الفصل 24 | من 76 فصل

رواية لأجلها الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم أمل نصر "بنت الجنوب"

المشاهدات
32
كلمة
5,951
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 32%
حجم الخط: 18

ارتدت ملابس المدرسة وتجهزت للحاق بدوامها الدراسي باكرا كما اعتادت، منذ أن تولت مهمة الاعتماد على نفسها، أو بالأصح بمساعدة من زوجها الذي، كما ينهض باكرا للذهاب إلى عمله، كان يتابعها أيضًا عبر الهاتف. يفعل المستحيل لإنقاح التجربة، وهي أيضًا لا تقصر بالإستذكار وفعل كل ما يلزم في سبيل التفوق والحصول على الدرجات العليا، من أجل إسعاد والدتها ونفسها أيضًا بالمستقبل الباهر الذي تتمناه. ولماذا تتراخى مادامت تجد التعاون من الجميع؟

وصلت إلى الطابق الأرضي، لتجد حسنية، أو كما تطلق عليها "أمي حسنية"، جالسة في انتظارها ببراد الحليب الساخن وقطع الكحك والبسكويت المصنوع في المنزل. تتلاقاها بابتسامتها العذبة، فتبادلها ليلى بإلقاء التحية: "صباح الخير يا أمي، أنتي برضك صاحية بدري مستنياني، حرام والله، كان لازم تبجي دفيانة على سريرك دلوك." ضحكت المرأة تشير لها لتقترب:

"يا ختي ياريت يجيلي قلب أجعد حتى لسبعة، لكن الجسم اللي واخد على الشجا والصحيان بدري يا نور عيني هو نفسه مبيرضاش. الفجر يأذن وتلاقي الفرشة كأنها شوك تحتي، لازم أصلي وأبدأ يومي بعدها، خلاص العضم اتكيف على كدة. اقربي ياللا اللحقي كوبايتك جبل ما تبرد."

تبسمت ليلى بامتنان تقترب وتجلس على الكرسي المقابل، لتبدأ في تناول فطورها كما تحب، بتناول الكحك الصعيدي المغموس بحليب الجاموس كامل الدسم. يكفي فنجان واحد منه لإشباع المعدة وإمداد الجسد بدفعة مذهلة من الطاقة. وحسنية الجميلة لا تكف عن تحفيزها: "أوعي تسيبي نقطة في كوبايتك، وطبق البسكويت دا تاكليه كله مع وحدتين الكحك على ما عمك خليفة ينزل من فوق عشان ياخدك في طريقه." توقفت عن المضغ بفمها، لتهمهم حرجا بحديث نفسها، قبل أن

تتوجه بخطابها إلى المرأة: "كمان عمي خليفة يشحطط معايا زي كل يوم، مش كفاية عمي حمزة بيناولني المصروف يوماتي قبل ما يروح على بيته..... طب يا أمي أنا كل يوم بجولها لكم، والله ما فيها حاجة لما خدها كعابي مع صحابي للمدرسة، دا حتى بيقولوا المشي رياضة." بصوت بدا كالشهقة تحدثت حسنية بتشدق لطيف: "برضك عايزة مرة البشمهندش معاذ بحاله على سن ورمح تاخدها كعابي؟

كملي وكلك يا بت وفضيها رط، شدي حيلك بس وجيبي مجموع كبير، خلينا نعدي السنادي على خير، وليدي خليفة دا ميعاد شغله أصلا مهياش مستاهلة يعني." توقفت فجأة رافعة أبصارها إلى أعلى الدرج، مستطردة: "واهو نازل لوحده أها على ميعاده من غير ما نبعت حد." نظرت ليلى إلى الأعلى بدورها، تتابع نزول خليفة الذي تبسم لها تلقائيًا يلقي تحية الصباح، وخلفه هالة العابسة دائمًا، تلقي تحيتها الفاترة بصوت بالكاد يخرج، لتظل على صمتها

في متابعة مزاح الثلاثة: "تعالى يا خليفة يا ولدي شوف مرة أخوك أم مخ ضارب، جال خايفة على تعبك جال." "ليه هشيلها فوق راسي يعني ولا إيه؟ بلاش الإحساس دا يا ليلى، أنتي متجوزة واحد ميعرفوش أصلا." تبسمت ليلى بحرقة ردًا على مزحته، ثم نهضت رافعة حقيبتها لتتحرك معه، وذهبا الاثنان، تاركين حسنية وهالة التي وجدت فرصتها في الانتقاد: "طب والله كويس إنها بتحس، أنا جولت الصفة دي متعرفاش أصلا على رأي خليفة." حدجتها

