صوته جمدها محلها، وجعلها لا تقوى على رفع نظرها الباتة.. لا تصدق انه قد عاد، فبالامس نجحت في التخفي منه.. فما جاء بهِ اليوم!؟
اختفى تنفسها وبهت لونها وهي واقفة محلها كالصنم، لم ترفع عيناها لتراه، ولم تستطع الهرب، فقط ظلت محلها.. حالها افضل من حاله بكثير، فعلى الأقل هي لم تتفاجئ بقربه منها كما حدث معه.. لم يتوقع ابدًا ان يراها مرة اخرى، ظن انها نجحت بالهرب حتى لن يجمعهما بقعة ارض واحدة مرة ثانية.. ولكن ها هي الاقدار تسوقها اليه دون عناء منه، بعد بحث دام لأربعة اشهر عنها حتى فقد الأمل وتوقف عن البحث.. يجدها امامه مرة اخرى بترتيب القدر.
-انتي عارفة دورت عليكي قد ايه؟ عارفه سالت عليكي كام حد وفي كام مكان؟ اتتها الشجاعة، فرفعت رأسها تقول بجدية عملية: _لو حضرتك جاي المطعم، مطعمي.. فاهلاً بيك، تقدر تتفضل على اي طربيذة وهنيجي ناخد من حضرتك طلبك.. انهت حديثها وذهبت من امامه عائدة لداخل المطعم، ليسمع صوت عادل يقول: _مش هتعرف تصلح الوضع بالساهل. تنهد بألم وهو يقول: _عارف.. للاسف عارف، بس كفاية اني لاقيتها.
_حاول تتعامل معاها بحذر، عشان متختفيش تاني فجأة لو حست انك محاصرها او مش ناوي تسيبها. _هحاول. قالها ولا يعلم كيف سيستطيع فعلها، فهو يتلهف شوقا للذهاب اليها والحديث معها حتى تصفح.. والنظر في عينيها حتى تلين.. وترجي قلبها حتى يرق.. فيكفيه بعدها الذي اضناه لشهور طويلة.. ولكن ما باليد حيلة، عليه أن ينتظر.. ويتمهل كي لا يضيع فرصته معها. _خدتي الاوردر؟ -ايوه، بس طلبوا انك انتي الي تعمليه، عجبهم اكلك المره الي فاتت.
_تمام هعمله. ودون حديث اخر اخذت تطهي اصناف الطعام المطلوبة حتى انتهت فقالت: _هتطلعيها انتي ولا اطلعها انا؟ _كفايه عليكي الطبخ، انا هطلعه. _براحتك. _هي فين الشيف الي عملت الاكل؟ سأل بها "معتز" بعد ان انتهت "يمنى" من وضع الطعام، تحت نظرات "عادل" التي لم تفارقها حتى شعرت بالتوتر.. _جوه، حضرتك محتاج حاجه؟ _يعني ياريت تنورنا عشان اقولها رأيي في الاكل بصراحة.
_ثواني حضرتك.قالتها وانسحبت فورًا دالفة للداخل وقد نجحت في التخلص من نظرات ذلك الرجل، فتنفست الصعداء. _عاوزينك بره. _عاوزني ليه؟ سألتها بضيق واضح، لتقول يمنى باستغراب: _انتي ليه مبتحبيش تظهري قدامهم؟ _مين قال مبحبش؟ _واضحه اوي يعني.. امبارح والنهارده اهو، وانتي بالعادة اي زبون بيكون موجود لازم تطلعي وتطمني ان كل شيء تمام. _عشان مش عاوزه احسسهم انهم مهمين لدرجة اننا كلنا واقفين لهم على رجل.
