إن كان مرر لها من قبل أمر استيلاءها على أمواله وأكتفى بأن يجعلها تعويضاً لها عما لاقته منه، إلا أن يقيم شقيقها معهم بالمنزل لهو العذاب بعينه. وهي خير من تعلم مدى شعوره بالانزعاج والضيق كلما تذكر ما حدث من ديفيد بحقه، فأيقن الآن أنها وصلت لحالة من عدم الاكتراث واللامبالاة بأمر يسعده أو يشقيه لم يكن يظن أن تصل إليها يوماً.
بل ستجعل إقامة شقيقها معهم أداة بيدها لتذكره بما عاناه ولتنكأ جراحه الواحد تلو الآخر، وتجعلها تعود وتنزف دماً وقهراً من جديد، حتى وهو واقفاً أمامهما الآن، يشعر بحرارة غير معتادة تغزو جسده، كأنه مازال يشعر بضرب السياط على جسده ومذاق طعم الدماء بفمه. رفع راسل يده اليمنى يمررها على صدره بعشوائية، كأنه يتأكد من خلو جسده من تلك الدماء التي كانت تطفر من جروحه، كأنها عادت تنزف من جديد ويشعر بدفء الدماء النازفة منها.
ولكن انتبهت حياء على ما يفعله، كأنه أصيب فجأة بمس من الجنون وصار مجذوباً، وهو يتلمس جسده ووجهه بإلحاح. شقت الشفقة قلبها على حاله، فبعفوية امتدت يدها له وقبضت على يده لتجعله يكف عما يفعله. نظر لكفها الرقيق القابض على كفه العريض وسرعان ما نظر إليها بعينيه اللتين سطرا الألم بوضوح داخلهما، كأنه يناشدها أن لا تفعل به ذلك. انتبهت حياء على ما فعلته، فسحبت يدها سريعاً وعاد البرود يكسو وجهها، فازدردت لعابها وجذبت شقيقها
وهي تقول بابتسامة متوترة: –يلا بينا يا ديفيد نخرج علشان ورايا كام مشوار أعملهم وعيزاك معايا. انحنى ديفيد قليلاً كأنه يقدم فروض ولاءه وطاعته لها وهو يقول باسمًا: –الجميل يؤمر وأنا أنفذ، أنا تحت أمرك يا مولاتي. ضحكت حياء بصوت مرتفع، أصدر رنيناً عذباً بقلبه، بل اقشعر بدن راسل بعد رؤيتها تضحك هكذا وهو الذي لم ير سوى دموعها الحارة منذ أن وطأ المنزل بقدميه.
بل لم تكتف بذلك، بل مدت يدها ولكمت شقيقها بصدره بخفة كأنها تمازحه وتأبطت ذراعه وخرجا من المنزل. ومن يراهما يظنهما عاشقان وليس أخ وشقيقته، فالعلاقة بينهما تطورت سريعاً، وهو من ساهم بذلك، كون أن حياء لم تجد أحدًا يواسيها بمصابها غير شقيقها، وربما رابط الدم بينهما هو ما جعلها تجعل ديفيد على رأس قائمتها التي استثنته منها ولم يعد يشغل بها مكانة أو حيزًا. –أنا زهقانة وعايزة أتفسح شوية، بس عايزة أروح أزور دار الرعاية الأول.
قالت حياء ما أن وصلت لسيارة ديفيد المصفوفة أمام باب البيت. فتح لها الباب وجلست بالمقعد الأمامي المجاور لذلك المقعد الذي جلس هو عليه فيما بعد، فهي أرادت أن تتنزه معه لعلها تصرف عن ذاتها ذلك الضيق الذي شعرت به بعد أن زارتها تلك اللحظة من الضعف بعد رؤيتها لما أصاب زوجها بعد علمه بأن شقيقها سيقيم معهما بالمنزل. رد ديفيد قائلاً وهو يدير عجلة القيادة:
–أنا النهاردة تحت أمرك اليوم كله، قولولي عايزة تروحي فين وإحنا نروح على طول. ابتسمت حياء وهي تسند رأسها لطرف مقعدها، فنظرت من النافذة، ورأت راسل واقفاً أمام الباب، كأنه بانتظارها أن تخرج من السيارة، لعلها تقدم له تفسيراً عن سبب وجود ديفيد هنا، أو لما ستجعله يقيم معهم وهي الأعلم بمدى شعوره بالكراهية تجاهه. ولكنها لم تفعل شيئاً سوى أن رفعت يدها تلوح له ببرود، وسرعان ما قاد ديفيد السيارة حتى اختفيا عن ناظريه.
–أيوه هنا يا ديفيد وقف العربية وصلنا. قالتها حياء وهي تشير بيدها ما أن وصلا لدار رعاية الأطفال. فترجلت من السيارة وحملت تلك الهدايا التي ابتاعتها وهي بطريقها إليها، وجعلت ديفيد يحمل معها الحقائب وولجا للداخل. استقبلتهما مديرة الدار الجديدة والتي تولت مهمة إدارتها بعد وفاة المالكة الأصلية لتلك الدار، ومن ثم وجدت الأطفال يتدافعون إليهما ليحصل كل منهم على دميته وحلوائه.
وبعد انتهائهما فضلت حياء الجلوس قليلاً وتراقب الأطفال وهم يلهون ويلعبون. نظرت بجوارها وجدت ديفيد يأكل من تلك الحلوى المتبقية معهما، فضحكت حياء وقالت له: –أنت جعان يا ديفيد ولا إيه، شيفاك عمال تاكل في البسكوت الباقي زي ما يكون بقالك يومين ما أكلتش. ابتلع ديفيد ما بجوفه ورد قائلاً بابتسامة:
–أصل كنت لسه صاحي من النوم لما رنيني عليا وجتلك قبل ما أفطر، ولما شوفت البسكوت جوعت، واحتمال كمان أقوم آكل اللي في إيد الأطفال، فيلا بينا أشوف أي مطعم نفطر فيه. لم تكن حياء راغبة بترك مكانها، وتحرم عينيها من رؤية هؤلاء الصغار، وهي من كانت تتمنى أن تملك نصف دزينة منهم، تراهم يركضون هنا وهناك بمنزلها، وترى بهم ثمرة عشقها لزوجها.
ولكن ما حصلت عليه بالأخير، لا شيء سوى أنها هنا جالسة تشاهد أطفال ربما يتقاسمون ظروف طفولتها، بينما زوجها صار لديه ولدًا من امرأة أخرى غيرها. آه لو يعلم كم تتمزق روحها كلما سمعت صوت ضحكة أو بكاء الصغير بالمنزل، أو تراه هو يحمله يهدهده ويقبله، تكون كمن طعنت بسهم تم غرسه بقلبها وعليها أن تضحك وتبتسم لتوهم الجميع أن الأمر لا يشكل فرقاً لديها. وضعت حقيبتها على ذراعها ونهضت من مكانها وقالت بغصة:
–ماشي يلا بينا، بس بعد كده هتوصلني عند دادة صالحة علشان عايزة أزورها وأقعد معاها شوية، ماشي. أومأ ديفيد برأسه موافقاً على مطلبها، فخرجا من دار الرعاية ووصلا للمطعم الذي تناولا به إفطارهما المتأخر. وبعد انتهائهما خرجا واستقلا السيارة بطريقهما لذلك الحي، الذي تقطن به صالحة. ولم يكن سوى ذلك الحي الذي كانت تسكنه معشوقته الراحلة، وكأن قدميه ساقته إلى الموت. فما أن أوقف محرك السيارة أمام منزل صالحة، نظر لشقيقته قائلاً
بنبرة مبهمة: –حياء أنا عندي مشوار مهم، اقعدي براحتك ولما تخلصي رني عليا أجيلك ونرجع البيت، ماشي. لم تفهم حياء إصراره على المغادرة، ولكنها لم تجادله، بل خرجت من السيارة وسرعان ما قادها حتى اختفى بلمح البصر. فطرقت حياء الباب الخشبي لذلك المنزل الصغير، الذي تملكه مربيتها الحنون. فتحت صالحة الباب وتهلل وجهها وصاحت بسعادة: –حياء حبيبة قلبي نورتي، ادخلي يا ألف أهلاً وسهلاً.
