مرت الأيام سريعاً لتصبح شهوراً والشهور إلى سنوات وها أنا الآن في عامي الثالث والثلاثين أصبحتُ رئيس حرس الملك والجيش أيضاً ولا خبر عن والدي أبداً ظننتُ أنه توفى. بدر كما هي وصيفة الملكة (ناديرا) ، ويعقوب مساعدي الخاص وصديقي المقرب، مع بعض الاختلافات القليلة وهي أن الملك حظي بابنه الأول سمو الأمير (زايد) وأتت أخته الأميرة (عنود)
. كانت تقيم بجانب منجم ثروان كل تلك السنوات الماضية، تتصف بالطول والوقار، متسامحة ولكن ليست غافلة، تطوى الصفحات ولكن لا تمزقها، تتركها بدفتر حياتها تكملها بلا اكتراث. تصغرني بخمس سنوات.
وأصبح بيني وبين بدر قصة حب مجنونة للغاية، لقد أضافت إلى يومي الروتيني الملل الكثير من البهجة. كل يوم أجلس بانتظارها في الحديقة أمام شرفة غرفتها، تخرج بعد أن أقذف بعض الحجارة، تجلس بجواري على المقعد خاصتي نتسامر لساعات طوال. بالطبع لا تخلو من جنونها المعتاد. ولن أنسى تلك اللحظة التي صارحتني قائلة: "وليد أريد ان اخبرك بشيء مهم." أجبتها وأنا أُمسك بكوب شرابي أرتشف منه القليل: "بالطبع." قالت بسرعة: "أنا أحُبك."
سقط الكوب أرضاً، رمقتها بأعين متسعة متحمسة وهتفت: "ماذا قلتي للتو؟ قالت بخجل وحنق في آن واحد: "يا رجل لقد قلتها مرة واحدة، لا أستطيع أن أفعلها ثانيةً." "لا عليكِ." "أتريد أن اخبرك بأنك أول من اقتحم قلبي دون سابق إنذار أم أنك أول من سرق نومى وأصابني من ورائه السهاد؟ ابتسمت بشدة وأنا أناظرها تحت ضوء المصباح الزيتي: "وانا أيضاً يا مجنونة." نظرت إلىّ في خجل بادٍ، بعدها كان الصمت سيد الموقف بيننا إلى أن أردفت:
"هل تقبل ملكتي بأن أكون جوارها إلى نهاية العمر، رفيقاً لدروب الحياة؟ نظرت إلىّ في خجل ووجنتيها الحمراء بإيماءة سريعة دليلاً على موافقتها لتركض للداخل بسرعة. تمددتُ بعدها على الأرض العشبية أتأمل السماء بابتسامة. *** مر أسبوع كامل علمنا به خبر الاحتفال بالأمير الجديد زايد، إنه احتفال يُقام لكل مولود جديد بالعائلة الملكية يُرسم على ساعده الأيسر قلادة البوتو العظيم العائدة إلى الملك (راكان الأول)
حفاظاً على عهد ريديس. ريديس هو مؤسس إمارة لازورد ومنجم ثروان وراكان هو ابنه ووريث عرشه ومؤسس المملكة كاملة. علمتُ أيضاً أن الملك غيث سُيعلن عن زواج أخته الأميرة عنود، فالملك وحده من يقرر ممن تتزوج أميرات العائلة الملكية. كنتُ بغرفتي أقف أمام المرآة أهندم الزي العسكري خاصتي، دلفت حينها بدر هاتفة: "وليد، ألم تنتهى بعد؟ لقد رحل الجميع إلى الساحة حتى أنني تركتُ لونار رفقة راضيا وإقداما."
"لا بأس سنذهب سوياً من طريق العائلة لا يوجد به ازدحام." قالت بحنق: "حسناً، هيا اتبعني." ضحكتُ وتبعتها، وصلنا إلى الساحة حيث التجمعات الضخمة من الشعب وبعد فترة صعد الملك على المنصة من الجهة الخلفية على عرشه الذهبي الذي تتوسطه رسمة الطائر رمز لِبچَشان، مرتدياً تاجه الذهبي والذى يتوسطه حجر كريم صُنع بإتقان على شكل القلادة.
وبجانبه عرش الملكة ناديرا مرتدية زيها الملكي الثمين وتاجها أيضاً، وعلى الجهة الأخرى بجانبه يقبع عرش الملكة ليل. تعالى صوت الهتاف باسم الملك والعائلة الملكية ليرفع يده اليمنى تحية للشعب، صمت الجميع ثم هتف قائلاً بصوتٍ رخيم عالي:
"شعبي العزيز، تجمعنا هنا اليوم لكى نحتفل لسببين أولهما بولي عهدي الأمير زايد حيث اليوم بلغ عامه الثالث وبفضل دعواتكم له سيُرسم على يده الآن رمز العائلة الملكية قلادة البوتو العظيم. وثانيهما الإعلان عن زواج أختي الأميرة عنود." لتتعالى أصوات الهتاف مرة أخرى. صرخت بدر في حماس وهى تقف بجانبي في الصف الأول أمام المنصة: "أنا متحمسة للغاية لقد تعبتُ كثيراً مع الأمير زايد ومسرورة جداً بزواج الأميرة عنود." قلتُ باسماً:
"ولكننا لا نعلم من هو زوجها، وحده الملك الذى لديه علم." "لابد أنه من رجاله المهمين." "لا يهم عزيزتي، بعد الاحتفال سأخبر الملك على الفور بأمر زواجنا." "دائماً تخجلني هكذا يا رجل! صدح صوت الهتاف لصعود كبير الأطباء زاهر خلفه الوصيفة الخاصة بالأمير تُدعى (دارين) حاملة إياه، كان مرتدياً زي ملكي ثمين للغاية عاري الذراعين يتوسطه حزام أزرق اللون.
