طيب تمام، هجيب عمك عزت وجايلكم، متخافيش، أنتِ بس واهدي كده. تمتمت بالموافقة وأنهت هذه المكالمة، منتظرة أن تدخل برفقتهما إلى ضابط الشرطة. ولم تمر دقيقة حتى دلفوا إلى مكتب الضابط الذي كان يجلس على كرسيه يلتف به وهو يتحدث في الهاتف بهدوءٍ وبنبرةٍ حانية: ماشي يا حبيبتي، تسلم إيدك يا ست الكل على الأكل التحفة ده. انتبه هو لهم فأغلق هذه المكالمة التي لا تتناسب مع هذا المكان، فحمحم بخشونةٍ وتلفظ قائلًا بنبرةٍ غليظة: خير؟
مالكم عاملين كده ليه؟ اندفع حسام قائلًا بسخطٍ وهو يشير إلى مريم وعمر بسبابته: هما دول يا باشا اتكاتروا عليَّ وبهدلوا وشي كده! ضرب الضابط على مكتبه بيديه قائلًا بصوتٍ جهوري: اخرس يالا متزعقش، أنت هنا مش في بيت أبوك! اتكلمي أنتِ يا آنسة، شكل الحوار عليكِ أصلًا. تفوهت مريم ببعضٍ من الهدوء قائلةً:
بص يا حضرة الظابط، أنا كنت داخلة العمارة بتاعتنا عادي ولقيت الدكتور عمر مستني الأسانسير، فوقفت معاه واتكلمنا في أحوالنا عادي كأي اتنين جيران وعشرة عمر، آلاقي الأستاذ داخل يمسكني من إيدي جامد وبيتشم وبيهرتل بكلام مينفعش يتقال، فالدكتور كتر خيره اتدخل، فعلشان كده مسكوا فبعض وأنا عايزة أعمل محضر. نظر الضابط إلى حسام قائلًا بتساؤل: وأنت تقربلها إيه بقى؟ خطيبتي يا باشا وفرحنا كمان شهر. حدجته مريم بسخطٍ قائلةً: سابقًا!
خطيبتك سابقًا! نظر لهم الضابط بضجرٍ، فوجه حديثه إلى عمر الصامت قائلًا باستهجان: وأنت بتمارس علينا الصمت العقابي ولا إيه؟ رد عليه هو بثباتٍ قائلًا: أنا ساكت علشان مش عارف أقول إيه صراحة، زي ما الآنسة مريم قالت، احنا عايزين نعمل محضر. صرخ حسام قائلًا بجنونٍ: أنا اللي عايز اعمل فيكم محضر!! أنتم هتغنوا وتردوا على بعض! ضرب الضابط مرةً أخرى على مكتبه قائلًا بسخطٍ: هو أنا قاعد في تانية تالت؟ ما تخرس يالا! بطايقكم منك ليه!
ارتعبت مريم، فهي لم يكن معها أي وسيلة تعرف هويتها الشخصية، بينما أخرج عمر بطاقة هويته بهدوء، وكان حسام نفس الأمر لا يملك أي هوية، فتلعثمت مريم قائلةً: أنا بطاقتي مش معايا، بس أنا والدي جاي دلوقتي. استغفر الضابط وزفر بضيقٍ، فهو لا يريد أن يظلمها معه، فكان يبدو عليها الرقي والاحترام، حتى أخبر العسكري الضابط بوجود من يريد الدخول، ودلف كلٌ من مدحت وعزت، الذي أخرج بطاقة هويته قائلًا بثباتٍ:
معاك العقيد عزت يوسف، حاضر مع المتهمة. حدجته مدحت بنظرةٍ مشتعلة، بينما تدارك هو حديثه، فضحك لؤي وهو يقف متجهًا نحو عزت قائلًا: والله وحشتني يا سيادة العقيد، حضرتك عامل إيه؟ ابتسم عزت له ورد عليه بودٍ قائلًا: تمام الحمد لله، كنا عايزين نخلص الحوار ده، دول تبعي. ردت مريم قائلةً بتصميمٍ: لأ يا عمو، أنا عايزة أعمل محضر! كان مدحت ينظر لـ حسام نظراتٍ لا توحي إلا بالشر، بينما تدارك حسام موقفه، فعاد يصيح قائلًا:
يا باشا أنا اتهريت ضرب قدامك أهو! محضر إيه؟ هو انت كلمتك يابت!! كان عمر قد حكى ما حدث لهما، فتلفظ عزت بجديةٍ لا يستعملها سوى في عمله: وأنت تروح تتهجم على الناس وتكلم واحدة وتهددها وأنت أصلًا ملكش صلة بيها، كده بقى أنت معملتش حاجة؟ أمال لو عملت بقى؟ نظر الضابط لكاتب المحاضر قائلًا: افتح محضر يابني. نظر حسام إليهم بسخطٍ وتلفظ قائلًا بنبرةٍ هادئة: بلاش حكاية المحاضر دي، احنا برضو كان في بينا عيش وملح.