احتضنت حياء مربيتها كأنها لن تتركها، مما جعل صالحة تشعر بأنها ليست على ما يرام، فظلت تربت على ظهرها بحنو، حتى استطاعت حياء الابتعاد عنها وولجت للداخل. ذهبت صالحة لمطبخها الصغير وأعدت لها كوب من إحدى المشروبات المثلجة والتي تكون الأنسب دائمًا بأوقات الصيف الحارة. وضعته أمامها على تلك الطاولة ورمقتها بهدوء، فوجدتها تحدق بشاشة التلفاز بشرود. ربتت صالحة على ساق حياء، التي ارتعدت بخفة.
ولكن رغم ذلك ابتسمت لها، دققّت صالحة بها النظر وتساءلت باهتمام وقلق: –مالك يا حبيبتي في إيه، حاسة إنك متغيرة، حصل حاجة أو عرفتي حاجة عن جوزكن؟ هزت حياء رأسها وردت قائلة بصوت خالٍ من أي شعور: –آه يا دادة، هو رجع بس مرجعش لوحده، راجع هو ومراته التانية وابنه اللي خلفه منها. شهقت صالحة ودبت على صدرها تعبيراً عن دهشتها وصدمتها مما سمعته منها، فلا بد أنها تمازحها.
ولكن رؤيتها لأطرافها المتشنجة والتي ظهرت بوضوح في يدها القابضة على كوب مشروبها، جعلها متيقنة من أنها لم تخبرها سوى الحقيقة. قالت صالحة بارتباك وتساءلت: –حياء معقول اللي بتقوليه ده؟ ده دكتور راسل بيحبك وروحه فيكي، ده أنا لسه لحد النهاردة فاكرة حالته لما جه يدور عليكي لما سبتيه، كانت حالته تقطع القلب وقتها، معقولة قدر يتجوز عليكي بعد الحب ده كله.
تركت صالحة مكانها وجلست بجوارها وجذبت رأسها إلى كتفها، وكأن حياء كانت بانتظار ذلك، وراحت تبكي بمرارة ويرتجف جسدها. وعلى الرغم من أن ديفيد شقيقها رآها بموقف مماثل فور وصوله، ومنحته امتياز الأشقاء بأن يقدم لها دعمه، إلا أن الأمر مع مربيتها يختلف كليًا، وربما ذلك عائد لأن صالحة هي من ساهمت بتربيتها منذ صغرها وكانت بجوارها دائمًا بأوقاتها السيئة وقدمت لها النصيحة والحنان وقت ما كانت بحاجة إليهما.
تألمت حياء كثيرًا ولكنها أجابتها بحدة سخطًا على بكائها وتأثرها: –آه يا دادة، عمل كده وبكل دم بارد، بس أنا خلاص مبقتش عايزاه ولا بقيت باقية عليه خلاص، أنا كرهته كرهته يا دادة. تحاول أن تقنع ذاتها قبل الجميع بأنها صارت تكن له الكراهية. ولكنها دائمًا ما تصرح بكراهيتها أمام أناس هم الأعلم والأدرى بتلك الحالة من العشق التي كانت تعيشها معه.
ولكنهم يوهمونها بأنهم يصدقونها ربما لينتهوا تلك الحالة من الحزن والتأثر والبكاء التي تلم بها جراء ذكرها لما فعله معها. لم تجد صالحة ما تقوله سوى بضع كلمات لا تغني ولا تسمن من جوع ولن تستطيع بها دفع ذلك الضرر النفسي الواقع عليها من شعورها بغدر وخيانة زوجها لها. ربتت عليها ومسحت وجهها وقالت بأمل: –اهدئي يا حبيبتي، ربنا يصلح حالك يا رب. توقفت لحظة ثم مضت إلى القول بحنان: –أنا النهاردة هعملك أكتر أكلة كنتي بتحبيها.
ابتسمت حياء ورفعت رأسها عن كتف صالحة، لعلمها أنها تبذل ما بوسعها للترويح عنها. فعرضت عليها مساعدتها بالمطبخ في إعداد الطعام، لعلها تصرف عن ذهنها التفكير بقصر النعماني وساكنيه. وبعد انتهائهما من إعداد الطعام ووضعتاه بالصالة جلستا تأكلان وتثرثران وكل منهما تتحاشى الخوض ثانية بعودة راسل وزواجه. انقضى الوقت سريعًا حتى سمعت حياء صوت أذان العشاء. فهي قضت اليوم بأكمله مع صالحة وحان وقت عودتها للمنزل.
فأجرت اتصالاً بديفيد، ليأتي ويعيدها للبيت. وما هي إلا خمسة عشر دقيقة ووجدت ديفيد يقف أمام منزل صالحة. وما أن جلست بجواره، انطلق بالسيارة كأنه بأحد السباقات، مما جعل الخوف يسكنها من أن يقع لهما حادث يودي بحياتهما سويًا. فزعت حياء وصاحت بديفيد قائلة باستجداء: –ديفيد براحة شوية، أنت هتموتنا كده، أنت داخل سباق، سوق العربية براحة، أنت خوفتني. خفف ديفيد من حدته في قيادة السيارة حتى وصلا للمنزل بسلام.
ولكنه أخبرها بأنه سيعود بوقت متأخر ولكن لا حاجة لها أن تشعر بالقلق، فما أن تستيقظ من نومها ستجده بتلك الغرفة التي خصصتها له من أجل إقامته بمنزل النعماني. ولجت حياء للداخل وصعدت الدرج. وما أن وصلت للطابق الثاني الواقع به غرفتها، رأت تلك الغرفة التي من المفترض أن راسل وساندرا يتشاركانها، وجدت باب الغرفة مواربًا.
فأرادت استكمال سيرها لغرفتها، إلا أن ما أن التفتت خلفها لمحت خروج الصغير من الغرفة وهو يحبو، مما جعلها تشعر بالخوف من أن يسقط. فعادت أدراجها وحملته وهو كان قاب قوسين أو أدنى من أن يضع يده على مقدمة الدرج. خرج راسل من الغرفة يصيح مناديًا للصغير بخوف: –ساجد أنت فين. وجدها تحمل الصغير الذي راح يجذب طرف حجابها. فظلا واقفان مواجهان لبعضهما البعض بصمت.
