الفصل 19 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
30
كلمة
2,553
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

"ديالا! كان هذا كل ما قالته "صفيّة". وتسمّرت بعدها. بعد ما فتحت باب جناحها الخاص بالقصر، حيث تركت صغيرتها في عهدة مربيتها. لم تكن الصغيرة وحدها كما توقعت، ولكن كان معها آخر شخص فكرت أن تراه الآن. كان معها والدها، زوجها، وابن عمها، "صالح البحيري". "صالح! خرج اسمه من بين شفتيها خافتًا، ينم عن جفاء، قلّة حماسة لرؤيته.

كان "صالح" يساعد صغيرته في تنفيذ تسريحة شعرها الدقيقة أمام منضدة الزينة، ولكن يداه قد توقفتا تمامًا الآن، ما إن ظهرت زوجته فجأة. لم يكاد يتخذ أي ردة فعل بعد المباغتة، وإلا وسبقته "ديالا"، حين قفزت من فوق الكرسي المعدني المنجّد لتنطلق صوب أمها صارخة بسعادة: "مامااااااااااامي!

وارتمت بين ذراعي "صفيّة" التي تلقّتها في الحال راكعةً أمامها دون أن تحيد عن "صالح" للحظة. بقى كلاهما يحدقان ببعض، هي بتوتر، وهو بغضب جلي. رغم ثقل هذا اللقاء على "صفيّة"، إلا إنه ضروري، إذ يتعيّن عليهما إنهاء هذا مرة واحدة وإلى الأبد. ***

لقد هربت منه حرفيًا، بعد أن نالها مجددًا. إنها لحظة واحدة فقط التي تتظاهر بالرفض، ثم ما إن يلمسها يتبخر كل حذرها. اللئيم، أخذها من المرحاض عارية تمامًا، فلم تجد ما تستر به جسدها بعد أن تركها أخيرًا سوى قميصه. أخذته من فوق الأرض وألقته عليها في عجالة ثم فرّت ثانيةً إلى الحمام. وقفت هناك أمام لوح المرايا تحملق بنفسها بشدة. كتمت شهقة بكفها حين رأت التورم الواضح بشفتيها بفعل قبلاته. قبلاته!

لم يكن ليفعل ذلك، لم يكن ليقبّلها بهذا الشغف، بهذه الضراوة لو لم تشجعه! البائسة، كيف تخضع له بسهولة؟ ولماذا هذه المرة بالذات تبدي له كل هذا الخنوع والترحيب؟ أزاحت "سمر" كفها عن فمها بتمهل والخزي يتموّج في نظراتها. تنزل يديها ممسكة بتلابيب القميص خاصته، تفتحه قليلًا لتستطلع تلك العلامات الحمراء المتفرقة، التي بصم بها على صدرها وعنقها. الفاسق، هل يُلام؟

إنها أرادته بدورها، وتجاوبت كليًا مع غزله بها. ربما ذاكرتها تنساه، ولكن جسدها لا يزال يتذكره. جسدها الخائن دائمًا ما يتوق إليه. لم يتعب "عثمان" هذه المرة في طريقه لحصوله عليها، لقد مهدت له الطرق كلها. البائسة!

فتحت "سمر" صنبور المياه لتغسل بالماء البارد وجهها الملتهب من شدة تدفق دماء الخجل إليه. سحبت منشفة صغيرة من إحدى الرفوف وجففت وجهها وعنقها وهي تلقي نظرة مطوّلة إلى نفسها بالمرايا. لا يمكنها أن تظل جبانة إلى الأبد. على أيّة حال، لم ترتكب جريمة. إنها زوجته، الجميع يعرف هذا، أليس كذلك؟

خرجت "سمر" إلى الغرفة ثانية. لم تجده في السرير حيث تركته، بل كان يجلس غارقًا ومسترخيًا فوق الأريكة الوثيرة بجوار الشرفة. لم يكن يرتدي سوى سرواله الداخلي، يتصفّح هاتفه الخاص. ما إن رآها وقد عادت حتى ألقاه من يده جانبًا وتطلّع نحوها. "ما طوّلتِش! قالها "عثمان" مبتسمًا باشراق. ودعاها إليه مشيرًا لها بيده. "تعالي يا سمر."