حسنية بحنق وعدم تقبل: "لزوموا إيه الكلام ده يا هالة؟ لا تكوني مدايجة كمان عشان بيوصل البنية؟ ردت هالة تتهرب بعينيها عنها: "لا طبعًا وأنا إيه اللي يزعلني يعني؟ العربية بتاعة البيت كله أصلاً مش ملك خليفة، وحتى لو كان، أنا مش قصدي على كدة أصلاً، رغم إني معايا الحق برضوا." تمتمت الأخيرة بصوت خفيض كالهمس، ومع ذلك وصلت إلى حسنية التي عقبت باستنكار واضح:

"كلامك في تلميح ماسخ يا هالة محدش يجبله، ليلى الصغيرة بتقول لخليفة يا عمي." انتفضت هالة وكأنها تدافع عن كرامتها: "وه يا مرة عمي اللي بتجوليه ده؟ برضك أنا هالة هغير منها؟ ليه يعني؟ كانت أحلى مني مثلا؟

ثم أنا كمان مجصديش على كدة خالص على فكرة، أنا أقصد على تناحتها، بصراحة يعني مزوداها جوي. أكتر من شهرين دلوك وهي عايشة فيها في دور العروسة اللي متقربش حتى على هدومها وتغسلها، طب بتذاكر وقولنا ماشي إنما مبتجيش عليها ولو نص ساعة حتى تنضف شقتها وتعمل طبختها لوحدها، من غير ما تتعب أهل البيت في خدمتها، ولا أمها دي اللي بتبعتلها الوكل جاهز كل يوم أو تاجي بنفسها." "نص ساعة هتنضف وتطبخ فيها كمان!

غمغمت بها حسنية بما يشبه السخرية، لتردف بعدها بتشديد:

"اسمعي يا هالة، مادام جاعدة محلك يا حبيبتي ومحدش طلب منك مساعدة يبجى متتعببش نفسك. بنتي ولا بناتهم مفيش واحدة فيهم بتعمل غصب عنها، دول بيساعدو برضاهم، عشان يرضو أخوهم ويرضوني أنا كمان، وأنا إن كنت بطلب منهم فدا عشان عمار ولدي يا غالية، بالظبط زي ما أنا متصبرة عليك من أول جوازك بخليفة وبغطي على كل أغلاطك، ولا نسيتي إنك انتي كمان اتجلعتي وياما عكيتي الدنيا برغم إنك مكنتيش بتتعلمي ولا حاجة ولا حتى كان عندك أي سبب."

طالعتها بغضب دفين، بعدما أفحمتها بردها، لتزيد على حقدها من تلك المذكورة ووالدتها مزيونة. *** لقد انتهى أخيرًا من أمر المنزل. نعم، وذلك بفضل العمل المتواصل ليل نهار للعمال طوال الفترة الماضية، مع تجهيزه بالأثاث اللازم، فلم يعد متبقي سوى رتوش قليلة قد يضيفها للزيادة من فخامته. ثم يأتي بعد دور الطابق الثاني والذي كان واقفًا به الآن يعاينه بأعين خبيرة ليقرر كيف سيكون نظامه؟ مطابقًا للأول أم مختلفًا عنه؟

فقد كان خاليًا الآن إلا من السور الذي يحاوطه والأعمدة التي سوف يتم الإكمال عليها. تطلع أمامه بنظرة رضا، فهو لا ينكر داخله أن ذلك هو الجزء الأحب إليه. يكفي أن يقف هنا ويطل من محله على منزل محبوبته المكشوف أمامه، إن كان من برج الحمام أو حتى بعض الأجزاء المفتوحة داخل المنزل الطيني.

تلك المتمردة التي تصر على تجاهل مشاعرها نحوه، رغم كل ما يلمسه منها من تجاوب واضح. ومع ذلك لا يجرؤ حتى الآن للمواجهة خشية انقلاب مفاجئ منها، فهو الأعلم بما قاسته على مدار سنوات عمرها وخلف داخلها عقد ومآسي لا تنمحي إلا بصعوبة، بفضل هذا الملعون زوجها السابق و...... تبا، ما هذا؟

كان قد وصل إلى حافة السور بأفكاره الدائرة برأسه دون هوادة، ليتفاجأ بغريمه واقفًا أمام منزلها وهي مقابله وكأنه يعطيها شيئًا ما وهي تتقبله بتأثر. بمشهد جعل الدماء تغلي برأسه، ترا بماذا يتقرب إليها هذا المتبجح؟ اللعنة عليه أن تركه يصل إلى غرضه. فتحرك سريعًا يغادر المكان. ***

أما عند مزيونة، والتي كانت واقفة بالفعل أمام باب منزلها، تتناول من عرفان ذلك الشيء العزيز الذي أتى به إليها، فكانت في حالة لا تسمح لها حتى بالكلام. وقد غص حلقها بذكريات الماضي التي تجلت أمامها بتلك الأشياء البسيطة التي كانت تمسك بها الآن بين يديها، وعرفان المتربص أمامها، يعلق بنوع من التأثر وكأنه يتضامن معها.