نقل بصره بينها وبين الصغير، وعيناها تحمل له ألف اتهام، لما حرمها من تلك الأمنية وهي أن تحمل صغيرهما بين ذراعيها. فهو يعلم مدى عشقها للأطفال وكم من مرة بأوقاتهما الحالمة صرحت عن أمنيتها بأن يكون لديها طفلها الخاص منه وتحمل بأحشائها نبتة منه ترويها هي بحنانها الفائق وعنايتها حتى تأتي لهذا العالم متجسدة بصغير أو صغيرة يحملان دماءهما سويًا. رفعت الصغير عن أحضـ ـانها وقربته منه قائلة وعيناها تجلده بنظراتها:
–كان ممكن يقع من على السلم، خلي بالك منه. وضعته بين ذرا عيه بينما استدارت هي لتذهب لغرفتها. هرعت تجاه باب الغرفة وفتحته وأغلقت خلفها. ولكنها رأت سجود نائمة بفراشها، فلم تشأ أن توقظها بل ذهبت لغرفة ثيابها وارتدت ثوب نومها الحريري الذي ابتاعته مؤخرًا، ووضعت رداء مماثل للون الثوب ولكنها تركته دون الحاجة لأن تشد رباط خصرها.
ولكن ما أن كادت تستلقي على فراشها، سمعت صوت رنين هاتفها، ولم يكن سوى مدير أعمال إحدى تلك الشركات الخاصة بعائلة النعماني. فتحت الهاتف وقالت بعملية: –أيوه حضرتك خير في إيه. رد الرجل قائلاً باحترام جم لربة عمله: –مدام حياء أنا أسف أن بكلم حضرتك في وقت زي ده بس في حاجة بخصوص صفقة شركات الأغذية كنت عايز أقول لحضرتك عليها، لأن حضرتك اليومين دول انتي وعاصم بيه مبتجوش الشركة علشان حالة رياض باشا.
فهمت حياء قلقه حيال العمل، فدعوته ليكمل حديثه ويخبرها بهذا الأمر الهام. ولكن أثناء المكالمة وأنهماكها بالحديث، سمعت صوت طرقات على الباب. خفضت الهاتف عن أذنها وتساءلت: –أيوه مين. جاءها الرد من خلف الباب المغلق: –أنا راسل يا حياء، هي سجود عندك. اتجهت حياء صوب الباب وفتحته وعادت ووضعت الهاتف على أذنها، فسمحت له بالدخول وهي تشير لسجود النائمة بفراشها. ولجت للشرفة لتكمل باقي حديثها عن العمل.
ورغم وقتها الذي قضته بمكالمتها الهاتفية، إلا أنها خرجت من الشرفة وجدته ما زال جالسًا على طرف الفراش بجوار ابنته. فتساءلت بقرارة نفسها لماذا لم يذهب إلى غرفته بعدما قبل ابنته مثلما يفعل دائمًا قبل نومه؟ حولت نظراتها الجامدة عنه وضمت كفيها قائلة بجفاء: –خير، لسه قاعد هنا ليه، مش خلاص أطمنت على سجود ولا مبقتش مأمن عليها معايا، خايف أأذيها؟ نهض من مكانه وأمسك بها قائلاً بنعومة:
–لو قالوا لي إن الدنيا كلها هتؤذي بنتي هقول إلا انتي يا حياء، لأنك أمها وما فيش أم بتؤذي بنتها. حاولت حياء التظاهر بالضحك وهي تقول بسخرية: –طب ما قلتش الكلام ده لنفسك ليه لما صدقت عني إن ممكن أأذيكوا وهربت؟ ده أنت من جبروتك خليتني أعيش معاك ليلة ولا ألف ليلة وليلة وأقوم الصبح ألاقيك هربت وسيبت لي رسالة، فكرت وقتها كان إيه اللي ممكن يحصلي؟
ما حستش بضميرك بيوجعك وأنت سايبني هنا لا عارفة عنك حاجة ولا عارفة أنت فين، فضلت سنتين متعلقة لا طايلة سما ولا طايلة أرض. طب يا ريتك كنت رجعت وقولت لي إنك خلاص مش عايزني وإنك هتطلقني عشان تتجوز واحدة تانية، على الأقل يمكن ساعتها ما كنتش هحقد عليك وأنسحب بهدوء من حياتك. بس إزاي تعمل كده؟ ما تبقاش راسل النعماني. ارتجاف جسدها من شدة انفعالها بحديثها، جعل رداءها ينزلق عن كتفيها قليلاً.
وكأن أحدهم حبس أنفاسه بقوة، فها هي بين يديه حسناء، جميلة، آسرة، تهدم صموده وجموده بلحظة. يكفيه الشعور بملمـ ـس خصيلاتها الحريرية الطويلة، التي راحت تنساب من بين أصابعه كالشلال. عامان كاملان لم يراها هكذا، جاذبيتها تجعل أمر ابتعاده عنها بتلك اللحظة مستحيلاً، ولن يعود بإمكانه أن يكبح جـ ـماح نفسه التواقة إليها. –راسل اطلع برا، بقولك اطلع برا، اخرج علشان تعبانة وعايزة أنام.
قالت حياء بخوف وهي تراه يدنو برأسه منها، كأنه لن يفلتها دون الحصول على مبتغاه. ولكن بدا راسل وكأنه أصم وأبكم. فيما أخذها إلى صدره برفق وحنان. أحنى رأسه فوق وجهها، ولكن أبقت على شفتيها مطبقتين كبوابة حصن منيع. ولم تكتف بذلك بل دفعته عنها بقوة وحزم حتى حلت وثاقه عنها. لم تتأثر بقربه الواضح منها وقالت له: –اتفضل اخرج برا، وقولتلك قبل كده متلمسنيش ولا تحط إيدك عليا تاني، مفهوم؟ رد قائلاً بلهجة جادة وصارمة:
–انتي بتعملي كل ده عشان خايفة مني يا حياء؟ خايفة تقربي مني وساعتها هتكتشفي إن كل اللي بتعمليه ده تمثيل وإنك لسه بتحبيني، وإنك مب بتكرهنيش ولا حاجة، ده يمكن انتي بعد الفراق اشتقتي لي وحبتيني أكتر. وأنا متأكد إن لو قربت منك أو لمستك هتعترفي بحقيقة إنك لسه عايزاني ومشتقالي وبتتمني قربي، ويمكن الليل كمان مينتهيش إلا وأنتي بتقولي لي "بحبك وخليك معايا". تلك الثقة اللعينة التي يتحدث بها جعلت دماءها تغلي بعروقها.
حتى وإن كان جانبًا من حديثه يحمل طابع الجدية، إلا أنها لن تعترف بهزيمتها أمامه حتى لو سلط على عنقها سيف حاد. ففاضت نظراتها بتعبيرات الإشمئزاز والضجر، وكسبيل لإغاظته وجعله يشعر بأنه لم يعد يمثل لها شيئًا ولم يعد يؤثر بها وجوده أو اقترابه منها. عادت ووقفت أمامه عاقدة ذراعيها وهي تقول بتحدٍ سافر:
–شيل سجود وديها أوضتها وتعال يا راسل، تعال عشان أثبت لك إنك بقيت بالنسبة لي ولا حاجة، ويمكن ساعتها تقتنع إن خلاص كرهتك ومش طايقة أبص في وشك، وإن خلاص مش هكون لك زوجة ولا تجمعنا أوضة ولا سرير تاني. امسك بذراعيها صارخًا بغضب عارم: –انتي بتفكري في إيه بالظبط وتقصدي إيه بكلامك ده. –أنت اللي بدأت وزرعت النار في قلبي، يبقى تستحمل. قالتها حياء وهي تزيح كفيه عن ذراعيها، إلا أنه رفض تركها.