حدجه عزت بضجرٍ وتفوه قائلًا: خلاص يا عمر وأنت ومريم بس هنعمل محضر عدم تعرض، قولنا إيه؟ زفر بحنقٍ ووافق على ممضٍ، ومضى ثلاثتهم على هذا المحضر، وقد كان مع حسام صورة من بطاقته الشخصية، وقد جلب مدحت بطاقة هوية ابنته، وانتهى الأمر. وعندما خرجوا من قسم الشرطة أمسك مدحت بـ حسام قائلًا بشررٍ يتطاير من عينيه: أقسم بالله لولا عدم التعرض ده كنت عرفتك مقامك، حسك عينك أشوف وشك تاني.
أنزل هو يديه بضيقٍ وذهب من أمامه، بينما اتجه مدحت إلى عمر قائلًا بقلقٍ: أنا آسف يابني والله، كتر خيرك، تعالى المستشفى طيب نشوف وشك ده. ابتسم عمر له ابتسامة خفيفة قائلًا بهدوءٍ: لأ لأ، مفيش حاجة تستدعي المستشفى، أنا هعدي على مروان في الصيدلية يكتبلي على حاجة ومع تلج على وشي وخلاص، ده يدوبك كدمات مش حاجة يعني. ربت عليه عزت قائلًا بمرحٍ كعادته: ليك عليَّ وشك بس يروق واعملك party إيه، تجنن!
ضحك عمر وتوجهوا جميعًا إلى البناية، واستأذن عمر منهم وذهب إلى صديقه. في صيدلية عين جالوت: كان مروان يجلس بمللٍ حتى أتى له اتصالٌ فأجاب عليه بعمليةٍ، فآتاه الرد من الجهةِ الأخرى قائلًا: صيدلية عين جالوت معايا؟ أيوة يا فندم، حضرتك محتاجة إيه؟ أجابت هذه الفتاة بتساؤل قائلةً: المطعم اللي قدامك فاتح؟ أصل مش عارفة أشوفه من البلكونة. عض مروان على شفتيه بغيظٍ وتلفظ قائلًا بضجرٍ: أيوة فاتح، تحبي اطلبلك أوردر؟
حمحمت الفتاة بإحراجٍ قائلةً: خلاص يا دكتور مروان، قلبك أبيض. تنهد مروان بقوةٍ، فتفوه قائلًا بعدما استعاد هدوءه: ولا يهمك، محتاجة حاجة؟ لأ ميرسي لذوقك، ربنا يخليك للغلابة يارب. أغلق هذه المكالمة وهو يضحك، وقطع ضحكاته دلوف عمر الذي تكلم بمكرٍ: بتضحك على إيه يا مارو؟ تلفظ قائلًا قبل أن ينظر إليه: مفيش يابني، دي واحدة عبيـ.. يا نهار مش فايت!! أنت وشك متخرشم كده ليه؟
قالها وهو ينتفض من مكانه متوجهًا إليه يتفحصه، بينما تفوه عمر قائلًا بهدوءٍ: اتخانقت مع حسام ده في المدخل ولسه جايين من القسم، اكتبلي بس حاجة وهبقى زي الفل. صاح فيه مروان قائلًا بسخطٍ: حاجة إيه اللي اكتبهالك بالكدمات ودماغك اللي مفتوحة دي؟ اكتبلك عمر جديد يعني ولا إيه؟ قوم معايا نروح للمستشفى نشوف دكتور يخيطلك دماغك دي. أمسكه عمر وحدجه بضجرٍ قائلًا: ده على أساس إن احنا مدربين باليه مائي؟ ما أنا وأنت دكاترة يا أهبل!
