ فحصها بشكلٍ دقيقٍ. ارتبكت "سمر" عدة مراتٍ، فشد "عثمان" على يدها قليلاً. نظرته لا تفارقها، يراقب كل حركة وكل تعبير على وجهها، ملاحظًا القلق الذي يعتريها. تهتف الطبيبة بإبتسامة مريحة وهي تواصل عملها، تطمئن سمر:

-ما تقلقيش يا مدام، ده فحص روتيني، كله تمام لحد دلوقتي. تبتسم "سمر" قليلاً، ولكن قلبها ما زال يملؤه القلق. "عثمان" يضغط على يدها بحنانٍ، وكأنما يرسل لها رسالة غير لفظية بأنه سيكون دائمًا هنا بجانبها، مهما حدث. همس لها بذات الحنان وهو ينظر في عينيها بحب: -أنا هنا، ماتخافيش، كل حاجة هاتكون تمام. تطمئن "سمر" قليلاً لهدهدته. الطبيبة لا تزال ماضية بفحصها، بينما يتابع "عثمان" كل شيء بنظراته، لا يفارق يدها ولا يبتعد عنها.

تسمع "سمر" صوت الأجهزة الطبية الدقيقة وهي تُستخدم في الفحص، لكن الأجواء لا تزال مريحة وصافية. تتحدث الطبيبة أثناء الفحص مبددة مشاعر قلق الحالة التي تتابعها: -الحمل لسه في بدايته، كل حاجة عادية تمامًا، مافيش أي علامات مقلقة لحد دلوقتي، الجنين في وضع جيد جدًا. يبتسم "عثمان" لزوجته، يشعر بالراحة بعد سماع تلك الكلمات التي طمأنته. "سمر" تشعر بالراحة تدريجيًا، ولكن لا تزال نظراتها تتبع كل حركة للطبيبة.

تنظر الطبيبة إلى "عثمان" وهي تقول بابتسامة مقدمة بعض النصح له: -المرأة في بداية حملها بتحتاج لدعم معنوي قوي، وجسدي في نفس الوقت. خلّي بالك منها كويس يا عثمان بيه وحاول ماتجهدهاش، يعني زي ما انت فاهم وشرحت لك في المرتين اللي فاتوا، قلل شوية من مرات العلاقة في الأول بس وبعدين كل حاجة هاترجع طبيعية. يبتسم "عثمان" بتفهمٍ ويومئ برأسه، عينيه مليئتين بالجدية.

هو يعرف أهمية هذا الوقت بالنسبة لـ"سمر" ويشعر بمسؤولية كبيرة تجاهها وتجاه الجنين الذي ينمو بداخلها. -اوكي يا دكتور، هاخلّي بالي. ونظر إلى "سمر" مكملًا بصوتٍ خافت: -كان لازم أسمع منها الكلمتين دول وإلا ماكنتش هاقتنع بسهولة زي كل مرة، كويس إني أصريت أجي معاكي! تبتسم "سمر" بشكلٍ خجول، وتشعر براحةٍ كبيرة في قلبها، خاصةً مع دعم "عثمان" المتواصل لها. وأخيرًا الطبيبة تنتهي من الفحص.

تتنهد منتزعة القفّازات المطّاطية وتلقيها بسلّة المهملات المجاورة وهي تتحدث إلى الزوجين: -كل شيء تمام، ومافيش أي داعي للقلق، بس لازم تتابعوا معايا طبعًا وفي المواعيد زي ما اتفقنا، تلتزموا بالنصايح الصحية. مدام سمر الراحة التامة طول الفترة الجاية وابعدي عن أي مجهود كبير. أنا هانتظرك على مكتبي هكون كتبت لك على شوية فايتامينز وخطوات تمشي عليها لحد ما أشوفك المرة الجاية إن شاء الله. يشكر "عثمان" الطبيبة قبل قيامها.