فضغط عليهما بضع لحظات ثم اختفى السخط الشديد من عينيه وقال بدهاء: –ماشي يا حياء، هودي سجود وراجع لك وهشوف آخرتها إيه معاكي. تركها واقترب من الفراش وحمل صغيرته الغافية وخرج من الغرفة متجهًا لتلك الغرفة الخاصة بسجود. وضعها بفراشها ودثرها بالغطاء الخفيف وقبل رأسها ومن ثم عاد لغرفة حياء وأغلق الباب خلفه. وجدها خلعت الرداء عن الثوب الذي ترتديه، والكفيل بإطاحة عقله مثلما كانت تفعل سابقًا.
فهي أعدت أسلحتها ودفاعاتها وما عليه سوى الاقتراب، لتقذفه بوابل نظراتها من الازدراء والكراهية. جلست على المقعد بجوار الفراش واضعة ساق على الأخرى، تنقر بأصابعها على ذراعي مقعدها بهدوء يثير الأعصاب. اقترب منها وجذبها من يديها وضمها إلى صدره بقوة ولكنه لم يحاول معانقتها. أسند وجهه لرأسها وسرعان ما قال بهمس محموم وصوت أجش وأنفاسه المتصاعدة بترقب يوزعها بسخاء على وجهها وعنقها:
–أنا عارف إن أنا وجعتك، بس فعلاً أنتي وحشتيني أوي يا حبيبتي، قول لي إن أنا كمان وحشتك واشتقت لي زي ما شوقي ليكي قتلني في بعدي عنك، قولي إنك لسه بتحبيني يا حياء، قوليها زي ما كنت دايما تقوليهالي "بحبك يا راسل"، مشتاق أسمعها منك. أحست بارتجافه من إلصاقه بها، بل أن عاطفته المشوبة بالهذيان المحموم، جعلتها تتذكر ليلة زواجها وتعذبت ما أن طافت الذكرى بمخيلتها. ولكنها لن تتمكن من التظاهر بعاطفة لم يعد لها وجود.
فردت قائلة بنبرة كالصقيع: –شوقك ليا قتـ ـلك بدليل إنك يا حرام بعد كام شهر بس كنت متجـ ـوز ومخلف، يا سلام على الحب والاشتياق اللي من النوع ده واللي بيديك الحق تمارس حقوقك كرجل شرقي في إن يبقى عندك زوجة واتنين، بس أنا مبقتش أحبك يا راسل ومفيش فايدة من إن أتظاهر بأن لسه بحبك، لأن شعوري بالكره ناحيتك دلوقتي هو الحقيقة الوحيدة. رفع رأسه بحدة، كأن أحدًا صفعه على وجهه. رمقها بدهشة واستغراب وهو يسألها بانفعال وتأثر:
–معقولة كرهتيني بالسرعة دي؟ أنا مش مصدق. أبعدت نفسها عنه وهزت رأسها وهي تقول بجمود: –لأ صدق، أنت قتلت بقسوتك الحب اللي كان في قلبي ليك ولازم تفهم إن قلبي مش لعبة في إيدك عشان تكسره وترجع عايز تصلح اللي اتكسر، وأنا قدامك أهو بثبت لك إن خلاص وجودك أو قربك مبقاش فارق معايا، مبقتش شايفاك جوزي أصلاً يا راسل، ولو عايز تتأكد من ده اتفضل.
أغمضت عينيها ورفعت وجهها له كأنها تضحي بأغلى شيء لديها، لعله يكتشف أنه يضيع وقته في نفض الرماد عن نيران قد أخمدتها قسوته، وهي لن تضعف أو تجبن أمام تحديه. أذهلتها رقته وهو يعانقها، ولم تستغرب من عودة النيران لقلبها.
وضع يديه على ظهرها وضغط عليه بأصابع فولاذية قوية، محاولًا قطع تلك المسافة القليلة بينهما والتي تقدر ببضع إنشات ولكن كأنها تقف على بعد عدة أميال منه، فشعرت بأنه يكاد يحطم عظامها، حتى أرادت أن تصرخ من شدة الألم، إلا أنها لاحظت مدى ضبط النفس الذي يمارسه على أعصابه، لم يعانقها بقسوة ولم يحاول أن يظهر أكثر من تعلقه بها. ارتسمت ابتسامة متهكمة على ثغرها وقالت بدهاء أنثوي:
–شوفت واتأكدت بنفسك إن أنا اتغيرت، وصدقني أنا محسيتش حاجة غير القرف ومعدتي قلبت من قربك مني يا راسل. قالتها ما أن ابتعد عنها قليلاً ووجدها كما هي جامدة متصلبة بوقفتها منتصبة القامة كأنها قدت من حجر منحوت بدقة. لم تبادله عناقه، بل قضت على كبريائه بتلك اللحظة عندما أخبرته إياها صريحة بأنها تشعر بالإشمئزاز كلما شعرت بلمـ ـس يديه، فقضت بتصريحها على ما تبقى لديه من قدرة على أن يكمل ما بدأه.
سقطت جالسة على المقعد وعيناها متحجرتان، كأنهما غير قادرتان على الإفراج عن تلك العبرات التي تم ملؤهما بها وراحت تهتز بعدستيها، تنتظر أمرها بأن تطلق سراحها، لعلها تفرغ معها شعورها بالغضب الشديد من أنها سمحت له بأن يترك بصمات أصابعه على ذراعيها، أو أن جعلت نفسها عرضة لخطر فرض هيمنته وسيطرته عليها.
ولكنها باتت تعلم أنه لن يحاول أن يضع نفسه بمأزق معها كذلك المأزق الذي خرج منه مجردًا من القليل من كبريائه كرجل وجد زوجته تمنحه الإذن بالوصال دون أن يطمع في أنها ستجعله يشعر بانتصاره كرجل، كان يراها دائمًا تفعل المستحيل، لتجعله يشعر بالرضى من وصالها. خرج راسل من الغرفة وأغلق الباب خلفه بحدة، فاستند بظهره على الجدار الفاصل بين غرفتها وغرفة سجود.
أغمض عينيه ليكبح جـ ـماح تلك الدمعات التي باتت توخز جفنيه، فهو فعل ما رآه الصواب بحقها، كونه لم يعد يملك شيئًا يقدمه لها، ولا يريد لها أن تقضي بقية حياتها ويفنى شبابها مع بقايا وحطام رجل عانى من مرارة الماضي ووصل لنقطة اللاعودة في شعوره باليأس وفقدان الأمل.
كاد يصدق تلك اللعبة السخيفة التي بدأها منذ أن عاد للمنزل ورآها، بل ربما منذ أن رحل عنها منذ عامين، حتى ما فعله معها منذ قليل، وتركه لها المساحة الكافية لأن تدير دفة الأمر لصالحها. أراد استفزازها ليسمعها منها صريحة أنها لم تعد تكن له أي مشاعر وأنها باتت تحمل له كل الكراهية والبغضاء والحقد بقلبها، وهذا ما كان بانتظاره.