الغريب، لقد أطاعته. وجدت قدماها تسيران تجاهه ببطء، حتى وصلت أمامه. بوغتت عندما أمسك بيدها وسحبها لتسقط فوقه. حبست أنفاسها مطوّقة عنقه بذراعيها تلقائيًا، بينما يمسّد على شعرها بيديه مرتبًا إياه فوق رأسها. "ابقي فكريني أخدك عند الـ Hairstylist." تمتم بأنفاسه الدافئة قرب فمها. عبست له هنيهة مستغربة، فأردف بابتسامة جانبية ماكرة: "شعرك طول، طول جدًا. أنا ما بحبش شعرك طويل، وهو قصير بيكون أحلى."

إتيانه مرة أخرى على ذكر شعرها الذي تسبب بقصه، دفعه لتشحذ مشاعر حنقها منه وتقول من بين أسنانها: "إنت اللي كنت بتجبرني أقصّه صح؟ إنت عارف شعري ده فضلت بهتم بيه أنا وماما الله يرحمها كام سنة؟ أنا عمري ما حطيت فيه مقص لحد ما اتخرجت من الجامعة! ضحك "عثمان" بخفة وقال:

"مش كل العيون بتعرف تميّز الجمال الحقيقي. وأنا من أول يوم شايفك جميلة. بس بقيتي أجمل لما حققت رغبتي وخلّيتك تقصّي شعرك. أصلًا يا سمر، محدش بقى له أي حق فيكي لحظة ما بقيتي على اسمي. لا أمك الله يرحمها مع احترامي ليها طبعًا، ولا انتي نفسك، ولا أي مخلوق. انتي ملكي أنا، وبس."

أُخذت من طريقته، من كلماته. كان كأنه يمارس سحرًا ما عليها، فلا تشعر بأقل رغبة في الابتعاد عنه الآن. تريد المكوث هكذا طويلًا والاستماع إليه يتحدث إليها. ابتسم "عثمان" من جديد مدركًا ما تفكر فيه بصمت. انزلقت نظراته لأسفل وهو يقول بصوت أدنى للهمس: "وحشني شكلك وإنتي لابسة هدومي. قميصي هاياكل منك حتة. يا بخت القميص والـ... اتسعت عيناها بصدمة من كلماته الأخيرة. قهقه "عثمان" بانطلاق عندما اضطربت بشدة ضاربة إياه في كتفه.

حاولت الفكاك من بين ذراعيه مغمغمة بخجل غاضب: "بطل سفالة بقى! أنا كل ما أحاول أديلك فرصة بتخلّيني أندم. إنت بجد سافل أوي. إيه ده مش معقول. إووعـى كده." بقيت قبضته حولها محكمة، فكانت كل محاولاتها للبعد عنه فاشلة، بينما يقول من بين ضحكاته: "إيه بس يا بيبي، ليه العصبية دي كلها. الكلام ده مش غريب على ودانك. أنا ياما قلت لك أكتر وأجرأ من كده، وإنتي كنتي بتتبسطي أوي." ردت بنفي واثق: "إنت كـدااااب! رفع حاجبه قائلًا:

"يا سمر ما تستفزنيش! لكنها لم تغيّر نظرتها المتحدّية، فأضطر لإثبات ادعائه: "أوكي، لحظة." ومد يده متناولًا هاتفه. عبث به للحظات، ثم وضعه بينهما لتسمع بأذنيها بضعة تسجيلات لهما في محادثة هاتفية. رباه! هذا صوتها حقًا، والآخر صوته هو. إنهما يتواعدان بحرارة وبكلمات جريئة للغاية، خصوصًا هي، تعده بأشياء. لا، لا يمكنها حتى أن تتقبل ما تسمعه. "إيه رأيك؟ سألها "عثمان" بذات التعبير المتأهب.

