شهقت بعنف حينما ألقى أحدهم مياه باردة على وجهها، فانتفضت من مكانها وهي تنظر حولها برعب. جحظت عيناها بصدمة وهي ترى نفسها في ساحة القرية، والجميع ينظرون إليها بتفحص واضح. اعتدلت في جلستها وهي تحاول استيعاب ما يحدث لها من المصائب على ذنب لم تقترفه. سمعت همساتهم وهم يقولون بفضول: -مش دي تيجان؟! إيه اللي رماها بفستان فرحها كده؟! هتف أحدهم: -إيه اللي يخلي جوزها يرميها الرمية دي إلا لو اكتشف أنها مش عـذ...
حركت رأسها بالسلب وعيناها تلتمع بالدموع، أشار إليه زميله قائلًا: -ما تكملش، بس معقولة يطلع منها كل ده؟! هتفت إحدى السيدات بامتياض: -كان الله في عون جوزها، ده كان بيحبها أوي قبل ما يكتشف أنها ***. انسابت عبراتها بألم وهي تستمع إلى تلك الكلمات السامة، تابعت فتاة ما بقلق: -ده الـ king زمانه عرف وهيعاقبها بالقانون اللي جدوده عملوه زمان!!! تابعت "تيجان" همساتهم المخيفة بنظرات مرتعدة، حركت رأسها بنفي وهي تهمس برعب:
-لأ، أنا ما عملتش حاجة، والله ما عملتش حاجة. هبت واقفة وهي تقول سريعًا: -أنا لازم أهرب، مش هقدر أشوفه، هيموتني. قبل أن تتحرك كي تغادر من المكان، وجدت ثلاثة رجال أشداء البنية يقتربون منها، صرخت بعنف: -لأااااا، ما تقربوش مني. هي تعلم أنهم من رجال "الملك"، يبدو أنها ستموت اليوم على شيء لم تفعله، ستُعاقب وستُقتل ظلمًا. قبض اثنان منهما على ذراعيها بينما هدر الثالث بقوة كي يسمع جميع الموجودين:
-الـ king زمانه جاي، هو اللي هيحدد عقابك، إحنا خلاص بلغناه بمكانك. هدرت "تيجان" بكل قوتها: -أنا ما عملتش حاجة، والله العظيم ما عملتش حاجة. التفتت برأسها نحو رجل ما وهي تهتف بألم: -عم حسين، يا عم حسين اقف جنبي، ده أنا اتربيت على إيدك، معقولة هتصدق عليا الكلام ده؟! رمقها بنظرات جامدة وهو يشيح بوجهه عنها، دارت برأسها نحو جهة أخرى وتحديدًا نحو امرأة في منتصف الأربعينات وابنتها: -وإنتي يا أم وتين، هتسيبيني كده؟!
أنا عشت ست سنين معاكم يعتبر، كنت بلعب مع وتين وبحميها من أي أذى حتى لو على حسابي، هتصدقيهم وتسيبيني؟! أطرقت رأسها وهي تبكي بصمت، فهي إن تدخلت ستُعاقب على ذلك. وقعت عيني "تيجان" على امرأة أخرى فقالت بتلهف: -وإنتي يا أم وجد، هتسيبيني كده؟! مش كنتي دايمًا بتقولي إني بنتك التانية، فين كلامك؟!!!! بكت "أم وجد" بعد جملتها تلك وهي تشير لها بعجزها، أغمضت "تيجان" عينيها تكاد أن تعتصرهما وهي تصرخ بكل قوتها:
-ياااااااااااااااااااارب. لولا تلك الأذرعة التي تقبض على ذراعيها بقوة لكادت سقطت سقطة عنيفة. دقائق، وكانت قد وصلت ثلاث سيارات سوداء، رفعت عينيها الباكيتين نحو السيارة الثانية حيث فتح أحد رجاله الباب، ضيقت عيناها بوهن وهي تراه يترجل منها، كان هدير أنفاسها عاليًا وهي تحدق به، ارتفعت نبضات قلبها وهي تراه يتقدم منها رويدًا رويدًا.
شاب في أوائل الثلاثينات من عمره ولكن ملامحه تحمل جمودًا وعمقًا، عيناه السوداء تشتعل تلقائيًا، عيناه ذات الجمر المشتعل.. نيرانًا من اللهب الأزرق، ملامحه سوداء ونظراته العميقة التي حدجها بها أشد سوادًا، وقف أمامها قبل أن يقول بصيغة آمرة لرجاله: -سيبوها. رد أحدهم باحترام: -أمرك يا أصهب باشا. إذًا اسمه "أصهب"!! أي شديد البرودة، يا له من بداية مبشرة، حتمًا سيقتلها بدم بارد، خرجت من شرودها على صوته الأجش:
-شكلك صغير، 20 أو 19 سنة، مش كده؟! حركت رأسها إيجابيًا بصعوبة بالغة، في حين مط "أصهب" شفتيه ببرود متابعًا بأسف مصطنع: -يا عيني على زهرة شبابك اللي بقت زي الفجلة. لم تجبه بل أطرقت رأسها فأخفى شعرها وجهها البارد الحزين، التوت شفتاه في ابتسامة متوحشة وهو يقول ببطء أمام أعينها: -غلطي لما سلمتي نفسك قبل الجواز، وكملتي الحكاية بأنك ضحكتي على جوزك، بس ما عملتيش حسابك أنه أول ما يعرف هيرميكي هنا قدامنا عشان عاوز حقه.
ابتسمت بتهكم مرير وهي ترفع وجهها المعذب نحوه، تابع "أصهب" بصوت حاد صلب كالسياط التي تجلدها: -إنتي قبل ما تضحكي على جوزك كنتي زانية، وإنتي هنا في مملكتي، يعني القوانين هنا قوانيني، فـ هتتعاقبي على جريمتك دي وهي المـــوت. قال كلمته الأخيرة وهو يخرج سلاحه الناري، صوبّه نحوها قبل أن يقول ببرود ثلجي: -نفسك تقولي حاجة قبل ما تموتي؟!
نظرت إلى أهل القرية نظرات سريعة الذين يتابعون ما يحدث بخوف كبير، عاودت النظر إليه وهي تهز رأسها نفيًا دون أن تدرك ثم قالت بنبرة معذبة: -ربنا ينتقم من ساهد، وأنا هستنى أن حقي يرجعلي حتى لو أنا ميتة. لن تموت وهي تبكي وتقسم له أنها لم تقترف تلك الجريمة، لذا رفعت ذقنها قليلًا وهي تغمض عينيها، هتفت بصوت لا حياة فيه: -أنا جاهزة للموت.
حدجها "أصهب" بنظرات ميتة وقد اشتدت ملامحه سوادًا، في حين ظلت واقفة "تيجان" بثبات منتظرة مصيرها الأسود، وبالفعل شعرت بتلك الرصاصة تخترق جسدها بقوة، فتهاوى جسدها على الأرضية الصلبة، تسرب إليها خدر مغرٍ فاستسلمت له بصدر رحب، لم تشعر بعدها بتلك الصرخات العنيفة والمخيفة التي ملأت المكان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!