_بس هم فعلا مهمين، وهم عارفين كده مش محتاجينك تحسييهم، دول لو دخلوا اشيك مطعم في المنطقة هيقفولهم على رجل بردو، مابالك بقى بمطعمنا. _يمنى معاها حق ياليلى، ده طبيعي يعني.. اخرجي وانا كمان شوية وهخرجلهم، لازم يحسوا اننا مهتمين بيهم عشان متكونش اخر مره ييجوا، الحمد لله واضح ان امبارح عجبهم الاكل والخدمة والا مكنوش جم النهاردة.. _خلاص هطلع ، الموضوع مش مستهل كل الهري ده
_وقفت أمامهما ثابتة، ملامحها جامدة، وحديثها طبيعي، لسانها لم يتلجلج ولم يظهر على نبرتها الارتعاش، رغم كل المتناقضات التي بداخلها، رغم توترها الذي بلغ عنان السماء، ونبضاتها التي تتسارع كأنها في سباق، وتنفسها الذي يختنق.. وارتباكها الذي ظهر على قبضها على اصابع كفها الايسر براحتها اليمنى.. _اتمنى يكون الاكل عجبكم؟ ونظراتها موجهة لعادل فقط...
_تسلم ايدك تحفة، اصلاً حلاوته امبارح هي الي خلتنا نيجي هنا النهاردة. وهو الآخر كان مرتبك، ومتوتر، وظهر هذا في نبرة صوته وهو يجيبها.. _الحقيقة انا الي طلبتك. قالها "معتز" لتضغط على اسنانها بقوة محاولة تقبل صوته الذي عادت تسمعه مرة اخرى.. وقالت دون ان تنظر له: _خير حضرتك؟ _هو من الذوق انك تكلمي الزبون وانتي باصة في مكان تاني؟ يستفزها لتنظر له، وهي تحفظه وتحفظ تصرفاته عن ظهر قلب.. فلم تعطيه ما يريد وهي تقول:
_معتقدش ان مطلوب منا نقف ونبحلق في وش الزبون.. _تبحلقي؟ انا مطلبتش منك ده، بس من باب الذوق انك تبصي للي بيكلمك. _اعتبره حياء.. ايه مسمعتش عنه؟ _والحياء ده معايا انا بس! مانتي كنتي بصاله دلوقتي. شعر عادل بقرب تحول الوضع بينهما لشجار لن ينتهي فتدخل يقول: _خلاص يا جماعة صلوا على النبي.. محصلش حاجة لكل ده. قال جملته الأخيرة وهو ينظر لرفيقه بتحذير كي يكف عما يفعله فهو يزيد الوضع سوءً.
_خلاص حصل خير. قالها على مضض واضح.. لتبتسم هي باصطناع وهي تقول: _حصل خير فعلاً... بعد اذنكوا. انهت حديثها وانسحبت من امامهما غاضبة.. _زودتها انتَ، مش معقول يعني تتخانق معاها بدل ما تلطف الجو. اشاح بيده في عصبية وقال: _الطف ايه بس.. استفزتني، وانت عارف مبعرفش اتحكم في اعصابي. نظر له بجانب عيناه وهو يلومه: _ما عشان كده سبتوا بعض _عشان كده!
_ايوه لو كنت اتحكمت في اعصابك وحكمت عقلك يومها مكنتش ظلمتها ولا كان الوضع وصل للي حصل. صمت... لانه يعلم ان رفيقه على حق، لو عقل الامور يومها لما اصبحت ما عليه الان.. _يابني يلا بقى... انت واقف بالعربية ليه؟ _هو انا مقولتلكش؟ _مقولتش ايه؟ _انا مش همشي.. انا مستنيها، لازم اتكلم معاها. صرخ عادل بغيظ: _ولما هو كده يا بارد مقعدني ليه معاك؟ _تسليني يا دودو. صاح غاضبا وهو يفتح باب السيارة:
_دودو في عينك، يخربيت معرفتك الهباب، لاطعني ساعة وفي الاخر تقولي مستنيها. _خرجت من المطعم، وقاموا باغلاقه وذهب كل منهم في طريقه، واخذت هي طريقها سيرا لقرب منزلها الذي تسكنه بالإيجار. دلفت لطريق ضيق لحد ما، مظلم، لا يوجد به سوى عمود انارة واحد، وسارت حتى منتصفه، وشهقت فجأة وهي تشعر بيد وضعت على كتفها من الخلف،
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!