"من أول ما عيني وجعت عليها وأنا عرفت أن يستحيل تسيبها بخاطرك، شكمجية المرحومة أمك أنا عارف زين كيف كانت غالية عليكي، دي فيها كل روايح المرحومة."

بصوت مبحوح وهي تدور على الأشياء الجميلة بذكرياتها، ترفع الزجاجة الفارغة من عطرها ولكن تبقى أثرها ورائحة تشتاق إليها بوجع، ثم صور الأبيض والأسود للراحلة والباهتة بعض الشيء، الأساور الفضية وعبوة الكحل وبعض قطع الذهب من عقدها الذي تحتفظ به هي الآن بدرجها وصورها وصور والدها وشقيقها وأبرة وخيط كتان، وبعض أزرار ملابسها وأشياء أخرى عديدة:

"دورت عليها كتير في اليوم اللي طلعنا فيه أنا وبنتي وأنا بلم خلجاتي وخلجاتها مع الحاجات الضروري اللي كان لازم آخدها، لحد ما فقدت الأمل إن ألقاها وأنت كنت واقف مع الرجالة وبتستعجل طردنا، يأست وفي الآخر سبت تكالي على الله." رق صوته بنوع من الأسف مرددًا وقد مر أمام عينيه الشريط المخزي لكرامته في تلك الليلة: "في ليلتها كان الغضب عايميني يا مزيونة وكأني واخد ضربة فوق راسي بفكرة إنك تسيبيني انتي والبت وتمشي كلمتك عليا...

بس....... ما علينا." توقف حين قرأ الاستهجان بنظرتها إليه، ليلحق سريعًا حتى لا يعطي فرصة للنقاش في ذلك الأمر مردفًا: "اللي فات مات يا مزيونة، أنا جولتلك من الأول إني بجيت واحد تاني دلوك، بدليل أها، أول أما لمحت شكمجية المرحومة أمك جيت جري عشان أسلمها لك لمعرفتي الزينة بغلاوتها عندك." أومأت بهزة من رأسها تجاري كذبه: "ماشي يا عرفان، على العموم متشكرين يا سيدي."

"لا يا مزيونة أنا مش بعمل كدة عشان ألاقي شكر منك، أنا أقصد أبين لك إني اتغيرت، بدليل إني مش بس مستعد أكمل علام ليلى وهي في بيت جوزها على حسابي، لاه دا أنا كمان مستعد أكملك انتي وأوفي بالعهد القديم اللي خدوا عليا المرحوم والدك، إنك تاخدي شهادة الإعدادي في بيتي، كنت صغير ساعتها ومديتش اهتمام لكن دلوك اللي تجولي عليه يا بنت الناس."

أظهر أسفه في الأخيرة حتى يستجلب استعطافها، أما عنها فلم يدخل حديثه رأسها على الإطلاق، حتى أصابها الضجر منه لتنهي هذا اللقاء معه: "مفيش داعي للكلام ده دلوك يا عرفان، ثم كمان مينفعش أقف على الباب أكتر من كدة ولا أقدر أقولك اتفضل." "اممم... زم بفمه يدعي الاستيعاب: "ماشي يا مزيونة حقك، أنا برضو ميهونش عليا حاجة تأذيكي. أفوتك بعافية بجى سلام."

أنهى يسحب نفسه ويغادر من أمامها بضيق استشعاره لعدم استجابتها، لكن سرعان ما تبدل مزاجه، فور أن انتبه لحمزة الذي كان واقفًا على باب منزله الجديد بتجهم لا يخفي على رجل مثله، وقد فطن إلى مراقبته لوقفته مع مزيونة، حتى أثار بداخله التسلية، كي يكيده بابتسامته هاتفا: "مرحب يا نسيبنا منور بيتك الجديد." وأكمل بضحكة استفزت حمزة ليحدجه بنظرة نارية مغمغمًا في أثره: "دا نورك يا أخوي اللي معبي الدنيا، يا بوي على تقل دمك." ***

بعد قليل. وبعد أن بعث إليها ريان لتخرج إليه الآن وتلقاه أسفل شجرة التين في المنطقة الفاصلة بين منزله ومنزلها، معطيًا لها ظهره بغموض غير مفهوم، مما اضطرها للهتاف باسمه حتى تخبره بحضورها، أو لفت انتباهه على حسب اعتقادها: "نعم يا أبو ريان، الواد بلغني إنك عايزني ضروري." ظل على وضعه لبرهة، لتنتبه على سحب أنفاسه القوية بتحرك عضلة ما بظهره، قبل أن يلتف إليها بغموض تجلى في نبرة صوته:

"فعلاً أنا اللي بعته، عشان عايز أتكلم معاكي ضروري، ضروري جوي." اهتزت رأسها إليه باستفسار، فجاء رده مباشرة ودون مواربة: "كنت عايز أعرف، عرفان كان هنا ليه؟ وكيف يجف معاكي؟ أمّال الواد حازم دا إيه لزمته؟ لم تغفل عن حدته في توجيه السؤال، ومع ذلك فضلت الرد بصورة طبيعية رغم رفضها تحقيقه: "حازم ابن أخوي ربنا يحفظه ويبارك فيه، هو اللي فتحله وكان واقف معاه جبل ما أطلع أنا وأستلم الأمانة اللي كان مصمم يسلمهاني في يدي."

مال برقبته نحوها يتابع استفساره: "أمانة إيه بقى؟ نفخت داخلها باستهجان لأسلوبه، في إثارة حفيظتها، لتجيبه بنوع من الانفعال: "أمانة غالية يا أبو ريان، شكمجية المرحومة أمي، كانت تايهة في العفش اللي فوتناه." "الله يرحمها ويسامحها." غمغم بها مطرقًا رأسه بتأثر، ثم ما لبث أن يرفع أبصاره إليها بحدة مستطردا: "بس برضو، كان بعته مع أي حد، كان أداه لأخوكي، لواد أخوكي، لأي حد من طرفه، لكن هو ييجي هنا ليه؟ ولا هي تماحيك وخلاص."

برقت عينيها نحوه بعصبية: "وافرض إن كان بيتمحك ولا يتزفزت، أنا ليا حاجتي إني خدتها منه وخلصنا على كدة." "لا مش خلصنا." هتف بها من خلفها، ليضيف بالمزيد وكأنه تحول إلى شخص آخر: "الراجل البارد ده مالهوش جيا هنا واصل، النهاردة شكمجية من ريحة المرحومة، بكرة جزمة ولا بعده بنسة شعر، ورجله تاخد على البيت، وأبجى جابليني لو خلصنا صح." امتقعت ملامحها باعتراض، فما تلمسه من تجاوز يجعلها تكاد تفقد الذرة المتبقية من تماسكها،

لتزفر بسخط قائلة: "مش شايف إنها كبرت شوية منك يا أبو ريان." صاح ردًا لها بغضب متعاظم، وكأنه صار كالمجنون غير واعٍ أو مدرك لأي شيء سوى ردع هذا الرجل عن الاقتراب منها: "خليها تكبر يا ستي، المهم الراجل ده يتلم على دمه، فاضينله أحنا عشان ييجي ويتحنجل بأي حجة يخترعها وتفتحله سكة للقرب، أجفلي معاه من أولها، مش تسبيه لحد ما ياخده العشم، أنتي أدرى واحدة بدماغه السم المنتول ده، هو أنا اللي هنبهك عليها دي؟

تصلبت محلها بعدم استيعاب، مستنكرة ذلك التسلط الجديد منه، لتخرج عن تحفظها هي الأخرى: "جرا إيه يا نسيبنا؟ الموضوع مش مستاهل كلام ولا فرض أوامر يا نسيبنا." استفزه تركيزها الشديد في تذكيره بتلك الصفة حتى لا يتعدى حدودها معها، ومع ذلك هو اليوم مصر على تحديها: "لا مزيونة مستاهل، مستاهل يا مزيونة ومن غير نسيبتنا كمان؟ احتدت ملامحها بخط مستقيم ناظرة له بحنق شديد مقارعة له: "ولما تنفي صفة النسيب، يبجى فرض الأوامر ده بصفة إيه؟

تبسم دون مرح، وجدية تقطر مع كل حرف منه، كاشفًا كل أوراقه لها: "صفتي أنتي عارفاها زين يا مزيونة، وإن كنت صابر عليكي ومأجل أي خطوة جدية أخدها معاكي، فدا برضو عشانك، جافل على اللي في قلبي وكاتم على اللي جوايا، في انتظار إنك تحني وتنسي اللي فات، تبصي لنفسك ولعمرك معايا، مش تفضلي واجفة محلك واللي تقدري عليه يدوب هو شهادة تطوليها بعد سنين."