ولكن رغم ذلك، لم يكن يعلم أن شعوره بالألم سيكون مضاعفًا هكذا، فالحقيقة الوحيدة التي تفوه بها بلحظة مجنونة وبغفلة من عقله، أنه حقًا اشتاق إليها وكم كان يهفو لأن يسمع كلمة الحب منها، لعل ذلك كان يردعه عن قراره الأحمق بأن يتمادى بأفعاله معها حتى يزيد من كراهيتها له، فها هو يعيد استخدام حيلتها وخدعتها التي استخدمتها من قبل، ولكن الفارق الوحيد بينهما، أنه لم يصدقها بوقتها، بل كان قلبه دائمًا ما يخدعه ويقع تحت تأثير الضعف من جانبها، فتمنى أن لا يصيبها ما أصابه، وأن تظل بجمودها وكبريائها، حتى يتيقن من أنها ستتجاوزه ويعود بإمكانها أن تحيا من دونه.
*** أفرطت في وضع طلاء شـ ـفتيها حتى صارتا بلون الدم، فحتى وإن كانت اكتسبت شيئًا من الأناقة والكياسة، إلا أن طباعها القديمة في وضع مساحيق التجميل لم تتغير، ودائمًا ما تحب طلاء شـ ـفتيها المكتنزتين بلون صارخ، كأنها تقدم دعوة صريحة بأنها مثال للغواية، أو كأنها تلك التفاحة المحرمة، التي لن تجد مانعًا من أن يقطفها الشخص المراد، والذي عادت من أجله مرة أخرى.
مررت يدها على العقد الماسي الذي يزين جيدها ومن ثم ثوبها الفاضح، والمتمثل بثوب من اللون الأزرق الداكن عـ ـاري الظـ ـهر وبفتحة صـ ـدر تظهر عنقها بسخاء إضافة لتلك الفتحة التي تصل لمنتصف فخـ ـذها الأيسر، ثوب عـ ـاري يكاد لا يستر منها شيئًا، متذرعة بأن ذلك الثوب وما على شاكلته تلك هي ثياب الأثرياء والطبقة المخملية التي انتمت إليها حديثًا. حملت بين يـ ـديها حقيبة صغيرة بالكاد اتسعت لحمل هاتفها وبعض أدوات التجميل. قالت
بابتسامة وإعجاب لمظهرها: –كده كله تمام، تجنني يا بت يا ليالي. بعد تأكدها من أن كل شيء على ما يرام، سمعت صوت طرق على باب غرفتها، فأذنت للطارق بالدخول وما لبثت أن رأت تلك الخادمة الأسيوية تلج الغرفة وتخبرها بشأن أن السائق بانتظارها ليقلها لوجهتها التي لا يعلمها أحد حتى الآن غيرها. خرجت من المنزل وفتح لها السائق الباب الخلفي للسيارة، وبعد أن جلست بارتياح وجلس هو خلف المقود، هتفت به قائلة بهدوء:
–وديني على المطعم اللي في فندق الصفوة بتاع عمران الزناتي. أومأ السائق برأسه إيماءة خفيفة وانطلق بالسيارة حتى وصلا للمطعم، ومثلما فتح الباب لصعودها السيارة، أسرع وفتحه لتترجل منها حتى تلج للمطعم وهي تتبختر في مشيتها بدلال أثار انتباه الحاضرين، بل تحولت رؤوس بعض الرجال إليها حتى جلست على إحدى الطاولات وأشارت للنادل، الذي جاءها على وجه السرعة. أشارت إليه بالاقتراب وقالت بصوت خفيض:
–لو سمحت قول لعمران بيه صاحب الفندق إن أنا عايزاه ضروري. رغم دهشة النادل من طلبها بمقابلة رب عمله، الذي يعلم الجميع أنه ليس ذلك الرجل صاحب العلاقات الغرامية، إلا أنه حرك رأسه بطاعة وذهب لإخبار عمران بأن هناك امرأة تريد رؤيته بالمطعم. خرج عمران من غرفة مكتبه بعد إخبار النادل له بشأن تلك التي تنتظره والذي شعر بشعور خفي أنها هي ليالي بذاتها. وصل للمطعم واقترب من طاولتها وسحب مقعدًا وجلس قبالتها قائلاً بهدوء كعادته:
–أهلاً يا ليالي، إيه المفاجأة الحلوة دي. ابتهجت ليالي بعبارته الترحيبية بها، فتساءلت وهي تضع يديها على الطاولة: –مبسوط بجد إنك شفتني يا عمران؟ كاد يجيبها عمران لولا رؤيته لزوجته ميس التي دلفت للمطعم تتأبط ذراع إحدى صديقاتها. فلم يصدق عينيه أنها جاءت لهنا، ولكن وجدهما تتجهان لإحدى الطاولات التي يجلس حولها رجل وامرأة ويبدو على الرجل أنه أوروبي.
فثار فضوله لمعرفة ما الذي جاء بها للمطعم الخاص به وهي من حرمت على نفسها الاقتراب من أي شيء يمت له بصلة. جلست ميس بعدما تبادلت مع ضيفيها عبارات الترحيب، ولكنها تململت بجلستها خشية أن ترى زوجها. ولا تعلم لما وافقت على مقابلة مدراء تلك الشركة الخاصة بالمعدات والأدوات الطبية بهذا المطعم خصيصًا، فهما من وقع اختيارهما على المكان الذي سيتم به عقد صفقتها مع تلك الشركة؛ لاستيراد أجهزة طبية من أجل المشفى. قالت المرأة وهي
تضع بعض الأوراق أمام ميس: –اتفضلي يا دكتورة ميس دي العقود بتاعة الشركة وفيها مواصفات الأجهزة الطبية اللي طلبتيها وكمان الأسعار اللي تم الاتفاق عليها. رفعت ميس الأوراق وجالت ببصرها فيها حتى اطمأنت أن بنود العقود مثلما تم الاتفاق بينها وبينهم. فأخرجت ميس قلم من حقيبتها ووقعت باسمها وهي تقول بمهنية وعملية:
–أنا مضيت العقد وأول دفعة من الفلوس هتوصلكم بكرة وعايزة الأجهزة في ميعادها ومش عايزة تأخير، أنا اخترت شركتكم عشان عرفت إنكم مشهورين في الشرق الأوسط وأوروبا وإنكم دايما قد كلمتكم، فأتمنى متخيبوش ظني. رد الرجل باسمًا: –نحن دائمًا ملتزمون بوعدنا، ولن يكون لديكِ أي شكوى منا. هزت ميس رأسها بخفة وابتسمت كما يطلبها الذوق في رد ابتسامة الرجل. وما أن تم توقيع الاتفاقية بينهم، اعتذرا مغادرين.
وقبل أن تحث ميس صديقتها على القيام لترحلان، رأت عمران وهو جالس حول تلك الطاولة بآخر المطعم. ولكن ليس هذا ما جعلها تعود وتجلس بمقعدها ثانية، بل رؤيتها لتلك المرأة التي تضع يدها على يده، وكأن أحدهم طعنها بالصميم. ربتت صديقتها على ذراعها وهي تقول باهتمام: –مالك يا ميس في إيه مش هنمشي ولا إيه. انتبهت ميس على قول صديقتها، فابتسمت بارتباك وما لبثت أن عادت بنظرها لطاولة زوجها.
ما زال عمران كما هو جالسًا يدير رأسه تجاهها ولم ينتبه على وضع ليالي ليده على يده، وكأن المكان أصبح خاليًا إلا من وجودها، كأنهما بمفردها بذلك المطعم الفسيح، وأن أذنيه لم تعد تسمع الموسيقى الناعمة التي تصدح بالمكان، ولا يرى الزبائن والحركة المفرطة من العاملين لتلبية طلبات أصحاب الطاولات.