وقف مروان يحك رأسه بتفكيرٍ، ثم جلب حقيبة الاسعافات الأولية وتوجه إلى عمر ليضمد جراحه، والتي لحسن حظه كان جرحًا سطحيًا لا يحتاج للخياطة، وقد تحدث هو بعدما انتهى من عمله قائلًا بتهكم: أنا نفسي افهم مالك ومال ست مريم باشا دي؟ ما تخليك في حالك يا سيدي، مش كفاية كيس الجوافة اللي مخطوباله ده! تفوه هو بنفس طريقتها قائلًا: سابقًا! كانت مخطوباله سابقًا! توجه مروان ناحية رف الأدوية وهو يردف قائلًا باستهجان:
خليك أنت بقى في سابقًا ولاحقًا لحد ما تروح في خبر كان! "چـــوري"!! أنتِ يابت أنتِ فين؟ وقعت هي على أرضية المطبخ بفزعٍ من هذا الصوت وانتابتها حالة ذعر شديدة وأخذت تلهث بقوةٍ من فرط توترها، نزلت لارا إلى مستواها بقلقٍ تحاول إسنادها قائلةً بلوعة: لأ قومي الله يكرمك مش وقته!
وقفت معها چوري وهي تحاول إخفاء توترها، ثم تحركت للخارج حيث والدها الذي كان يتحدث في الهاتف، وكان بقية إخوتها في الصالة عدا لميس و چويرية اللتان كانتا في غرفتهما، و آدم وريان كانا بالخارج، وكانت يارا نائمة في سباتٍ عميق، وبالطبع لارا كانت بصحبة شقيقتها في المطبخ، فتلفظت چوري قائلةً بهدوءٍ مصطنع: نعم يا بابا؟ كان يتحدث في الهاتف بانشغال، سرعان ما تحدث بقوةٍ قائلًا: حد يجيب ورقة وقلم بسرعة!
انتفض مهند الذي كان يشاهد أحد مقاطع الڤيديو، وفي لحظةٍ واحدة انتباتهم حالة قلق عارمة وظلوا جميعهم يركضون في أنحاء الشقة بتوترٍ وكأن أحد الجان تلبسهم، وكانوا يتحركون بعشوائية كمن هجم عليهم الأمن القومي للبلاد، حيث تلفظ عدنان قائلًا بتوتر: يا خرابي! هو الورق والأقلام كلها اختفت دلوقتي!! كانت فريدة تبحث في غرفتها بغوغاء حتى انتبهت لها لميس قائلةً باستغراب: في إيه يا بت أناِ بترمي الكتب على الأرض كده ليه بتدوري على إيه؟
تفوهت قائلةً بنصرٍ: الحمد لله لقيت ورقة وقلم!! انطلقت تعطيهما إلى أبيها، وسكنتهم جميعًا حالة ارتياح وسلام نفسي عمَّ المكان، وعاد كلٌ منهم يفعل كما كان. كان آدم جالس في أحد المقاهي المتواجد في منطقته ينتظر على أحر من الجمر حتى جلست أمامه فتاةٌ حسناء ذات وجهٍ رائق وعينين واسعتين تبتسم له بعذوبة، وأردفت قائلةً بنبرةٍ رقيقة للغاية: أزيك يا آدم؟ عامل إيه؟ نظر لها آدم ببعضٍ من الجمود قائلًا:
الحمد لله تمام، هي طنط هناء فين؟ ابتسمت هي بتوترٍ قائلةً: لأ ما هي مجاتش معايا. نفخ هو في عصبية قائلًا بضجرٍ طفيف: طب وهتعمل هي إيه في موضوع ندى؟ أنا تعبت وزهقت بجد مش متحمل، كل ما أقابلها حتى صدفة تبصلي وكأني فعلًا عملت فيها كده! أنا سيبتلها البلد كلها أكتر من عشر سنين على أمل انساها وأعيش حياتي هناك بس منستش! حرام عليكم اللي بتعملوه ده!