كان حادًا في اعترافه بل وصادمًا في كشفها أمام نفسها، بصورة أفقدتها النطق لحظات، تتحرك حدقتاها بتشتت، تستجمع شتاتها بصعوبة لتكن على مستوى الحدث في ردع هذا الرجل المتبجح، كيف يخاطبها بتلك الجرأة؟ ولكنها لا تجد صوتها، ولكن تملك قدمين للذهاب... أو الهروب ...... "استني عندك يا مزيونة أنا بكلمك." هتف يعترض طريقها فور أن التفت للذهاب، مما حفزها هذه المرة لتنهره:

"بعد من وشي يا حمزة يا قناوي، أنا مش هسمحلك تتمادي معايا أكتر من كدة." "ومين قال إني بتمادي؟ صرخ بها مقاطعًا لها، يتابع بقهر ما يعتري قلبه نحوها: "دا أنا صابر عليك صبر أيوب، أنا لو مش متأكد إنك بتبادليني نفس الشعور عمري ما كنت هتكلم ولا حتى أصدق نفسي، الماضي الزفت وعقدة اللي حاجبة عنك كل حاجة حلوة حواليكي، إنك تبصي في المراية وتشوفي صورتك زين، تشوفي مزيونة اللي تستحق الحب والحياة اللي تستاهلها."

"بعد عني يا حمزة، أنت كدة اتعديت حدودك." لم يغفل عن ارتجافها أمامه، ولا بصوتها المهتز في مخاطبته، رغم ادعائها القوة في رفض تصديقه، ومع ذلك هو اليوم قد أخذ القرار في إخراج ما في قلبه كاملاً: "لا يا مزيونة مش هبعد، عشان تشوفييني زين، ارفعي عينك اللي بتهرب مني دي واعرفي مين اللي واقف جدامك؟ أنا حمزة مش عرفان، حمزة اللي أحطك تاج فوق راسي، مش عرفان اللي........ ما يعرف في الحياة غير نفسه وشهواته مع واحدة جميلة زيك."

ازدادت حدة أنفاسها، وامتقعت ملامحها بغضب عميق، فقد تخطى كل الخطوط الحمراء أمامها، حتى كادت أن ترفع يدها وتصفعه على وجهه، ردًا لوقاحته ولكنها لم تملك الجرأة سوى الرد بلسانها: "أنت جليل أدب ومش محترم." صاحت بها في وجهه، لتندفع من أمامه عائدة إلى مصدر أمانها، بخطوات أشبه بالركض، فتعلقت عيناه بها حتى اختفت داخل منزلها، تغلق بابها عليها، صافقته بقوة، ليغمغم هو محدثًا نفسه: "جليل أدب! هو أنتي لسة شوفتي جليل أدب؟

والله ما هعتقك يا مزيونة لغاية ما تعترفي لنفسك قبل ما تعترفيلي أنا كمان." *** وجدها تقف أمامه متخصرة في استقباله، بجسد يهتز من فرط عصبيته، ليعلق ساخرًا: "كفاية هز لافتكر أن سطتك الكهربا وهتفرحيني لما تروحي فيها." ختم بضحكة سمجة ضاعفت من حنقها لتصيح به: "حقك يا عرفان تضحك وتتمسخر، مادام جاي من عندها بعد ما سويت اللي مخك، يبجى أكيد ضحكت عليك بكلمة تطيب خاطرك، مسكين وصعبان عليها ياعيني."

"اتلمي يا صفا بدل ما أعرفك أنا مجامك." لم تتأثر بتعنيفه؛ فقد برد نارها قلب مزاجه سريعًا، لتتابع في التنفيس عن غضبها: "هتعمل أكتر من كدة إيه يا غالي؟ بعد ما خليتني خدامة تحت رجليك، ولما تعوز اللي متقدرش تستغني عنه، تعاملني زي الجارية، وبس تخلص نفسك ترميني من أوضتك زي الحشرة، أوضتك، اللي هي أوضة المحروسة في الأصل، واللي بتتنشج على نظرة منها تحن عليك بيها." سمع منها يعلق بصلف وجلافة ردًا على وقاحتها في الحديث:

"عشان دا مجامك." توهجت نيران الحقد بداخلها لتواصل غير آبهة بغضبه: "رايح تودليها الشكمجية اللي رميتها أنا مع الكراكيب ورا البيت يا عرفان، طب ياريتني كنت حرقتها مع وجيد الفرن وأنا بحمي للخبيز." "عشان كنت خلصت عليكي." "اعملها معدتش فارقة." صرخت بها متابعة بقهر: "طب أن هجيبلك من الآخر، مهما عملت يا عرفان مش هترجعلك، عارف ليه؟