ثم يلتفت إلى "سمر". يعيد ترتيب ثيابها ويسوّيها بإتقانٍ كما كانت. ثم يساعدها على الوقوف بحذرٍ. يظل ممسكًا بيديها بإحكام، وكأنه يحاول أن يمنحها الأمان الكامل. تراقب "سمر" وجهه بابتسامةٍ خفيفة، ثم تقول بصوتٍ منخفض، تعبيرًا عن امتنانها لهذا الدعم المستمر منه: -أنا محظوظة إنك معايا! يُرافقها "عثمان" عائدًا بها إلى الطبيبة، دون أن تغادر ثغره تلك الابتسامة الخفيفة. ***

أجواء القصر لا تزال مستقرّة، ولكن التوتر يتطاير في شرارتٍ غير مرئية ويعمّ المكان. تجلس "فريال" هانم في البهو الفخم على أريكتها المفضلة. يديها معقودتين في هدوءٍ ظاهر، ولكن عيناها تترقب بقلقٍ. هواء القصر البارد يسلل من النوافذ المفتوحة قليلاً، مع دخول خيوط الشمس الضعيفة التي لا تعكس إلا جزءًا من الحقيقة التي تخفيها "فريال" داخل قلبها. ربما اليوم ترتاح قليلاً، أو تزيد الأمر سوءًا!

تسمع صوت سيارة تقترب من المنزل، فتعلم بأنه قد وصل. جاء "صالح البحيري" ملبيًا دعوتها، ابن شقيق زوجها، مغتصبها. بعد فترةٍ طويلة من التوتر بينه وبين زوجته "صفيّة"، تعرف "فريال" تمامًا ما يمر به. لكنها لا تستطيع أن تخفي ما في قلبها من ألمٍ وحيرة. فهي لا تزال غير واثقة من أن ما قررته صائبًا أم لا. عرفت أمرًا واحدًا فقط: إذا كانت "صفيّة" قد صممت على الطلاق، فإن أقل ما يستحقه "صالح" هو أن يعرف السبب. لا بد أن يعرف.

يدخل "صالح" في هذه اللحظة. يسير نحوها بهدوءٍ وهو يلاحظ شيئًا مختلفًا في الجو العام حوله. بينما هي تراقب كل حركة منه، تراه يحاول أن يخفي ما في قلبه من قلقٍ وتعب. حيّاها "صالح" بصوتٍ هادئ، ولكن عينيه تنم عن توتر: -صباح الخير يا فريال هانم، آسف على التأخير، كنت مستني مكالمة شغل مهمة وكل حاجتي في أوضة الأوتيل زي ما انتي عارفة. تطلق "فريال" تنهيدة وهي تراقب وجهه بتركيز، ثم تقول:

-صباح النور يا صالح، مافيش مشكلة أنا فاضية وكنت قاعدة مستنياك، اقعد يا حبيبي واقف ليه! يعبس "صالح" قليلاً وهو يتراجع بضع خطواتٍ ليجلس أمامها، لكنه ما لبث أن ابتسم إنما بتوترٍ واضح. يحاول إخفاء تأثير الضغوط النفسية التي يمر بها بسبب الخلافات المستمرة مع "صفيّة" وخاصة أمر الطلاق الذي تصر عليه. تشعر "فريال" بموجة من التعاطف معه، لكنها في نفس الوقت تعرف أن هذه اللحظة ليست للتعاطف فقط. هناك شيء أكبر يجب أن يُقال.

-شكلك عايز تقول حاجة يا صالح! قالتها "فريال" تحثّه على البدء أولًا. يرد "صالح" بصوتٍ متهدج قليلاً، محاولًا كبح مشاعره: -الحقيقة... مش عارف أبدا منين، بس حضرتك أكيد عارفة، العلاقة بيني وبين صافي بقت متوترة جدًا، وهي مش بتجاوب على أسئلتي، ولا بتشرح لي سبب الخلافات اللي بينّا، وكل ما بحاول أفهم بتتجنّب الكلام عن الموضوع وترمي اللوم على أسباب مش مقنعة. تستمع "له" "فريال" بهدوءٍ، ولكن قلبها مليئًا بالحزن.