لتبدأ مراسم الاحتفال الملكية والطبيب يرسم الوشم بإتقان ليصمت الجميع ناظرين بابتسامة حانية إلى الأمير الصغير الذى يبكى متألماً. بعدما انتهى صعدت الأميرة عنود إلى المنصة مرتدية زي أبيض اللون وتاج فوق رأسها من الذهب المطعم ببعض الأحجار الكريمة. وقف الملك قائلاً: "والآن بعدما انتهينا من مراسم الاحتفال بالأمير، أُعلن عن زواج شقيقتي الأميرة عنود ولكن أولاً أطلب من كبير الحرس الضابط وليد بالصعود إلى المنصة؟
صمتُ بتعجب أنظر لهما وكذلك بدر التي لم تختلف حالتها كثيراً عنى. قالت بتساؤل: "لماذا يطلب منك الصعود يا وليد؟ "لا أعلم." قالت وهى تزدرد ريقها: "لا بأس لا بأس، والآن اصعد لنرى." صعدتُ بتوتر أقف بجانب الأميرة عنود وأنظر إلى الملك الماثل أمامنا. تتعالى أصوات الهتاف للمرة التي لا أعلم عددها ليرفع الملك قبضته اليمنى ويردف:
"والآن أعلن لكم زوج شقيقتي المستقبلي رئيس الحرس والجيش الضابط وليد، سيُعقد القران مع هلال الشهر القادم أي بعد أسبوعين من اليوم." دقائق من الصمت الممزوج بالصدمة لأتوجه بنظري، سريعاً إلى بدر كانت تبكى بشدة وركضت بين الزحام بأسى شديد لأعاود النظر إلى الملك الذى يبتسم لي وللأميرة الخجولة الواقفة بجانبي لأبتسم بتوتر. ****
مر يومين على هذا الحدث لم أرى به بدر أبداً اخبرتني دارين وصيفة الأمير وصديقتها أنها لم تخرج من الغرفة حتى أن لونار لم تتركها قط ومنذ ذلك اليوم وهى ملازمة للفراش. ذهبتُ إلى غرفتها وجدتها تجلس وامامها لونار تتحدثان بهدوء وعبراتها مغلقة لوجنتيها، وقفتُ أمامها قائلاً بخوف: "بدر عزيزتي لا تجعليني أقلق عليكِ هكذا." نظرت إلىّ بدموع، حاولت التحدث وكانت لونار هى الفاصلة حيث أمسكت بذراعي وقالت بتوعد:
"كيف تجرؤ على القدوم إلى هنا لا وتريد الحديث معها إذن." "لونار أرجوكِ ابتعدِ عن طريقي." ولكنها لم تبتعد وقلت لبدر: "لا تقلقي حبيبتي لن أتركه هنا سأطرده للخارج." هنا وكفى أخرجتُ خنجري ووضعته على عنقها قائلاً ببرود: "والآن ستخرجين من هنا بلا كلمة اخرى، حسناً." لم ترد لذا زعقتُ بها: "حسناً؟ هزت رأسها علامة على الإيجاب وقالت بسرعة: "حسناً حسناً." حالما تركتها ركضت إلى الخارج، توجهتُ إلى بدر وجلستُ أمامها هامساً بحنو:
"بدر عزيزتي؟ نظرت إلىّ بدموع وقالت: "لا تقل عزيزتي هذه ثانيةً، أنت الآن خطيب الأميرة عنود ستصبح من العائلة الملكية يا وليد." نظرتُ لعينيها وقلتُ بقوة: "لا انا زوجكِ أنتِ فقط، هل تسمعين، زوجكِ أنتِ." سألتني: "كيف هذا؟ ، إن عدم طاعتك لأوامر الملك بمثابة خيانة عظمى ستؤدى بنفسك للتهلكة." أجبتها: "سنهرب يا بدر صدقيني لن أستطيع ان أتزوج غيرك هل تفهمين؟ لا يهمني أبداً عقاب الملك كل ما يهمني حقاً ويعنى لي هو حياتنا سوياً."
"لن نستطيع تجاوز حدود لِبچَشان سنموت حتماً." "سنهرب ولكن بالداخل، قبل عقد القران بيوم سيكون الجميع منشغلاً بترتيبات الزفاف." قالت بخوف: "ولكن ستُرسم قلادة البوتو العظيم على ساعدك في غضون أيام لأنك ستصبح من العائلة الملكية." "لا يهم، لا مشكلة لدى إن رُسمت سأخبر يعقوب بأمر خطتنا للهرب، هو الوحيد الذى أثق به هنا حتى وإن كنتُ صديق الملك فهذا لن يشفع لي عنده أبداً." قالت وهى تمسك يدي: "حسناً وليد ولكن عليك توخي الحذر."