عشان المرة اللي عايزة جوزها صح، مهتسيبش المرض يتمكن منها ويرعى في جسمها عشان تبجى حجتها في بعده عنه، مزيونة كانت مرحبة بالمرض أكتر منك، بدليل إنها مطابتش ولا خفت منه، غير ما أطمنت إنك زهدت فيها، ودا كله بفضل العمل اللي عملته، دا أنا خدمتها أكتر ما خدمت نفسي." هل كان عدوها لتنتشي بتأثير الكلمات السامة عليه الآن؟

لا لم يكن عدوها ولكن جرح قلبها وإهدار كرامتها كان له أكبر الأثر في صفعه بالحقيقة ولتتحمل عواقب قولها الآن، بعد أن امتقعت ملامحه الشقراء تقارب السواد من فرط غضبه منها، وقد برزت عروقه بخطر ليقترب منها مقررًا فشف غليله بضربها، يسبق رفع يده جملة واحدة منه: "طلبتي ونولتيها، أنتي اللي جبتيه لنفسك يا صفا، اتحملي بجى." ***

ناظرة في المرآة، تطالع نفسها كما أخبرها، تلوم ذاتها في تساهلها معه، حتى تبجح في الحديث وتطاول عليها، لابد من رد قاسٍ مع هذا الرجل، حتى لا يتجرأ ويعيدها مرة أخرى. لقد غلب بجنونه شقيقه الأصغر مع ابنته، ولكن الآخر له عذره، اندفاع الشباب في عروقه وعدم نضج صغيرتها كانا من أهم الأسباب لتأجج المشاعر بينهما. أما هو وهي... هو رجل أوشك على الأربعين من عمره، أي في عز نضجه ولا ينقصه شيء حتى يفتعل هذا الجنون مع امرأة مثلها.

لقد أخبرها أنها تستحق الحياة، وأمرها أن تنظر في المرآة، وهل كانت مقاطعة ولا تنظر بها كل يوم؟ ما الذي ستكتشفه يعني؟ تتأمل جيدًا تلمس على شعرها الحريري المفرود على كتفيها وحول وجهها، ذلك الذي يتميز بنضارة طبيعية لطالما حسدتها الفتيات والنساء عليه، عيناها اللوزيتان بلونهما البني، ولون الوجنتين بحمرة طبيعية تتفاقم وقت خجلها أو غضبها كما حدث منذ قليل، لقد أخبرها أنها جميلة؟

نعم هي تعرف هذه الصفة منذ مولدها، حتى الاسم الذي أطلقه والدها عليها كان بفضل هذه الصفة، ولكنها أيضًا كانت قد فقدت الإحساس به، إحساس الجمال أو أنها مرغوبة. لطالما رافقتها نظرات الإعجاب أو تلك الجائعة التي تعرفها حق المعرفة أينما حطت قدميها بمكان ولكنها لم تكن تتأثر على الإطلاق. اللعنة، لماذا تنظر في انعكاس وجهها الآن وكأنها تراه لأول مرة؟ هل أخبرها أنها فاتنة أيضًا؟ لا لم يخبرها اللعين. انتفضت فجأة من شردوها

على صرخة اخترقت اسماعها: "الحقني يا بوي، الحقيني يا خالة مزيونة، حد ييجي ويلحقني يا ناس." "يا مري دا ريان." صرخت بها لتركض نحو الخارج، ساحبة طرحتها على عجالة، تغطي شعرها المفرود بإهمال، لترا ما الذي أصاب الصغير. ***

من داخل شرفتها، وقفت تستند بمرفقها على السور ذو السطح الرخامي، تتمعن النظر بذلك المشهد المستفز لها، داخل الحديقة وتجمع صغارها حول الأرجوحة التي استولت عليها تلك المدللة بعد عودتها من إحدى كورسات الدروس التي يتكفل بها زوجها لإكمال دراستها، تتأرجح مع الأطفال وكأنها منهم، بانطلاق ومرح. مالذي سيشغلها أو تحمل له همًا؟

وهي تعامل كالأميرة، تذهب إلى المدرسة صباحًا وحين تعود تجد الشقة مرتبة، الملابس نظيفة والطعام جاهز، تخطف لقمتها ثم تخرج إلى دروسها، وحين تعود تمرح مع الأطفال في اللعب لمدة من الوقت قبل أن تعود لشقتها ومذاكراتها مرة أخرى. الجميع يعمل على خدمتها وسعادتها بفضل ذلك المتمرد زوجها، والذي حين يأتي كل أسبوعين يسقيها من الدلال واللعب والمرح أضعاف. إذن لماذا لا تضحك كما تفعل الآن؟