"صالح" شخصٌ رائع وأب مثالي، لا يستحق النهاية التي آل إليها زواجه من حب حياته. إلا أنها لا يمكنها أن تتركه يتخبط في الظلام ويظل مقهورًا لآخر عمره. عليها أن تغلق له صفحة الحاضر حتى لو عنى ذلك الألم والتوّرط الذي لا مفر فيه لسنواتٍ، قبل أن تفتح له صفحة جديدة ليتسنّى له المضي بحياته ومستقبله. تقول "فريال" بصوتٍ حنون، ولكنه يحمل شيئًا من التردد:

-صالح.. صحيح صافي مش بتتكلم، ده ساعات لأن الحكاية بتكون أكبر من مجرد السكوت نفسه، أو حتى الرفض. في مشاعر قوية جواها مش قادرة تعبّر عنها، حاجات انت مش قادر تفهمها دلوقتي. ينظر إليها "صالح" باهتمامٍ وتركيزٍ بالغين. يدرك بأن "فريال" تعرف أكثر ممّا تقول. ثم يشعر بشيءٍ من اليأس يكتسح قلبه، كأن كل الجدران التي بناها حول نفسه قبل أن يأتي إلى هنا تنهار ببطءٍ. يتخلى عن تحفّظه أمامها ويقول بصوتٍ حزين بينما

عينيه تغرق في الأسئلة: -ازاي؟ يعني إيه الحاجات دي طيب؟ صارحيني أرجوكي يا فريال هانم، إيه السبب اللي مخليها مش قادرة حتى تبص لي؟! تأخذ "فريال" نفسًا عميقًا، ثم تنظر إليه بنظرةٍ مليئة بالأسف، وكأن الكلمات التي ستنطق بها ستفجر كل شيء. لكنها مجبرة. السر لن يبقى سرًا بعد اليوم. ببطء، تتكلم "فريال" وكل كلمةٍ تخرج منها كأنها تقتطع جزءًا من قلبها: -صالح...

في سر لازم تعرفه. أنا لما اكتشفته من فترة ماكنتش حابة أي حد يعرفه، ولا حتى صافي. لكن مقدرتش. وطالما صافي عرفته ومصممة تنهي حياتها معاك بسببه، يبقى انت كمان لازم تعرفه. رفعت... أبوك... في وقت من الأوقات، لما كان يحيى عايش، كان بيستغل غيابه عن البيت أحيانًا... كان... كان بيخدّرني. كان بيخدّرني في بيتي... في أوضتي... وكان بيغتصبني... الصدمة الشديدة تبدو واضحة على "صالح" الآن.

عينيه تتسع، وشفتاه ترتجفان وهو يحاول استيعاب ما سمعه للتو. لكنه لا يستطيع تصديق ما قالته "فريال". وكأن الأرض قد ابتلعت قدميه. إذا حاول أن يقف فلن يقدر. لم يتوقع أبدًا أن يسمع هذه الكلمات ولا حتى مزحًا!!! يردد "صالح" بهمسٍ مرتجف، يحاول استيعاب الكلمات التي نطقت بها: -إيه؟ رفعت؟ أبويا!؟ إزاي؟ إزاي ده حصل!؟ تغلق "فريال" عينيها للحظةٍ، وكأنها لا تستطيع أن تذكر تفاصيل تلك الذكريات المؤلمة.

تتنهد ثم تفتح عينيها لتلتقي بنظراته. تكمل حديثها بدموعٍ تغلب على صوتها وهي تحاول الحفاظ على رباطة جأشها: -في وقت، كان بيغيب يحيى لفترات طويلة عن البيت، ورفعت كان بيجي يزورني... كان بيخدّرني...

وكان بيغتصبني في غياب أخوه. وكل ما كان يحصل، كنت أحس بحاجات غريبة لما أفوق، بس ماكنتش بحط في بالي، لحد ما اتأكدت. لما ظهرت شمس ومامتها، ولما روحت للخدامة اللي كانت بتشتغل عندنا وقتها، وكانت بتساعده في عملته معايا، كل حاجة كنت فاكراها أحلام... كوابيس... طلعت حقيقة. والخدامة أكدتها عليا، كلها... يظل "صالح" ساكتًا للحظات، وعيناه مليئتان بالدموع. لا يستطيع أن يصدق ما سمعه، وكأن الهواء قد سحب من حوله.