"الفويسز دي ليلة عيد ميلادي اللي فات، كنت لسا ماوصلتش البيت وإنتي كلمتيني، وسمعتي بودانك كنتي بتقولي إيه ووعدتيني لما أوصل هاتعملي إيه وهتفاجئيني إزاي. تحبي تسمعي حاجة تاني؟ وبالفعل شرع بالعبث في هاتفه مجددًا، لتمسك بيده مانعة إياه هاتفة: "خـلااااااص، خـلاص من فضلك! وتسارعت أنفاسها لشدة انفعالاتها. رقت نظرات "عثمان" إليها حين لاحظ شحوبها. ترك هاتفه وضمها إليه أكثر دون أن يكسر اتصالهما البصري وقال بحنان:

"أنا ما قصدتش أضايقك يا سمر، ولا حتى حبيت أحرجك. أنا بدأت أتفهم الوضع اللي إنتي فيه، بس لاحظت إن العلاج بالصدمة ممكن يجيب معاكي نتيجة. وده حصل فعلًا من ساعة واحدة. أنا المرة دي حسيت إنك سمر، حبيبتي. حسيت إنك رجعتي زي الأول. مستعد أعمل أي حاجة عشان ارجعك تاني يا سمر. خليكي واثقة فيا. محدش بيحبك في الدنيا دي كلها زيي. صدقيني! لم تسنح لها الفرصة للرد أو أي شيء آخر. قاطعهما طرق على باب الجناح. توترت،

بينما يصيح بثبات من مكانه: "مين؟ أتى صوت نسائي مميز من وراء الباب المغلق: "إيفون يا عثمان بيه! قام "عثمان" من مكانه آخذًا "سمر" معه. تركها الآن بتمهل قائلًا: "ادخلي الدريسنج روم، يلا." أحست بالامتنان تجاهه لبرهة. طبقًا لمعرفتها القصيرة به، فإنه ما كان ليتورع على عرضها بهذا الشكل على مدبرة القصر أو أي عاملة هنا. لكنه احترم مشاعرها هذه المرة. لم يشأ أن يحرجها. "ادخلي!

انفتح الباب ودلفت "إيفون" بعد أن نالت الرخصة لذلك. تلك المرأة الخمسينية، عينتها السيدة "فريال" بنفسها قبل أحد عشر عامًا لتدير شؤون القصر العملية. ما كان "عثمان" ليتركها كل هذه المدة لو لم يلتمس أمانتها وأصالة أخلاقها بنفسه. كانت أمه تحبها، فأحبها كرمى لأمه واعتبرها جزءًا من العائلة، حتى إنها مخولة لتربية صغيريه والعناية بهما. "في حاجة يا إيفون؟ "عثمان بيه، إلحق يابني!

انقبض قلبه بمجرد سماع صوتها اللاهث يستنجد به هكذا، فقال على الفور: "حصل إيه!؟ اختصرت "إيفون" كل شيء في كلمتين: "فريال هانم!!! ***

دمعتها لا تجف على خدها. تنام وتصحو بها فعليًا. في الغالب هي لا تغادر السرير إلا لقضاء حاجتها. هذا المرض المزمن الذي يواتيها منذ مراهقتها، الاكتئاب، إنه يفتك بها منذ أيام، جراء ما اقترفه "رامز الأمير" بحقها. حبيبها، إنه يحقق كوابيسها بشأن معاشرة رجل مثل أبيها. إنه يثبت نظرية "رحمة" بأنه ليس جديرًا بها حقًا. وكله في كفة، والطريقة التي عاملها بها أخيها في كفة أخرى. ولكن، أليس هذا ما أرادته؟

والشيء الذي تاقت له طوال عمرها، وجود أخ تلوذ بحصنه، يحميها وتستشعر حميته عليها!؟ لماذا هي حزينة إذن؟ بسبب "عثمان"؟

الحقيقة لا، ليس بسببه. سبب حزنها الرئيسي هو "رامز الأمير" نفسه، الرجل الذي تحبه، وتعجز كليًا عن مجرد فكرة تركه. لا يمكنها تركه، لأنها تحبه، رغم كل مساوئه، تحبه، وتشعر بالوحشة لأنه ليس هنا بجوارها. عجبًا، لقد تركته لمدة ثلاث سنوات، والآن هي لم تره منذ بضعة أيام، إلا إنها تفتقده بشدة. تريده، تريد حبيبها ورجلها. إنها حقًا لا ترى نفسها إلى جانب آخر غيره. وإن أصر أخيها على موقفه ورفضه زوجًا لها، فإنها تخشى أن تفقد عقلها، لأنها لن تحتمل ذلك. لن تحتمله أبدًا.