اللعنة وكأنه يأتي على السيرة، ما الذي أتى به الآن؟

تمتمت هالة داخلها بالأخيرة وهي تتفاجأ بولوج معاذ إلى داخل محيط المنزل الكبير، يتسحب على أقدامه كي يفاجئ ليلى من خلف ظهرها، آمرًا الأطفال بإشارة منه حتى لا ينبهها أحد منهم، فخرجت صيحة الإفزاع منها بصوت عالٍ جعل جميعهم يضحكون، حتى خليفة الذي راقبهم وهو يحمل الحقائب كالعامل الأجير، يضحك بملء فاه لذلك المقلب الذي فعله شقيقه بزوجته. اللعنة عليهم جميعًا، سوف يتسببون لها بأزمة قلبية ببرودهم. ***

في الأسفل كان مشهدهم ما أروعه، وقد تكفل هو بالمهمة في هز هز الأرجوحة بها بعد إفزاعها وصرخات المرح منها التي لفتت أبصار الجميع نحوها، ليعقب بمشاكسة: "متعرفيش تتخضي وانتي ساكتة لازم تفضحيني وتلم عيال أخواتي عليا، يجولوا علينا إيه دلوك ها؟ يجولوا علينا إيه؟ صرخت مرة أخرى حين دفعها للأعلى في الهواء لتعقب على قوله:

"هيجولوا عليك مجنون يا معاذ وأنا كتر خيري إني متحملة واحد زيك، دا كفاية خلعاتك ومقالبك فيا اللي هيجطع منها الخلف بسببك." "كمان بتجولي مجنون، يعني لما أروحك على الدور التاني فوق دلوك هتتلمي يا ليلى." دفعها إلى الأعلى من المرة السابقة لتصرخ بجزع حقيقي تترجاه بجدية هذه المرة: "هجع يا مجنون والنعمة هجع، أنا تعبت بجد والله إياك تكررها تاني." انتابه الرعب لهيئتها، مقررًا إيقاف الأرجوحة بيده، ليطمئن عليها: "أنتي بجد تعبتي؟

طب انزلي طيب ولا تركبيها ليها أصلاً المرجيحة دي؟ هو إحنا ناقصين دوخة." لهثت أنفاسها وكأنها عائدة من عدو سريع حتى إذا انتبهت إلى الخوف الذي احتل معالمه، سارعت بطمأنته: "متجلجلش جوي كدة، دا بس من الخضة، عشان تحرم ما تجدحني لفوق جوي في الهوا مرة تاني، أنتي عارف إن قلبي خفيف أصلاً." خرج صوته بعتب:

"يعني بتجيبها فيا يا ليلى بعد ما قررت أساعدك وأخليكي تركبي الهوا شوية لما لقيتك وسط العيال بتلعبي زيهم، دا بدل ما أرجع من سفري ألاقيكي مستنياني بالأحمر والأصفر، زي باقي الرجال المتجوزين." ضحكت تعود للأرجحة ببطء تشاكسه: "حظك بقى إنك اتجوزت عيلة، ومش هتكبر واصل على فكرة، يعني تفقد الأمل في حكاية الدلع والأحمر والأصفر، إحنا ناس مؤدبين مش بتوع الكلام دا واصل يا بابا." "ووه... صدرت منه متخصرًا ليقارع حاجتها:

"طب يا عيلة يا صغيرة، على كدة لما أحب أهاديكي، أبجى أجيبلك مصاصة ولا بسكويت ويفر، بدل صندوق الهدايا ولا بوكيه الورد، هو دا اللي عايزاه، خليكي جريئة وجولي أيوة." ضحكت حتى رجعت رأسها إلى الخلف تزيده ولها بها، حتى ملكت صوتها أخيرًا: "لا يا معاذ مش عايزة صندوق هدايا ولا بوكيه ورد، عايزة مرجيحة اللي وعدتني بيها جبل الجواز، زي اللي جاعدة عليها دي، بس تبقى ليا لوحدي فوق السطح عشان ألعب براحتي، ولا أنت نسيت؟

تعقد حاجبيه قليلاً بتفكير حتى تذكر بالفعل، ليضرب كفًا بالآخر قائلًا: "يخرب مطنك ومطن دماغك، بجى فاكرة كلمتيني من ساعة المولد ومراجيح العيال، طب أنا والله بالفعل نسيت." زامت فمها بدلال في رد له: "واديني فكرتك يا سيدي، أشوفك بجى هتصدق في وعدك ولا لاه؟ مال نحوها يتمسك بقائمي الأرجوحة، مرددًا بصدق: "هصدق والله هصدق، أنا عمري قصرت معاكي، جولي لو قصرت."