لم يكن يتخيل أبدًا بأن والده كان يفعل ذلك. لم يتخيل ولا في أسوأ افتراضاته بأن يكون هذا هو سبب طلب زوجته الانفصال عنه. لا يستطيع السيطرة على عواطفه، وفمه يبقى مغلقًا لدقيقة في صدمة قاتلة. -مستحيل! يردد "صالح" بصوتٍ ضعيف والدموع تغطي عينيه: -أبويا... كان بيعمل كده؟ ... أنا مش قادر أصدق، إزاي؟ ليه؟ ... ليـه!!؟

تشعر "فريال" بشدة ألم "صالح"، وتحاول أن تهدئه قدر الإمكان، رغم إنها تعرف بأن الحقيقة ستكون أكبر من أن يستوعبها الآن أو حتى في المدى المنظور. لكنها أيضًا تعرف بأن هذه اللحظة كانت ضرورية له، كي يدرك سبب الأزمة العميقة التي تحدث الآن بينه وبين "صفيّة". تخاطبه "فريال" بتماسكٍ واهٍ وهي تدرك عمق الصدمة التي يعيشها وتبعاتها: -أنا آسفة...

مش سهل عليا أقولك كده، وكنت خايفة عليك من الصدمة. انت ابني يا صالح، أنا اللي ربّيتك انت وهالة، وها تفضلوا ولادي زي عثمان وصفيّة. انتوا بعيد عن ذنوب أبوكم، بس صافي مش هاتفهم ده وأنا مش هقدر ألومها. في الأول اترددت كتير، كنت خايفة إزاي هاتقدر تتحمل الحقيقة دي، بس دلوقتي.. صافي مش قادرة تتحملها، عشان كده انت كان لازم تعرف. يغرق "صالح" في صمته، وعيناه تملؤهما الدموع. لا يستطيع أن يتحرك أو أن يقول أيّ شيء.

كل شيء تغيّر في لحظة. علاقته بوالده الراحل، علاقته بـ"فريال"، وعلاقته بكل شيء حوله. يظل جالسًا، يحدق في "فريال" وكأن الوقت قد توقف. بالكاد تمكن من القول بصوتٍ هامس: -مافيش حاجة تقدر تعوض اللي حصل... مافيش كلام ممكن أقوله... ومافيش طريقة أقدر أتعامل بيها مع صفيّة بعد كده! تشعر "فريال" بمرارة الكلمات التي يرددها "صالح"، وكل كلمة منها تزداد في وزنها الثقيل. كانت تعرف بأن الحياة لن تعود كما كانت من قبل.

لكن على الأقل، كان عليه أن يعرف الحقيقة. والآن، انتهت مهمتها في أن تنقذه من سرٍ كان سيظل يخنق حياته بالكامل لو لم يُكشف في هذه اللحظة. *** الضوء الخفيف يدخل من بين الستائر المواربة، ينير الغرفة بنعومةٍ تامة. "مايا" تستيقظ ببطء، لا تزال متعبة قليلاً من السهر، وجسدها يشعر بثقل اللحظات التي مرّت بها. تحاول أن تفتح عينيها بالكامل، وتلتفت حولها بحذرٍ. الغرفة تبدو هادئة، ولكن شيئًا ما في داخلها يعكر صفو هذا الهدوء.

تنظر إلى السرير بجانبها، فتكتشف بأن "نبيل" غير موجود. لا صوت له، ولا أثر له في الغرفة. حتمًا أنه قد استيقظ قبلها وذهب إلى عمله، كما يبدو. هذا الصمت الذي يملأ الغرفة يُعيد إليها ذكريات الليلة الماضية، ويفتح أمامها أبواب لمشاعر متناقضة. ترفع "مايا" يدها إلى جبهتها، تحاول استرجاع التفاصيل، لكنها سرعان ما تشعر بشيء ثقيل في قلبها. تهكس لنفسها بصوتٍ هشّ: -مرة تانية... ليه استسلمت كده؟ ليه؟

تنزل قدميها من على السرير ساحبة الملاءة حول جسدها. تمكث في مكانها بهدوءٍ، ولكن قلبها غير هادئ بالمرة. كل شيء في داخلها يصرخ بحيرة وضياع. كيف كانت في تلك اللحظات؟ كيف رضخت؟ وسمحت له بأن يُمارس سلطته عليها؟ تتذكر "مايا" الليلة الماضية بكل تفاصيلها، وتحاول أن تستعيد ما جرى بوضوح. كانت هناك لحظاتٍ، كثيرة شعرت فيها بأن "نبيل" ليس فقط يسيطر عليها جسديًا، بل عاطفيًا أيضًا.