هب واقفًا فقطبت ليالي حاجبيها بدهشة من انتفاضه المفاجئ، وما أن ابتعد عن الطاولة وقبل أن تسأله عما أصابه، سمعت رنين هاتفها، فرفعت الهاتف لأذنها قائلة بصوت خافت: –ألو مين حضرتك. –أنا اللي هطلع روحك يا ليالي بس لما تقعي في إيدي. جاءتها تلك الجملة بنبرة خافتة كالهسيس، فألقت الهاتف من يدها برعب واتسعت حدقتاها وراحت تبحث بعينيها عن عمران، كأنه هو حبل نجاتها ومن يستطيع أن يرد عنها ذلك الشر والخطر المحدقين بها.
ولكن عمران قد كان ترك الطاولة واقترب من طاولة ميس وكأن كل خطوة يخطيها تجاهها تسلبها نفسًا من أنفاسها، حتى وجدته ماثلًا أمامها قائلاً وهو ينظر بعينيها: –منورين المكان. تنقلت صديقتها ببصرها بينها وبين عمران، فنهضت عن مقعدها وهي تقول بابتسامة هادئة: –ميس أنا هستناكي برا في العربية. تمنت ميس لو أن تقبض على يد صديقتها لتمنعها الحركة، ولكن كأن أمنيتها تلك تم إدراجها تحت بند المستحيل.
إذا ابتعدت صديقتها عن الطاولة بينما ظلت هي جالسة وعمران يقف على مقربة منها، وبتذكرها لما رأته منذ قليل، كزت على أسنانها من خلف شـ ـفتيها الأنيقتين وقالت بسخرية: –سيبت الزبونة ليه يا عمران، باين عليها عايزك، بتبصلك أوي شكلها مستنياك ترجع لها. انحنى عمران وأسند كفيه على الطاولة وهمس قريبًا من وجهها: –انتي عارفة مين دي يا ميس دي ليالي فكراها؟ اتسعت حدقتا ميس بسماع اسم تلك المرأة، فشعرت بجفاف في حلقها وهي تقول بدهشة:
–ليالي! هو أنت كنت بتشوفها وبتقابلها المدة دي كلها يا عمران؟ تركت سؤالها دون انتظار أن تسمع إجابته، بل هرولت بخطواتها وخرجت من المطعم ودموعها تلح عليها، كأنها شعرت بالخيانة. وكيف لها أن تنسى تلك المرأة التي كانت السبب في اكتشافها لغيرتها وحبها لعمران ما أن رأتها أول مرة وهي تعرض نفسها عليه دون خجل. هل كان يقابلها كل هذا الوقت بعد انفصالهما؟
وكيف استدل على مكانها وهو من قال أنها لاذت بالفرار من الشقة ولم يعد يعلم أين ذهبت. هل كان يخدعها؟ فما رأته اليوم جعلها تفكر هل أن تلك المرأة عادت وبنيتها إتمام ما عجزت عن فعله منذ رؤيتها لعمران أول مرة؟ فإن حدث هذا حقًا لا تعلم كيف سيكون شعورها وإحساسها وقتها، ولكن تعلم شيئًا واحدًا وهو أنها ستشعر بالسوء.
فمثلما نجحت ليالي أول مرة بجعلها تكتشف حبها وعشقها لعمران، نجحت الآن بجعلها تشعر بالغيرة مرة أخرى، وهي من كانت تظن أنها لن تعود وتشعر بها تجاهه. ولكنها عادت تقنع ذاتها بأنها ليست امرأة غيورة بل تشعر بالإهانة ليس أكثر لاستبدالها هي بتلك المرأة سيئة السلوك. ولكن بما تفسر ذلك الشعور بالاحتـ ـراق في قلبها منذ رؤيتها لهما سويًا؟ ***
صوت أنة خافتة أفلتت من بين شـ ـفتيه الجافتين وهو يستلقي على فراشه الذي تركه منذ عدة أيام أي منذ ذهابه للمشفى. وما زال الضعف والوهن والهزال باديين على قسمات وجهه. ولكن كل ذلك لم يمنعه من أن يبتسم لابنة شقيقه التي ساعدته في أن يجلس في الفراش بارتياح، فدائمًا ما كانت سوزانا منذ صغرها تقوم بمهام الابنة له، نظرًا لأنه هو من رباها هي وشقيقها بعد وفاة أبيهما وأنه هو عمها ووالد زوجها الحبيب الذي رحل عن عالمها مبكرًا.
وتمتعها بتلك المكانة الفريدة بقلب عمها منحها امتيازات عدة، مثل أنها هي من تعتني به وبالمنزل بعد رفض حياء تحملها تلك المسؤولية بعدما رحل راسل واكتفت بأن تكون كابنتها ميس وأن تغدقها بعنايتها كما تعتني بالجميع بطباعها الأرستقراطية والمخملية.
حتى وإن كانت تبدو سوزانا للرائي منذ الوهلة الأولى، بأنها امرأة صلبة ومتعنتة أحيانًا بالتزامها بأمور سيدة القصر، إلا أن من داخلها امرأة طيبة ودمثة الأخلاق إلا مع فرد واحد فقط من العائلة وهو راسل ابن عمها وشقيق زوجها وجدي.
على الرغم من أنها أحبت ابنته ورحبت بقدوم وفاء للعيش معهم بل وأحبت حياء زوجته أيضًا، ولكنها لم تستطع تقبل تصرفاته المتقلبة والتي كانت تتسم سابقًا كما نعتته دائمًا بالسوقية وعدم التمدن وأنه سيظل متأثرًا بكونه ابنًا لتلك المرأة التي كان والدها عاملاً بإحدى شركات تلك العائلة الثرية. –أنا عايزك تخلص أكلك كله يا عمي، ماشي.
قالت سوزانا وهي تضع تلك المنضدة الصغيرة الخاصة بالطعام أمام رياض، بل أنها وضعت الملعقة بطبق الحساء الشهي الذي أعدته من أجله، ورفعتها وقربتها من فمه حتى ابتلعه، وعادت الكرة مرارًا وهي تبتسم، حتى أنهى نصف طبق الحساء تقريبًا. ولكنه انتبه على أنها ليست على سجيتها، بل كأنها تخفي عنه أمرًا، فمسح فمه بالمحرمة القطنية ونظر إليها متسائلاً:
–مالك يا سوزانا فيه إيه، حاسس كده كأنك مخبية عليا حاجة، ثم فين اللي في البيت، أنا رجعت مع عاصم وغزل من المستشفى وسيبت راسل وميس هناك، بس فين حياء وسجود والست وفاء مشوفتش حد من اللي قاعدين هنا، هم راحوا فين.