نفت بهز رأسها ضاحكة رغم شعورها ببعض التعب ولكن روح المرح داخلها غلبتها، لتطلب منه: "لا بصراحة لحد دلوك لسة، مرجحني شوية بجى قبل ما نطلع فوق." "من عيوني يا جميل." قالها بحماس أخافها قليلاً لتسارع بتنبهيه: "بس مش تعليها جوي زي المرة اللي فاتت." أجابها بطاعة تريحها: "حاضر من عيوني الجوز."

وصار يدفع الأرجوحة بها لتقهقه بسعادة، مرة واثنان وثلاثة والعديد والعديد حتى إذا اكتفت أمرته بالتوقف، وما كادت تضع قدميها على الأرض حتى شعرت باهتزازها من تحتها، فحاولت التحرك ولكن دوارًا ما لفها، حتى اسود العالم أمام عينيها، فلم تشعر بنفسها حين وقعت فاقدة للوعي ولا بصرخة معاذ الذي جثى على الأرض كي يطمئن عليها صارخًا: "ليلى، ليلى أنتي مالك؟ ليلى... ليلةةةة." ***

خرجت بإحساسها تتبع صوت الصراخ حتى وصلت إلى شجرة التين، لتجد الصغير معلقًا فوقها على أحد الأفرع الضخمة، يتمسك بها بقوة، صارخًا بهلع فور أن انتبه لها: "اللحقيني يا خالة مزيونة، انجديني لا يموتني." صاحت تستفسر بدورها: "هو إيه اللي يموتك؟ وأنت معلق فوق الشجرة كدة ليه؟

أشار بسبابته التي كانت ترتجف معه، نحو إحدى الشجيرات المزروعة حديثًا من قبل والده أمامها، لتتفاجأ بثعبان ضخم أسفلها، وكأن الجلبة وصراخ الصغير أثارت انتباهه هو الآخر، حتى جعل قلبها يرتجف داخلها، ومع ذلك دفعها الخوف على الصغير أن تتجاوزه، تتسحب بخفة من أجل إنزاله وبعدها ترا أمر ذلك الثعبان، وصلت إليه ترفع ذراعيها الاثنان لتتلقفه: "انزل ياللا عشان أتلجاك، أنت إيه اللي ركبك أصلاً؟ دفعه الخوف للاعتراض والتشبث بمحله:

"لا يا خالة مزيونة لما ييجي أبويا الأول يجتله، لاحسن ياكلنا أنا وأنتي." "هفت به بانفعال:" "انزل يا ريان بلا أبوك بلا حكاوي، دا وقت جلع دا؟ خليك شجاع، التعبان بياكل الجبان بس." "اسمع زي ما بتقولك يا واد." صدح الصوت الجهوري من خلفها، لتلتف إليه مجفلة، فتواجه بناريته وقد بدا أنه سمعها وهي تراوض الصغير لينزل إليها، فعادت تلتف سريعًا عنه تخفي خجلها منه، وقد نفعها في تلك اللحظة مناجاة ريان المباشرة إليه:

"دا كان عايز يموتني أنا وخالة مزيونة." "معاش اللي يقرب منك ولا يسقك ياض وأنا جاعد." قالها حمزة ليتولى أمر الثعبان، فتشجع ريان ليقرب المسافة بينه وبين مزيونة حتى يصل إليها ولو بذراعه فتتولى هي مهمة حمله والابتعاد به.

وما إن نزلت به الأرض حتى انتفض الاثنان، تأثرًا بالطلق الناري الذي اخترق أسماعهم، ليلتفا إليه، يجدان الثعبان قد فارق الحياة، وهو يدخل في جيب سيارته في الأمام السلاح الناري. كل خلية منه توجهت نحوها بتحفز حتى اقترب يتناول صغيره منها، أبصاره كالسهام تطوف عليها، يطالع الوجه البهي والشعر الحريري مبعثرًا حوله وفوق الجبهة بعشوائية، من تحت الطرحة التي تغطي نصفه فقط، يحمد الله أن الصغير معه الآن، حتى يحجم نفسه عن أهوائها،

فيعلق بكلمات مقصودة: "حطها حلقة في ودنك يا ولدي، طول ما أنا عايش مفيش تعبان يقدر يهوب منك، لا أنت ولا خالتك مزيونة." بالطبع هذه المرة قد فهمت على مقصده بوضوح، لتختار الهروب منه كما حدث منذ ساعات تلتف عائدة إلى منزلها، شاعرة بحدة نظراته التي تخترقها، حتى وصل لاسماعها صوت دوي الهاتف وبعدها كلماته: "أيوه يا خليفة أنا معاك." ".......... بتقول مين؟ إيه اللي جرالها ليلى؟ لتعود إليه صارخة: "مالها ليلى بتي حصل لها إيه؟ ...

يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...