أردفتُ باسماً: "لا تقلقي يا عزيزتي سأغادر الآن كي لا تتوجه أنظار الشك إلينا، أخرجي إلى عملك لا تقلقي حيال الأمر وقبل يوم من عقد القران سنغادر إلى شيلا." مر الأسبوع الاول سريعاً وها أنا الآن أجلس في غرفة الطبيب زاهر يرسم الوسم الخاص بالعائلة الملكية على ساعدي وبذلك سُتمنح لي بعض الامتيازات الخاصة فقط بالعائلة دون الشعب وطبقة الأشراف حتى، تتقلص ملامحي ألماً بين الفنة والأخرى إلى أن انتهى. أردف باسماً:
"مبارك لك يا وليد، أصبحت من العائلة الملكية." "أشكرك كثيراً سيد زاهر." "ماذا حل بك؟ .. أرى أنك غير سعيد بهذا الزواج لا يا فتى هذه فرصة ذهبية عليك اغتنامها، إنها نادراً ما تأتى لشخص عادى." "بالطبع، هل انتهيت؟ قال وهو يربت على كتفي: "نعم، مُبارك مرة أخرى." لملم الأدوات من حولي بعدما وضع معجوناً لأعشاب طبية لكى يسكن الألم المصاحب للوسم. سألته متألماً: "متى سيزول هذا الألم؟ "بعد يومين، هذه الأعشاب ستخفف ألمك إلى حينها."
قلتُ وأنا أقف: "حسناً." عدتُ سريعاً إلى غرفتي مازال أمامي ستة أيام فقط على تنفيذ خطة الهرب مع بدر ويجب أن أبلغ يعقوب لكى يساعدني. بعد ثلاثة أيام لم يعد ساعدي ملتهباً وأوقفتُ معجون الأعشاب لتظهر الرسمة بوضوح شديد على ساعدي الأيسر. ذهبتُ حيث يعقوب، كان يشرف على تدريب الحراس، وقفتُ باسماً أحييهم بترحاب، توجهت إليه وقلتُ: "أريد أن أتحدث معك على انفراد في أمر هام؟ "بالطبع يا صديقي لا عليك."
ذهبنا إلى الحديقة الخلفية حيث ساحة التدريب الخاصة بالقصر. سألته: "أريد مساعدتك في أمر زواجي." "لا أفهم، أهناك خطب ما؟ "لا ولكنني لا أريد الزواج من الأميرة عنود." "ماذا؟ ، كيف ذلك تريد أن تعصي أوامر الملك." "أنا أحب بدر وصيفة الملكة ناديرا وأريد أن أهرب رفقتها إلى شيلا لكى أتزوجها هناك." "وبأي صفة ستذهب إلى إمارة العبيد يا وليد؟ "كعبد مثلهم." "وكيف ستفعل ذلك؟ رفعت ساعدي أمام عينيه وقلتُ:
"لا تقلق حيال ذلك ولكن الآن، أريدك أن تحضر لي قبل يوم من الزفاف عربة لكى تساعدنا على الهرب وتضعها أمام الباب الخلفي للقصر المخصص للخدم وتضع بها بعض الحاجيات والعملات اللازوردية وكذلك الفضية لكى أبتاع بها بعض الحاجيات وكذلك لكى أشترى بها منزلاً هناك، ما رأيك؟ أجابني بابتسامة وهو يربت على كتفي: "حسناً يا صديقي، بعد منتصف الليل سأنتظرك هناك، لكن لا تتأخر ومُبارك لك."
عانقته بسعادة عارمة وشكرته كثيراً، أخبرتُ بدر التي بدورها سُرت بشدة. قبل الزواج بليلة ذهبتُ إلى غرفة بدر وأنا أرتدى ملابس لأحد الجنود وأخفي وجهى بعبائة سوداء، خرجت كانت مرتدية ملابس لإحدى الخادمات وذهبنا في طريقنا سريعاً. وصلنا إلى الباب الخلفي وجدتُ يعقوب يقف هناك وخلفه العربة. ابتسم وقال: "توخى الحذر يا صديقي."
ابتسمتُ له شاكراً، كدنا نصعد إلى العربة لكن وجدنا الكثير من الحراس يحيطون بنا والملك أيضاً يمتطى جواده، قال آمراً: "أمسكوا بهما بتهمة الخيانة للملك، سيحاكمان غداً صباحاً قبل عقد القران." وضعتُ في سجن القصر أنا في زنزانة وبدر وُضعتْ بعيداً عنى لا أعلم أين، ننتظر غداً ليصدر الحكم والذى أعلمه بالطبع لن يكون سوى الإعدام، ذبحاً بمنتصف الساحة أمام العامة لكى نكون عبرة لمن تسول له نفسه أن يقترف إثمنا. ****
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!