تسللتْ ببطء وهدوء في هذا الظلام إلى درج شقيقتها لتفتحه وتنتقي منه القرط الأحمر الرقيق. شكله شكل فراشة جميلة. عندما رأته ذلك الصباح، استأذنت شقيقتها استعارته. انتفضت حينها بذعر ورفضت رفضًا قاطعًا على غير المعتاد. ففي كل مرة تود استعارة شيء منها كانت ترفض في البداية، ومع بعض الجدل والإلحاح توافق في نهاية المطاف. وأحيانًا أخرى ترفض كانتقام منها على شيء بها فعلته أختها، فتأخذه دون علمها. لكن رفضها تلك المرة بدا غريبًا مع تلك الانتفاضة. توقعت أنه من صديقة عزيزة عليها لا تود إضاعته. ستحافظ عليه على أي حال. ثم منذ متى كانت موافقة شقيقتها على استعارة أغراضها شرطًا لاستعمالها؟
ليس ذنبها أن شقيقتها تملك ذوقًا جميلًا في الملابس والإكسسوارات. وقفت أمان مرآتها في تلك الساعة المتأخرة من الليل بعدما ارتدت الفستان الذي يتناسب مع القرط لتجربته. ارتدت القرط ثم ضغطت عليه لتثبته. ما حدث لم يكن متوقعًا. فبمجرد ما ارتدت القرط أطلق وهجًا غريبًا استحال تدريجيًا إلى ضوء ساطع. أغمضت عينيها من شدته، لتفتح عينيها بعد برهة وتصدم مما تراه. في اليوم التالي، الساعة الحادية عشر صباحًا.
فتْ الغرفة جيئة وذهابًا مئات المرات منذ الصباح وقد استبد بها القلق. حاولت الاتصال بأختها "زينة" مرارًا علها تجيب وتبدد شكوكها. وكالعادة يحدث كل شيء على عكس هوانا، لم تتلق الرد. قال شقيقها "آدم"، الأخ الأصغر، في تذمر: -ألا تجدين مكانًا تمارسين فيه رياضة التوتر تلك بعيدًا عن أمام التلفاز؟ أريد المشاهدة. همست وهي تحاول للمرة التي لا تعرف عددها في الاتصال بأختها: -ردي يا "زينة". قال "آدم" في تهكم: -ماذا سرقت منكِ اليوم؟
لاحظ أن "زينة" قد نزلت مبكرًا اليوم على غير العادة فسأل: -أين هي بالمناسبة؟ تحاول التكتم على ما توصلت له من شكوك لكنه يستفزها بأسئلته، لذلك قالت وهي ترفع شعرها المجعد المنفوش عن وجهها ذي البشرة السمراء: -سأخبرك. قد تبدو لك هرطقة أو ربما تظن أنني جننت، لكن هذه حقيقة. قال: -لا تقلقي. كادت ملامحها أن تطمئن قبل أن يكمل: -أعلم أنكِ مجنونة وأن كلامكِ كله هرطقة منذ زمن، ليس شيئًا مفاجئًا. ردت في حنق:
-ليس هذا وقت استعراض حسك الفكاهي الآن. تحولت لهجتها للحزم قليلاً: -اصمت واسمع. أردفت تقص عليه الأمر: -منذ عامين تقريبًا، ابتاعت صديقتي قرطًا يقال عنه أن فيه سحر أو ما شابه من باب التسلية. كان القرط فردًا واحدًا. فأخبرتكم أنني سافرت أسبوعًا مع صديقتي. في الحقيقة لم أسافر إلى مكان نعرفه، ليس في مصر بالتأكيد. فأنا لم أسافر بالسيارة أو الطائرة، بل سافرت بالقرط! توقفت لبرهة ثم أكملت مفسرة:
-ارتديتُ القرط قبل صديقتي، فسطع منه وهج غريب قوي تحول إلى نور ساطع، ووجدتُ نفسي في أرض أخرى. عرفتُ بعدها أنهم يستعملون الإكسسوارات في التنقل. أعلم أن ما أقوله قد يجعلك تظن أنه هذه قصة أطفال أو ما شابه، لكن أقسم لك أنها الحقيقة. حاولتُ الرجوع باستخدام القرط مرارًا، كل المحاولات باءت بالفشل، إلى أن بطريقة ما استطعتُ أن أحصل على الفرد الثاني من القرط، حينها عدت. ربطت قصتها بـ "زينة" بسهرية ممتزجة بالسخط من أفعال أختها:
-علاقة ذلك بـ "زينة" هو أنها رأته بالأمس وطلبت مني استعارته. رفضتُ بشدة، وأنت تعرف "زينة"، كم يحلو لها سرقة الأشياء. أفرغت ما بجعبتها ونظرت لتستشعر رد فعله فوجدته فاتحًا فاه ببلاهة. بعد لحظة من الصمت، هز "آدم" رأسه وقد استعاد تركيزه فقال يسأل بحيرة: -أتؤلفين فيلمًا أو روايةً ما؟ ردت في عصبية: -إنها الحقيقة! قال ساخرًا: -أووه، نعم أنتِ تروين قصة عادية تمامًا تحدث كل يوم ويجدر بي تصديقها بسهولة.
-إن عادت اليوم ستكون أنت على حق، وإن لم تعد فسأكون أنا على حق. وكم أتمنى ألا أكون. أومأ "آدم" في استهانة، وبقيت "ياسمين" تدعو ربها أن يكون "آدم".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!