تركها وهو يتنهد بقوةٍ يحاول كبح دموعه، بينما ظلت هي تصيح مناديةً عليه، وعندما اختفى من أمامها اتصلت بصديقتها تقول لها بضجرٍ: برضو ست ندى وقرف! أنا تعبت بجد! أنا أحق منها فيه! جاءها صوت صديقتها التي لا تقل خبثًا عن خبث الأفاعي: اتقلي كده! طول ما أنتِ كده مش هيعبرك وهيفضل ماشي وراها زي الأعمى في حبها! زفرت بضيقٍ ثم تلفظت قائلةً: طب والعمل إيه؟ اتسعت ابتسامة الأخرى قائلةً بتروي: هقولك.
خرج هو من المقهى بغضبٍ، لكن رغمًا عنه تجمعت دموعه في مقلتيه، فحاول كبحها حتى نجح بالفعل. القاهرة | ٢٠١٤: كانت تسير نحوه بسخطٍ، لاحظه هو من تعبيرات وجهها، حتى وصلت إليه وسرعان ما ألقت في وجهه دبلة خطبتها قائلةً بعصبية: كتكم القرف! كان لازم افهم إن كلكم شبه بعض! نظر هو إليه باستفهام مختلط بالصدمة، حتى فتحت هي حقيبتها وألقت في وجهه عدة صور له قائلةً بانهيار: مع أختي!! بتخوني مع أختي يا زبالة!
أنا هعتب عليك ولا عليها ولا عليَّ أنا علشان قررت أصدقك! نظر لها بخزيٍ واسترسلت هي تردف ودموعها تنهمر على وجهها: عملتلك إيه يا آدم علشان تعمل فيَّ أكتر حاجة بكرها؟ عملتك إيه قولي حرام عليك! ده أنت حتى عارف اللي حصلي وعارف إني متعقدة من الصنف كله واللي فيَّّ مكفيني! صدقتك ووثقت فيك في الوقت اللي مكنش عندي فيه ثقة في حد! حب إيه اللي قعدت تحبهولي؟ ما ترد عليّّ!
دخلت في نوبة بكاء مرير، وكانت تضربه في صدره بقوةٍ، حتى استطاع السيطرة عليها ووضع ذراعه على منكبها، ثم تلفظ بنبرةٍ رخيمة: وربنا ما في حاجة من اللي في دماغك دي حصلت، براحة كده يا حبيبتي وتعالي افهمك. أنزلت هي ذراعه بعنفٍ قائلةً: ابعد عني بقولك!! مش عايزة اشوف وشك تاني! كفاية وجع قلب لحد كده! ومش هسمع تبريرات الصور دي حقيقة ولا لأ؟ نظر لها وهو يتنهد بقوةٍ قائلًا: حقيقة بس اسمعـ..
ألقت عليه نظرة أخيرة لم ولن يستطع تخطيها مدى حياته، نظرة تحمل كل مشاعر الخذلان المرير والوجع الداخلي، لم تستمع له، تركته ورحلت وهي تمسح دموعها التي لم تستطع التحكم بها أمامه، بينما ظل هو واقفًا بخيبة أمل وصوت تهشم قلبه يسمعه بداخله. والتقط هاتفه يجري مكالمة، وعندما رد الطرف الآخر تفوه هو قائلًا: أقسم بعزة جلالة الله لو حصلها حاجة وربنا لاوديكم كلكم في ستين داهية! جاءه الرد من الطرف الآخر قائلًا بسخرية:
ما خلاص يا أستاذ هاني شاكر! بعدين مفيش حاجة بتيجي بالساهل كده أيوة! ده أنا اللي أمها مش عارفة اشوفها هتيجي أنت وتاخدها على الجاهز كده!! أبعد الهاتف عن أذنه وحاول على قدر الإمكان ألا يطلق سبة نابية، حتى استطاع بالفعل وعاد ليتحدث قائلًا بنبرة لا تحتمل النقاش: أنا ماليش في كل ده! ندى هتجوزها برضاكِ غصب عنك علشان متحلميش بس كتير، سلام يا.. يا طنط. أغلق الهاتف في وجهها وتحرك نحو منزله، وفي داخله حزن العالم أجمع.