كلّما حاولت أن تبتعد أو تتوقف، كان يعود ليُشدد قبضته عليها أكثر. ثم وكأن هناك قوى أخرى غير قوته تجذبها إليه، تجبرها على الاستمرار. في البداية حاولت أن تقاوم، حاولت أن تبقى بعيدة عاطفيًا، لكن مع مرور الوقت، بدأت تلاحظ بأن طريقة "نبيل" في التعامل معها لم تكن مجرد رغبة عابرة. كان يتعامل معها وكأنها قطعة ملكيّة، شيء يحق له التحكم فيه في كل لحظة. كانت أفعاله لطيفة في ظاهرها، ولكن خلف كل لمسة كان هناك إشعار بالسلطة.

لم تكن مجرد لحظات حميمية، كانت لحظات ترويض وتحكم. كانت تابعة إليه فيها دون أن تدرك بأنها قد تكون قد بدأت تتقبّل هذا الوضع، رغم إنها لم تكن مقتنعة به تمامًا. تتنهد "مايا" بعصبية وهي تهب واقفة عن الفراش. تذهب إلى النافذة وتفتح الستائر أكثر. تراقب ضوء الشمس الذي يتسلل عبر الزجاج، كأنها تحاول أن تجد شيئًا يهدئ من اضطرابها. يراودها شعورٌ غريب، وغير مُريح، ولكنها دائمًا ما كانت تخفيه عن نفسها.

الآن، وبعد أن صار كل شيء حقيقيًا، أصبحت تُدرك أنه مهما كانت التفاصيل الصغيرة التي لم تُعطها أهمية، فقد صارت جزءً من الحقيقة التي تعيشها الآن. تحدّثت إلى نفسها بهمساتٍ متلعثمة: -مش هقدر، بعد كده مش هايصدقني، مش هايصدق إني مش عايزاه، هو قدر عليا، قدر عليا!! ينتابها هلعٌ مفاجئ، تستدير فجأةً فصارت مواجهة للمرآة. وقفت تنظر إلى نفسها، عينيها تحملان مزيجًا من الخوف والارتباك.

تمعن النظر إلى ملامحها كما لو كانت تفتش عن شيء جديد في نفسها لم تكن قد رأيتَه من قبل. هل هي تلك الفتاة التي كانت تطمح في حياة هادئة؟ أم هي الشابّة التي قد ضحت بالكثير من نفسها في سبيل شخص آخر وتخلّى عنها؟ أم هي المرأة الناضجة التي سلكت طريق التمرد والخداع لتحمي نفسها ولكنها فشلت؟ شريط الأحداث يمر أمام عينيها. لحظات سيطرته عليها. "نبيل" الذي تزوجها لأسباب لا علاقة لها بالحب.

كان يشدّ قبضته عليها في اللحظات التي كان من المفترض أن تكون لحظات الراحة والأمان لها. كان يتحكم بكل شيء، يتحكم في تنفسها، في نظرتها، في مشاعرها. حتى في اللحظات التي كانت تشعر فيها بالضعف، كانت تراه وكأنها تتخلى عن نفسها من أجل رضاه. حقًا، أكانت تحرص على رضاه!؟ ذكريات القبلات الثقيلة، وأيديه التي كانت تلتف حولها كالسلاسل، تجعل قلبها ينقبض. لم يكن هناك مجال للراحة في تلك اللحظات. كل شيء كان مشروطًا.