"دخلتي بيتي يا بنت يحيى! تسلل الصوت عبر مسامع "شمس البحيري" أثناء غيبوبتها النصفية. ولكنه كان كفيلًا لينتزعها من أي مسبب يغيبها عن الواقع. فتحت عينيها على وسعهما، لتتعلق نظراتها بناظري "فريال" الحاقدين. انتفضت "شمس" وقامت جالسة فوق فراشها. حدقت بزوجة أبيها غير قادرة على النطق بكلمة، في حين احتقن وجه "فريال" بالدماء. اغرورقت عيناها بدموع الغضب وهي ترتعش حقًا من قمة الانفعال. "بــراااااااااااااااااااااااااااااااااا:"

شهقت "شمس" بذعر عندما صرخت "فريال" بها هكذا. تراجعت ملصقة ظهرها بحائط السرير. في نفس اللحظة اندفعت يد "فريال" لتمسكها من شعرها. وهنا لم تتحمل "شمس" الألم وملأ صراخها الجناح كله، بينما أخذت "فريال" تسحبها فوق الأرض تجاه الباب. جاءت "رحمة" وصوتها يهدر بهلع من الخارج: "شمـس.. فـي إيـه.. شـمـــــس!!!!

تترك "فريال" ابنة زوجها الراحل وتلتفت لتنظر نحو الأخيرة. أخرسها الألم فور رؤية غريمتها. بالتأكيد هذه هي التي تزوجها "يحيى البحيري". هذه هي إبنة السائق. تلتقي نظراتهما لجزء من الثانية، قبل أن تهرع "رحمة" إلى ابنتها، ترمي بجوارها على الأرض وتضمها إلى صدرها بشدة وهي ترفع وجهها لتلاقي نظرات "فريال" من جديد. استوحشت عينا "رحمة" وأخشوشن صوتها بشراسة وهي تهتف: "مالك ببنتي يا فريال هانم؟

أنا بحذرك، إللي يقرب من شمس آكله بسناني. شمس بنت يحيى البحيري!! "رحـمـــة!!! طغى الصوت الرجولي على كل الأصوات بالجناح. والتفتت "فريال" كليًا نحوه، ترمقه بنظرة ملؤها الخيبة والخذلان. قابل "عثمان البحيري" نظرات أمه ببرود. ثم نقل بصره نحو "رحمة" قائلًا بصرامة: "صوتك ما يعلاش على فريال هانم. انتي سامعة يا رحمة؟ انتي هنا ضيفة عندها، بمزاجك، غصب عنك، تتأدبي وإنتي بتكلميها."

نسخة أبيه. يقف أمامها ويحذرها، يملي عليها أوامره. كان لسانها ليخرس تمامًا، لولا أن الأمر يتعلق بابنتها. لذلك ردت عليه بذات الشراسة وكأنها لبؤة تدافع عن صغارها: "فريال هانم اتهجمت على بنتي." نظر "عثمان" لأمه غير مصدقًا. لكنها لم تأبه لنظرته. اتخذت خطوتين تجاهه وقالت بهدوء شديد: "إنت سمحت لهم يدخلوا بيتي يا عثمان؟ أجفل "عثمان" في البادئ، لكنه تمالك رباطة جأشه وجاوبها: "أيوة يا فريال هانم!

أومأت له وقد كانت دموعها الحبيسة رهن إجابة منه. هوى قلبه بين قدميه بمجرد أن سالت مدامعها على خديها. كاد يخطو ناحيتها، لكنها جمدته بإشارة من يدها وقالت بصوت أبـ... "إطردهم.. دلوقتــي! حالًا! مرة أخرى، تُحكِم قوى أكبر من إرادته سيطرتها عليه. قوى الواجب. فيقسو وهو يقول بجفاء: "مش ممكن يا فريال هانم. شمس أختي، وأنا استحالة أتخلى عنها مهما حصل!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...