استعادة ذكرياته في هذا الوقت كانت ليس في صالحه، لكن على الجانب الآخر ظلت هي تنظر له بحيرةٍ، حتى باغتتها لچين بكلماتها قائلةً: أنتِ مش شايفة شكله عامل ازاي؟ ده كان بيكلمها بقرف يا ندى! ودلوقتي واقف ماسك نفسه من العياط بالعافية! نظرت هي لها بتفكيرٍ، حتى وجدت چنى تردف قائلةً بضجرٍ: أنا لحد دلوقتي مش فاهمة أنتِ مسمعتهوش ليه! نظرت لها ندى بتبرم، ووجدت حفصة تتلفظ قائلةً بهدوء:
احنا قولنا يمكن في السن ده أنتِ لسه مراهقة ومش عارفة مشاعرك وهو كمان بيتسلى، بس معقولة التسلية والمراهقة في المشاعر بتقعد عشر سنين؟ للدرجة دي؟ ألقت هي حديثهم في أقرب سلة مهملات ولم تكترث لهم، وشردت هي فيه، ورغمًا عنها ابتسمت بحبٍ، لكن سرعان ما تداركت عددهم، فتكلمت مردفةً باستغراب: هي مريم فين؟ هي مش قالت هتروح تجيب بنك الحظ وتيجي؟ دي لو بتجيب البنك الأهلي كان زمانها جت!
انتبه جميعهم لتأخرها، واتصلت ندى بها، فأتى صوت الأخرى الباكي مردفًا: معلش معرفتش آجي تاني. تفوهت الأخرى بفزعٍ قائلةً: مال صوتك؟ حكت مريم كل ما حدث، وانتابتهم جميعًا حالة غضب جامحة، وظلوا يواسونها على وعدٍ منهم أن يأتون لها في الصباح. فرنسا | باريس: كان جالسًا يضحك بشدة وهو يتحدث في الهاتف قائلًا: أحسن علشان يتربى، طول ما هيشوف نفسه ويبدأ يتصرف من دماغه كل حاجة هتقع على نفوخه. رد عليه مارك بتشفي:
والله عندك حق، خليه يشرب حق غباءه. ضحك الآخر بسخرية قائلًا: لو كان كمل في الخطة اللي حطناها كان زمانا ضمنا البت خطيبته دي! كفاية إن دراستها أصلًا عبري كانت هتعجبهم أوي. جاء الرد من مارك قائلًا بتساؤل: إيه الخطوة الجاية؟ نفث دخان لفافة التبغ التي في يده قائلًا: أقعد وشوف بنفسك الخطوة الجاية.
مرت الأيام سريعًا حتى جاء أسبوع الاختبارات النهائية للمرحلة الثانوية، وكان اليوم هو أول يوم بالاختبارات، حيث كان تيام يجلس في لجنته حتى وجد المراقب الأول يدلف، فابتسم بمكرٍ قائلًا في نفسه: شكله فاكك وهسيبنا نغش. وُزعت للتو ورقة الأسئلة، وظل ينظر لها بتمعن وتفكير، حتى قطع سبل أفكاره صوت المراقب الآخر الذي دلف إلى اللجنة قائلًا بحدة: اللي هلمحه بيبص جنبه ولا اللي عينه بس تيجي كده وربنا ما هسيبه!
ولد بنت مبعتمدش نوع، اللي بيقع تحت إيدي بعمله محضر غش! نظر له جميع الطلاب باستياء، وقد تلفظت واحدة قائلةً بتساؤل: هو مين حضرتك؟ تفوه المراقب قائلًا بفخرٍ: معاكم مستر وحيد، وحش الكيميا، 440 محضر غش، نقل 300 طالب لجنة خاصة، ومعنديش عربية ولا حاجة أخاف عليها. غر فاههم بصدمةٍ، فقد ضاع أملهم في الغش أو حتى النظر بجانبهم بالخطأ، وقطع دهشتهم صوت تميم قائلًا باستغراب: أمال مين اللي وزع الورق علينا ده؟
أجاب المراقب وهو يضع على وجهه نظارة شمسية قائلًا: لأ ده بقى مستر فريد، عنتيل الفيزيا. لطموا جميعهم بصدمةٍ، وسرعان ما نظروا في الورقة التي أمامهم، وبدأوا بالحل.
مر هذا الأسبوع في سلامٍ حتى أتى يوم السبت الذي صادف بأنه آخر يوم في هذه الاختبارات اللعينة، كان تيام جالسًا في لجنة الاختبار وهو بكامل أناقته، وكأنه موعد زفافه وليس آخر يوم بالاختبارات، حلَّ جميع الأسئلة وبقى أمامه سؤالٌ واحد، ففتح زجاجة المياه البلاستيكية يرتوي منها عله يتذكر الإجابة، وانتهى.