في البداية، كان يبدو كأن هذا فقط جزء من العلاقة الطبيعية بين الزوجين. عندما سحبها إلى السرير، لم يكن هناك مجال للرفض. حاولت أن تبتعد، لكنه كان يدير وجهها تجاهه، يطلب منها أن تنظر في عينيه. كان يطالبها بصمتٍ بقبول سلطته، ولم يكن هناك مجال للحديث أو التفسير. كلّما حاولت إظهار ترددها، كان "نبيل" يعود ليذكرها بلطفه القاسي، بلمساتٍ ناعمة تساوي بين القوة والإغراء.

الشيء الذي أثار ارتباك "مايا" هو أنه في كل مرة كان يقترب منها، كان قلبها ينبض بسرعة، وكان هناك شعور غريب بالخوف والحاجة إليه في نفس الوقت. في تلك اللحظات، بدأ هذا الشعور يطمس مشاعرها الأخرى. لم تكن تعرف إذا كان هذا هو فخ الحب أم مجرد خوف من التسلّط. تطلق "مايا" مزيدًا من النهدات، تحاول التمسك بأفكارها قبل أن تلتفت إلى النافذة ثانيةً وتنظر إلى العالم الخارجي.

كانت تريد أن تكون بعيدة عن هذه الحياة التي فرضها عليها "نبيل". الحياة التي بدأت تشعر بأنها تضيق حولها. لكن رغم كل شيء، كان هناك شيء آخر يغرس في قلبها كل يوم. رغبتها في الهروب منه، وخوفها من فقدانه في آنٍ. كانت تفكر في الماضي، كيف دخلت هذه العلاقة رغم إنها لم تكن متأكدة تمامًا من عواقبها، وكيف أن زواجها لم يكن ناتجًا عن حب حقيقي، بل عن احترام ووفاء لوالدها.

"نبيل" الذي كان يراها "زوجة" أكثر من كونها شريكة حياة، كان قد تزوجها ليس لأنه يحبها، بل لأنه كان مدينًا لوالدها بعد أن ساعده في فترة عصيبة من حياته المهنية. كان "نبيل" يعتقد بأن الزواج سيكون وسيلة لشكر الرجل الذي أنقذه، وكانت هذه هي الطريقة التي قرر بها أن يرد الجميل لوالدها، حتى لو كان ذلك على حساب مشاعر "مايا". -محدش حبّني، وهو ماحبنيش، ولا عمره هايحبني! قالت "مايا" لنفسها بهمساتٍ متألمة.

ترفع يدها إلى قلبها، تحاول أن تتماسك، لكن مشاعرها تمزقها من الداخل. وتدرك شيئًا لا يمكنها تجاهله. سواء أعجبها أم لا، فقد أصبحت مرتبطة أكثر من اللازم به، رغم إنها كانت تخشى أن تصبح مجرد جزء من سيطرته. في قلبها، هناك خوف، وفي ذهنها تتصارع الأسئلة عن المستقبل. *** رائحة القهوة الطازجة تعبق في الأجواء. الضوء الخافت للثريّات العملاقة المدلاة من السقف العالِ ينعكس على الأثاث الفاخر.

والهدوء يملأ المكان باستثناء الأصوات البسيطة لخطوات الخدم المتنقلة في القصر. دخلا "عثمان" و"سمر" لتوّهما بعد زيارة الطبيبة النسائية، وتشبّ "سمر" على أطراف أصابعها قليلاً لتودّع زوجها مؤقتًا بقبلة رقيقة على خده، ثم تذهب لتستريح في غرفتهما. كان "عثمان" سيتوّجه إلى مكتبه ليحضر بعض الأوراق الهامّة من هناك ثم ينطلق إلى شركته. لكنه يجد "صالح" جالسًا في الصالون، يبدو عليه الإرهاق والتعب. يحاول إخفاء توتره، ولكنه لم ينجح.