ضمت سوزانا شفتيها ولا تعلم بما تخبره، فلعل عدم وجود أحد من ساكني هذا البيت بذلك التوقيت الذي عاد به رياض من المشفى، كان الأنسب حتى يكون لديها الوقت الكافي لترتيب حديثها، والذي ما أن تتفوه به ستندلع ثورة عمها لا محالة، فخروج وفاء بسجود وساندرا والصغير، ساهم في أن تخلق أعذارًا مقبولة. فازدردت لعابها وردت قائلة بتوتر:
–سجود خرجت مع جدتها وفاء، وحياء شكلها خرجت مع أخوها ديفيد أصله رجع من السفر وأنت قلت راسل وميس في المستشفى وعاصم وغزل في أوضتهم، تحب أندهلك. توترها البادي على وجهها والظاهر بارتجاف صوتها، جعله يشد على يدها وهو يقول بهدوء مميت: –سوزانا فيه إيه ومخبية عليا إيه، أنا أكتر واحد عارفك، ده انتي تربية إيدي ومتحاوليش تكذبي لأن كده كده هعرف، فقولي فيه إيه. انفرجت شفتيها وقالت بنبرة متقطعة:
–هو هو الصـ ـراحة يعني يا عمي إن في حاجة حصلت بس لو عرفتها ممكن تزعلك، فأنا مش عايزة أضايـ ـقك وأنت لسه خارج من المستشفى. أعطاها الإذن بأن تبوح بما لديها مع وعد منه بأن لا يثور أو يصدر منه رد فعل يتنافى مع كونه ما زال مريضًا بحاجة للراحة. فمسحت سوزانا وجهها وقالت بدون مقدمات من غير فائدة: –الصراحة إن راسل لما رجع من كندا مرجعش لوحده، لاء رجع معاه واحدة بيقول إنها مراته وكمان معاه طفل بيقول إن ابنه واسمه ساجد.
تدلت قسمات وجه رياض بعد سماع ما تفوهت به ابنة شقيقه، فانتفض من الفراش بعدما كان جالسًا يستند بظهره للوسائد الوثيرة، فصاح قائلاً باستنكار: –بتقولي إيه؟ اتجوز وخلف؟ أسرعت سوزانا بحمل منضدة الطعام، قبل أن تنسكب محتوياتها على أغطية الفراش بعد انتفاض عمها المفاجئ. وضعت المنضدة من يدها وعادت إليه تربت على صدره تحثه على عدم الانفعال الذي سيأتي بمردود عكسي على صحته، التي ما زالت بفترة النقاهة. ناشدته وهي على وشك أن تبكي:
–عمي أرجوك اهدى عشان صحتك، أنت ممكن يجرالك حاجة، يا ريتني ما قلت لك، أبوس إيدك اهدى. قبلت سوزانا رأسه وهي ترجوه بأن يكف عن انفعاله، فإكرامًا لها ولرجائها، عاد لجلسته المريحة. ولكن من داخله يشعر ببراكين الغيظ من ولده، فهل عاد لينقذه أم ليقضي عليه بصورة نهائية، فهو لا يخطئ عندما يدعوه بأنه خطيئة عمره والتي لن تغتفر أبدًا. عادت وتيرة أنفاسه لوضعها الطبيعي، ووضع يده على صدره يشعر بوخز من تخيله لما حدث لحياء أثناء غيابه:
–وهي فين حياء يا سوزانا، هو وجعها وتعبها صح؟ حصلها إيه لما شافته وعرفت اللي عمله. جلست سوزانا بجواره وقصت عليه كل ما حدث بالبيت أثناء غيابه عنه، ووصفت له مدى تلك المعاناة التي عانتها حياء بعد رؤيتها لراسل. بل وأخبرته أنها طلبت من شقيقها أن يقيم معهم بالمنزل، ولم يستطع أحد منهم أن يفسر سبب فعلتها تلك. ما أن انتهت سوزانا من سرد تلك الأحداث المؤسفة التي حدثت لزوجة ولده، نظر لهاتفه وهو يقول بإرهاق:
–كلمي حياء خليها تيجي يا سوزانا عايز أشوفها، خليها تيجي بسرعة. أطاعته سوزانا وأخذت هاتفه وتحدثت مع حياء وأخبرها بضرورة العودة للمنزل لرغبة عمها في أن يتحدث معها. فوضعت الهاتف مكانه بعدما أنهت المكالمة وأخبرتها حياء بأنها بطريقها للبيت. وبعد نصف ساعة وصلت حياء بسيارتها للقصر ودلفت لغرفة رياض بعدما دقت الباب بتهذيب. ابتسمت له وقالت باهتمام صادق:
–حمد الله على السلامة يا عمي، نورت البيت من تاني، ألف الحمد لله على سلامتك. أشار لها رياض بالجلوس على ذلك المقعد القريب من فراشه. وبعدما رآها تجلس بارتياح، رمقه بشفقة وهو يقول بصوت مثقل بشعوره بالخزي مما فعله راسل: –ليه يا حياء مقولتليش لما كنتي بتزوريني في المستشفى، ليه مقولتليش على عملته السودا دي في حقك. ردت حياء وهي تبتسم بألم:
–هقول إيه يا عمي، خلاص اللي حصل حصل وهو حر في حياته يعمل اللي هو عايزه وإحنا تقريبًا متفقين على الطلاق، وعايزاك تسامحني في اللي عملته إن من غيظي حولت كل أملاكه باسمي بالتوكيل اللي كان معايا من بكرة هرجعلك كل الأملاك باسمك، لأن مش أنا اللي أخون الأمانة، أنا بس كنت عايزة أعمل أي حاجة أوجعه بيها زي ما وجعني. ولو أنت طلبت أنا هسيب القصر من اللحظة دي، وهاخد أخويا وأمشي هروح أعيش معاه هو وبيري.
كل كلمة تفوهت بها كانت كنصل حاد انغرس بقلبه حزنًا على حالها الذي وصلت إليه. يكفيه أن يسمع صوتها المعبأ بالألم والحزن، ليعلم بأي حال هي الآن. فرد قائلاً بتصميم وإصرار:
–خروج من البيت ده مش هتخرجي يا حياء إلا لو أنا مت، أنتي مش بس مرات ابني، أنا اعتبرتك كمان بنتي وغلاوتك زي غلاوة ميس وسجود عندي، ومتفتكريش إن أنا هعدي له اللي حصل ده بالساهل، أو إن دي تكون مكافئتك في الآخر، حتى لو كان هو ابني اللي شايل دمي، برضه مش هسيب حقك منه، وهتفضلي حياء النعماني سواء بيه أو من غيره. ولا زم أعرف إيه موضوع جوازه وابنه ده كمان.
لم تكن تريد أن تكون هي سببًا في وقوع خلاف بين الأب وابنه، خاصة أن الأمور بين رياض وراسل هي خير من تعلم حقيقتها. لذلك حاولت ثني والد زوجها عن تفكيره، فأولاً وأخيرًا راسل يحمل دماءه وكنيته وليس مثلها تحمل كنية العائلة بعقد زواج يمكن أن يبطل بأي وقت من الأوقات. ولكن لا تنكر شعورها بالسعادة لوجود من يستـ ـميت بالدفاع عنها ورد حقوقها ورفع الظلم الواقع عليها من زوجها.
خرجت من غرفة رياض بعدما شعرت بالراحة كون أن كبير تلك العائلة صار بصفها مثلما كان دائمًا منذ أن عملا سوياً بصد تلك المخاطر التي كانت ستقع بها العائلة. ولكن ذلك الوعد الذي وعدها إياه ذات مرة بأنه لن يسمح لراسل بالزواج من أخرى غيرها، استطاع راسل إفساده بأن تزوج دون علم أحد. ففكرت كيف سيكون الحال بينهما بعد علم والده؟
وهل سيستمر بدعمه لها بعد أن يرى ذلك الصغير والذي من المفترض أنه وريث جديد له وليس أي وريث بل من سيستطيع مد اسمه عندما يصبح شابًا ويتزوج وينجب بعدما كان يقتصر ذكر اسمه في الذكور على راسل، فتلك ميزة يحملها ساجد ولا يستطيع أحد إنكارها خاصة أن ميس إذا أنجبت سيحمل أطفالها كنية عائلة أخرى وعندما تصبح سجود شابة وتتزوج سيكون مصيرها كمصير ميس. لذلك سيتمتع الصغير بمكانة فريدة في نسل رياض النعماني. ***
لم تكن عودته لمنزل عائلته من أجل الاطمئنان على بيرى ومارجريت وجلب بعض الأوراق التي كان بحاجة إليها مبهجة على ذلك النحو الذي من المفترض أن يشعر به.