ونظر حوله، وجد من ينظر بشرودٍ وفليحترق الاختبار وفلتفنى العوالم أهم شيء سلامه النفسي، ومن تنظر إلى ورقة الاختبار بحسرةٍ وهي تبكي بقوة، ركز في وجهها ثم تبسم في سخرية، إنها زميلته الأولى على الدفعة الدراسية منذ المرحلة الإبتدائية. لم يكترث لها والتفت لشقيقه الذي كان نائمًا على الورقة وكأنها أحد أبنائه، حتى وجد صوت المراقبة ذات النقاب قائلةً بحدة: ركز في ورقتك يا تيام بدل ما اعملك محضر! حدجها تيام بضجرٍ وتفوه قائلًا
بنبرة مثيرة للاستفزاز: مس، هو ينفع آكل؟ نظر له المتواجدين بانزعاج، فتلفظت المراقبة قائلةً باستهجان: تاكل دي يا حبيبي لما تكون في الأزهر بارك مش في لجنة امتحان فيزيا وامتحان جاي زي الزفت على دماغكم! نظرت لها چويرية، فهي أيضًا معهم بنفس اللجنة بسبب ترتيب حروف أسمائهم الهجائية، قائلةً بازدراء: يعني بابا بيدفع عشر تلاف كل سنة علشان ناخد المواد دي بالأنجلش وفالآخر تقولي فيزيا؟ اسمها Physics! نظرت لها چودي باشمئزاز قائلةً:
ممكن يا مس تفتحي الشباك شوية؟ أصل الجو بقى رخم وتقيل فجأة. ضربت المراقبة على السبورة قائلةً بسخطٍ: أنتم فاكرين نفسكم في الماچيك لاند؟ اتكتم أنت وهي! نظرت چوري للورقة التي أمامها بتوترٍ بلغ عناء السماء، فهذه المراقبة كانت حتى في أوقات صمتهم تتكلم في مواضيعٍ تافهة مع إحدى المراقبات الأخريات، ولكن أيضًا كانت عينيها مثل الصقر، فلم يقوى أحدٌ على نقل كلمةٍ واحدة!
مر الوقت وانتهى الامتحان وسلم تيام ورقته بثقةٍ عمياء وهو يضع ساقًا على ساقٍ وكأنه جالسًا في أحد المقاهي وليس بلجنة اختبار مشددة، بينما كان تميم يسلمها بتردد، بينما كانت چودي تنظر للمراقبة وكأنها زوجة أبيها الشمطاء، بينما چويرية أعطتها الورقة باشمئزاز وكأن التي أمامها أحد السائلين، بينما چوري أعطتها لها في توترٍ والدموع تتجمع في مقلتيها.
خرجوا جميعًا وسرعان ما استمعوا لصوت الاحتفالات بآخر يومٍ من الاختبارات، حتى وجدوا من يأتي ليراجع إجاباته، فتفوهت عائشة قائلةً بضجرٍ: محدش يراجع!! أنا بقول أهو هنستفاد إيه لما نراجع؟ حرق دم وخلاص؟ والله اللي هيراجع قدامي هو حر! هتبقى D إزاي يعني؟ أنتم بتستعبطوا يا جدعان!! خرجت هذه الجملة من عائشة بسخطٍ، حتى جاءها صوت تيام الساخط قائلًا: مش عاجبك متراجعيش، هو أنا جايب الإجابات من بيت أبويا!
زفرت بحنقٍ واستكملوا المراجعة، وكعادة بعض الطلاب الذهاب للتنزه بعد الاختبارات النهائية، لكنهم ذهبوا إلى بيوتهم للخلود في النوم. أنا نويت اتقدم لـ"كنزي" يا "يحيى"! نظر له يحيى وقد شعر بشعورٍ بداخله مريب، ولكنه لم يكترث وتلفظ قائلًا بفرحةٍ: ألف مبروك يا نجم، عقبال يارب الليلة الكبيرة. ابتسم براء بحفاوة وتفوه قائلًا ببعضٍ من الخجل: بس كنت عايز طلب من أخ لأخوه. نظر يحيى له يحثه على الاسترسال، فتكلم هو قائلًا:
عايزك تيجي معايا وأنا بتقدملها!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!