يلاحظ "عثمان" بأن هناك شيئًا غير طبيعي في ملامحه. لا يضيع الوقت في مزيدٍ من التساؤلات ويتوّجه صوبه. -صالح.. انت هنا من امتى؟ وليه قاعد لوحدك؟ ديالا مش هنا ولا ايه؟ يرفع "صالح" وجهه متطلّعًا إلى ابن عمه، يجاوبه بصوتٍ خفيض: -أنا نسيت إنها بتروح النادي في الوقت ده من اليوم. جيت مالاقتهاش للأسف! عبس "عثمان" سائلًا إياه: -إيه يا صالح فيك إيه؟ وشك مش مريح انهاردة... في حاجة؟

يحاول "صالح" أن يبتسم، ولكن الابتسامة ضعيفة جدًا، تكاد أن تكون مزيّفة. يحاول أن يضبط نفسه، ولكنّه لا يستطيع أن يخفي علامات التعب النفسي التي تكشّفت مؤخرًا على وجهه. يرد عليه بصوتٍ هادئ محاولًا إخفاء شعوره: -مافيش حاجة... تعبان شوية بس... الشغل... ومشاكلي مع صافي. يقف "عثمان" أمامه يتأمله، عينيه مليئتين بالشك. كان يعلم بأن "صالح" مرّ بحالة من الاضطراب النفسي بسبب توتر العلاقة بينه وبين "صفيّة".

رغم إنه يحاول أن يتظاهر بالهدوء، لكن تجاعيد الجبين تفضح ما في داخله. يبتسم ابتسامة ضيّقة، ولكنه لا يستطيع إخفاء التوتر الذي يبدو واضحًا عليه. يشعر "عثمان" بأن هناك شيئًا غير عادي يحدث. يقترب منه، يجلس في كرسي مجاور له ويسأله بجديّة: -مش معقول... مش ده اللي في عيونك، في حاجة حصلت؟ في مشكلة؟ قول لي! يضغط "صالح" على شفتاه، يحاول كبح المشاعر التي تتدفق في داخله، لكنه يزداد توترًا مع كل لحظة تمر، حتى ينفجر أخيرًا.

يهتف بصوتٍ حزين، وهو ينظر في عينيّ ابن عمه: -عثمان... أنا خلاص، وافقت على طلب صفيّة.. هاطلقها!! ران الصمت للحظاتٍ، ورغم الدهشة التي ألمّت بـ"عثمان"، لكنه تمكن من السيطرة على انفعالاته. قال بتساؤلٍ حاد، يحاول أن يقرأ ملامح الأخير: -بس انت كنت رافض الطلاق قبل كده، كنت دايمًا مصمم إنك تحافظ على العلاقة، إيه اللي حصل؟ ليه قررت تغير رأيك؟

يتنهد "صالح" بعمقٍ، ويضع يده على رأسه وكأنما يحاول أن يرتب أفكاره المبعثرة، لكنه يبدو تائهًا. يغمض عينيه للحظة ثم يرفع نظره نحو "عثمان". يتردد لجزء من الثانية، ثم يقول بقرارٍ حاسمٍ: -قررت اخيرًا إني هاطلقها... القرار صعب، لكن خلاص... ده اللي هايحصل قريب. يعبس "عثمان" وهو ينظر إليه في دهشةٍ. يرفض أن يصدق بأن "صالح" قد اتخذ هذا القرار من دون حتى محاولة إيجاد حل، من دون أن يقاتل من أجل شقيقته.

فلو إنه واصل جهوده كان ليتدخل بنفسه ليساعده على إعادة الأمور إلى نصابها. ولكنه استسلم بسهولة. كان يعرف بأن هناك مشكلة بينه وبين شقيقته منذ فترة، ولكنّه لم يتوقع أن يصل بهما الأمر إلى الطلاق النهائي. بعد كل هذا، بعد قصة حبهما الشهيرة. عينيه تتسع، والحيرة تظهر على وجهه، ولكنه لا يستطيع أن يخفي انزعاجه. يردد بخشونةٍ بينما وجهه يتجهم: -يعني عايز تفهمني إن دي نهاية المطاف؟ كنت دايمًا بتقول إنك مش هاتطلقها مهما حصل...