خاصة أنه ما أن انتهى من الاطمئنان عليهما وجلب الأوراق والأغراض من غرفته وخرج منها، وذهب لتلك الغرفة التي احتوت على زجاجات الخمر، ليحتسي مشروبًا قبل خروجه، وجد ذلك الرجل الذي أوصاه بمرافقة ضيفته الشابة بنزهتها وجولتها السياحية بالإسكندرية وزيارة الأماكن الأثرية، يأتي إليه مهرولاً كأن هناك كارثة حلت عليه. فتحققت مخاوفه عندما أخبره بأن تلك الفتاة استطاعت خداعه وأخذت السيارة وفرت هاربة ولا يعلم أين ذهبت؟
ما أن انتهى الرجل من إخباره أخذ حذره بأن وقف بعيدًا عن مرمى يد ديفيد، الذي احتقن وجه بدماء الغضب من تقصيره بمهمته التي كلفه بها، فبغضب أعمى كان يلقي بالكأس من يده، الذي أراق محتواه على تلك الأرضية الرخامية، وصـ ـدره ما زال يعلو ويهبط مما سمعه من ذلك الذي يقف بجانبه يرتجف من هول ما سيؤول إليه أمره، بعد أن يفرغ سيده من تنفيس غضبه، لينال هو الآخر حصته كاملة. مال ديفيد برأسه وحدق بالفراغ، وما لبث أن ابتسم قائلاً
من أثر صدمته: –أنت عارف معنى كلامك ده إيه؟ إن أبوها ممكن يهد الدنيا على دماغنا لو جرالها حاجة، وأنت إزاي تضحك عليك وتهرب بالعربية وراحت فين دي؟ رفع الحارس رأسه ونظر لديفيد قائلاً وهو يرتجف: –ديفيد بيه دا مش ذنبي، هي طلبت إزازة ميه تشرب، نزلت من العربية أشتري لها واحدة لقيتها أخدت العربية وطارت ومعرفتش أحصلها، واتصلت على حضرتك بس أنت مردتش عليا ودورت عليك لحد ما جيت هنا ولقيتك عشان أقولك على اللي حصل.
مسح ديفيد وجهه بغيظ لعلمه بأنها فتاة متهورة بقيادتها للسيارات وربما ستتسبب في حادث سير إذا كانت كعادتها تقود السيارة دون اعتبار للسرعة المطلوبة لتأمين سلامة من حولها.
خرج ديفيد من المنزل لعله يذهب للبحث عن تلك الرعناء، ولكن ما أن وصل لسيارته، سمع رنين هاتفه ووجد رقمًا لا يعلم لمن يعود، ولكن ذلك لم يمنعه من الرد، فعلم أنه رقم الاستقبال بإحدى المستشفيات وأخبره بأن فتاة تعرضت لحادث سيارة تدعى كونها صديقته ولهذا أرادوا أن يأتي ليصطحبها من المشفى. وصل ديفيد للمشفى وهو يسبها ويلعنها بصوت هامس. وبعد سؤاله عن تلك الغرفة التي ترقد بها، ذهب إليها وولج للداخل وهو يصيح بها بغيظ:
–ماذا فعلتِ أيتها الحمقاء، ولم فعلتِ أفعالك الغبية تلك؟ وجدها تلف ضمادًا أبيض حول رأسها، ويدها اليمنى ملفوفة بضماد أيضًا، ولكن بدا أن كل شيء على ما يرام عدا تلك الإصابات الطفيفة التي تعرضت إليها. وما أن اقترب من الفراش ليعنفها على سلوكها الأرعن وجدها تضع ذراعيها حول عنقه وهي تقول بابتسامة: –هل شعرت بالخوف علي حقًا يا ديفيد؟ فكم أعشقك يا رجل. جذبته إليها أكثر لتعانقه، فحل ديفيد ذراعيها عن عنقه وهو يقول بحنق:
–اتهدي بقى، هو ده وقته، انتي في إيه ولا إيه. بعدما استطاع التخلص من تشبثها به، أخبرها بضرورة خروجه لدفع المستحقات المالية للمشفى، على أن يعود إليها بعد قليل، فخرج من الغرفة وغضبه يعميه من أفعالها. ولكن لم ينتبه لتلك التي اصطدم بها وهو غير منتبه، وما أن انتبه على ما حدث، وجدها تجلس القرفصاء وبسطت يديها على الأرض تبحث عن نظارتها السوداء باضطراب. فانحنى ديفيد وحمل نظارتها ومد يده لها بها وهو يقول باعتذار:
–نضارتك أهي يا آنسة أنا أسف، ما كانش قصدي أنا... علقت باقِ عبارته بحلقه، كون أن صدمته برؤية تلك التي اصطدم بها جعلته يشعر كأن أحباله الصوتية انقطعت، بل كأن دماءه تركت شرايينه وتجمعت برأسه ليبدأ ذلك الطنين في رأسه وأذنيه. فلابد أن ما يحدث أمامه الآن ضرب من الخيال أو الجنون، أو أنه يتوهم أن تلك الفتاة الجالسة القرفصاء قبالته هي حبيبته ياسمين. ولكن صوت بكائها أعاده لواقعه وهي تقول بارتباك واضطراب بنبرة هامسة:
–ماما أنتي فين. ثوانٍ معدودة ووجد امرأة تهرع إليهما وهي تقول بحنان وخوف: –ياسمين يا حبيبتي، انتي إيه اللي قومك من مكانك. طوقت والدتها كتفيها حتى استقامت بوقفتها، فدفنت ياسمين وجهها بصدر والدتها وهي تبكي، فردت قائلة بنهنهة: –تعبت من كتر القاعدة يا ماما، فوقفت شوية بس في حد خبط فيا ونضارتي وقعت، بس سمعت صوت واحد كان بيديهالي، هي فين؟ هاتيها منه يا ماما.
نظرت والدتها لديفيد، الذي ما زال على حاله من الذهول والدهشة والصدمة، فقالت وهي تمد يدها له لتأخذ النظارة منه: –شكرًا يا ابني. أخذت منه النظارة ووضعتها على وجه ابنتها العمياء وتأبطت ذراعها ورحلتا من أمامه حتى وصلتا آخر الرواق. إلا أنه ركض خلفهما حتى وجدهما تدلفان لغرفة طبيب العيون. وما أن أغلقت والدتها الباب خلفها، أسند ديفيد ظهره للجدار، وما لبث أن ارتخت قدماه حتى سقط جالسًا مكانه على أحد المقاعد.
طفرت إحدى عينيه بعبرة حارة وهو يقول بصوت متحشرج بألم: –ياسمين عايشة! يعني كانت عايشة وأنا فكرت إنها ماتت، بس حبيبتي ياسمين بقت عمية وأنا السبب، أنا السبب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!