إزاي قررت كده فجأة؟ ينهض "صالح" من مكانه، يبتعد قليلاً نحو النافذة كما لو إنه يحاول أن يهرب من الإجابة. "عثمان" يعرفه جيدًا، ويشعر بأن هناك شيئًا آخر يخفيه عنه، شيئًا أكبر من مجرد خلافات بسيطة بين زوجين. "صالح" يتماسك للحظةٍ ثم يلتفت من جديد إلى "عثمان". يقول بصوتٍ أجش: -القرار مش سهل، بس خلاص...

صافي مش هاترجع لي، وهي مصرّة على موقفها، لا في كلام ولا تفاهم. لو كنت قادر على حل المشكلة كنت حاولت، بس هي قافلة الطرق كلها في وشي. يشعر "عثمان" بشيء من الغضب، وأيضًا بشيء من التعاطف الخفي تجاه "صالح". رغم إنه كان يدعم أخته صفيّة بشكلٍ دائم، إلا إنه لا يستطيع أن يتجاهل المعاناة التي يعانيها ابن عمه. ولكن في نفس الوقت، "عثمان" يشعر بأن هناك شيئًا غير مبرر في قرار "صالح" وأنه لا يعرف كل التفاصيل.

يشعر بشكوك كبيرة، ولكنّه قرر أن يتريّث قليلاً. قال "عثمان" بصوتٍ جاد، يميل إلى الهدوء: -أنت متأكد من قرارك؟ أنا ماليش إني أقول رأيي في الموضوع لو كان الطلاق هو الحل الوحيد، بس أيًا كانت المشكلة، لو أنا عرفتها ممكن أقدر أحبها وأقنع صافي بنفسي! يبتلع "صالح" ريقه بصعوبة، ويهز رأسه دون أن ينظر في عينيّ "عثمان" مباشرةً. هو يعلم بأن "عثمان" حتمًا قد شعر بخطبٍ ما في القصة كلها، ولكن ما عرفه أكبر من أن يتم الحديث عنه الآن.

لا يمكنه أن يتكلم عنه بينه وبين نفسه في الأساس. نظرته تصبح أكثر شحوبًا مع كل لحظة تمر، فيقول بتوترٍ ملحوظ: -يا عثمان... ارجوك، ده مش وقت الكلام في التفاصيل دي، ده قراري، وأنا مش ندمان عليه. يمتد الصمت بينهما للحظاتٍ طويلة. عينيّ "عثمان" مليئة بالتساؤلات، ولكنه يقرر ألا يضغط على "صالح" أكثر. يعرف جيدًا بأن بعض الأمور يصعب على الإنسان الحديث عنها، وأن هناك جروحًا أعمق ممّا يمكن للكلمات أن تعبّر عنها.

ولكنّه أيضًا لا يمكنه أن ينسى التغيير المفاجئ الذي طرأ على "صالح" ويشعر بأن ثمة شيء عميق وراء القرار الذي اتخذه. يتنهد "عثمان" دون أن يحاول إخفاء خيبة أمله، ثم يقول: -لو احتجت أي حاجة، أنا موجود... لكن لازم تبقى متأكد من قرارك قبل ما تنفذه، فاهمني؟ يبتسم "صالح" ابتسامة ضعيفة، ثم يومئ له ملتقطًا مفاتيحه من فوق الطاولة بسرعة، كأنه يريد مغادرة المكان ليبتعد عن أسئلة قد يطرحها ابن عمه مجددًا.

يعتذر قبل أن يتحرك إلى الباب قائلًا بصوتٍ هادئ لكنه حازم: -شكرًا ليك يا عثمان.. هاكلمك في أقرب وقت.. سلام! يخرج "صالح" من الصالون بسرعة، تاركًا "عثمان" في مكانه. عينيه ملؤها التساؤلات والشكوك التي لم تجد إجابة بعد. يتنهد "عثمان" بحرارةٍ ثم يوجه نظره نحو التابلوه الكبير الذي احتل نصف مساحة الجدار أمامه. حدق في الصورة الجماعية التي ضمّت أفراد عائلته جميعًا. وطفق يفكر في الأوقات القادمة، وكيف ستتطور الأمور بين العائلة.

لكن الشيء الوحيد الذي شغل باله أكثر، هو قراره بأن الوقت قد حان ليعرف بنفسه كل شيء حاولوا مداراته عنه!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...